الجمعة، 13 سبتمبر 2019

مواقف أم سليم الأنصارية مفخرة لكل مسلم ومسلمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، خلق الإنسان من علق، وعلمه ما لم يكن يعلم وفضله على كثير ممن خلق، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب الأرض والسماء، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله سيد الأولين والآخرين بعثه ربه بالحق بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد:

فإن الذي دعاني إلى الكتابة في هذا الموضوع أنه من خلال مطالعتي لكتب السنة النبوية بمصادرها المتنوعة كانت تمر علي مواقف عظيمة لهذه المرأة المسلمة الصحابية الجليلة، فاستوقفني ذلك فرأيت أن أجمع تلك المواقف في مؤلف واحد عسى أن يكون حافزًا قويا لكل المسلمات نحو الاقتداء بهؤلاء الصحابيات الفضليات.

لا سيما ونحن في عصر ضاعت فيه القيم وتبدلت فيه المفاهيم وصار التقليد الأعمى في أوساط الشباب من الذكور والإناث في كثير من البلدان الإسلامية السمة الغالبة تقليدًا للغرب وخاصة فيما يتعلق بالنساء، وما نراه اليوم من التفسخ والتبرج في هذا العالم جزءٌ من هذا التقليد الأعمى، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل تعداه إلى تبجيل النساء الفاجرات من ممثلات ومغنيات وعارضات أزياء وغيرهن ممن كن على شاكلتهن بل وتسمية بعضهن بالنجوم اعتزازًا وافتخارًا بهن مما يدل على أن الأمة تمر بمرحلة خطيرة من الانحطاط.

فكان لزامًا على أهل العلم مقاومة هذا الانحطاط والبحث عن علاج له ومن ذلك فيما أرى إبراز الجوانب المضيئة من سير الصالحات وعلى رأسهن الصحابيات اللاتي شاركن منذ البعثة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في تثبيت دعائم هذا الدين ونشره وقد عرفن بسرعة الامتثال لأوامر الشرع وحسن الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقد التزمت في هذه الرسالة منهجًا معالمهُ أنني لا أورد لك من الأحاديث إلا ما صح، وغالبها في الصحيحين أو في أحدهما خلافًا لمعهود في توسع كثير من المؤلفين في باب المناقب من ذكر الأحاديث الضعيفة اعتقادًا مني أن ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم  من الأحاديث فيه غنية عما لم يثبت.

كما أنني لا أطيل التعليق على هذه المواقف بل أكتفي بان أقدم بين يدي الموضوع بتمهيد يبين للقارئ فحوى الموقف ليكون على علم بالمقصود قبل الدخول في التفاصيل، ثم بعد الانتهاء من ذكر كل موقف أعلق عليه بما يكشف عن حقيقته مشيرًا على ما فيه من المحاسن والمناقب مما يُلفت النظر بعبارات وجيزة وهذا أوان الشروع في المقصود فأقول وبالله تعالى التوفيق وعليه التكلان.

قصة عمر بن الخطاب مع ابى الدرداء

حينما كان أبو الدرداء في الشام قدم سيدنا عمر متفقداً أحواله، فزار صاحبه أبا الدرداء في منزله ليلاً، فدفع الباب فإذا هو بغير غلق، فدخل في بيت مظلم لا ضوء فيه، فلما سمع أبو الدرداء صوته قام إليه ورحّب به وأجلسه، وأخذ الرجلان يتناوبان الأحاديث، والظلام يحجب كلاً منهما عن صاحبه .
قال له عمر:
((رحمك الله، ألم أوسِّعْ عليك؟ ألم أبعث إليك؟ قال له أبو الدرداء: أتذكر يا عمر, حديثاً حدثنا به النبي صلى الله عليه وسلم .
قال: وما هو؟.
قال: ألم يقل:
((ليكن بلاغ أحدكم من الدنيا كزاد الراكب))
قال: بلى .
قال: فماذا فعلنا بعده يا عمر؟ فبكى عمر، وبكى أبو الدرداء))
إليكم لحظته الأخيرة من الحياة :
ظل أبو الدرداء في دمشق يعظ أهلها، ويعلمهم الكتاب والحكمة، حتى أتاه اليقين، فلما مرِض مرَض الموت، دخل عليه أصحابه: فقالوا:
((ما تشتكي؟ .
قال: ذنوبي .
قالوا: ما تشتهي؟ .
قال: عفو ربي, ثم قال لمَن حوله: لقِّنوني لا إله إلا الله محمد رسول الله, فما زال يرددها حتى فارق الحياة))
ما هي الرؤيا التي رآها عوف بن مالك الأشجعي ؟
فلما لحق أبو الدرداء بجوار ربه، رأى عوفُ بن مالك الأشجعي فيما يراه النائمُ مرجاً أخضر فسيحَ الأرجاء، وارفَ الأَفْياء، فيه قبة عظيمة من أدم, حولها غنم رابضة لم تر العين مثلها قط, قال:
((لمن هذا؟ قيل: هذا لعبد الرحمن بن عوف، فطلع عليه عبد الرحمن بن عوف, وقال له: يا ابن مالك، هذا ما أعطانا الله عز وجل بالقرآن، ولو أشرفت على هذه الثنية لرأيت ما لم تر عينك, وسمعت ما لم تسمع أذنك, ووجدت ما لم يخطر على قلبك، قال ابن مالك: ولمَن ذلك كله يا أبا محمد؟ قال: أعده الله عز وجل لأبي الدرداء، لأنه كان يدفع عنه الدنيا بالراحتين والصدر)) فأين نحن من هؤلاء ياأمة الحبيب محمد عليه افضل الصلاة والسلام انظروا فى حالنا كم انفتحت الدنيا علينا وكم تغير حال المسلمين فاتقوا الله فيوم لقائه قريب .

قصص الأنبياء == ذِكْرُ حَدِيثٍ آخَرَ بِمَعْنَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ 1

ذِكْرُ حَدِيثٍ آخَرَ بِمَعْنَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يحيى بن إِسْحَق، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ دَرَّاجٍ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ
قَالَ: " إِنَّ مُوسَى قَالَ: أَيْ رَبِّ عَبْدُكَ الْمُؤْمِنُ مُقَتَّرٌ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا! قَالَ: فَفُتِحَ لَهُ بَابٌ مِنَ الْجَنَّةِ فَنَظَرَ إِلَيْهَا، قَالَ: يَا مُوسَى هَذَا مَا أَعْدَدْتُ لَهُ.
فَقَالَ مُوسَى: يَا رب وَعزَّتك وجلالك لَو كَانَ مقطع الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ يُسْحَبُ عَلَى وَجْهِهِ مُنْذُ يَوْمَ خَلَقْتَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَكَانَ هَذَا مَصِيرَهُ لَمْ يَرَ بُؤْسًا قَطُّ.
[قَالَ (3) ] ثُمَّ قَالَ: أَيْ رَبِّ عَبْدُكَ الْكَافِرُ مُوَسَّعٌ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا، قَالَ: فَفتح لَهُ
__________
(1) ا: يصبب.
(2) ا: كَمَا سَنذكرُهُ.
(3) لَيست فِي ا.
(4) ا.
وَله الْمِنَّة.
(*)

بَاب إِلَى النَّار فَقَالَ (1) : يَا مُوسَى هَذَا مَا أَعْدَدْتُ لَهُ.
فَقَالَ [مُوسَى (2) ] أَيْ رَبِّ وَعِزَّتِكَ وَجَلَالِكَ لَوْ كَانَتْ لَهُ الدُّنْيَا مُنْذُ يَوْمَ خَلَقْتَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَكَانَ هَذَا مَصِيرَهُ لَمْ يَرَ خَيْرًا قَطُّ ".
تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَفِي صِحَّتِهِ نَظَرٌ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: " ذِكْرُ سُؤَالِ كَلِيمِ اللَّهِ رَبَّهُ جَلَّ وَعَلَا أَنْ يُعَلِّمَهُ شَيْئًا يَذْكُرُهُ بِهِ ": حَدَّثَنَا ابْنُ سَلمَة، حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ إِنَّ دَرَّاجًا حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " قَالَ مُوسَى: يَا رَبِّ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَذْكُرُكَ بِهِ وَأَدْعُوكَ بِهِ.
قَالَ: قُلْ يَا مُوسَى: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
قَالَ: يَا رَبِّ كُلُّ عِبَادِكَ يَقُولُ هَذَا.
قَالَ: قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
قَالَ: إِنَّمَا أُرِيدُ شَيْئًا تَخُصُّنِي بِهِ.
قَالَ: يَا مُوسَى لَوْ أَنَّ أهل السَّمَوَات السَّبْعِ وَالْأَرْضِينَ [السَّبْعِ (3) ] فِي كِفَّةٍ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فِي كِفَّةٍ مَالَتْ بِهِمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " وَيَشْهَدُ لِهَذَا الْحَدِيثِ حَدِيثُ البطاقة، وَأقرب شئ إِلَى مَعْنَاهُ الْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ فِي السُّنَنِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " أَفْضَلُ الدُّعَاءِ
دُعَاءُ عَرَفَةَ.
وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كل شئ قَدِيرٌ ".
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عِنْدَ تَفْسِيرِ آيَة الْكُرْسِيّ: حَدثنَا أَحْمد بن الْقَاسِم ابْن عَطِيَّة، حَدثنَا أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن الدسكي (4) ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ، حَدَّثَنَا أَشْعَثُ بْنُ إِسْحَق، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالُوا لِمُوسَى: هَلْ يَنَامُ رَبُّكَ؟ قَالَ:
__________
(1) ط: فَيَقُول.
(2) لَيست فِي ا.
(3) سَقَطت من ا.
(4) االدسيكى.
وَلم أجد هَذِه النِّسْبَة.
(*)

اتَّقوا الله! فناداه ربه عزوجل: يَا مُوسَى سَأَلُوكَ هَلْ يَنَامُ رَبُّكَ، فَخُذْ زُجَاجَتَيْنِ فِي يَدَيْكَ فَقُمِ اللَّيْلَ، فَفَعَلَ مُوسَى.
فَلَمَّا ذهب من اللَّيْل ثلثه نَعَسَ فَوَقَعَ لِرُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ انْتَعَشَ فَضَبَطَهُمَا، حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ اللَّيْلِ نَعَسَ فَسَقَطَتِ الزُّجَاجَتَانِ فَانْكَسَرَتَا، فَقَالَ: يَا مُوسَى لَوْ كُنْتُ أَنَامُ لسقطت السَّمَوَات وَالْأَرْضُ فَهَلَكْنَ كَمَا هَلَكَتِ الزُّجَاجَتَانِ فِي يَدَيْكَ! قَالَ: وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ آيَةَ الْكُرْسِيِّ.
وَقَالَ ابْن جرير: حَدثنَا إِسْحَق بْنُ أَبِي إِسْرَائِيلَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ شِبْلٍ (1) عَنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْكِي عَنْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ: " وَقَعَ فِي نَفْسِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ هَل ينَام الله عزوجل؟ فَأَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكًا فَأَرَّقَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَعْطَاهُ قَارُورَتَيْنِ فِي كُلِّ يَدِ قَارُورَةٌ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَحْتَفِظَ بِهِمَا.
قَالَ: فَجَعَلَ يَنَامُ وَكَادَتْ يَدَاهُ تَلْتَقِيَانِ، فَيَسْتَيْقِظُ فَيَحْبِسُ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، حَتَّى نَامَ نَوْمَةً فَاصْطَفَقَتْ
يَدَاهُ فَانْكَسَرَتِ الْقَارُورَتَانِ، قَالَ: ضَرَبَ اللَّهُ لَهُ مَثَلًا: أَنْ لَوْ كَانَ يَنَامُ لَمْ تَسْتَمْسِكِ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ ".
وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ رَفْعُهُ.
وَالْأَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا، وَأَنْ يَكُونَ أَصْلُهُ إِسْرَائِيلِيًّا.
* * * وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا
__________
(1) الاصل: ابْن سبل.
محرفة ر التصويب من ميزَان الِاعْتِدَال 1 / 276 وَقَالَ عَنهُ: يماني لَهُ حَدِيث مُنكر رَوَاهُ عَنِ الْحَكَمِ بْنَ أَبَانٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: قَالَ: " وَقع فِي نفس مُوسَى..الحَدِيث ".
(*)

مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ، وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (1) " وَقَالَ تَعَالَى: " وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ، خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (2) ".
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ: لَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْأَلْوَاحِ فِيهَا التَّوْرَاةُ أَمَرَهُمْ بِقَبُولِهَا وَالْأَخْذِ بِهَا بِقُوَّةٍ وَعَزْمٍ.
فَقَالُوا: انْشُرْهَا عَلَيْنَا فَإِنْ كَانَتْ أَوَامِرُهَا وَنَوَاهِيهَا سَهْلَةً قَبِلْنَاهَا.
فَقَالَ: بَلِ اقْبَلُوهَا بِمَا فِيهَا، فَرَاجَعُوهُ مِرَارًا، فَأمر الله الْمَلَائِكَة فَرفعُوا الْجَبَل على رؤوسهم حَتَّى صَارَ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ، أَيْ غَمَامَةٌ، عَلَى رؤوسهم.
وَقِيلَ لَهُمْ إِنْ لَمْ تَقْبَلُوهَا بِمَا فِيهَا وَإِلَّا سَقَطَ هَذَا (3) الْجَبَلُ عَلَيْكُمْ [فَقَبِلُوا ذَلِكَ (4) ] وَأُمِرُوا بِالسُّجُودِ فَسَجَدُوا، فَجَعَلُوا يَنْظُرُونَ إِلَى الْجَبَلِ بِشِقِّ وُجُوهِهِمْ، فَصَارَتْ سُنَّةً لِلْيَهُودِ إِلَى الْيَوْمِ، يَقُولُونَ لَا [سَجْدَةَ (4) ] أَعْظَمُ مِنْ سَجْدَةٍ رَفَعَتْ عَنَّا الْعَذَابَ.
وَقَالَ سُنَيْدُ بْنُ دَاوُدَ عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: فَلَمَّا نَشَرَهَا لَمْ يَبْقَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ جَبَلٌ وَلَا شَجَرٌ وَلَا حَجَرٌ إِلَّا اهْتَزَّ، فَلَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ يَهُودِيٌّ صَغِيرٌ وَلَا كَبِيرٌ تَقْرَأُ عَلَيْهِ التَّوْرَاةَ إِلَّا اهْتَزَّ وَنَفَضَ لَهَا رَأْسَهُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " ثمَّ توليتم من بعد ذَلِك " أَيْ [ثُمَّ (4) ] بَعْدَ مُشَاهَدَةِ هَذَا الْمِيثَاقِ الْعَظِيمِ وَالْأَمْرِ الْجَسِيمِ نَكَثْتُمْ عُهُودَكُمْ وَمَوَاثِيقَكُمْ " فَلَوْلَا فَضْلُ الله عَلَيْكُم وَرَحمته " بِأَن تدارككم بالارسال إِلَيْكُم وإنزال الْكتب عَلَيْكُم.
" لكنتم من الخاسرين ".
__________
(1) سُورَة الْبَقَرَة 63، 64.
(2) سُورَة الاعراف 171.
(3) ا: ذَلِك الْجَبَل.
(4) سَقَطت من ا.
(*)

قِصَّةُ بَقَرَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً، قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا؟ قَالَ أَعُوَذٌ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ؟ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ، عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ، فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا؟ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ؟ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ * قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ، مُسَلَّمَةٌ لاشية فِيهَا، قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ * وَإِذ قتلتم نفسا فادارأتم فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاته لَعَلَّكُمْ تعقلون (1) ".
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَمُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ: كَانَ رَجُلٌ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ كَثِيرَ الْمَالِ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا، وَلَهُ بَنُو أَخٍ، وَكَانُوا يَتَمَنَّوْنَ مَوْتَهُ لِيَرِثُوهُ، فَعَمَدَ أَحَدُهُمْ فَقَتَلَهُ فِي اللَّيْلِ وَطَرْحَهُ فِي مَجْمَعِ الطُّرُقِ، وَيُقَالُ عَلَى بَابِ رَجُلٍ مِنْهُمْ.
فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ اخْتَصَمُوا فِيهِ، وَجَاءَ ابْنُ أَخِيهِ فَجَعَلَ يَصْرُخُ وَيَتَظَلَّمُ، فَقَالُوا: مَا لَكُمْ تَخْتَصِمُونَ وَلَا تَأْتُونَ نَبِيَّ اللَّهِ؟ فجَاء ابْن أَخِيه فَشَكا أَمر عَمه
__________
(1) سُورَة الْبَقَرَة 67 - 73.
(*)

إِلَى رَسُول الله مُوسَى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
فَقَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: " أَنْشُدُ اللَّهَ رَجُلًا عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ أَمْرِ هَذَا الْقَتِيلِ إِلَّا أَعْلَمَنَا بِهِ " فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْهُمْ علم مِنْهُ.
وَسَأَلُوهُ أَنَّ يَسْأَلَ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ رَبَّهُ عزوجل.
فَسَأَلَ ربه عزوجل فِي ذَلِكَ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِذَبْحِ بَقَرَةٍ.
فَقَالَ " إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بقرة، قَالُوا أتتخذنا هزوا؟ " يَعْنُونَ نَحْنُ نَسْأَلُكَ عَنْ أَمْرِ هَذَا الْقَتِيلِ، وَأَنت تَقول [لنا (1) ] هَذَا؟ " قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلين " أَيْ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَقُولَ عَنْهُ غَيْرَ مَا أَوْحَى إِلَيَّ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَجَابَنِي حِين سَأَلته عَمَّا سالتموني (2) أَنْ أَسْأَلَهُ فِيهِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَبِيدَةُ وَمُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَالسُّدِّيُّ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: فَلَوْ أَنَّهُمْ عَمَدُوا إِلَى أَيِّ بَقَرَةٍ فَذَبَحُوهَا لحصل الْمَقْصُود مِنْهَا، وَلَكنهُمْ شَدَّدُوا فَشدد عَلَيْهِمْ.
وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ.
فَسَأَلُوا عَنْ صِفَتِهَا، ثُمَّ عَنْ لَوْنِهَا، ثُمَّ عَنْ سِنِّهَا، فَأُجِيبُوا بِمَا عَزَّ وجوده عَلَيْهِم.
وَقد ذكرنَا تَفْسِيرِ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي التَّفْسِيرِ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُمْ أمروا بِذبح بقرة عوان، وَهِي الْوسط النّصْف بَين الْفَارِضِ وَهِيَ الْكَبِيرَةُ، وَالْبِكْرُ وَهِيَ الصَّغِيرَةُ.
قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَعِكْرِمَةُ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَجَمَاعَةٌ.
ثُمَّ شَدَّدُوا وَضَيَّقُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَسَأَلُوا عَنْ لَوْنِهَا، فَأُمِرُوا بِصَفْرَاءَ فَاقِعٍ لَوْنُهَا، أَي مشرب بحمرة، تسر
__________
(1) من ا.
(2) ط: عَمَّا سَأَلْتُمُونِي عَنهُ.
(*)

الناظرين، وَهَذَا اللَّوْن غزيز.
ثمَّ شَدَّدُوا أَيْضا " قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ الله لَمُهْتَدُونَ ".
فَفِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ: " لَوْلَا أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ اسْتَثْنَوْا لَمَا أُعْطُوا " وَفِي صِحَّتِهِ نَظَرٌ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
" قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاشية فِيهَا، قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ " وَهَذِهِ الصِّفَاتُ أَضْيَقُ مِمَّا تَقَدَّمَ، حَيْثُ أُمِرُوا بِذَبْحِ بَقَرَةٍ لَيْسَتْ بِالذَّلُولِ، وَهِيَ الْمُذَلَّلَةُ بِالْحِرَاثَةِ وَسَقَى الارض (1) بالساقية، مُسَلَّمَةٌ، وَهِيَ الصَّحِيحَةُ الَّتِي لَا عَيْبَ فِيهَا، قَالَه أَبُو الْعَالِيَة وَقَتَادَة.
وَقَوله: " لاشية فِيهَا " أَيْ لَيْسَ فِيهَا لَوْنٌ يُخَالِفُ لَوْنَهَا، بَلْ هِيَ مُسَلَّمَةٌ مِنَ الْعُيُوبِ، وَمِنْ مُخَالَطَةِ سَائِرِ الْأَلْوَانِ غَيْرِ لَوْنِهَا.
فَلَمَّا حَدَّدَهَا بِهَذِهِ الصِّفَاتِ، وَحَصَرَهَا بِهَذِهِ النُّعُوتِ وَالْأَوْصَافِ " قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ ".
وَيُقَالُ إِنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا هَذِهِ الْبَقَرَةَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ إِلَّا عِنْدَ رَجُلٍ مِنْهُمْ كَانَ بَارًّا بِأَبِيهِ، فَطَلَبُوهَا مِنْهُ فَأَبَى عَلَيْهِمْ، فَأَرْغَبُوهُ فِي ثمنهَا حَتَّى أَعْطوهُ، فِيمَا ذكره السُّدِّيُّ، بِوَزْنِهَا ذَهَبًا فَأَبَى عَلَيْهِمْ، حَتَّى أَعْطَوْهُ بِوَزْنِهَا عَشْرَ مَرَّاتٍ، فَبَاعَهَا مِنْهُمْ.
فَأَمَرَهُمْ نَبِيُّ اللَّهِ مُوسَى بِذَبْحِهَا " فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ " أَيْ وَهُمْ يَتَرَدَّدُونَ فِي أَمْرِهَا.
ثُمَّ أَمَرَهُمْ عَنِ اللَّهِ أَنْ يَضْرِبُوا ذَلِكَ الْقَتِيلَ بِبَعْضِهَا قِيلَ بِلَحْمِ فَخِذِهَا، وَقِيلَ بِالْعَظْمِ الَّذِي يَلِي الغضروف (2) ، وَقيل بالبضعة
__________
(1) ا: وَسَقَى الْحَرْث.
(2) ا: الَّذِي فِي الغضروف.
(*)

الَّتِي بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ، فَلَمَّا ضَرَبُوهُ بِبَعْضِهَا أَحْيَاهُ الله تَعَالَى، فَقَامَ وَهُوَ يشخب (1) أوداجه، فَسَأَلَهُ نَبِي الله [مُوسَى (2) ] مَنْ قَتَلَكَ؟ قَالَ قَتَلَنِي ابْنُ أَخِي.
ثُمَّ عَادَ مَيِّتًا كَمَا كَانَ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تعقلون " أَيْ كَمَا شَاهَدْتُمْ إِحْيَاءَ هَذَا الْقَتِيلِ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ لَهُ، كَذَلِكَ أَمْرُهُ فِي سَائِرِ الْمَوْتَى، إِذَا شَاءَ إِحْيَاءَهُمْ أَحْيَاهُمْ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَة كَمَا قَالَ: " وَمَا خَلقكُم وَلَا بعثكم إِلَّا كَنَفس وَاحِدَة (3) ".
__________
(1) يسخب: يسيل.
(2) من ا.
(3) سُورَة لُقْمَان 28.
(*)

قصَّة مُوسَى وَالْخضر عَلَيْهِمَا السَّلَام قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا * فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا * فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا * قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ، وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ، وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا * قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا *
فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا * قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا؟ * قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا * قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا * قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلنِي عَن شئ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا * فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا، قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا؟ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا * فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَاما فَقتله، قَالَ أقتلت نفسا زاكية (1) بِغَيْرِ نَفْسٍ؟ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صبرا * قَالَ إِن سَأَلتك عَن شئ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عذرا *
__________
(1) ط: زكية.
(*)

فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا، فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَ فَأَقَامَهُ، قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا * قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ، سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا * أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا، وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا * وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا * وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ، وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا، وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا، فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ، وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ
عَلَيْهِ صبرا ".
قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْكِتَابِ: إِنَّ مُوسَى هَذَا الَّذِي رَحَلَ إِلَى الْخَضِرِ هُوَ مُوسَى بْنُ منسا بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ، وَتَابَعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ بَعْضُ مَنْ يَأْخُذُ مِنْ صُحُفِهِمْ وَيَنْقُلُ عَنْ كُتُبِهِمْ، مِنْهُمْ نَوْفُ بْنُ فَضَالَةَ الْحِمْيَرِيُّ الشَّامِيُّ الْبِكَالِيُّ.
وَيُقَالُ إِنَّهُ دِمَشْقِيٌّ، وَكَانَتْ أُمُّهُ زَوْجَةَ كَعْبِ الْأَحْبَارِ.
وَالصَّحِيحُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ سِيَاقِ الْقُرْآنِ وَنَصُّ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الصَّرِيحِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: أَنَّهُ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ صَاحِبُ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
قَالَ البُخَارِيّ: حَدثنَا الْحميدِي، حَدثنَا سُفْيَان، حَدثنَا عَمْرو بن دِينَار، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاس: إِن نَوْفًا البكالى
__________
(1) الْآيَات: 60 - 82 من سُورَة الْكَهْف.
(*)

يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى صَاحِبَ الْخَضِرِ لَيْسَ هُوَ مُوسَى صَاحب بني إِسْرَائِيل، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ: حَدَّثَنَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " إِنَّ مُوسَى قَامَ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فَسُئِلَ أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ أَنَا.
فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: إِنَّ لِي عَبْدًا بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْك.
قَالَ مُوسَى: يَا رب فَكيف لِي بِهِ؟ قَالَ تَأْخُذُ مَعَكَ حُوتًا فَتَجْعَلُهُ فِي مِكْتَلٍ فَحَيْثُمَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَهُوَ ثَمَّ، فَأخذ حوتا فَجعله فِي مكتل، ثُمَّ انْطَلَقَ وَانْطَلَقَ مَعَهُ فَتَاهَ يُوشَعُ بْنُ نون، حَتَّى إِذا أَتَيَا الصَّخْرَة وضعا رؤوسهما فَنَامَا، وَاضْطَرَبَ الْحُوتَ فِي الْمِكْتَلِ، فَخَرَجَ مِنْهُ فَسَقَطَ فِي الْبَحْرِ، وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا.
وَأَمْسَكَ اللَّهُ عَنِ الْحُوتِ جَرْيَةَ الْمَاءِ، فَصَارَ عَلَيْهِ مِثْلُ الطَّاقِ
فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ نَسِيَ صَاحِبُهُ أَنْ يُخْبِرَهُ بِالْحُوتِ، فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمَا وَلَيْلَتِهِمَا.
حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ: " آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سفرنا هَذَا نصبا " قَالَ: وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى النَّصَبَ حَتَّى جَاوَزَ الْمَكَانَ الَّذِي أمره الله بِهِ، فَقَالَ لَهُ فَتَاهَ: " أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ، وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا " قَالَ: فَكَانَ لِلْحُوتِ سَرَبًا، وَلِمُوسَى [وَلِفَتَاهُ (1) ] عَجَبًا فَقَالَ لَهُ مُوسَى: " ذَلِك مَا كُنَّا نبغي فارتدا على آثارهما قصصا ".
قَالَ: فَرَجَعَا يقصان آثارهما حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ مُسَجًّى بِثَوْبٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى، فَقَالَ الْخَضِرُ: وَأَنَّى بأرضك السَّلَام؟

الإمام أحمد بن حنبل

أحمد بن حنبل

هو أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني المروزي البغدادي، وشيبان حي من بكر القبيلة المشهورة من قبائل العرب.

ولد في ربيع الأول على المشهور سنة 164 هجرية في بغداد، وكانت أمه قد حملت به في مرو التي كان يقيم فيها أبوه، والمعروف أن أباه مات بعد ولادته عن ثلاثين سنة تقريباً، وأحمد إذ ذاك صغير لا يدرك شيئا بدليل أنه نفى رؤيته لأبيه وجده.

وكان جده قد انتقل إلى خراسان، وكان والياً على سرخس في العهد الأموي، ثم انضم إلى صفوف الدعوة العباسية حتى أوذي في هذا السبيل، ويقال: إنه كان قائداً.

نشأ أحمد - رضي الله عنه - يتيماً، وقامت على تربيته أمه - صفية بنت ميمونة بنت عبد الملك الشيباني - وترك له أبوه بيتاً في بغداد يسكنه، وبيتا آخر يغل غلة ضئيلة، وكان في هذا كشيخه الإمام الشافعي في اليتم والفقر والحاجة وعلو الهمة.

تشابهت نشأة التلميذ والأستاذ، ولكل منهما أم تدفعه إلى التقدم والعلو والزيادة من الخير.

نشأ الإمام أحمد - رضي الله عنه - ببغداد، وتربى فيها تربيته الأولى، وقد كانت بغداد إذ ذاك تموج بالناس الذين اختلفت مشاربهم، وتخالفت مآربهم، وزخرت بأنواع العلوم والمعارف، ففيها القراء والمحدثون والمتصوفة وعلماء اللغة والفلاسفة وغيرهم، فقد كانت حاضرة العالم الإسلامي، وقد توافر فيها ما توافر في حواضر العالم من تنوع المسالك، وتعدد السبل وتنازع المشارب ومختلف العلوم، حتى إذا أتم حفظ القرآن، وعلم اللغة اتجه إلى الديوان ليتمرن على التحرير والكتابة، ولقد قال في ذلك: كنت وأنا غليم أختلف إلى الكتاب، ثم أختلف إلى الديوان، وأنا ابن أربع عشرة سنة، وكان وهو صبي محل ثقة الذين يعرفونه من الرجال والنساء، حتى إنه ليروى أن الرشيد وهو بالرقة مع جنده وكان أولئك الجند يكتبون إلى نسائهم بأحوالهم، فلا يجد النساء غير أحمد يقرأ لهن ما كتب به إليهن، ويكتب لهن الردود ولا يكتب ما يراه منكرا من القول...

شب أحمد على هذا، واستمر في طلب العلم بعزم صادق وجد، وأمه تشجعه على ذلك، وترشده وتدعوه إلى الرفق بنفسه إذا خشيت عليه الإرهاق، وحكى ذلك أحمد عنها فقال: كنت ربما أردت البكور في الحديث فتأخذ أمي بثيابي وتقول: اصبر حتى يؤذن الناس أو حتى يصبحوا، وكان اتجاهه إلى الأخذ عن رجال الحديث.

ويروى أن أول تلقيه كان على القاضي أبي يوسف صاحب أبي حنيفة فقد قال: أول من كتبت عنه الحديث أبو يوسف، وفي تاريخ الحافظ الذهبي قال الخلال: كان أحمد قد كتب كتب الرأي، وحفظها ثم لم يلتفت إليها.

اتجه أحمد إلى كتابة الحديث من سنة 179 حينما كان عمره ست عشرة سنة، واستمر مقيما في بغداد يأخذ عن شيوخ الحديث فيها حتى سنة مائة وست وثمانين، وابتدأ في هذه السنة رحلته إلى البصرة، ثم إلى الحجاز، واليمن وغيرها، واستمر ملازماً لشيخه هشيم بن بشير بن أبي خازم الواسطي حتى سنة وفاته 183.

قال صالح بن أحمد: قال أبي: كتبت عن هشيم سنة 179، ولزمناه إلى سنة ثمانين وإحدى وثمانين واثنين وثمانين وثلاث، ومات في سنة ثلاث وثمانين، كتبنا عنه كتاب الحج نحواً من ألف حديث وبعض التفسير، وكتاب القضاء، وكتبا صغاراً، فقال صالح: يكون ثلاثة آلاف، قال: أكثر، ثم ارتحل في طلب العلم إلى الحجاز وغيره وقد ذكر ابن كثير تفصيل رحلاته الحجازية في تاريخه [البداية والنهاية (10/326)]، وكان من أبرز الشخصيات التي التقى بها الإمام أحمد أثناء رحلاته وفي إقامته، الإمام الشافعي - رضي الله عنه - فقد أخذ عنه، واستفاد منه كثيراً، وكان الشافعي يجله ويقدره ويعول عليه في معرفة صحة الحديث أحيانا، ورشحه الإمام الشافعي عند الرشيد لقضاء اليمن فأبى أحمد، وقال له: جئت إليك لأقتبس منك العلم تأمرني أن أدخل لهم في القضاء، وكان ذلك في آخر حياة الرشيد، ثم رشحه الشافعي مرة ثانية لقضاء اليمن عند الأمين فأبى أحمد وكان ذلك 195 هـ.

ودخل الشافعي يوماً على أحمد بن حنبل، فقال: يا أبا عبد الله كنت اليوم مع أهل العراق في مسألة كذا، فلو كان معي حديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فدفع أحمد إليه ثلاثة أحاديث فقال له: جزاك الله خيراً، وقال الشافعي لأحمد يوماً: أنتم أعلم بالحديث، والرجال، فإذا كان الحديث الصحيح فعلموني إن شاء يكون كوفياً أو شامياً حتى أذهب إليه إذا كان صحيحاً، وهذا من كمال دين الشافعي وعقله حيث سلم هذا العلم لأهله؛ وقال عبد الوهاب الوراق: ما رأيت مثل أحمد بن حنبل، قالوا له: وأي شيء بان لك من علمه وفضله على سائر من رأيت؟ قال: رجل سئل عن ستين ألف مسألة فأجاب فيها بأن قال (أخبرنا) و (حدثنا)، وقال أبو زرعة الرازي:

حفظ أحمد بن حنبل بالمذاكرة على سبعمائة ألف حديث، وفي لفظ آخر قال أبو زرعة الرازي: كان أحمد يحفظ ألف ألف، فقيل له: وما يدريك؟ قال: ذكراته فأخذت عليه الأبواب.

كان الإمام أحمد يقول: فاتني مالك فأخلف الله علي بسفيان بن عيينة؛ وفاتني حماد بن زيد فأخلف الله علي إسماعيل ابن علية.

وكان ملازماً لكتابة الحديث فانشغل بذلك عن كل شيء حتى عن الزواج فلم يتزوج إلا بعد الأربعين. وقيل له: يا أبا عبد الله قد بلغت هذا المبلغ وأنت إمام المسلمين، فقال: مع المحبرة إلى المقبرة، فأنا أطلب العلم إلى أن أدخل القبر.

وقد روى المزني: أن الشافعي قال: ثلاثة من عجائب الزمان: عربي لا يعرب كلمة وهو أبو ثور، وأعجمي لا يخطئ في كلمة وهو الحسن الزعفراني، وصغير كلما قال شيئاً صدقه الكبار وهو أحمد بن حنبل.

وقال الشافعي: خرجت من بغداد ما خلفت بها أحداً أورع، ولا أفقه، ولا أتقى، من أحمد بن حنبل، ولم يزل على ذلك مكباً على الحديث والإفتاء وما فيه نفع المسلمين، والتف حوله أصحابه يأخذون عنه الحديث والفقه وغيرهما، وألف المسند في مدة ستين سنة تقريباً، وكان قد ابتدأ بجمعه في سنة 180 هـ أول ما بدأ بطلب الحديث، وسيأتي الكلام على المسند إن شاء الله - تعالى -، وألف في التفسير، وفي الناسخ والمنسوخ، وفي التاريخ، وفي المقدم والمؤخر في القرآن، وفي جوابات القرآن، وألف المناسك الصغير والكبير، وفي حديث شعبة، وألف كتاب الزهد، وكتاب الرد على الجهمية والزنادقة، وكتاب الصلاة، وكتاب السنة، وكتاب الورع والإيمان، وكتاب العلل والرجال، وكتاب الأشربة، وجزءاً في أصول السنة، وفضائل الصحابة، وله قصائد متناثرة، وأجزاء في بعض الأصول والمسائل، كما نقل عنه مجموعة من المسائل، منها مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود السجستاني صاحب السنن وهي مطبوعة نشرها السيد محمد رشيد رضا بمطبعة المنار وتقع في 328 صفحة. وهي أجوبة على بعض المسائل التي سئل عنها الإمام أحمد في الفقه؛ ومنها مسائل ابنه عبد الله بن أحمد، ومسائل إسحاق بن إبراهيم رواية ابن منصور المروزي وهي مخطوطة وتوجد في المكتبة الظاهرية بدمشق وغير ذلك من مؤلفاته - رضي الله عنه -.

كان في بغداد أيام المأمون تيارات ثقافية متضادة: منها ما كان عليه السلف الصالح من أهل السنة والجماعة الممثل في حلقات أهل الحديث والفقهاء وغيرهم ممن يرجعون إلى النصوص الشرعية. ويثبتون لله ما أثبته لنفسه وما صح عن رسوله - صلى الله عليه وسلم - إثباتا بلا تمثيل وتنزيها بلا تأويل ولا تعطيل ومن أبرز هؤلاء: الإمام أحمد ومحمد بن نوح وأحمد بن نصر الخزاعي وغيرهم. ومنها تيار المعتزلة القائلين بخلق القرآن وتأويل آيات الصفات وغير ذلك مما هو معروف من مذهبهم: كالقول بالعدل والتوحيد والوعد والوعيد والمنزلة بين المنزلتين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وكان الرشيد يقاوم القول بخلق القرآن فلم يجرؤ أحد عليه مدة حياته كما روي عن محمد بن نوح قال: سمعت هارون الرشيد يقول: بلغني أن بشرا المريسي زعم أن القرآن مخلوق، علي إن أظفرني الله به لأقتلنه قتلة ما قتلها أحد قط، فلما مات الرشيد وتولى الأمين أراد المعتزلة حمله على ذلك فأبى.

فلما تولى المأمون الخلافة، وكان يميل إلى المعتزلة ويقربهم وكان أستاذه أبو الهذيل العلاف من زعماء المعتزلة وكذلك قاضيه أحمد بن أبي دؤاد فأشار عليه ابن أبي دؤاد بإظهار القول بخلق القرآن، فأظهر القول بذلك عام 212 هـ. فكان المأمون يناظر من يغشى مجلسه في ذلك ولكنه لم يلزم بذلك أحدا بل ترك الناس أحرارا فيما يذهبون إليه، فلما كان 218 هـ رأى المأمون حمل الناس وخصوصا العلماء والقضاة والمفتين على القول بخلق القرآن الكريم؛ وكان المأمون آنذاك في الرقة فأرسل إلى واليه على بغداد إسحاق بن إبراهيم وهو صاحب الشرطة ببغداد أن يجمع من بحضرته من القضاة ويمتحنهم فيما يقولون ويعتقدون في خلق الله القرآن وإحداثه، ويعلمهم أن أمير المؤمنين غير مستعين في عمله بمن لا يقول بهذا القول وكان ذلك في ربيع الأول من عام 218 هـ.

فثار العلماء حين سمعوا كتاب المأمون إلى نائبه في بغداد وقال واحد منهم: لقيت ثمانمائة شيخ ونيفا وسبعين فما رأيت أحدا يقول بهذه المقالة - يعني خلق القرآن - وقد حبس وعذب وقتل في هذه المحنة خلائق

لا يحصون كثرة كما يراه القارئ المتتبع لتلك الحقبة من التاريخ، وصارت هذه المحنة هي الشغل الشاغل للدولة والناس خاصتهم وعامتهم وأصبحت حديث مجالسهم وأنديتهم وحاضرتهم وباديتهم في العراق وغيره وقام الجدل فيها بين العلماء، ووقع امتحان الأمراء للعلماء والقضاة والفقهاء والمحدثين في مصر والشام وفارس وغيرها حتى تناول الإمام البخاري وشيوخه الأجلة الأفذاذ: يحيى بن معين وعلي بن المديني ويزيد بن هارون وزهير بن حرب وغيرهم من الأئمة المجمع على جلالتهم وإمامتهم في حفظ السنة المطهرة وعلومها.

وأرسل المأمون لصاحب الشرطة في بغداد بأن يوافيه بجواب من امتحن منهم فوافاه بجوابهم وإذا هو يتضمن إنكار هذه المقالة والتشنيع على من قال بها فلم يقتنع المأمون بذلك، فبعث إليه بكتاب ثان يأمره فيه بإشخاص سبعة من المحدثين المشهورين في بغداد أو ثمانية وهم -: محمد بن سعد كاتب الواقدي وأبو مسلم ويحيى بن معين وزهير بن حرب وإسماعيل بن داود وإسماعيل بن أبي مسعود وأحمد بن إبراهيم الدورقي. لكي يمتحنهم وفي مقدمتهم أحمد بن حنبل. إلا أن ابن أبي دؤاد حذف اسم الإمام أحمد من القائمة لمعرفته بصلابته وشدته في هذا الأمر.

ثم أمر المأمون بعد ذلك بحمل الإمام أحمد ومحمد بن نوح إليه في طرسوس فحملا إليه بأغلالهما فأما محمد بن نوح فمات في أثناء الطريق قبل أن يصل. وأما الإمام أحمد ومرافقوه فبلغهم وفاة المأمون قبل وصولهم فعادوا إلى بغداد، وألقي الإمام أحمد في الحبس. ويقال: إن أحمد دعا على المأمون وكانت وفاة المأمون في عام 218.

ثم تولى الخلافة المعتصم، وكان المأمون قد أوصاه بتقريب ابن أبي دؤاد والاستمرار بالقول بخلق القرآن وأخذ الناس بذلك. وكان أحمد في السجن فاستحضره من السجن، وعقد له مجلسا مع ابن أبي دؤاد وغيره؛ وجعلوا يناقشونه في خلق القرآن، وأحمد يستدل عليه بالنصوص الواردة. ويقول لهم: أعطوني دليلا من كتاب الله أو سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وانفض المجلس ذلك اليوم دون شيء، وأمر المعتصم برده إلى السجن. وفي اليوم التالي أحضر من السجن، وعقد المجلس وكان موقفه رائعا جليلا كموقفه في الأمس ورغم المحاولات والمناقشات صمم الإمام أحمد على كلامه، وفشل القوم كفشلهم بالأمس. وانفض الاجتماع، ورد الإمام أحمد إلى السجن، وفي اليوم الثالث أعيد انعقاد المجلس، وأحضر الإمام أحمد من السجن وأعيدت المناقشة. وكان المعتصم عند عقد مجلس المناظرة قد بسط بمجلسه بساطا، ونصب كرسيا جلس عليه وازدحم الناس إذ ذاك كازدحامهم أيام الأعياد، وكان مما دار بينهم أن قال للإمام أحمد: ما تقول في القرآن؟ فقال: كلام الله غير مخلوق قال الله - تعالى -: سورة التوبة الآية 6 وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ.

قال: هل عندك حجة غير هذا؟ قال: نعم قول الله - تعالى -: سورة الرحمن الآية 1 الرَّحْمَنُ سورة الرحمن الآية 2 عَلَّمَ الْقُرْآنَ ولم يقل خلق القرآن، وقال - تعالى -: سورة يس الآية 1 يس سورة يس الآية 2 وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ولم يقل المخلوق، فقال المعتصم: أعيدوه للحبس وتفرقوا، فلما كان من الغد جلس المعتصم مجلسه ذلك. وقال: هاتوا أحمد بن حنبل فاجتمع الناس، وسمعت لهم ضجة ببغداد فلما جيء به، وقف بين يديه والسيوف قد جردت والرماح قد ركزت والأتراس قد نصبت والسياط قد طرحت.

فسأله المعتصم عما يقول بالقرآن. قال: أقول غير مخلوق، وأستدل بقوله - تعالى -: سورة السجدة الآية 13 وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي الآية، قال: فإن يكن القول من الله - تعالى -فإن القرآن كلام الله، وأحضر المعتصم له الفقهاء والقضاة فناظروه بحضرته ثلاثة أيام وهو يناظرهم، ويظهر عليهم بالحجج القاطعة ويقول: أعطوني دليلا من كتاب الله أو كلام رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فقال المعتصم قهرنا أحمد وحلف ليضربنه بالسياط، وأمر الجلادين فأحضروا ولما جيء بالسياط نظر إليها المعتصم فقال: ائتوني بغيرها.

قال أبو عبد الله: ثم صيرت بين العقابين، والعقابان بضم العين خشبتان يوضع بينهما الرجل ليجلد قاله في تاج العروس، فعلق الإمام أحمد بالعقابين، ورفع حتى صار بينه وبين الأرض مقدار قبضة، قال أحمد: وشدت يداي وجيء بكرسي فوضع له - يعني للمعتصم - وابن أبي دؤاد قائم على رأسه والناس أجمعون قيام ممن حضر، فقال لي إنسان ممن شهدني: خذ بنابي الخشبتين بيدك، وشد عليهما فلم أفهم ما قال. قال: فتخلعت يداي لما شددت، ولم أمسك الخشبتين، قال أبو الفضل - يعني ابنه صالحا - ولم يزل أبي - رحمه الله - يتوجع منهما من الرسغ إلى أن توفي، قال أبو عبد الله فقلت: يا أمير المؤمنين إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: صحيح البخاري الديات (6878)، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1676)، سنن الترمذي الديات (1402)، سنن النسائي تحريم الدم (4016)، سنن أبو داود الحدود (4352)، سنن ابن ماجه الحدود (2534)، مسند أحمد بن حنبل (1/382)، سنن الدارمي الحدود (2298). لا يحل دم امرئ مسلم يشهد ألا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث. الحديث. فبم تستحل دمي وأنا لم آت شيئا من هذا. يا أمير المؤمنين اذكر وقوفك بين يدي الله - عز وجل - كوقوفي بين يديك، يا أمير المؤمنين راقب الله، فلما رأى المعتصم ثبوت أبي عبد الله وتصميمه لان فخشي ابن أبي دؤاد من رأفته عليه فقال: يا أمير المؤمنين إن تركته قيل: إنك تركت مذهب المأمون وسخطت قوله، أو أن يقال: غلب خليفتين فهاجه ذلك، وطلب كرسيا جلس عليه، وقام ابن أبي دؤاد وأصحابه على رأسه ثم قال للجلادين: تقدموا وجعل أحدهم يتقدم إلى الإمام أحمد فيضربه سوطين ثم يتنحى ثم يتقدم الآخر فيضربه سوطين، والمعتصم يحرضهم على التشديد في الضرب، ثم قام إليه المعتصم وقال له يا أحمد: علام تقتل نفسك إني والله عليك لشفيق فما تقول؟ فيقول أحمد: أعطوني دليلا من كتاب الله وسنة رسوله حتى أقول به، ثم رجع المعتصم، فجلس فقال للجلاد: تقدم وحرضه على إيجاعه بالضرب ويقول: شدوا قطع الله أيديكم، قال أحمد: فذهب عقلي عند ذلك فلم أفق إلا وقد أفرج عني ثم جيء بي إلى دار إسحاق

ابن إبراهيم فحضرت صلاة الظهر فصليت فقالوا صليت والدم يسيل منك فقلت: قد صلى عمر - رضي الله عنه - وجرحه يثعب دما وكان ذلك في رمضان سنة 218. ثم نقل أحمد إلى بيته واستقر فيه حيث لم يقو على السير فلما برئت جراحه، وقوي جسمه خرج إلى المسجد، وصار يدرس في المسجد ويملي الحديث حتى مات المعتصم.

فلما تولى الواثق منع الإمام أحمد من الاجتماع بالناس وقال: لا تساكني في بلد أنا فيه فأقام الإمام ببغداد مختفيا لا يخرج إلى صلاة ولا غيرها حتى مات الواثق، وذلك مدة خمس سنوات تقريبا.

فلما تولى المتوكل الخلافة سنة 232 بقيت المحنة قائمة خلال عامين من حكمه ثم رفعت سنة 234 وكانت قد بدأت من السنة الأخيرة من خلافة المأمون وهي سنة 218 وانتهت في السنة الثانية أو الثالثة من خلافة المتوكل سنة 234 حيث أوقف المتوكل أخذ الناس بالمحنة. وأصدر إعلانا عاما في كافة أنحاء الدولة نهى فيه عن القول بخلق القرآن، وتهدد من يخوض في ذلك بالقتل فعم الناس الفرح في كل مكان، وأثنوا على سجايا الخليفة ومآثره ونسوا شروره ورذائله، وسمع الدعاء له من كل جانب، وذكر اسمه مع اسمي الخليفتين أبي بكر وعمر وعمر بن عبد العزيز.

وكان المتوكل يكره العلويين، ويسرف في مطاردتهم فجعل المعتزلة يحيكون دسائسهم لدى الخليفة ضد الإمام أحمد، ويتهمونه بالجنوح إلى العلويين، وتتطور المحنة لتأخذ لونا آخر، وتشتد الرقابة على الإمام أحمد وامتدت أعناق أهل الفتنة فاتهموا الإمام أحمد لدى الخليفة أنه يؤوي في بيته أحد العلويين ذوي القدر الخطير ويثور الخليفة فيرسل من فوره إلى بغداد لمفاجأة بيت الإمام أحمد والقبض على العلوي المزعوم، وفي ليلة من الليالي بعد أن نام الناس، وهدأت الحركة وأرخى الليل سدوله على بغداد الهادئة الساكنة سمع أحمد دقا عنيفا على باب داره فقام إلى الباب ففتحه فإذا به أمام رجلين وامرأتين أما الرجلان فهما مظفر حاجب عبد الله بن إسحاق نائب بغداد والآخر ابن الكلبي صاحب البريد. وأما المرأتان فمهمتهما هي مهمة البوليس النسوي في أيامنا هذه. قال مظفر: يقول لك الأمير: إن أمير المؤمنين كتب إليه أن عندك طلبته العلوي، وقال ابن الكلبي: نعم إنك تؤوي في بيتك علويا من أعداء أمير المؤمنين وقد جئنا لأخذه، فقال الإمام أحمد: إني لا أعرف هذا ولا أرى سوى طاعة أمير المؤمنين في العسر واليسر والمنشط والمكره والأثرة. وسكت الإمام قليلا سكتة ذكر فيها حرمانه من المسجد بدون مسوغ، واستأنف يقول: إني أتأسف عن تأخري عن الصلاة وعن حضور الجمعة ودعوة المسلمين، قال ابن الكلبي: قد أمرني أمير المؤمنين أن أحلفك ما عندك طلبته أفتحلف؟ قال أحمد: إن استحلفتني حلفت فأحلفه ابن الكلبي بالله، فحلف وبالطلاق فحلف. وكان نساء الدار والصبيان قد حضروا، وحضر ابنه صالح فقال ابن الكلبي: أريد أن أفتش منزلك ومنزل ابنك صالح، وقام مظفر وابن الكلبي ففتشا البيت وفتشت المرأتان النساء فلم يعثروا على شيء وفتشا بيت صالح، فلم يجدا شيئا وفتشت المرأتان أماكن الحريم وجاءوا بشمعة فأدلوها في البئر، وانصرفوا بعد أن لم يجدوا شيئا.

وتولى ابن الكلبي وصف حال الإمام أحمد للمتوكل من احتباسه عن الجمعة والجماعة بدون مسوغ ومن

صدق لهجته فيما يكن لأمير المؤمنين من السمع والطاعة في المنشط والمكره ومن براءته مما عزاه إليه خصومه، وأذن الله بانكشاف الغمة فجاءه بعد يومين كتاب من علي بن الجهم أن أمير المؤمنين قد صح عنده براءتك مما قذفت به وكان أهل البدع قد مدوا أعناقهم فالحمد لله الذي لم يشمتهم بك.

وأقبلت الخلافة على الإمام تخطب وده وتطلب المؤانسة بقربه والتبرك بدعائه وأخذت الأيام تدبر مولية عن المعتزلة. فمرض ابن أبي دؤاد بالفالج، وجاء بعض أعيان الدولة يتقربون إلى الإمام أحمد بذكر ما نزل بابن أبي دؤاد ويومئون إلى أن كرامة الإمام على الله أوجبت ذلك القصاص فلم يلتفت إليهم الإمام أحمد وصمت ولم يرد، وظهر عليه التبرم بما قالوا. ومضت الأيام في إدبارها على المعتزلة فغضب الخليفة على ابن أبي دؤاد وقبض على أبنائه وصادر أملاكه وأمواله وجواهره، وأخذ ابن أبي دؤاد إلى بغداد بعد أن أشهد عليه ببيع ضياعه فكان يأتي إلى الإمام أحمد من يحمل إليه تلك الأنباء فيكرم نفسه أن تنزل إلى مستوى الشماتة الرخيص بل كان الخليفة نفسه يرسل إليه كأنه يستفتيه فيما يرى من مصير أموال ابن أبي دؤاود فكان يسكت ولا يجيب بشيء وهو موقف جدير أن يلقي على الناس دروسا في عظمة النفس وشدة الإقبال على جلائل الأمور والانصراف عن سفاسفها وتوافهها رحم الله الإمام أحمد لقد كان إماما في كل مكرمة.

ثم أرسل إليه الخليفة المتوكل كتابا يقول فيه: قد صح نقاء ساحتك، وقد أحببت أن آنس بقربك وأتبرك بدعائك وقد وجهت إليك بعشرة آلاف درهم معونة على سفرك وفرح آل أحمد بالعافية تقبل مع السعة والجاه، وحل بالدار نشاط وأنس، ودب فيها بعد الوحشة دبيب الحركة بمن صار يغشاها من رسل الخليفة وكبار رجال الدولة. قال ابنه صالح: لما جاء كتاب المتوكل بالمال ناداني أبي في جوف الليل فقمت إليه فإذا به يبكي فلما رآني قال: ما نمت ليلتي هذه سلمت من هؤلاء حتى إذا كان في آخر عمري بليت بهم.

فلما كان الصباح جاء الحسين البزاز والمشايخ فقال: يا صالح جئني بالميزان وبالدراهم ثم أخذ يزن المال ويقول: وجهوا هذا إلى أبناء المهاجرين وهذا إلى أبناء الأنصار وهذا لفلان ليفرق في ناحيته وهذا لفلان وهكذا حتى فرقها كلها فلما فرقها أحس أنه فرق معها كربته وتنفس الصعداء ونفض الكيس ثم تصدق به.

وكان لا بد لأحمد من تلبية أمر الخليفة لا خضوعا لقوة السلطان بل وفاء لحق السمع والطاعة الذي فرضه الإسلام لأولي الأمر في غير معصية، فخرج من بغداد إلى سامراء ومعه يعقوب المعروف بقوصرة وهو الرسول الذي حضر إليه من لدن الخليفة بالمال والخطاب وخرج معه بعض بنيه وكان يعقوب شديد السرور بنجاح مهمته فقد قبل أحمد بن حنبل أن يخرج معه، وكان يدرك مبلغ السرور الذي سيدخل قلب أمير المؤمنين بذلك.

نزل الإمام بسر من رأى ضيفا على أمير المؤمنين ولم يكن للخليفة من هم بعد أن عرف كل شيء عن أحمد إلا أن يرضيه، وأن لا يحمله علي شيء يكرهه. عرف الخليفة أن أحمد لا يقبل ماله فلم يكن له بد من النزول على رغبته واحترام إرادته ولكن لا بد من أن يصله في قرابته فليكن المال لأهله وبنيه دون أن يعلم وتسلم صالح ابنه بأمر الخليفة عشرة آلاف على الفور مكان التي فرقها أبوه ببغداد على أبناء المهاجرين والأنصار وسواهم.

وعرف رجال القصر لهفة الخليفة وشدة إقباله على أحمد وإكباره له فأقبلوا عليه بمثل ما أقبل سيدهم كل يخطب وده ويبتغي إليه المنزلة ويحاول أن يسره بما يستطيع. أمر الخليفة أن تفرش الدار التي هيئت له بالفرش الوثيرة وأن ترتب له ومن معه من بنيه مائدة شهية واسعة وأمر أن يقطع له ملابس فاخرة: طيلسان وقلنسوة وشارات رسمية من السواد الذي اختارته الدولة العباسية شعارا لها.

ويحضر يحيى بن خالد فيقول: إن الخليفة أمرني أن أصير لك مرتبة في أعلى ويصير ولده المعتز في حجرك تؤدبه بما شئت من أدب القرآن وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وجاء يحيى في اليوم التالي يدعوه أن يركب إلى دار المعتز ويقول في لهجة مهذبة: تركب يا أبا عبد الله فيقول الإمام أحمد: ذاك إليكم وكان يوما مشهودا في القصر ألبسوه هناك الطيلسان وما أمر له به الخليفة من ألوان الثياب والشارات ويقول بعض الخدم: إن الخليفة كان مع أمه مستترين خلف ستار من ستور القصر يرقب في خفاء ما يكون من أحمد، فلما رآه يدخل أخذته خفة وغشيته هزة من الفرح ولمع السرور في عينيه وقال. يا أمه قد أنارت الدار بدخول أحمد.

يقول ابنه صالح: لما عاد أبي من القصر إلى الدار التي أعدت له نزع عنه الثياب التي أنعم بها عليه. وجعل يبكي ويقول: سلمت من هؤلاء منذ ستين سنة حتى إذا كان في آخر عمري بليت بهم، ما أحسبني سلمت من دخولي على هذا الغلام فكيف بالخليفة الذي يجب نصحه من وقت أن تقع عيني عليه إلى أن أخرج من عنده؟ ‌‍! ثم التفت إلى الملابس وقال لابنه: وجه بهذه الثياب إلى بغداد لتباع وحذار أن يشتري أحد منكم شيئا منها. أما الفرش الوثيرة الطرية فقد نحى نفسه عنها، وألقى بنفسه على مضرية خشنة له، ونظر إلى حجرة في جانب الدار فأمر أن يحول إلى ركن منها وأن لا يسرج فيها سراج قط، وأما المائدة فقد عافها فلم يدخل بطنه شيء منها وكانت شهية حافلة.

وأخيرا بلغ الضجر بالإمام أحمد كل مبلغ وبرم بكل شيء وزهد في كل شيء ولم يعد أبغض إليه من أن يلقى رجال الخليفة حتى كان يدعهم مع بنيه في الدهليز، ويقبل على صلاته ما شاء الله، وكان المرض ينزل به فيراه عافية سابغة لما فيه من عافية احتجابه عنهم. اشتكت عينه مرة فلما برئت ضاق ببرئها وقال لولده صالح: ألا تعجب كانت عيني تشتكي فتمكث حينا حتى تبرأ ثم هي في هذه المرة تبرأ في سرعة. والله لقد تمنيت الموت في الأمر الذي كان أيام المعتصم وإني لأتمنى الموت في هذا، إن هذا فتنة الدنيا وكان ذاك فتنة الدين نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

وأما مرضه ووفاته فإنه مرض تسعة أيام قال ابنه عبد الله: سمعت أبي يقول: استكملت سبعا وسبعين سنة فحم من ليلته وهو محموم يتنفس تنفسا شديدا، وقال صالح: وكنت قد عرفت علته وكنت أمرضه إذا اعتل.

وجاء الفتح بن سهل إلى الباب ليعوده فحجبه وأتى ابن علي بن الجعد فحجبه، وكثر الناس فقال لي: أي شيء ترى؟ قلت: تأذن لهم فيدعون لك قال: أستخير الله - تعالى -فأذن لهم فجعلوا يدخلون عليه أفواجا، ويسلمون عليه ويرد عليهم بيده، ويسألونه عن حاله، ويدعون له حتى تمتلئ الدار، ثم يخرجون ويدخل فوج آخر، وكثر الناس، وامتلأ الشارع، وأغلقنا باب الزقاق، وجاء رجل من جيراننا قد خضب فسر به، وقال: إني لأرى الرجل يجيء شيئا من السنة فأفرح به فدخل فجعل يدعو له فيقول أبي: ولجميع المسلمين.

وجاء رجل فقال: تلطف لي بالإذن عليه فإني قد حضرت ضربه يوم الدار، وأريد أن استحله. فقلت له، فأمسك فلم أزل به حتى قال: أدخله فأدخلته فقام بين يديه وجعل يبكي وقال: يا أبا عبد الله أنا كنت ممن حضر ضربك يوم الدار، وقد أتيتك فإن أحببت القصاص فأنا بين يديك وإن رأيت أن تحلني فعلت. قال: على أن لا تعود لمثل ذلك قال: نعم قال: فإني جعلتك في حل فخرج يبكي وبكى من حضر من الناس ثم قال: وجه فاشتر تمرا وكفر عني كفارة يمين فأخبرته بأني قد فعلت قال: الحمد لله. ثم قال اقرأ علي الوصية فقرأتها فأقرها وكنت أنام إلى جنبه فإذا أراد حاجة حركني فأناوله، وجعل يحرك لسانه ولم يئن إلا في الليلة التي توفي فيها، ولم يزل يصلي قائما أمسكه فيركع ويسجد وأرفعه في ركوعه ولم يزل عقله ثابتا.

وتسامع الناس بمرضه وكثروا وسمع السلطان بكثرة الناس فوكل ببابه وباب الزقاق المرابطة وأصحاب الأخبار، ثم أغلق باب الزقاق حتى تعطل بعض الباعة، وحيل بينهم وبين البيع والشراء، وكان الرجل إذا أراد أن يدخل إليه ربما دخل من بعض الدور وربما تسلق، وجاء أصحاب الأخبار فقعدوا على الأبواب وجاءه صاحب ابن طاهر فقال: إن الأمير يقرئك السلام وهو يشتهي أن يراك فقال: هذا مما أكرهه وأمير المؤمنين قد أعفاني مما أكره، وأصحاب الخير يكتبون بخبره إلى العسكر. والبرد تختلف كل يوم وجاء بنو هاشم فدخلوا عليه وجعلوا يبكون، وجاء قوم من القضاة وغيرهم فلم يؤذن لهم فلما كان قبل وفاته بيوم أو يومين قال: ادعوا لي الصبيان بلسان ثقيل فجعلوا ينضمون إليه وجعل يشمهم ويمسح بيده على رؤوسهم وعينه تدمع فقال له رجل: لا تغتم لهم يا أبا عبد الله فأشار بيده فظننا أن معناه إني لم أرد هذا المعنى. وكان يصلي قاعدا ويصلي وهو مضطجع لا يكاد يفتر ويرفع يده في إيماء الركوع واشتدت علته يوم الخميس ووضأته فقال: خلل الأصابع، وثقل ليلة الجمعة فلما كان يوم الجمعة الموافق اثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول عام 241 توفي صدر النهار لساعتين منه فصاح الناس وعلت الأصوات بالبكاء حتى كأن الدنيا قد ارتجت وامتلأت السكك والشوارع وقال صالح: وجه ابن طاهر يعني نائب بغداد بحاجبه مظفر ومعه غلامين معهما مناديل فيها

ثياب وطيب فقلت: أقرئ الأمير السلام وقل له: إن أمير المؤمنين قد كان أعفاه في حياته مما كان يكره، ولا أحب أن أتبعه بعد موته بما كان يكرهه في حياته.

وقد كانت الجارية غزلت له ثوبا عشاريا قوم بثمانية وعشرين درهما ليقطع منه قميصين فقطعنا له لفافتين وأخذ منه فوران لفافة أخرى فأدرجناه في ثلاث لفائف واشترينا له حنوطا وفرغ من غسله وكفناه، وحضر نحو مائة من بني هاشم ونحن نكفنه، وجعلوا يقبلون جبهته حتى رفعناه على السرير، وقال صالح: وجه الأمير ابن طاهر فقال: من يصلي عليه؟ قلت: أنا، فلما صرت إلى الصحراء إذا ابن طاهر واقف فخطا إلينا خطوات وعزانا ووضع السرير فلما انتظرت هنيهة تقدمت وجعلت أسوي صفوف الناس فجاءني ابن طاهر فقبض هذا على يدي ومحمد بن نصر على يدي وقالوا: الأمير. فمانعتهم فنحياني وصلى ولم يعلم الناس بذلك فلما كان من الغد علم الناس فجعلوا يجيئون ويصلون على القبر، ومكث الناس ما شاء الله يأتون فيصلون على القبر فكانت الصفوف من الميدان إلى قنطرة باب القطيعة سوى ما كان في الأطراف والحواري والسطوح والمواضع المتفرقة، ومن كان في السفن في الماء وقد حزر من حضر جنازته فكانوا سبعمائة ألف وقيل: ثمانمائة ألف وقيل: بلغوا ألف ألف وثلاثمائة ألف، وقيل غير ذلك مما يدل على أنهم جمع غفير وكان - رضي الله عنه - يقول في حال صحته: قولوا لأهل البدع: بيننا وبينكم يوم الجنائز.

وقد صنفت في ترجمته مصنفات مستقلة منها: المناقب لأبي الفرج بن الجوزي في مجلد، ومنها لأبي إسماعيل الأنصاري في مجلدين، ومنها لأبي بكر البيهقي في مجلد، ومنها لأبي زهرة مجلد، ومنها لأحمد الدومي في مجلد، وغير ذلك عدا ما في غضون كتب التاريخ والتراجم من ذكر مناقبه وثناء الناس عليه - رحمه الله - وسائر أئمة المسلمين وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

قطرة من بحر أبي بكر رضي الله عنه

الخطبة الأولى:



الحمدُ للهِ عزَّ واقتَدَر، وعَلا وقهَر، لا محيدَ عنه ولا مفرّ، أحمدُه سبحانه وأشكُره، فقد تأذَّنَ بالزيادةِ لمن شكرَ، وأتوبُ إليه وأستَغفرُه فهو يقبَلُ توبةَ عبدِه إذا أنابَ واستغفَر، وأشهدُ أن لا إلهَ إلاّ اللهُ وحدَه لا شريكَ له شهادةً تُنجِي قائلَها يومَ العرضِ الأكبرِ، وأشهدُ أنّ سيِّدَنا ونبيَنا محمَدًا عبدُ اللهِ ورسولُه سيّدَ البشرِ، الشافعَ المُشفَّعَ في المحشرِ، صلّى اللهُ وسلَّمَ وبَارَكَ عليه وعلى آلِه الأخيَارِ الطُهَرِ، وأصحابِه السادةِ الغُرَر، والتابعينَ ومن تبعَهم بإحسانٍ وسلّمَ تسليمًا كثيرًا ما اتّصَلت عينٌ بنظرٍ، وأذُنٌ بخبرٍ.



أما بعد:



(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة: 119].



إن الحديثَ عن الصادقينَ العظماءِ؛ حديثٌ يُجدِّدُ في الأمةِ الدِماءَ، وحيثُ أن هذه الأمةَ خيرُ الأممِ، تربَّعَ صادِقوها في المجدِ أعلى القِمَمِ، وأعظمُ هؤلاءِ الصادقينَ هو الصدِّيقُ الأكبرُ، الذي هو في سماءِ الصدقِ القَمَرُ، وهو في صحراءِ الوفاءِ المَطَرُ، إنه الصدِّيقُ والصَديقُ والحبيبُ والخليفةُ أبو بكرٍ، في سيرتِه: (إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) [النمل: 7].



عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ -رضي الله عنه- قَالَ: "كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- إِذْ أَقْبَلَ أَبُوبَكْرٍ آخِذًا بِطَرَفِ ثَوْبِهِ حَتَّى أَبْدَى عَنْ رُكْبَتِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "أَمَّا صَاحِبُكُمْ فَقَدْ غَامَرَ أي خاصَمَ-" فَسَلَّمَ، وَقَالَ: إِنِّي كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ ابْنِ الْخَطَّابِ شَيْءٌ فَأَسْرَعْتُ إِلَيْهِ -أي أغضبتُه- ثُمَّ نَدِمْتُ، فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَغْفِرَ لِي فَأَبَى عَلَيَّ، فَأَقْبَلْتُ إِلَيْكَ، فَقَالَ: "يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ، يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ، يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ".



ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ نَدِمَ فَأَتَى مَنْزِلَ أَبِي بَكْرٍ، فَسَأَلَ: أَثَّمَ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالُوا: لَا، فَأَتَى إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَسَلَّمَ، فَجَعَلَ وَجْهُ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- يَتَمَعَّرُ -أي تذهبُ نضارتُه من الغضبِ- حَتَّى أَشْفَقَ أَبُو بَكْرٍ فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ أَنَا كُنْتُ أَظْلَمَ، وَاللَّهِ أَنَا كُنْتُ أَظْلَمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ فَقُلْتُمْ: كَذَبْتَ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ صَدَقَ وَوَاسَانِي بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَهَلْ أَنْتُمْ تَارِكُوا لِي صَاحِبِي، فَهَلْ أَنْتُمْ تَارِكُوا لِي صَاحِبِي، فَمَا أُوذِيَ بَعْدَهَا".



كانَ أبو بكرٍ رجلاً مُتميّزاً حتى في إسلامِه، فحينَ أخبرَه النبيُ -صلى الله عليه وسلم- بأنه رسولٌ من ربِ العبادِ، ليتركَ عبادةَ الأوثانِ وما كانَ عليه الآباءُ والأجدادُ، ويعبدَ اللهَ وحدَه لا شريكَ له، فماذا كانَ موقفُه من هذا القرارِ المصيري الذي سيُغيّرُ مجرى حياتِه؟



قالَ عليه الصلاة والسلام: "مَا عَرَضْتُ الإِسْلامَ عَلَى أَحَدٍ إِلا كَانَتْ لَهُ عِنْدَهُ كَبْوَةٌ أَوْ تَرَدُّدٌ، غَيْرَ أَبِي بَكْرٍ، فَإِنَّهُ لَمْ يَتَلَعْثَمْ" فكيفَ لا تكونُ له تلكَ المكانةُ الغاليَةُ، والمنزلةُ العاليَةُ.



لقد اجتمعَ في أبي بكرٍ -رضي الله عنه- تلكَ الأخلاقُ الفاضلةُ التي كانت في رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فلما جاءَ النبيُ -عليه الصلاة والسلام- خائفاً من غارِ حراءٍ ترجفُ بوادرُه، قَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ -رضي الله عنها-: "كَلا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ، أَبَدًا إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ".



ولما أرادَ أبو بكرٍ الهجرةَ إلى الحبشةِ، قَالَ لَهُ ابْنُ الدَّغِنَةِ: "إِنَّ مِثْلَكَ لاَ يَخْرُجُ وَلاَ يُخْرَجُ، فَإِنَّكَ تَكْسِبُ المَعْدُومَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ".



فسبحانَ من أعطاهُ من الصفاتِ كما أعطى أحبَ خلقِه إليه، حتى كأنهما رُوحٌ واحدةٌ في جَسدينِ.



يا أهلَ الإيمانِ: إن كانَ من المسلمينَ من يخجلُ إذا سُئلَ عن تعددِ الزوجاتِ، أو قطعِ يدِ السارقِ، أو أحكامِ المرأةِ في الإسلامِ، فاسمعوا إلى هذا السؤالِ المُحرجِ الذي وجَّهَهُ الكفارُ لأبي بكرٍ -رضي الله عنه-، قَالَتْ عائشةُ -رضي الله عنها-: "لَمَّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى أَصْبَحَ يُحَدِّثُ بِذَلِكَ النَّاسَ، فَارْتَدَّ نَاسٌ مِمَّنْ كَانَ آمَنَ بِهِ وَصَدَّقَ بِهِ، وَفُتِنُوا بِذَلِكَ عَنْ دِينِهِمْ، وَسَعَى رِجَالٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ -رضي الله عنه-، فَقَالُوا: هَلْ لَكَ فِي صَاحِبِكَ، يَزْعُمُ أَنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ؟ فَقَالَ: أَوَقَالَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَقَالَ: لَئِنْ كَانَ قَدْ قَالَ ذَلِكَ لَقَدْ صَدَقَ، قَالُوا: تُصَدِّقُهُ أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى الشَّامِ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ وَجَاءَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنِّي لأُصَدِّقُهُ فِيمَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ؛ أُصَدِّقُهُ فِي خَبَرِ السَّمَاءِ فِي غَدْوَةٍ وَرَوْحَةٍ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقُ" إنه اليقينُ، في قلوبِ الصادقينَ.



وانصِتوا إلى ابنِ عمِ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وهو يُثني على أهلِ الفضْلِ، خَطَبَ عليُ بنُ أبي طالبٍ -رضي الله عنه- يوماً، فقالَ: يا أيُّها النّاسُ، منْ أشجَعُ النّاسِ؟ فقالوا: أنتَ يا أميرَ المُؤْمنينَ، فقالَ: أمّا إنّي ما بارزَني أحدٌ إلاّ انتصّفْتُ منهُ، ولكنْ هوَ أبوبكرٍ، وذلكَ إنّا جَعَلنا لِرسول ِاللّهِ -صلى الله عليه وسلم- عريشاً يومَ بدرٍ، فقلنا: منْ يكونُ معَ رسول ِاللّه ِلئلاّ يَهوي إليْهِ أحدُ المشركينَ؟ فو اللّهِ، ما دنا مِنّا أحدٌ إلاّ أبو بكر ٍشاهراً بالسّيْف ِعلى رأس ِرسول ِاللّهِ، لا يَهوي إليْهِ أحدٌ إلاّ أهْوى إليْهِ، فهذا أشْجَعُ النّاس، قالَ: ولقدْ رأيتُ رسولَ اللّهِ وأخَذَتْهُ قُريْشٌ -أي في مكةَ قبلَ الهجرةِ-، فهذا يُحادُّهُ، وهذا يُتَلْتِلُهُ، ويقولونَ: أنتَ جعلتَ الآلهة َإلهاً واحداً؟! فواللّهِ ما دنا منّا أحدٌ إلاّ أبو بكرٍ، يَضربُ هذا، ويُجاهدُ هذا، ويُتَلْتِلُ هذا، وهو يقولُ: ويْلَكُمْ أتقْتُلونَ رجلاً أن يقولَ ربّيَ الله؟ ثُمّ رفعَ عليّ ٌبُرْدَة ًكانت عليهِ فبكى حتّى اخْضَلّتْ لِحيَتُهُ، ثمّ قالَ: أنْشِدُكُمُ اللّهَ، أمُؤْمِنُ آل ِفِرْعَونَ خيرٌ أمْ هوَ؟ فسكتَ القومُ.



فقالَ عليٌّ: فواللّهِ لَساعة ٌمن أبي بكر ٍخيرٌ منْ مِلْءِ الأرض ِمن مؤمن ِآل ِفرعونَ، ذاكَ رجلٌ يكتُمُ إيمانَهُ وهذا رجلٌ أعلنَ إيمانَهُ.



أخبروني من ذا الذي يستطيعُ أن يصفَ حُبَّ أبي بكرٍ للنبيِ -صلى الله عليه وسلم-؟ فعندما جاءَ النبيُ -عليه الصلاة والسلام- وأخبرَ أبا بكرٍ بأنه أُذِنَ له بالهجرةِ، وأنه صاحبُه فيها، قَالَتْ عَائِشَةُ -رضي الله عنها-: فَرَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ يَبْكِي، وَمَا كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّ أَحَدًا يَبْكِي مِنَ الْفَرَحِ، فخرجَ معه كما وصفَهم اللهُ -تعالى-: (إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا)[التوبة: 40].



قالَ السهيليُ -رحمه الله-: "ألا ترى كيفَ قالَ: لا تحزنْ ولم يقلْ لا تخفْ؟ لأن حزنَه على رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- شَغله عن خوفِه على نفسِه، ثم يمكثُ معه في الغارِ ثلاثةُ أيامٍ، فما أجملَ الغارِ، إذا كانُ الرفيقُ فيه هو النبيُ المُختارُ -عليه الصلاة والسلام-".



حتى ابنَ الخطابِ، يعرفُ أن أبابكرٍ هو خيرُ الأصحابِ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ -رحمه الله-: "كَأَنَّ رِجَالاً عَلَى عَهْدِ عُمَرَ -رضي الله عنه- فَضَلُّوا عُمَرَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ -رضي الله عنهما-، قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ -رضي الله عنه-، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَلَيْلَةُ مِنْ أَبِي بَكْرٍ خَيْرٌ مِنْ آلِ عُمَرَ".



لَقَدْ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لِيَنْطَلِقَ إِلَى الْغَارِ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَجَعَلَ يَمْشِي سَاعَةً بَيْنَ يَدَيْهِ، وَسَاعَةً خَلْفَهُ حَتَّى فَطِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَقَالَ: "يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا لَكَ تَمْشِي سَاعَةً بَيْنَ يَدَيْ وَسَاعَةً خَلْفِي؟" فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَذَكُرُ الطَّلَبَ فَأَمْشِي خَلْفَكَ، ثُمَّ أَذَكَرُ الرَّصْدَ فَأَمْشِي بَيْنَ يَدَيْكَ، فَقَالَ: "يَا أَبَا بَكْرٍ، لَوْ كَانَ شَيْءٌ أَحْبَبْتَ أَنْ يَكُونَ بِكَ دُونِي؟" قَالَ: "نَعَمْ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا كَانَتْ لِتَكُونَ مِنْ مُلِمَّةٍ إِلَّا أَنْ تَكُونَ بِي دُونَكَ، فَلَمَّا انْتَهَيَا إِلَى الْغَارِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَكَانَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَتَّى أَسْتَبْرِئَ لَكَ الْغَارَ، فَدَخَلَ وَاسْتَبْرَأَهُ، ثُمَّ قَالَ: انْزِلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ عُمَرُ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لِتِلْكَ اللَّيْلَةُ خَيْرٌ مِنْ آلِ عُمَرَ".



كانَ أبو بكرٍ أعلمَ الناسِ بمُرادِ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-؛ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَطَبَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ" فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -رضي الله عنه-، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: مَا يُبْكِي هَذَا الشَّيْخَ، إِنْ يَكُنْ اللَّهُ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- هُوَ الْعَبْدَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا، قَالَ: "يَا أَبَا بَكْرٍ لَا تَبْكِ، إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا مِنْ أُمَّتِي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ".



أقولُ قولي هذا، وأستغفرُ اللهَ لي ولكم ولسائرِ المسلمينَ من كلِ ذنبٍ فاستغفروه؛ إنه هو الغفورُ الرحيمُ.





الخطبة الثانية:



الحمدُ للهِ حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، هي الشهادةُ التي تنجي من العذابِ يومَ القيامةِ، وأشهدُ أن محمداً عبدُه ورسولُه صلى اللهُ عليه وعلى آلهِ وأصحابهِ ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ.



أما بعد:



فلكم أن تتخيلوا ذلك اليومُ الذي ماتَ فيه رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ -رضي الله عنه- عَلَى فَرَسِهِ مِنْ مَسْكَنِهِ بِالسُّنْحِ، حَتَّى نَزَلَ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ فَلَمْ يُكَلِّمْ النَّاسَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ -رضي الله عنها-، فَتَيَمَّمَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ مُسَجًّى بِبُرْدِ حِبَرَةٍ فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ، ثُمَّ بَكَى، فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا.



يقَولُ أَنَسٌ -رضي الله عنه-: "لَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَظْلَمَ مِنَ الْمَدِينَةِ كُلُّ شَيْءٍ".



فإذا هذا كانَ هو شعورُ الناسِ، فكيفَ إذاً هو شعورُ أبي بكرٍ، الصاحبِ القريبِ، والمستشارِ الحبيبِ، كأن روحَه هي التي خرجتْ من جسدِه، فأيُ يومٍ ذلك الذي لن يراه فيه، وأيُ حياةٍ تلك التي ليسَ فيها رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، ولكن ما يجعلُ المصيبةَ العظمى تهونُ، هو قولُه تعالى: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ) [الزمر: 30].



ثُمَ خَرَجَ أَبَو بَكْرٍ -رضي الله عنه- إلى الناسِ فَتَشَهَّدَ، ثُمَ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم- فَإِنَّ مُحَمَّدًا -صلى الله عليه وسلم- قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ".



قَالَ اللَّهُ -تعالى-: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ) [آل عمران: 144].



قالَ: فَنَشَجَ النَّاسُ يَبْكُونَ، وَاللَّهِ لَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَهَا حَتَّى تَلَاهَا أَبُو بَكْرٍ -رضي الله عنه- فَتَلَقَّاهَا مِنْهُ النَّاسُ فَمَا يُسْمَعُ بَشَرٌ إِلَّا يَتْلُوهَا.



فإن كانَ رسولُ اللهِ قد ماتَ، فلا زالَ صاحبُه على ما عَهِدَ من الثباتِ.



وهنيئاً له بُشارةُ النبيِ -صلى الله عليه وسلم- حينَ دخلَ بِئْرَ أَرِيسٍ فَجَلَسَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ عِنْدَ الْبَابِ وَبَابُهَا مِنْ جَرِيدٍ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَدَفَعَ الْبَابَ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: عَلَى رِسْلِكَ، ثُمَّ ذَهَبَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ، فَقَالَ: "ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ" فَأَقْبَلَ حَتَّى قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: "ادْخُلْ وَرَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يُبَشِّرُكَ بِالْجَنَّة".



وواللهِ إن حُبَّ أبي بكرٍ من التوفيقِ والإيمانِ، وبُغضَه من النِفاقِ والخُذلانِ.



(رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) [الحشر: 10].

أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها بين محبة الصادقين وتشويه المدعين

الخطبة الأولى
الْحَمْدُ لله الْخَلَّاقِ الْعَلِيْمِ، الْحَكِيْمِ الْقَدِيْرِ؛ خَلَقَ الْمَكَانَ وَالْزَّمَانَ، وَعَاقَبَ بَيْنَ الْلَّيْلِ وَالْنَّهَارِ، وَجَعَلَهُمَا ظَرْفَاً لَأَعْمَالِ الْعِبَادِ، وَتَذْكِرَةً لِيَوْمِ الْمَعَادِ: (وَهُوَ الَّذِيْ جَعَلَ الْلَّيْلَ وَالْنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوْرَاً) [الْفُرْقَانَ: 62].

نَحْمَدُهُ حَمْدَاً كَثِيْرَاً، وَنَشْكُرُهُ شُكْرَاً مَزِيْدَاً؛ خَلَقَنَا وَرَزَقَنَا وَأَحْيَانَا ثُمَّ يُمِيْتُنَا ثُمَّ يُحَيِّنَا وَإِلَيْهِ مَرْجِعُنَا وَعَلَيْهِ حِسَابُنَا وَجَزَاؤُنَا.

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَا الَلّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ؛ عَظُمَ حِلْمُهُ عَلَى عِبَادِهِ فَأَمْهَلَهُمْ، وَلَوْ شَاءَ لَعَذَّبَهُمْ: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الْنَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمىً) [الْنَّحْلِ: 61].

وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ؛ اصْطَفَاهُ اللهُ - تعالى - عَلَى الْعَالَمِيْنَ، وَاخْتَارَ لَهُ مِنَ الْأَصْحَابِ أَفْضَلَهُمْ، وَمِنَ الْزَّوْجَاتِ أَطْهَرَهُنَّ، فَكُنَّ لَهُ فِي الْدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ، وَحُرِّمْنَ عَلَى غَيْرِهِ فَهُنَّ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِيْنَ، وَحْلَيلَاتُ رَسُوْلِ رَبِّ الْعَالَمِيْنَ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِيْنَ، وَالْتَّابِعِيْنَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الْدِّيِنِ.

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ - تعالى - أَيُّهَا الْمُؤْمِنُوْنَ - وَاعْتَبِرُوْا بِسُرْعَةِ انْقِضَاءِ الْأَعْوَامِ؛ فَإِنَّهَا مُؤْذِنَةٌ بِتَصَرُّمِ الْأَعْمَارِ، وَقُرْبِ الْآجَالِ، وَكُلُّ يَوْمٍ يَمْضِي عَلَى الْوَاحِدِ لَا يَزْدَادُ فِيْهِ قُرْبَاً مِنَ الْلَّهِ - تعالى - فَهُوَ خَسَارَةٌ عَلَيْهِ..

افْتَتِحُوا - عِبَادَ الله - عَامَكُمْ بِالصِّيَامِ؛ فَإِنَّ الصِّيَامَ ضِيَاءٌ، وَمَنْ بَدَأَ عَامَهُ بِالْضِّيَاءِ سَارَ فِيْهِ بَقِيَّتَهُ، وَمَنْ أَضَاءَ لَهُ عَامُهُ كَانَ حَرِيَّاً أَنْ يَتَزَوَّدَ فِيْهِ مِنَ الْخَيْرَاتِ، وَيُجَانِبَ المُوْبِقَاتِ، وَأَنْ يَكُوْنَ عَامُهُ الْدَّاخِلُ عَلَيْهِ خَيْرَاً مِنْ عَامِهِ الْخَارِجِ مِنْهُ، وَقَدْ قَالَ الْنَّبِيُّ - عليه الصلاة والسلام -: ((أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ صِيَامُ شَهْرِ الْلَّهِ الْمُحَرَّمِ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَمَنْ عَجَزَ عَنْ صِيَامِ مُحَرَّمٍ أَوْ أَكْثَرَهُ فَلَا يَعْجِزَنَّ عَنْ عَاشُوْرَاءَ مِنْهُ فَإِنَّهُ كَفَارَةُ سُنَّةٍ كَمَا فِيْ حَدِيْثِ أَبِيْ قَتَادَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ الْنَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: ((صِيَامُ يَوْمِ عَاشُوْرَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى الله أَنْ يُكَفِّرَ الْسَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَأَمَرَ بِمُخَالَفَةِ الْيَهُوْدِ فِيْهِ بِصِيَامِ الْتَّاسِعِ مَعَهُ وَقَالَ: ((لَئِنْ بَقِيَتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُوْمَنَّ الْتَّاسِعَ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. فَصُوْمُوْهُ شُكْرَاً لله - تعالى - عَلَى نَجَاةِ مُوْسَى وَقَوْمِهِ مِنْ فِرْعَوْنَ وَجُنْدِهِ، وَتَأَسِّيَاً بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وَطَلَبَاً لِلْأَجْرِ المُرَتَّبِ عَلَيْهِ.

أَيُّهَا الْنَّاسُ: حِيْنَ اصْطَفَى اللهُ - تعالى - نَبِيَّهُ مُحَمَّدَاً - صلى الله عليه وسلم - عَلَى الْعَالَمِيْنَ لِيَكُوْنَ نَبِيَّ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَيَخْتِمَ بِهِ رِسَالَاتِهِ - سبحانه - إِلَى الْبَشَرِ اخْتَارَ لَهُ أَحْسَنَ الْخِلَالِ فَزَيَّنَهُ بِهَا، وَحَبَاهُ مِنَ الْأَوْصَافِ أَفْضَلَهَا، فَسَمَا عَلَى أَقْرَانِهِ، وِفَاقَ أَهْلَ زَمَانِهِ.. فَمَا حُفِظَتْ لَهُ فِيْ صِبَاهُ هَنَّةٌ، وَلَا نُقِلَتْ عَنْهُ فِيْ شَبَابِهِ صَبْوَةٌ.. حَتَّى لُقِّبَ فِيْهِمْ بِالْأَمِيْنِ، وَحَكَّمُوهُ بَيْنَهُمْ، وَاسْتَأْمَنُوْهُ عَلَى وَدَائِعِهِمْ.. وَكَانَ فِيْ صِبَاهُ وَشَبَابِهِ مِنَ سَادَتِهِمْ.. وَإِنَّمَا يَكْمُلُ الْرِّجَالُ بِالْعَقِلِ وَالْأَخْلاقِ وَلَا يَنْفَعُ مَعَ الْحُمْقِ وَالْجَهْلِ مَالٌ وَلَا جَاهٌ..

وَكَانَ فِيْ قُرَيْشٍ امْرَأَةٌ سَادَتْ نِسَاءَ أَهْلِ زَمَانِهَا وَفَاقَتْهُنَّ رَجَاحَةَ عَقْلٍ، وَجَمَالَ خِلْقَةٍ، وَكَرَمَ أَصْلٍ وَنَسَبٍ، وَوَفْرَةَ مَالٍ، فِي خِلَالٍ حَسَنَةٍ أُخْرَى يُزَاحِمُ بَعْضُهَا بَعْضَاً.. وَكَانَ أَبُوْهَا ذَا شَرَفٍ فِيْ قَوْمِهِ، وَنَزَلَ مَكَّةَ وَحَالَفَ بِهَا بَنِي عَبْدِ الْدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ، فَهِيَ سَيِّدَةُ سَادَةِ، شَرِيْفَةُ أَشْرَافٍ.

وَصَفَتْهَا مَنْ حَضَرَتْهَا وَعَاشَرَتْهَا وَهِيَ نَفِيْسَةُ بَنِتُ مُنْيَةَ فَقَالَتْ - رضي الله عنها -: ((كَانَتْ خَدِيْجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ امْرَأَةً حَازِمَةً جَلْدَةً شَرِيْفَةً، أَوْسَطَ قُرَيْشٍ نَسَبَاً، وَأَكْثَرَهُمْ مَالْاً، وَكُلُّ قَوْمِهَا كَانَ حَرِيْصَاً عَلَى نِكَاحِهَا لَوْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ، قَدْ طَلَبُوْهَا وَّبَذَلُوْا لَهَا الْأَمْوَالَ))..

كَانَتْ - رضي الله عنها - تُدْعَى فِيْ الْجَاهِلِيَّةِ بِالطَّاهِرَةِ وَكَانَ يُقَالُ لَهَا سَيِّدَةُ قُرَيْشٍ.. تَزَوَّجَتْ قَبْلَ الْنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ثَلَاثَةَ رِجَالٍ مِنْ أَشْرَافِ الْنَّاسِ، وَلَمْ يَرْغَبْ عَنْهَا كِرَامُ الْرِّجَالِ يَوْمَاً، بَلْ ظَلُّوْا يَرْغَبُوْنَ فِيْ زَوَاجِهَا، وَيَتَوَسَّلُونَ بِالْأَمْوَالِ وَالْشَّفَاعَاتِ إِلَيْهَا وَلَكِنَّهَا تَرُدُّهُمْ، وَكَانَ أَحْفَادُهَا يُنَادَوْنَ بَنُوْ الْطَّاهِرَةِ، فَلَازَمَ وَصْفُهَا بِالْطُّهْرِ أَحْفَادَهَا.. كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ حَافِظُ الْأَنْسَابِ الْزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ - رحمه الله تعالى -.

كَانَتْ خَدِيْجَةُ - رضي الله عنها - امْرَأَةً تَاجِرَةً تَسْتَأْجِرُ الْرِّجَالَ فِيْ مَالِهَا وَتُضَارِبُهُمْ إِيَّاهُ بِشَيْءٍ تَجْعَلُهُ لَهُمْ مِنْهُ، فَلَمَّا بَلَغَهَا عَنْ رَسُوْلِ الْلَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَا بَلَغَهَا مِنْ صِدْقِ حَدِيْثِهِ وَعَظِيْمِ أَمَانَتِهِ وَكَرَمِ أَخْلَاقِهِ بَعَثَتْ إِلَيْهِ فَعَرَضَتْ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ فِيْ مَالِهَا تَاجِرَاً إِلَى الْشَّامِ وَتُعْطِيهِ أَفْضَلَ مَا كَانَتْ تُعْطِي غَيْرَهُ مِنَ الْتُّجَّارِ... فَشَارَكَهَا الْنَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - وَسَارَ إِلَى الْشَّامِ وَاشْتَرَىْ لَهَا الْبَضَائِعَ فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ عَلَى خَدِيْجَةَ بُوْرِكَ لَهَا فِيْ بِضَاعَتِهَا فَبَاعَتْ مَا جَاءَ بِهِ فَرَبِحَتْ الْضِعْفَ أَوْ قَرِيْبَاً مِنْهُ وَحَدَّثَهَا غُلَامُهَا مَيْسَرَةُ مَا رَأَى مِنْ رَسُوْلِ الله - صلى الله عليه وسلم - مِنَ الْأَخْلاقِ وَالْآَيَاتِ. فَأَحَبَّتْهُ وَرَأَتْ أَنَّهُ لَا أَهْلَ لَهَا مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ سِوَاهُ، قَالَتْ نَفِيْسَةُ - رضي الله عنها -: ((فَأَرْسَلَتْنِي خَدِيْجَةُ خُفْيَةً إِلَى مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - بَعْدَ أَنْ رَجَعَ فِيْ عِيْرِهَا مِنَ الْشَّامِ، فَقُلْتُ: يَا مُحَمَّدُ، مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَتَزَوَّجَ؟ فَقَالَ: مَا بِيَدِيْ مَا أَتَزَوَّجُ بِهِ، قُلْتُ: فَإِنَّ كُفِيْتَ ذَلِكَ وَدُعِيتَ إِلَى الْمَالِ وَالْجَمَالِ وَالْشَّرَفِ وَالْكِفَايَةِ أَلَا تُجِيْبُ؟ قَالَ: فَمَنْ هِيَ؟ قُلْتُ: خَدِيْجَةُ، قَالَ: وَكَيْفَ لِيَ بِذَلِكِ؟ قُلْتُ: بَلَى وَأَنَا أَفْعَلُ، فَذَهَبْتُ فَأَخْبَرْتُهَا فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ أَنَّ أَئْتِ لَسَّاعَةِ كَذَا وَكَذَا فَأَرْسَلَتْ إِلَى عَمِّهَا عَمْرِو بْنِ أَسَدٍ لِيُزَوِّجَهَا فَحَضَرَ وَدَخَلَ رَسُوْلُ الله - صلى الله عليه وسلم - فِيْ عُمُوْمَتِهِ فَخَطَبُوْهَا مِنْ عَمِّهَا، فَقَالَ عَمُّهَا: هَذَا الْفَحْلُ لَا يُقْدَعُ أَنْفُهُ)) أَيْ: لَا يُضْرَبُ أَنْفُهُ لِكَوْنِهِ كَرِيْماً سَيِّدَاً، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُرَدُّ.. فَتَزَوَّجَ الْكَرِيْمُ الْكَرِيْمَةَ..

وَوَاللَّهِ مَا اخْتَارَهَا رَبُّ الْعَالَمِيْنَ لِنَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَّا لِأَنَّهَا امْرَأَةٌ طَيِّبَةٌ طَاهِرَةٌ ثَابِتَةٌ حَازِمَةٌ.. فَالَوَحْيُ وَتَبِعَاتُهُ، وَالْرِّسَالَةُ وَثُقْلُهَا، وَالْبَلَاغُ وَمَئُونَتُهُ.. كُلُّهَا تَحْتَاجُ إِلَى ثُبَاتٍ أَقْوَى مِنْ ثُبُوْتِ الْجِبَالِ.. وَكَانَتْ خَدِيْجَةُ - رَضِيَ الله تعالى - عَنْهَا مَنْبَعَ الْتَّثْبِيْتِ وَالْطُّمَأْنِيْنَةِ وَالْمُوَاسَاةِ.

لَمَّا خَافَ الْنَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - مِنَ الْوَحْيِّ أَوَّلَ مَرَّةٍ زَمَّلَتْهُ حَتَّى ذَهَبَ رَوْعُهُ فَقَالَ لَهَا: ((مَا لِي لَقَدْ خَشِيَتُ عَلَى نَفْسِيْ؟ فَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ، قَالَتْ خَدِيْجَةُ: كَلَّا أَبْشِرْ فَوَ الْلَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدَاً فَوَ الله إِنَّكَ لَتَصِلُ الْرَّحِمَ وَتَصْدُقُ الْحَدِيْثَ وَتَحْمِلُ الْكَلَّ وَتُكْسِبُ الْمَعْدُوْمَ وَتَقْرِي الْضَّيْفَ وَتُعِيْنُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ)) رَوَاهُ الْشَّيْخَانِ.

تَأَمَّلُوْا كَلَامَ هَذِهِ الْحَبِيْبَةِ الأَرِيبَةِ الْحَنُونِ الْرَّؤُوْمِ الْمُؤْمِنَةِ الْصِّدِّيقَةِ؛ فَهِيَ أَوَّلُ مَنْ صَدَّقَهُ وَآَمَنَ بِهِ، وَبَشَّرَهُ وَأَذْهَبَ الْخَوْفَ عَنْهُ، وَقَوَّاهُ وَثَبَّتْ قَلْبَهُ.. قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ - رحمه الله تعالى -: ((خَدِيْجَةُ أَوَّلُ خَلْقِ الْلَّهِ إِسْلَامَاً بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِيْنَ لَمْ يَتَقَدَّمْهَا رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ)).

وَقَالَ إِمَامُ الْسِيَرِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ - رحمه الله تعالى -: ((آَمَنَتْ بِهِ خَدِيْجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ بِمَا جَاءَهُ مِنَ الله وَوَازَرَتْهُ عَلَى أَمْرِهِ، فَكَانَتْ أَوَّلَ مَنْ آَمَنَتْ بِالله وَرَسُوْلِهِ، وَصَدَّقَتْ بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ الله، فَخَفَّفَ الله بِذَلِكَ عَنْ رَسُوْلِهِ، أَلَّا يَسْمَعَ شَيْئَاً يَكْرَهُهُ مِنْ رَدٍّ عَلَيْهِ وَتَكْذِيْبٍ لَهُ فَيَحْزُنُهُ ذَلِكَ إِلَّا فَرَّجَهُ الله عَنْهُ بِهَا إِذَا رَجَعَ إِلَيْهَا تُثَبِّتُهُ وَتُخَفِّفُ عَنْهُ وَتُصَدِّقُهُ، وَتُهَوِّنُ عَلَيْهِ أَمْرَ الْنَّاسِ)).

لَقَدْ اخْتُصَّتْ - رضي الله عنها - بِخَصَائِصَ عَنْ غَيْرِهَا مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِيْنَ لَمْ يَشْرَكْهَا فِيْهَا أَحَدٌ مِنْهُنَّ، وَشَارَكَتْهُنَّ فِيْ أَكْثَرِ خَصَائِصِهِنَّ فَكَانَتْ مُقَدَّمَةً عَلَيْهِنَّ، وَمِنْ خَصَائِصِهَا: أَنَّ الْنَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يَتَزَوَّجْ عَلَيْهَا فِيْ حَيَاتِهَا، وَلَا أَشْرَكَ مَعَهَا غَيْرَهَا فِيْ قَلْبِهِ؛ وَفَاءً لَهَا، وَرَدَّاً لإِحْسَانِهَا، وَاعْتِرَافَاً بِفَضْلِهَا، وَأَوْلادُهُ - صلى الله عليه وسلم - كَانُوْا كُلُّهُمْ مِنْهَا إِلَّا إِبْرَاهِيْمَ - رضي الله عنه -، وَهِيَ خَيْرُ نِسَاءِ الْأُمَّةِ، وَمَنَاقِبُهَا جَمَّةٌ، وَأَخْبَارٌهَا غَزِيْرَةٌ، وَفَضَائِلُهَا كَثِيْرَةٌ..

سُمِّيَ الْعَامُ الَّذِيْ تُوُفِّيَتْ فِيْهِ مَعَ أَبِيْ طَالِبٍ عَامَ الحُزْنِ؛ لِأَنَّ الْنَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَدْ فِيْهِ أَقْرَبَ نَصِيرَينِ لَهُ مِنَ الْبَشَرِ.. قَالَ ابْنُ أَخِيْهَا حَكِيْمُ بْنُ حِزَامٍ - رضي الله عنه -: ((تُوُفِّيَتْ خَدِيْجَةُ فِيْ رَمَضَانَ سَنَةَ عَشْرٍ مِنَ الْنُّبُوَّةِ وَهِيَ يَوْمَئِذٍ بِنْتُ خَمْسٍ وَسِتِّيْنَ سَنَةً فَخَرَجْنَا بِهَا مِنْ مَنْزِلِهَا حَتَّى دَفَنَّاهَا بِالْحُجُونِ وَنَزَلَ رَسُوْلُ الله - صلى الله عليه وسلم - فِيْ حُفْرَتِهَا وَلَمْ تُشْرَعْ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ يَوْمَئِذٍ.. )).

فَرَضِيَ الله عَنْ أُمِّنَا خَدِيْجَةَ وَأَرْضَاهَا وَعَنْ سَائِرِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِيْنَ، وَعَنِ الْصَّحَابَةِ أَجْمَعِيْنَ، وَجَمَعَنَا بِهِمْ فِيْ دَارِ الْنَّعِيمِ، وَرَزَقَنَا الْسَيرَ عَلَى صِرَاطِهِمْ الْمُسْتَقِيْمِ، وَجَنَّبَنَا دُرُوْبَ الْمُفْسِدِيْنَ، إِنَّهُ سَمِيْعٌ مُجِيْبٌ..

وَأَقُوْلُ قَوْلِيْ هَذَا وَاسْتَغْفِرُ الله...

الْخُطْبَةُ الْثَّانِيَةُ

الْحَمْدُ لِلهِ حَمْدَاً طَيِّبَاً كَثِيْرَاً مُبَارَكَاً فِيْهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسْولُهُ صَلَّى الله وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ إِلَى يَوْمِ الْدِّيِنِ.

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا الله - تعالى – وَأَطِيْعُوْهُ: (وَاتَّقُوا الْنَّارَ الَّتِيْ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِيْنَ * وَأَطِيْعُوْا الْلَّهَ وَالْرَّسُوْلَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُوْنَ) [آَلِ عِمْرَانَ: 132].

أَيُّهَا الْنَّاسُ: لَأُمِّ الْمُؤْمِنِيْنَ خَدِيْجَةَ - رضي الله عنها - مَنَاقِبُ عِدَّةٌ.. فَقَدْ عَدَّهَا الْنَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - مِنَ النِّسَاءِ الْكَامِلَاتِ وَهُنَّ قَلَائِلُ، وَكَانَ - صلى الله عليه وسلم - يَتَعَاهَدُ صَاحِبَاتِهَا بِالْهَدَايَا، وَيُكْثِرُ الْثَّنَاءَ عَلَيهَا حَتَّى غَارَتْ مِنْهَا عَائِشَةُ - رضي الله عنها -..

وَيَكْفِيْ فِيْ فَضْلِهَا أَنَّ اللهَ - تعالى -أَرْسَلَ سَلَامَهُ لَهَا مَعَ جِبْرِيْلَ، وَبَلَّغَهُ جِبْرِيْلُ لِلْنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ فَفِيْ حَدِيْثِ أَبِيْ هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: ((أَتَى جِبْرِيْلُ الْنَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: يَا رَسُوْلَ الله، هَذِهِ خَدِيْجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيْهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ - عليها السلام - مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّيْ وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِيْ الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيْهِ وَلَا نَصَبَ))رَوَاهُ الْشَّيْخَانِ.

هَذِهِ الْمَرْأَةُ الْعَظِيْمَةُ الَّتِيْ ارْتَبَطَ ذِكْرُهَا بِذِكْرِ الْوَحْيِّ وَالْبِعْثَةِ حِيْنَ كَانَتْ تُثَبِّتُ الْنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَتُبَشِّرُهُ.. هَذِهِ الْمَرْأَةُ الْطَّاهِرَةُ الْعَفِيْفَةُ الْحَيِّيَّةُ السَتِيْرةُ حَتَّى لُقِّبَتْ بِالطَّاهِرَةِ فِيْ الْجَاهِلِيَّةِ فَزَادَتْ بِالْإِسْلَامِ شَرَفَاً إِلَى شَرَفِهَا، وَطَهَارَةً إِلَى طَهَارَتِهَا.. هَذِهِ الْمَرْأَةُ الْعَظِيْمَةُ فِي الْإِسْلَامِ انْبَرَى لَفِيْفٌ مِنَ الْجَاهِلِينَ وَالْجَاهِلاتِ لِتَلْوِيْثِ سُمْعَتِهَا، وَاجْتَمَعُوْا عَلَى تَشْوِيْهِ صُوْرَتِهَا، وَتَدْنِيسِ سِيْرَتِهَا، بِخَلْعِ اسْمِهَا الْطَاهِرِ عَلَى مَرْكَزٍ لِلتَغْرِيبِ وَالتَّخْرِيْبِ وَالْإِفْسَادِ، وَمُحَادَّةِ الله - تعالى - فِي أَحْكَامِهِ، وَتَزْوِيْرِ شَرِيْعَتِهِ..

وَلَئِنْ كَانَ الْرَّوَافِضُ قَبْلَ أَشْهُرٍ قَدْ أَظْهَرُوْا الْطَّعْنَ فِيْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - فَإِنْ اللِيبْرالِيِّينَ حَاوَلُوا تَشْوِيْهَ سُمْعَةِ خَدِيْجَةَ - رضي الله عنها -، وَالْرَّافِضَةُ وَاللِيبْرَالِيُّونَ قَرِيْبٌ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ قُرْبَ الْيَهُوْدِ وَالْنَّصَارَى مِنَ الْرَّافِضَةِ الْفُرْسِ..

لَقَدْ أَرَادُوْا خِدَاعَ الْعَامَّةِ بِتَصْوِيْرِهِم خَدِيْجَةَ - رضي الله عنها - سَيِّدَةَ أَعْمَالٍ تَخْرُجُ فِيْ تِجَارَتِهَا، وَتُبَاشِرُ أَعْمَالَهَا خَارِجَ مَنْزِلِهَا، وَتُزَاحِمُ الْرِّجَالَ فِيْ مَيَادِيْنِهِمْ.. وَيُعْلِنُوْنَ بِاسْمِ الْطَّاهِرَةِ خَدِيْجَةَ الْتَمَرُّدَ عَلَى الْحِجَابِ وَعَلَى قِوَامَةِ الْرَّجُلِ عَلَى الْمَرْأَةِ وَعَلَى إِسْقَاطِ الْمَحْرَمِ فِي الْسَّفَرِ.. وَبِاسْمِ خَدِيْجَةَ يَدْعُون إِلَى الْسُّفُوْرِ وَالِاخْتِلَاطِ وَمُزَاحَمَةِ الْرِّجَالِ.. فَمَا أَكْثَرَ كَذِبَهُمْ وَمَا أَعْظَمَ فِرْيَتَهُمْ عَلَى بَيْتِ الْنُّبُوَّةِ..

أُوْلُوْ اخْتَارُوْا غَيْرَ خَدِيْجَةَ.. تِلْكَ الْمَرْأَةُ الْقَارَّةُ فِيْ بَيْتِهَا فلَمْ يُعْرَفْ لَهَا خُرُوْجٌ مُسْتَمِرٌّ مِنْهُ، وَلَا مُزَاحَمَةٌ لِلْرِّجَالِ، وَلَا غِشْيَانٌ لِلْأَسْوَاقِ، لَا فِيْ الْجَاهِلِيَّةِ وَلَا فِيْ الْإِسْلَامِ.. تِلْكَ الْمَرْأَةُ الَّتِي مَا كَانَتْ تَمْنَعُهَا الْجَاهِلِيَّةُ أَنْ تَخْرُجَ فِيْ تِجَارَتِهَا لِلْشَّامِ مَعْ غُلَامِهَا وَخَدَمِهَا وَهِيَ الْسَيِّدَةُ الَّتِيْ لَا يُوْطَأُ لَهَا عَلَى طَرَفٍ، وَلَا يُكْشَفُ لَهَا كَنَفٌ..

أُوْلُوْ اخْتَارُوْا غَيْرَ خَدِيْجَةَ الَّتِيْ كَانَتْ تَبْذُلُ مِنْ مَالِهَا لِلْرِّجَالِ لِيُدِيرُوا تِجَارَتَهَا لِكَيْ تَقَرَّ هِيَ فِيْ مَنْزِلِهَا.. وَالله مَا مَنَعَهَا مِنْ غِشْيَانِ أَعْمَالِ الْرِّجَالِ إِلَّا طُهْرُهَا وَعِفَّتُهَا وحَيَاؤُهَا.. وَلَقَدْ كَانَتْ تَوَكِّلُ مَحَارِمَهَا مِنَ الْرِّجَالِ لِشِرَاءِ حَاجَاتِهَا كَمَا اشْتَرَى لَهَا ابْنُ أَخِيْهَا حَكِيْمُ بْنُ حِزَامٍ مَوْلَاهَا زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ - رَضِيَ الله تعالى عَنْهُمْ-..

وَجِبْرِيلُ - عليه السلام - بَشَّرَهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ وَلَمْ يُبَشِّرْهَا بِقَصْرٍ أَوْ بُسْتَانٍ أَوْ نَحْوِهِ فَاسْتَخْرَجَ الْعُلَمَاءُ مِنْ ذَلِكَ نُكْتَةً لَطِيْفَةً ذَكَرَهَا الْسُّهَيْلِيُّ - رحمه الله تعالى - فَقَالَ: "لِذِكْرِ الْبَيْتِ مَعْنَىً لَطِيْفٌ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ رَبَّةَ بَيْتٍ قَبْلَ الْمَبْعَثِ فَصَارَتْ رَبَّةَ بَيْتٍ فِيْ الْإِسْلَامِ مُنْفَرِدَةً بِهِ، لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فِيْ أَوَّلِ يَوْمٍ بُعِثَ فِيْهِ رَسُوْلُ الله - صلى الله عليه وسلم - بَيْتٌ فِيْ الْإِسْلَامِ إِلَّا بَيْتَهَا، وَهِيَ فَضِيْلَةٌ مَا شَارَكَهَا فِيْهَا غَيْرُهَا" فَهَلْ يَصِحُّ أَنْ يَخْتَارَ أَذْنَابُ الْغَرْبِ خَدِيْجَةَ مِثَالَاً لِلتِجَارةِ وَمُزَاحَمَةِ الْرِّجَالِ وَتَحْرِيْرِ الْمَرْأَةِ مِنْ أَحْكَامِ الْشَّرِيِعَةِ وَهِيَ الَّتِيْ قُرَّتْ فِيْ بَيْتِهَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَبَعْدَهُ، وَأَوْكَلَتْ أَمْرَ تِجَارَتِهَا وَمَالِهَا لِلْرِّجَالِ.. نَعُوْذُ بِالْلَّهِ - تعالى - مِنَ الْجَهْلِ وَالْهَوَى وَعَمَى الْبَصِيْرَةِ.

وَلَمَّا تَزَوَّجَتْ خَدِيْجَةُ - رضي الله عنها - رَسُوْلَ الله - صلى الله عليه وسلم - كَانَ قَبْلَ الْبِعْثَةِ يَتَعَبَّدُ الْلَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ فِيْ غَارِ حِرَاءٍ وَمَا نُقِلَ أَنَّ خَدِيْجَةَ كَانَتْ تَخْرُجُ مَعَهُ، أَوْ تَبْحَثُ عَنْهُ إِذَا اسْتَبْطَأْتُهُ، وَهِيَ الْزَّوْجَةُ الْمُحِبَّةُ الَّتِيْ سَعَتْ إِلَيْهِ حَتَّى حَظِيَتْ بِهِ.. بَلْ كَانَتْ تَنْتَظِرُهُ فِيْ بَيْتِهَا حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهَا.. وَمَنْ قَرَأَ أَحَادِيْثَ بَدْءِ الْوَحْيِّ تَبَيَّنَ لَهُ ذَلِكَ.

كَذَّبُوُا وَرَبِّ خَدِيْجَةَ عَلَى خَدِيْجَةَ.. فَمَا حَضَرَتْ مُنْتَدَيَاتِ الْرِّجَالِ، وَلَا غَشَتْ أَسْوَاقَهُمْ، وَلَا شَارَكَتْ فِيْ مُؤْتَمَرَاتِهِمْ.. بَلْ أَشْرَفُ شَيْءٍ وَهُوَ دَعْوَةُ الخَلْقِ إِلَى الْحَقِّ تَرَكَتْهُ مِنْ أَجْلِ الْقَرَارِ فِيْ الْبَيْتِ، فَمَا خَرَجَتْ مَعَ الْنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لَتَدْعُوَ الْنَّاسَ بَلْ كَانَتْ تُثَبِّتُهُ وَتُسَلِّيهِ وَتُصَبِّرُهُ وَهِيَ فِيْ مَنْزِلِهِ، وَتُوَفِّرُ لَهُ الْسَّكَنَ وَالْطُّمَأْنِيْنَةَ وَالْرَّاحَةَ فِيْ مَخْدَعِهِ..

لَمْ تَكُنْ خَدِيْجَةُ كَمَا حَاوَلُوا تَصْوِيْرَهَا سَيِّدَةَ أَعْمَالٍ، وَإِنَّمَا كَانَتْ رَبَّةَ مَنْزِلٍ.. كَانَتْ سَيِّدَةَ أَشْرَفِ مَنْزِلٍ.. فَحَظِيَتْ بِشَرَفِ أَنْ تَكُوْنَ سَيِّدَةَ الْنِّسَاءِ.. وَأَفْضَلَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِيْنَ.

هَذَا الْتَشْوِيهُ الْمُتَعَمَّدُ لِسِيرَةِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ الْعَظِيمَةِ مَاذَا يُرِيْدُ مِنْهُ أَهَلُ الْجَهْلِ وَالْهَوَى مِنْ أَتْبَاعِ الْغَرْبِ الْشَهْوَانِيِّ؟

إِنَّهُمْ يُرِيْدُوْنَ تَسْوِيْقَ الْرَّذِيْلَةِ بِاسْتِغْلَالِ أَسْمَاءِ فُضْلَيَاتِ الْنِّسَاءِ الَلَّائِي لَا يُخْتَلَفُ فِيْ فَضْلِهِنَّ، وَتَمْرِيْرِ ثَقَافَةِ الْتَّغْرِيْبِ وَالتَّخْرِيْبِ عَبْرَ بَوّابَةِ تٌكْتَبُ عَلَيْهَا أَسْمَاؤُهُنَّ..

لَقَدْ كَانَ المُسَوِّقُونَ لِلْمَشْرُوْعِ الْتَّغْرِيْبِيِّ خِلَالَ عُقُوْدٍ مَضَتْ يَدْعُونَ إِلَيْهِ بِالْطَّعْنِ الْمُبَاشِرِ فِيْ أَحْكَامِ الْشَّرِيِعَةِ، ويُفْصِحُونَ عَنْ وجْهَتِهِمُ الَّتِيْ يَمَمُوْهَا شَطْرَ الْغَرْبِ، وَيُشِيدُونَ بِأَعْلَامِ الْمُتَحَرِّرِيْنَ وَالْمُتَحَرِّرَاتِ وَالْثَّائِرِيْنَ عَلَى الْدِّيْنِ وَالثَائِرَاتِ، لَكِنَّ تَسْوِيْقَ الْمَشْرُوْعِ الْتَّغْرِيْبِيِّ بِهَذِهِ الْطَّرِيْقَةِ مُنِيَ بِفَشَلٍ ذَرِيْعٍ؛ لِأَنَّ عُمُوْمَ الْمُسْلِمِيْنَ انْحَازُوْا لِدِيْنِهِمْ، وَارْتَضَوْا شَرِيْعَتَهُمْ، وَأَقْبَلُوا عَلَى عُلَمَائِهِمْ وَدُعَاتِهِمْ، وَكَرِهُوا فَسَادَ الْغَرْبِيِّيْنَ وَانْحِطَاطَهُمْ، وَلَمْ يُصَدِّقُوْا الْكَذَبَةَ الْمَسُوِقِينَ لْمَشْرَوعَاتِهِمْ.. فَتَغَيَّرَ تَكْتِيْكُ الْغَرْبِيِّيْنَ وَأَذْنَابِهِمْ فِيْ بِلَادِ الْعَرَبِ، وَتَحَوَّلُوْا مِنَ الْطَّعْنِ الْمُبَاشِرِ فِيْ الْإِسْلَامِ وَرَفْضِ أَحْكَامِهِ إِلَى إِعَادَةِ قِرَاءَةِ نُصُوْصِهِ وَتَفْسِيْرِهَا تَفْسِيْرَاً غَرْبِيَّاً، وَاسْتِخْرَاجِ شُذُوْذِ الْأَقْوَالِ وَغَرِيْبِ الْآَرَاءِ لِيُضْرَبَ بِهَا مُحْكَمُ الْتَّنْزِيْلِ.. وَالاسْتِعَانَةِ بِمَنْ قَلَّ حَظٌّهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَالْدِّيْنِ مِمَّنْ اشْتَرَوا بِعَهْدِ الله وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنَاً قَلِيْلَاً.. مِمَّنْ يَكْتُمُوْنَ مَا أَنْزَلَ الله - تعالى -مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى.. مِمَّنْ يَتَلَاعَبُونَ بِالْمُحْكَمِ مِنَ الْآَيَاتِ؛ لِيَنْتَعِلَهُمُ اللِيبْرَالِيُّونَ وَيُخْرِجُوْنَهُمْ بِمَشَالِحهِمْ وَلِحَاهُمُ ذَلِيْلِيْنَ حَقِيرِينَ مُهَانِيْنَ مُقَادِينَ يَقُوْدُهُمْ فَسَقَةُ الْنَّاسِ وَجَهَلَتُهُمْ جَنْبَاً إِلَى جَنْبٍ مَعَ الْسَّافِرَاتِ الْمُتَبَرِّجَاتِ مُغْتَرِبَاتِ الْعُقُوْلِ وَالْأَفْكَارِ؛ لِيُبِيحُوا لَهُنَّ مَا حَرَّمَ الله - تعالى - عَلَيْهِنَّ، وَيَقَبِضُوا ثَمَنَاً بَخْسَاً عَلَى تَزْوِيْرِهِمْ وَإِضْلَالِهِمْ لِلْنَّاسِ.. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِيْ أَسْقَطَهُمْ مِنْ عُيُونِ الْخَلْقِ، وَمَنْ هَانَ عَلَى الله - تعالى - هَانَتْ عَلِيهِ شَرِيْعَةُ الْلَّهِ - تعالى - فَبَاعَهَا بِثَمَنٍ بَخْسٍ، وَبَذَلَ كَرَامَتَهُ لِلْفُسَّاقِ فَغَشِيَهُ الذُّلُّ وَإِنْ نَالَ شَيْئَاً مِنْ جَاهٍ وَمَالٍ وَشُهْرَةٍ وَإِعْلَامٍ: (وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) [الْحَجِّ: 18].

الْلَّهُمَّ احْفَظْ بِلَادَنَا وَنِسَاءَنَا وَبَنَاتِنَا مِنْ شَرِّ الْمُفْسِدِيْنَ وَالْمُفْسِدَاتِ، وَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ خَاسِرِيْنَ، الْلَّهُمَّ انْصُرْ عِبَادَكَ الْمُحْتَسِبِيْنَ، وَاخْذُلْ الْمُنَافِقِيْنَ يَا رَبِّ الْعَالَمِيْنَ..

عثمان بن عفان إمام من أئمة العمل الخيري الإسلامي

عثمان بن عفان إمام من أئمة العمل الخيري الإسلامي
يعد عثمان ابن عفان - رضي الله عنه - من أكثر صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عطاءً وخيرية، فقد ساهم بماله في بناء الدولة الإسلامية، ولعبت مساهماته أدواراً رئيسية في تجاوز المسلمين لمحن مالية عديدة.
كما عرف عنه سعيه على الأرملة والمسكين وقضاء الدين، وكان سباقاً في تنافس الصحابة لتنفيذ توجيهات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في البذل والعطاء، والمطلع على سيرته - رضي الله عنه - يجد أروع الأمثلة في فعل الخيرات، ويلمس الإخلاص الحقيقي في الإنفاق، ذلك الإخلاص الذي قُبل ببشريات عديدة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعثمان ابن عفان - رضي الله عنه - خاصة.

وسنحاول من خلال هذه المقالة تلمس بعض الجوانب الخيرية في سيرة هذا الخليفة الراشد، لنقتدي بها في حياتنا وفي أسلوب إنفاقنا الخيري، سائلين المولى - عز وجل - أن نكون من المُبشرين بالقبول والجنة.

ترجمته - رضي الله عنه -:

هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب، ويلتقي نسبه بنسب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في عبد مناف، وهو أمير المؤمنين أبو عبد الله وأبو عمر، ولد بعد عام الفيل بست سنين على الصحيح، وزوجه النبي - صلى الله عليه وسلم - ابنته رقية، وماتت عنده في أيام بدر، فزوجه بعدها أختها أم كلثوم، فلذلك كان يلقب ذا النورين، وجاء من أوجه متواترة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشره بالجنة وعده من أهل الجنة وشهد له بالشهادة، وروى أبو خيثمة في فضائل الصحابة من طريق الضحاك عن النزال بن سبرة قلنا لعلي: حدثنا عن عثمان قال ذاك امرؤ يدعى في الملأ الأعلى ذا النورين، وروى الترمذي من طريق الحارث بن عبد الرحمن عن طلحة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لكل نبي رفيق ورفيقي في الجنة عثمان))، وجاء من طرق كثيرة شهيرة صحيحة عن عثمان لما أن حاصروه انتشد الصحابة في أشياء منها تجهيزه جيش العسرة، ومنها مبايعة النبي - صلى الله عليه وسلم - عنه تحت الشجرة لما أرسله إلى مكة، ومنها شراؤه بئر رومة، وغير ذلك.

وهو أول من هاجر إلى الحبشة ومعه زوجته رقية وتخلف عن بدر لتمريضها، فكتب له النبي - صلى الله عليه وسلم - بسهمه وأجره، وتخلف عن بيعة الرضوان لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان قد بعثه إلى مكة فأشيع أنهم قتلوه فكان ذلك سبب البيعة، فضرب إحدى يديه على الأخرى، وقال هذه عن عثمان، وقال بن مسعود لما بويع بايعنا خيرنا ولم نأل، وقال علي ابن أبي طالب - رضي الله عنه - كان عثمان أوصلنا للرحم، وكذا قالت أم المؤمنين السيدة عائشة - رضي الله عنها - لما بلغها قتله: قتلوه وإنه لأوصلهم للرحم، وأتقاهم للرب.

وقال بن المبارك في الزهد أنبأنا الزبير بن عبد الله أن جدته أخبرته وكانت خادماً لعثمان وقالت كان عثمان لا يوقظ نائماً من أهله إلا أن يجده يقظان فيدعوه فيناوله وضوءه، وكان يصوم الدهر، وكان عثمان لين العريكة كثير الإحسان والحلم.

وقال بن إسحاق قتل على رأس إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهراً واثنين وعشرين يوماً من خلافته فيكون ذلك في ثاني وعشرين ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وقتل وهو ابن اثنتين وثمانين سنة وأشهر على الصحيح المشهور [الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر].

صور من بعض مساهماته الخيرية - رضي الله عنه -:

1- بئر رومة:

"بئر رومة" عين مائية بيثرب -المدينة المنورة- وقد كانت رومة قبل قدوم النبي - صلى الله عليه وسلم - للمدينة لا يشرب منها أحد إلا بثمن، فلما قدم المهاجرون المدينة استنكروا الماء، وعندما قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة المنورة وجد أن الماء العذب قليل وليس بالمدينة ما يستعذب غير بئر رومة، وقد وردت روايات عديدة حول هذا البئر، ففي رواية النسائي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندما رأى هذا الحال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((من يشتري بئر رومه فيجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له في الجنة)) [صحيح النسائي، للألباني 2/766].

وفي رواية البخاري قال - صلى الله عليه وسلم -: ((من حفر بئر رومة فله الجنة)) [أخرجه البخاري رقم 2778 معلقاً وهو صحيح لشواهده].

كما روي أن عين رومه كانت لرجل من بني غفار، وكان يبيع منها القربة بمد، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((تبيعها بعين في الجنة))، فقال: يا رسول الله، ليس لي ولا لعيالي غيرها، فبلغ ذلك عثمان بن عفان - رضي الله عنه - فاشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم، ثم أتى النبي - صلى الله عليه وسلم -: فقال أتجعل لي فيها ما جعلت له؟ قال: ((نعم))، قال: قد جعلتها للمسلمين، وفي رواية أخرى: أن رومه كانت ركية ليهودي يبيع المسلمين ماءها، فاشتراها عثمان بن عفان من اليهودي بعشرين ألف درهم، فجعلها عثمان للغني والفقير وابن السبيل [فتح الباري 5/408].

2- توسعة المسجد النبوي:

بعد بناء مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وانتشار الإسلام وزيادة عدد المسلمين، ضاقت مساحة المسجد النبوي بالمسلمين، فرغب النبي - صلى الله عليه وسلم - من بعض الصحابة أن يشتري بقعة بجانب المسجد، لكي تضم إلى المسجد حتى يتسع لأهله، فقال - صلى الله عليه وسلم -، من يشتري بقعة آل فلان فيزيدها في المسجد بخير له منها في الجنة؟ فاشتراها عثمان بن عفان - رضي الله عنه - من صلب ماله [صحيح سنن الترمذي للألباني3/209، رقم 2921] بخمسة وعشرين ألف درهم أو بعشرين ألفاً، ثم أضيفت للمسجد [صحيح سنن النسائي 2/766]، وهكذا كان عثمان بن عفان سباقاً للخير ووسع على المسلمين، ونال شرف أن يجري الله أول توسعة للمسجد النبوي على يديه - رضي الله عنه وأرضاه -.

3- تجهيز جيش العسرة:

أثناء الاستعداد لغزوة تبوك حثّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسلمين على التبرع والبذل، فأعطى كل مسلم على قدر وسعه، كما سارعت النساء بالحلي يقدمنه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليستعين به في إعداد الجيش إلا أن التبرعات جميعها لم تكن لتغني أمام متطلبات تجهيز الجيش، فنظر الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى الصفوف الطويلة العريضة من الذين تهيئوا للقتال وقال: ((من يجهز هؤلاء، ويغفر الله له))؟ وما كاد عثمان يسمع نداء الرسول - صلى الله عليه وسلم - هذا حتى سارع إلى مغفرة من الله ورضوان، وهكذا وجدت العسرة الضاغطة "عثمانها المعطاء" [فتح الباري 7/67]، وقام - رضي الله عنه - بتجهيز الجيش حتى لم يتركه بحاجة إلى خطام أو عقال.

يقول ابن شهاب الزهري: قَدّم عثمان لجيش العسرة في غزوة تبوك تسعمائة وأربعين بعيراً، وستين فرساً أتم بها الألف، وجاء عثمان إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جيش العسرة بعشرة آلاف دينار صبها بين يديه، فجعل الرسول يقلبها بيده ويقول: ((ما ضر عثمان ما عمل بعد هذه)) [سنن الترمذي رقم 3700]، وعن عبد الرحمن بن سنرة - رضي الله عنه - قال: جاء عثمان بن عفان إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بألف دينار في ثوبه حين جهز النبي - صلى الله عليه وسلم - جيش العسرة، قال: فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يقلبها بيده ويقول: ((ما ضّر ابن عفان ما عمل بعد اليوم)) يرددها مراراً. [سنن الترمذي رقم 3702].

4- عثمان - رضي الله عنه - وقحط المطر:

عن ابن عباس قال: "قحط المطر على عهد أبي بكر الصديق فاجتمع الناس إلى أبي بكر فقالوا: السماء لم تمطر والأرض لم تُنبت والناس في شدة شديدة، فقال أبو بكر: انصرفوا واصبروا فإنكم لا تُمسون حتى يُفرج الله الكريم عنكم، قال فما لبثنا أن جاء أجراء عثمان من الشام، فجاءته مائة راحلة بُراً - أو قال طعاماً- فاجتمع الناس إلى باب عثمان فقرعوا عليه الباب، فخرج إليهم عثمان في ملأ من الناس فقال: ما تشاءون؟ قالوا: الزمان قد قحط: السماء لا تمطر والأرض لا تنبت والناس في شدة شديدة، وقد بلغنا أن عندك طعاماً فبعنا حتى نوسع على فقراء المسلمين، فقال عثمان: حباً وكرامة، ادخلوا فاشتروا، فدخل التجار فإذا الطعام موضوع في دار عثمان، فقال: يا معشر التجار كم تربحونني على شرائي من الشام؟ قالوا: للعشرة اثنا عشر، قال عثمان: قد زادوني، قال التجار: يا أبا عمر ما بقي بالمدينة تجار غيرنا فمن زادك؟ قال: زادني الله -تبارك وتعالى- بكل درهم عشرة أعندكم زيادة؟ قالوا: اللهم لا، قال: فإني أشهد الله أني قد جعلت هذا الطعام صدقة على فقراء المسلمين، قال ابن عباس: فرأيت من ليلتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المنام، وهو برذون أبلق (الذي فيه سواد وبياض) عليه حُلَّة من نور، في رجليه نعلان من نور، وبيده قصبة من نور، وهو مستعجل. فقلت: يا رسول الله قد اشتَدّ شوقي إليك، وإلى كلامك فأين تُبادر؟ قال: يا ابن عباس، إن عثمان قد تصدق بصدقة، وإن الله قد قبلها منه وزوجه عروساً في الجنة، وقد دعينا إلى عرسه" [تيسير الكريم المنان في سيرة عثمان بن عفان - رضي الله عنه -، د. على محمد الصلابي].

5- عثمان - رضي الله عنه - وعتق رقبة كل جمعه:

كان عثمان - رضي الله عنه - يعتق كل جمعه رقبة في سبيل الله منذ أسلم فجميع ما اعتقه ألفان وأربعمائة رقبة تقريباً (تيسر الكريم المنان في سيرة عثمان بن عفان)، فقد أُثر عنه - رضي الله عنه - قوله: لقد اختبأتُ عند ربي عشراً: إني لرابع أربعة في الإسلام، وما تعتَّيْتُ ولا تمنيت، ولا وضعت يميني على فرجي منذ بايعت بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا مرت بي جمعةٌ منذ أسلمت إلا وأنا أعتق فيها رقبة، إلا أن لا يكون عندي فأُعتقها بعد ذلك، ولا زنيت في جاهلية ولا إسلام قط.

6- عثمان بن عفان - رضي الله عنه - وإسقاط الدين:

روي أن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - كان له على طلحة بن عبيد الله -وكان من أجود الناس- خمسون ألفاً، فقال له طلحة يوماً: قد تهيأ مالك فاقبضه، فقال له عثمان - رضي الله عنه -: هو لك معونة على مروءتك (تيسر الكريم المنان في سيرة عثمان بن عفان).

7- عثمان بن عفان - رضي الله عنه - وإطعام الطعام:

سن عثمان - رضي الله عنه - سنة جديدة، حيث كان يضع الطعام في المسجد في رمضان ويقول: هو للمتعبد الذي يتخلف في المسجد، وابن السبيل والمعترين (والمعتر هو: الفقير، المعترض للمعروف بدون سؤال).

كما بلغ عثمان - رضي الله عنه - أن أبا سمال الأسدي ومعه نفر من أهل الكوفة ينادي مناد لهم إذا قدم الميار (الميار هو جالب الميرة، والميرة: الطعام) أن من كان من القبائل ليس لقومهم بالكوفة منزل، فمنزله على أبي سمال، فاتخذ عثمان - رضي الله عنه - بعض الدور كمنازل للضيافة ينزل بها الغرباء ممن ليس لهم منزل، ومن هذه الدور منزل عبد الله بن مسعود في هذيل، وكان الأضياف ينزلون داره في هذيل إذا ضاق عليهم ما حول المسجد (تيسر الكريم المنان في سيرة عثمان بن عفان).

رضي الله عن خليفة المسلمين ورحمه رحمة واسعة، ورزقنا إنفاقه، وجعلنا الله من المقبولين.

زياد علي

زياد علي محمد