الأربعاء، 11 سبتمبر 2019

العالم الرباني سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد r وعلى آله وأصحاب أجمعين.

أما بعد:

فلقد رفع الله مكانة العلماء وأعلى منزلتهم واصطفاهم ليكونوا ورقة أنبيائه كما قال r «وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظ وافر» رواه الترمذي.

وإن سير النبلاء من العلماء في الإسلام لها أثر في نفوس عامة المسلمين وفي طلبة العلم منهم, وأثر سيرتهم يسري في النفوس مما يحدو إلى اقتفاء أثر المصطفى r، لذا سار السلف على تراجم أهل العلم للنهل من علومهم، والانتفاع من سجاياهم.

وإن سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله, مفتي المملكة في زمانه من أفذاذ علماء الإسلام، منحه الله الرسوخ في العلم والعمل به، مع الحلم والتقوى والصبر، ودماثة الأخلاق وحسن التعليم والنصح للأمة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله وإفتاء المسلمين وقضاء حوائجهم، والاهتمام بطلبة العلم والحرص عليهم، وعفة اللسان من أعراض الآخرين، والورع والخشية من الله.



وإن النفوس لتتشوق للاطلاع على سيرة ذلك الإمام العظيم، الذي تخرج من تحت كنفه علماء أصبحوا أعلامًا في الأمة أمثال؛ سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله.

ولقد كان الوالد رحمه الله ملازمًا لدروس سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله أكثر من ربع قرن من الزمان من عام 1357هـ إلى وفاة سماحته عام 1389هـ ويقيد ما يسمعه من سماحته من شروحات وفوائد وتقريرات، وقد أخرج شروحات سماحته للمتون؛ كشرح متن كشف الشبهات وآداب المشي إلى الصلاة كما جمع فتاواه ورسائله في أربعة عشر مجلدًا مع الفهارس وقد ضمنها ترجمة مفصلة لسماحة الشيخ، جعلها في مقدمة فتاواه، وقد جَانَبَ في ترجمته الإفراط في ذكر سجاياه وخلاله، خشية الوقوع في محذورِ الغلوِّ في الصالحين، فكانت معتدلةً وافيةً، فيها قواعد ومناهج يستفيد منها المسلم في حياته، وحرصًا على استفادة طلبة العلم من فوائد تلك الترجمة وطريقة تعليمه الفريدة، رأيت أهمية إفرادها في كتيب منفرد لتعم الفائدة منها.

أسأل الله عز وجل أن ينفع بها، وأن يغفر للمسلمين وعلمائهم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



أفردها ابنه عبد المحسن بن محمد بن قاسم

إمام وخطيب المسجد النبوي الشريف

حياة الشيخ محمد بن إبراهيم([1])

* نسبه ومولده:

هو العلامة الجليل الشيخ محمد يبن الشيخ إبراهيم بن الشيخ عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن بن الشيخ حسن بن إمام الدعوة محي السنة مميت البدعة الشيخ (محمد بن عبد الوهاب) بن الشيخ سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن محمد بن بريد بن مشرف بن عمر بن معضاد بن ريس بن زاخر بن محمد ابن علوي بن وهيب بن قاسم بن موسى بن مسعود بن عقبة بن سنيع ابن نهشل بن شداد بن زهير بن شهاب بن ربيعة بن أبَي سود بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد بن مناة بن تميم ثم إلى نزار بن معد بن عدنان.

ولد في مدينة الرياض في (حي دخنة) في 17 من محرم عام 1311هـ، بدأ رحمه الله من صغره في ألأخذ بأسباب العلم والمعرفة؛ فتلقى القرآن الكريم وهو ما بين الثامنة والعاشرة من عمره نظرًا، على معلمه عبد الرحمن بن مفيريج.

وفي السادسة عشرة من عمره أصيب بالرمد في عينيه، فكُفَّ بصره, وكانت مدة مرضه سنة. وعلى اثر ذلك حفظ القرآن على عبد الرحمن بن مفيريج عن ظهر قلب، وقد درس فن التجويد فيما بعد.

ثم أخذ في طلب العلم بمختلف فنونه؛ فأخذ علم «الفرائض» عن والده الشيخ إبراهيم رحمه الله،       ثم عن الشيخ عبد الله بن راشد، ومما قرأ عليه في ذلك ألفية الفرائض.

وتلقى علم (العقائد) عن عمه الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف رحمهما الله تعالى، ومنها في العقائد: كتاب التوحيد، وأصول الإيمان، وفضائل الإسلام للشيخ محمد بن عبد الوهاب، والدلائل (حكم موالاة أهل الشرك) للشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والعقيدة الواسطية والعقيدة الحموية وكلاهما لشيخ الإسلام ابن تيمية.

وأخذ «الفقه» عن الشيخ حمد بن فارس أولاً، ثم عن الشيخين سعد بن حمد بن عتيق، ومحمد بن محمود المتوفَّى عام 1333هـ ومن كتبه (زاد المستقنع).

وأخذ علم «العربية» عن الشيخ حمد بن فارس المذكور آنفًا، ومما قرأ عليه في هذا الفن الآجرومية، والملحة، والقطر، واللفية.

وفي «الحديث وعلومه» قرأ بلوغ المرام وثلث المنتقى على عمه الشيخ عبد الله، ثم أعاد بلوغ المرام على الشيخ سعد بن عتيق، وعليه قرأ أيضًا ألفية العراقي في مصطلح الحديث.

هذا ومن المستفيض أن الشيخ رحمه الله كان كثير الدأب على المطالعة في مختلف الكتب وتدريسها، فكان هذا مصدرًا ثانيًا غنيًا لتنمية حصيلته العلمية وتوسيع أفقه، أعانه على ذلك ما عرف عنه من حدة الذكاء ورجاحة العقل.

* اشتغاله بالتدريس:

لمس فيه مشايخه الألمعية النادرة المبكرة والنجابة الظاهرة، فأدركوا أنه الخليفة لهم الذي يمكن أن يُطمأَن إليه في مجالس العلم، فأوصى عمه الشيخ عبد الله، الملك عبد العزيز رحمه الله بابن أخيه خيرًا وذكر له ما يتمتع به من المزايا الفذة التي لا تكاد تتوافر إلا في قليل من الرجال الذين وهبهم الله ذكاء وفطنة وجلدًا وإخلاصًا.

وحين توفي الشيخ عبد الله عام 1339هـ أخذ ابن أخيه مجلسه, فبدأ التدريس إلى جانب مشايخه الذين ما زالوا على قيد الحياة, ولما توفي شيخه سعد بن حمد بن عتيق عام 1349هـ وتوفي قبله الشيخ حمد بن فارس عام 1345هـ , توسع في مجالس التدريس واستقل بأكثرها، إلى جانب أعمامه رحمهم الله, وغيرهم من أفاضل العلماء الذين كانوا يقومون بالتدريس على فترات متعاقبة في بعض العلوم.

ولكن ينبغي أن نؤكد أن الشيخ محمد رحمه الله له النصيب الأوفر في كثرة المجالس وكثرة القاصدين له من طلبة العلم وغزارة العلم وعموم النفع؛ فقد كان يعمر أكثر نهاره بالتدريس, حيث كان يجلس ثلاث جلسات منتظمة: فالأولى بعد صلاة الفجر إلى شروق الشمس، والثانية بعد ارتفاع الشمس مدة تتراوح ما بين ساعتين وأربع ساعات، والثالثة بعد صلاة العصر، وهناك جلسة رابعة ولكنها ليست مستمرة وهي بعد صلاة الظهر.

وكل هذه الجلسات كانت تتم في جامع الشيخ عبد الله ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب المعروف الآن في (حي دخنة شمال الميدان) ما عدا جلسة الضحى، فقد كانت في أول الأمر في هذا الجامع ثم نقلها إلى بيته.

وكان رحمه الله ينقطع بعد المغرب لمطالعة دروس الغد في الكتب التي كانت تدرس بعد الفجر، ومنها (الروض المربع)، و (سبل السلام)، و (شرح ابن عقيل) على ألفية ابن مالك، وما يعين عليها من المراجع.

وفيما يلي عرض للكتب التي كان رحمه الله يقوم بتدريسها:

1- بعد صلاة الفجر ألفية ابن مالك مع شرح ابن عقيل، وزاد المستقنع مع شرحه الروض المربع، وبلوغ المرام، والآجرومية، والملحة، وقطر الندى، وعمدة الأحكام، وأصول الأحكام، والحموية، والتدمرية، ونخبة الفكر.

الثلاثة الأُوَل مستمرة وكان يقوم بتدريسها على ترتيبها المذكور أما باقي الكتب فبالتعاقب على فترتا مختلفة طيلة أيام تدريسه.

2- بعد شروق الشمس يدرس في العقائد كتاب التوحيد، كشف الشبهات، ثلاثة الأصول، العقيدة الواسطية باستمرار، مسائل التوحيد، مسائل الجاهلية، لمعة الاعتقاد، أصول الإيمان على فترات، وفي الحديث: الأربعين النووية، عمدة الأحكام باستمرار، وفي الفقه آداب المشي إلى الصلاة، وقد يدرس غيرها لكنه نادر.

وبعد الانتهاء من هذه المختصرات تقرأ المطولات ومنها: فتح المجيد شرح الطحاوية، شرح الأربعين النووية، صحيح البخاري، صحيح مسلم، السنن الربع، مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن كثير بدون استثناء، وكل ما جد من كتب السلف والمحققين من العلماء، ولكنها على فترات يتراوح ما يقرأ منها في اليوم ما بين خمسة وعشرة غالبًا.

3- بعد صلاة الظهر ويدرس فيه: زاد المستنقع بشرحه الروض المربع، بلوغ المرام.

4- بعد صلاة العصر ويدرس فيه كتاب التوحيد وشرحه، وقد يقرأ في مسند الإمام أحمد، أو مسند بن أبي شيبة، والجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، أو محوها.

وقد استمر يزوال التدريس بنشاط لا يفتر وهمة لا تكل إحدى وأربعين عامًا من عام 1339هـ إلى 1380هـ.

* طريقته في التدريس:

كان رحمه الله يعطي مجالس العلم حقها من الاحترام والتقدير، ويحرص على إيصال الفائدة إلى قرارة قلوب الطلاب، معنيًا بتثبيتها، حتى إنه ليكاد يغني بشرحه عن المطالعة.

وكان رحمه الله إذا هم بالجلوس للتدريس توضأ إن لم يكن على وضوء بعد صلاة، واستقبل القبلة إذا كانت الجلسة في المسجد، ويبدأ شرحه باسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه, ويمكن تلخيص السمات الظاهرة لطريقته في التدريس في النقاط التالية:

1- يطلب من بعض الطلاب أن يبدأ بالبسملة والصلاة والسلام على رسول الله والترحم على المؤلف، ثم يتلو حفظًا موضوع الدرس إذا كان الكتاب متنًا, ويحرص جدًا على أن يحفظ جميع الطلاب المنتظمين المتون ولا يرضى بنصف حفظ، ولا ينتقل الطالب من متن إلى متن أطول منه إلا بعد حفظ الأول وفهمه، ولذا كان الطالب المجد منهم يتخرج في سبع سنوات.

2- قبل أن يبدأ بالشرح يقرأ هو ما قرأ الطلاب.

3- يشرع في شرح عبارات المتن بدقة ووضوح.

4- يعرض بعض المسائل ويتكلم عليها.

5- إذا عرض لمسألة خلاف ذكر رأي المؤلف أولاً وأدلته، ثم ذكر رأي المخالفين كلاًّ على حدة، مع دليله.

وكان في ذلك كله يحترم كل ذي رأي من العلماء ولا يذكره بما يسوء، وكان يرجح ما يراه معتمدًا في ذلك على الدليل وأقوال المحققين, ولم يكن يعرض من الخلاف إلا ما كان ذا جدوى.

وقد يصحح أحد القولين بدون سرد الأدلة لقصر الوقت أو نظرًا لحال الطالب.

6- كان يلتزم بالموضوع ولا يستطرد إلى مسائل خارجة عنه.

7- كان إذا فرغ من الدرس تلقى أسئلة الطلاب وأجاب، وقد يثير هو بعض الإشكالات ليقدح أذهان الطلاب.



8- يختبر الطلاب فيما شرح لهم في بعض الأحيان بإلقاء الأسئلة عليهم، ويعربون متن ألألفية وشواهدها.

9- فيما يتعلق بالعقائد لم يكن يحرص على ذكر آراء أهل البدع والإشراك، فإذا وجد ضرورة لذلك، أو كان المؤلف ذكرها فإنه يتكلم عنها بتوسع، ويشتد في الرد عليهم دون إفراط.

10- وبالنسبة لقراءة المطولات، لم يكن يشرحها عبارة عبارة، وإنما كان يقف عند المهم منها، أو ما يسأل عنه أحد الحاضرين.

11- يلزم اللغة العربية في جميع مجالسة العامة.

12- يلتزم الهدوء أثناء شرحه للمتون، أو تعليقه على المطولات؛ فلا تراه يلتفت أو يشير بيد أو يعبث بشيء.

13- لم يكن يسمح بإثارة الأسئلة التافهة، أو الدخول في مناقشات عقيمة.

* أخلاقه:

لم يصل رحمه الله على ما وصل إليه من مكانة في قلوب الناس بمجرد المصادفة، ولكنْ مردُّ ذلك إلى توفيق الله عز وجل أولاً، ثم إلى ما كان يتحلى به من أخلاق فذَّةٍ التزم بها، وحافظ عليها طوال أيامه.

ولا بأس من الإشارة إلى بعض ما نعرفه عنه من الأخلاق الحميدة فمن ذلك:

1- الحافظة النادرة التي كانت أقوى سبب في تحصيل ثروة علمية واسعة بنيت على محفوظاته التي علقت بذاكرته أثناء تعلمه ومطالعاته أثناء تدريسه، فكانت الأساس القوي لمقدرته على استنباط الأحكام، ومعرفة الأدلة التي تبنى عليها, وقد مرَّ بنا أنه حفظ بلوغ المرام وزاد المستنقع وغيرهما مما مرَّ ذكره في فَصْلَيْ «شيوخه واشتغاله بالتدريس».

ونزيد هنا أنه كان يحفظ كثيرًا من القصائد المطولة، وكان يصف وهو في أُخريات أيامه مشاهداته قبل أن يكف بصره وأنت على علم أنه فقد بصره في السادسة عشرة من عمره، وكان يحفز المتن للقراءة الثالثة وربما الثانية، وكانت المعاملة الطويلة التي تبلغ ثلائمائة صفحة تقرأ عليه ثم يملي ما يرى مستحضرًا كل ما مر فيها من الجزئيات، ولم يكن غريبًا منه أن يدل القارئين على مواضع الأبحاث في كتبها، ذاكرًا رقم الصفحة أحيانًا، ومثل ذلك لا يكون إلا لمن آتاه الله ذاكرة واعية.

2- وقد رزق من الذكاء ما مكنه من إدراك محفوظاته العلمية عن فهم وبصيره، وكان يدرك حقيقة ما يعرض عليه من المشكلات؛ فيكشف ما وراءها من الدوافع ببصيرته الفذة، ولم يكن ينطل عليه كيد أو احتيال, وحياته كلها أمثلة من هذا النوع لسنا في حاجة إلى الدخول في ضرب الأمثال لها؛ فأكثر العارفين به يدركون ذلك.

ولكن الذي لا يعرفه كثير من الناس أنه رحمه الله كان يدرك تقدير الوقت بالساعة، لا يكاد يخطئ الحقيقة في بضع دقائق، مع العلم بأنه لم يستعمل الساعة في حياته.

3- وكان يطيل التأمل والتعمق ويبعد النظر فيما يعرض عليه من القضايا التي تَجدُّ تباعًا، ولم يكن يتعجل الأمر حتى يمعن في الدرس والتأمل والنظر في عواقب الأمور، فكان يصل بعد ذلك إلى الاستنتاج الدقيق الذي لا يكاد يختلف ولا يخالفه فيه ذو إنصاف، والأمثلة في هذا المقام كثيرة لكن أسوق منها مثالين:

أحدهما: أنه سئل عن افتتاح حمام فني([2]) فكتب ما نصه:

(لا أرى فتح مثل هذا الحمام في هذا البلد، لأن الضرر سيكون أكبر من النفع، ومثل هذه الأشياء تكون عادة وسيلة لفساد لم يخطر على بالٍ الذي أسسها، ومعها حرصت الآن على مراعاة الآداب الشرعية والأخلاقية، فإنك لن تستطيع ذلك في المستقبل بعد فتح هذا الباب).

ثانيهما: أنه سئل عن إنشاء صندوق لسائقي السيارات فقال في الجواب ما نصه:

(إن اقتراح الذين اقترحوا جعل الصندوق مشروعًا خيريًا، يحتاج إلى تقييد، لأنه وإن كان طرق الخير مفتوحة أمام الراغبين، إلا أنه ينبغي معرفة ما وراء ذلك، لئلا تكون وسيلة إلى استباحة أشياء لا تجوز تحت اسم الشيء المسموح).

4- ومن أخلاقه البارزة: الإخلاص في العمل، فلم يكن يومًا طالب شهرة، ولا باحثًا عن سمعة، بل كان عمله كله لله يبتغى ما عنده، يجتهد في تحري الحق، ويجتهد في الدفاع عن الحق، لا يأخذه في ذلك ضعف، ولا يعتريه طمع، ولم يعرف عنه أنه تحدث عن أعماله على جلالتها وكثرتها.

5- طهارة قلبه، فكان لا يحمل ضغينة على من أساء إليه، ولا ينتقم من أحد ناله بأذى، بل كان ديدنه الصفح والتجاوز، بل المحافظة عليهم، والدفاع عنهم أن ينالهم أحد بما يعرف أنه باطل.

6- وكان رحمه الله على حظ وافر من الشجاعة وقوة الشكيمة، لا يخاف في الله لومة لائم، ولا يتردد في إعلان الحق أيَّا كان المخاطب به، ودافعه في ذلك مخافة الله وحرصه على أن يخلص ذمته مما علق بها، فمكانته ومسؤوليته تحتم عليه نبذ التخاذل، وكان يكره المتملقين، وله في ذلك مواقف حفظها التاريخ.

7- ومن السمات البارزة التي كانت تميزه ما آتاه الله من هيبة في نفوس الناس، وهو أمر لا يرجع إلى مخافة منه، ولكن إلى محبته وإجلاله ومعرفتهم عنه صرامته في الحق، يحسب مُحَدِّثُه الحساب الدقيق، حتى لا يزٍلَّ في كلمة أو يخطيء في فكرةٍ، ومع ذلك فقد كان أنيسًا عند مخالطته، ألوفًا لمعاشريه، لا يتصف بشيء من الغلظة، أو الغضاضة، وكان يحسن الفرق بين مجالس الجد والعمل، ومجالس الراحة حيث يكون في سفر أو نزهة.

8- وكان يتنزه عن الغيبة والحديث عن الآخرين بما يكرهون، وعرف بذلك منذ حداثة سنة حتى فارق الدنيا، ولم يكن يسمح لأحد أن يتحدث في مجالسه بمثالب الآخرين، أو تنقصهم، بل كان يقف دون ذلك ويزجر من حاوله.

9- ومما لا يعرفه الكثيرون عنه، ما يتصف به رحمه الله من العفة والتورع عن أخذ ما ليس له، أو ما يرى فيه شبهة، فكان حريصًا على أن لا يدخل نفسه في مداخل مشتبهة، ولم يعرف أنه اشتغل بالبيع أو الشراء، لا بالاستقلال ولا بالمشاركة، بل كان مقتصرًا على ما يتقاضاه مقابل عمله، بل إنه كان يشغل عدة أعمال كما هو معروف، لا يتقاضى إلا ما كان يأخذه قبل إحداث هذه الأعمال، ولم يكن يأخذ انتدابًا مقابل انتقاله إلى مدينة الطائف صيفًا، ولم أعرف عنه أنه طلب من المسئولين شيئًا يخصه.

10- ومما لا ينكر من أخلاقه الظاهرة للعيان، كراهيته الشديدة للمديح والثناء عليه، فما كان يرضى من أحد أن يثني عليه، أو يبالغ في مدحه، سواء كان ذلك مشافهة أو كتابة.

ومن الأمثلة التي تذكر في هذا المقام: ما كتب به إلى أحد الناس ونصه: «ملحوظة: كثيرًا ما تكتب في خطاباتك ألقابًا لا يسوغ ذكرها؛ كقولك شيخ الإسلام ومفتى الأنام، وهذا شيءٌ لا نرضاه».

وكتب في مناسبة أخرى ما نصه: «وما ذكرتم في خطابكم من الثناء، نود ألا نسمعه, فنحن نستغفر الله ونتوب إليه من تقصيرنا وضعفنا، نسأله تعالى أن يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه».

وكتب لآخر ما نصه: «نفيدكم أنه جاء في خطابكم بعض العبارات، مثل قولكم: عالم الوجود، تلك العبارة التي لا يصدر مثلها إلا عن جاهل».

11- وكان رحمه الله معروفًا بالبذل والسخاء في الحدود التي لا تصل إلى المبالغة المكروهة شرعًا، والمؤدية إلى الإسراف، وإضاعة الوقت، وبالأخص ما يتعلق بإكرام العلماء والقضاء وطلاب العلم وذوي رحمه, وكان لا يترك مناسبة مهمة إلا أقام لها الوليمة الكبيرة ودعاهم.

12- خشيته لله: كان رحمه الله من أكثر الناس استحضارًا لعظمة الله، كثيرًا ما تسمعه يلهج بذكر الله والاستغفار، وتغرورق عيناه بالدموع حينما يكون في موقف مناجاة الله، أو يسمع بعض ما يحرك القلوب، ولقد كان ذلك يتجلى كثيرًا فيما يحييه من الليل بالصلاة التي كان يواظب عليها في إقامته وسفره، وقد لا يعرف هذا كثير من الناس الذين لا يتصلوا به، وقد صحبته زمنًا طويلاً وهو يقوم ما يقرب من ساعة ونصف آخر الليل، لا يترك ذلك.

ولا غرو, فقد كان رحمه الله يتحرى في جميع تصرفاته وأخلاقه الظاهرة والباطنة التأسي بالنبي r، وصحابته، وسلف هذه الأمة رضوان الله عليهم.

* الأعمال التي قام بها:

عرفنا في مناسبات كثيرة مما مضى في هذه الترجمة أنه رحمه الله باشر العمل منذ وفاة عمه عبد الله رحمه الله، وقد كان العمل الرئيسي الذي شمل أكثر أيام حياته هو (التدريس) وقد تحدثنا عنه في فصل خاصٍ لما له من الأهمية.



على أنه صاحَبَ التدريس مهمةٌ أخرى بدأت دون تنظيم رسمي وهي (الفتوى) فقد كان يشارك فيها حتى توفى الشيخ سعد بن عتيق، ثم استقبل بها حتى تحولت بآخرة إلى عمل منظم في دار الإفتاء، حيث أنشئت في عام 1374هـ.

وظل رحمه الله يقوم بالفتوى من خلال هذه الدار، حتى وافته المنية، إلى جانب ما كان يكتبه في هذا الميدان في بيته، من فتاوى، وردود على بعض الكاتبين في قضايا يرى بثاقب بصيرته أن السكوت عليها مسؤولية أمام إلى جانب هذين الأمرين، هناك أمر ثالث لا يقل خطرًا عنهما وهو (القضاء) فقد كان رحمه الله يقوم بتمييز الأحكام التي تحتاج إلى نظره، وينظر فيما أحيل إليه من القضايا بأمر من ولاة الأمور.

ولما حول القضاء نظرًا لاتساعه إلى رئاسة، أسندت إليه رئاسته في المنطقتين الوسطى والشرقية في عام 1376هـ، ثم ضمت إليه المنطقة الغربية بعد وفاة الشيخ عبد الله بن حسن رحمه الله في عام 1378هـ، وقد نصت المادة الحادية عشرة من نظام هيئة التمييز أن له رحمه الله حق النظر والبت فيما يختلف فيه القاضي وهيئة التمييز.

وإلى جانب ذلك كله ورغم ما كان يحمله من أعباء فقد تولى (رئاسة المعاهد العلمية والكليات) منذ إنشائها عام 1370هـ, ووُكل إليه الإشراف على (مدارس البنات) منذ افتتاحها في عام 1379هـ.

وكلف برئاسة (الجامعة الإسلامية) في المدينة المنورة عام 1381هـ. وتولى رئاسة (مجلس القضاء) الذي شكل في عام 1388هـ وعقد في حياته مرتين, وولي رئاسة (رابطة العالم الإسلامي) منذ إنشائها في عام 1379هـ وإمامة جامع حي الدخنة وخطابة المسجد الكبير المعروف الآن (في ساحة العدل الرياض).

وشكل هيئة تضم كبار العلماء لتكون مرجعًا لبحث ما يحصل من المشاكل العلمية العويصة، وتقرير ما يلزم حيالها، وللمذاكرة فيما بينهم، والتصدي لنشر الدعوة الإسلامية والذود عنها، ومحاربة التيارات الجارفة والمبادئ الهدامة.

وبعبارة عامة: فقد كان له رحمه الله الإشراف التام على جميع الشؤون الإسلامية داخل المملكة وخارجها مما يتصل بالمملكة العربية السعودية وتعنى بتوجيهه.

ومثل هذا لا يقوم به العالم العادي، ولكن من آتاه الله القوة والجلد، وإن ذلك ليدل على ثقة الناس، وبخاصة أولياء الأمور في حصافة عقله، وسعة علمه، ومقدرته الفذة، وحاجتهم إليه في كل ما يعرض لهم من المشكلات.

* تلاميذه:

لا أظن أن من يعرفه رحمه الله يخفى عليه أمر الذين أخذوا عنه العلم واستفادوا منه الفائدة الكبرى, ولا أظن ذلك يخفى على من عرف المدة الطويلة التي قضاها يشتغل بالتدريس، فقد مر به أفواج بعد أفواج، ينهلون من علمه، ويستنيرون بثاقب نظره، وقد انتشروا في أنحاء المملكة العربية السعودية بين عالم وقاض ومدرس وواعظ وخطيب مسجد ومتفرغ من الأعمال، ولا أظن أن الحصر قادر على أن يأتي على جميع أسمائهم لذلك فإني أكتفي بعرض أسماء طائفة منهم وهم:

- الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد

رئيس المجلس الأعلى للقضاء حاليًا

- الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز

رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد

- الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم

صاحب المؤلفات المشهورة

- الشيخ عبد العزيز بن ناصر بن رشيد

رئيس محكمة هيئة التمييز حاليًا

- الشيخ سعود بن رشود

قاضي الرياض سابقًا

- الشيخ صالح بن غصون

عضو هيئة التمييز حاليًا

- الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم

شقيق المترجم الفرضي المشهور

- الشيخ عبد الملك بن إبراهيم

شقيق رئيس هيئات الأمر بالمعروف في المنطقة الغربية سابقًا

- الشيخ عبد العزيز بن الشيخ محمد

نجل سماحته رئيس هيئات الأمر بالمعروف حاليًا

- الشيخ إبراهيم بن الشيخ محمد

نجل سماحته وزير العدل حاليًا

- الشيخ عبد الرحمن بن فارس

قاض بمحكمة الرياض حاليًا

- الشيخ محمد بن مهيزع

قاض بمحكمة الرياض سابقًا

- الشيخ عبد الرحمن بن هويمل

قاض بمحكمة الرياض سابقًا

- الشيخ عبد العزيز بن زاحم

قاض بمحكمة الرياض

- الشيخ عبد الرحمن بن سحمان

قاض بمحكمة الدلم

- الشيخ عبد العزيز بن صالح بن مرشد



- الأمير محمد بن عبد العزيز بن سعود آل سعود



- الشيخ عبد الله بن عقيل

عضو المجلس الأعلى للقضاء

- الشيخ عبد الله بن غديان

عضو الهيئة الدائمة للإفتاء

- الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين

مدرس بكلية الشريعة

- الشيخ فهد بن حمين

مدرسة بكلية أصول الدين

- الشيخ حمود بن عقلاء

مدرس بكلية الشريعة

- الشيخ عبد الرحمن بن فريان



- الشيخ زيد بن عبد العزيز بن فياض



* آثاره:

لم تكن في حياته رحمه الله فرصة يتفرغ فيها للتأليف، فقد كان انشغاله بما علمت من الأعمال التي وصفناها قبل لا تدع فرصة للراحة؛ إذ كان عمله يستمر أحيانًا إلى الساعة الخامسة ليلاً (بالتوقيت الغروبي)، فضلاً عن أن تدع له فرصة يفرغ فيها ذهنه، ويرجع إلى المراجع فيكتب وينشر، كما نراه لكثير من أهل العصر، ولأنه رحمه الله لم يكن بالشخص الذي يكتب كل ما عَنَّ له بل كان كما وصفناه، طويل التأمل، شديد المحاسبة لنفسه، ومسئوليته تحتم عليه أن لا يكتب إلا بعد تحر طويل؛ لأن كلمة منه تعد حجة يتعلق بها العامة والخاصة، ومع ذلك فإن حياته لم تخل من كثير من الرسائل والفتاوى التي كتبها في مناسبات مختلفة.

على أن أَجلَّ أثر من آثاره هذا الأثر الكبير الذي نقدمه هذا اليوم، والمتمثل في فتاواه التي بلغت (عشرة أجزاء)([3]) لو لم يكن له أثر سواها لكفى به فخرًا لم يصل إليه غيره من أهل عصره, ومما ينبغي التنويه عنه من آثاره أنه اختار ألف حديث في أبواب مختلفة.



* مرضه الأخير ووفاته:

في عام 1389هـ نزل به رحمه الله مرض سافر من أجله إلى لندن للعلاج، فأقام بها أيامًا، ثم عاد دون أن يُكتب له الشفاء، فلزم البيت وأخذ المرض يشتد يومًا بعد يوم، ولم يثمر ما بذل له من عناية طبية حتى دخل في غيبوبه تامة انتهت به إلى الوفاة في 14/9/1389هـ.

وكان طيلة مرضه يكثر من ذكر الله والاستغفار حتى أخذته الغيبوبة, وقد صُلِّيَ عليه في المسجد الجامع الكبير مع صلاة الظهر، وأَمَّ الناس فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز وحضر الصلاة جمع جم ضاق بهم المسجد على سعته، وصلى كثير منهم خارج المسجد، وانسدت الطرق بالسيارات والمشاة، ولم يكن بين وفاته والصلاة عليه إلا ساعتان، وتبعه المصلون إلى مقبرة العود حيث ووري هناك.

تغمد الله شيخنا برحمته، وسدد خطا خلفائه، ونفع بعلومه، وجعل عملنا خالصًا لوجهه، إنه سميع قريب مجيب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

زياد علي

زياد علي محمد