الجمعة، 13 سبتمبر 2019

الفاتح العظيم الأمير مَسْلَمة بن عبد المَلِك رحمه الله تعالى

أضواء على شخصية الفارس الذي طَوَاه النِّسْيان مَسْلَمة بن عبد الملك بن مَرْوان




- رحمه الله تعالى - (1)



أ. حسام الحفناوي






تمهيد وتوطئة:


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول صلى الله عليه وسلم.





وبعد؛


فما أكثر الشخصيات التي غَمَطَتْها الأجيالُ المتأخِّرة من أُمَّة الإسلام حَقَّها، ولم تَعْرِف لها فَضْلَها، ولم تَحْفَظ لها حُسْن صَنائِعها!





فمن فَتَّش في تاريخ الإسلام، وقف على نَماذج لا تُحْصَى من تلك الشخصيات، جَهِل أغلب المسلمين أسماءَهم، وغابَتْ عن كثير من الباحثين والمُثَقَّفِين سِيَرَهم، وتَمَلَّكه العَجَب من شُيُوع المَعْرفة بتراجم أُناسٍ لم يَبْلُغوا شَأْوَهم، وذُيُوع العِلْم بأخبار رجال لم يَفْرُوا فَرْيَهم[1].





ومن أولئك الرجال المَغْمُوطِين، والبُزْل[2] المَغْمُورين:


الأمير الهُمام، والفارس الضِّرْغام، مَسْلَمَة بن عبد الملك بن مَرْوان رحمه الله تعالى، وجَزاه عن المسلمين خَيْر الجَزاء؛ فقد ظَلَّ يَغْزو الرُّوم والخَزَر[3] نحو أربعة عُقود من الزَّمان، وربما خَرَج في العام الواحد لأكثر من غَزْوة، فما اسْتَراح، ولا أَراحَ أعداءَ الإسلام، ويكفينا وَصْفُ الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى له بقوله[4]: كانت لمَسْلَمَة مَواقف مَشهورة، ومَساعِي مَشْكورة، وغَزوات متتالية مَنْثُورة، وقد افتتح حُصُونًا وقِلاعًا، وأحيا بعَزْمه قُصُورًا وبِقاعًا، وكان في زمانه في الغَزَوات نَظِير خَالد بن الوليد رضي الله عنه في أيامه، في كَثْرَة مَغازِيه، وكَثْرة فُتُوحه، وقُوة عَزْمِه، وشِدَّة بَأْسِه، وجَوْدَة تَصَرُّفه في نَقْضِه وإبْرامِه، وهذا مع الكرم والفصاحة، انتهى.





ومن أَعْجَب العَجَب ألَّا ترى لمثل مَسْلَمة - ونُظَراؤه كُثُر في تاريخ أمة الإسلام - تَرْجَمة مُفْرَدة في كتاب، بل لا يُوْجَدُ مَجْموعًا في كبار الموسوعات التاريخية من تَرْجَمَته ما يزيد على الصَّفْحة الواحدة إلا يسيرًا، وإن كانت ثَناياها تَحْوِي من أخباره الكثير، وتضُمُّ من وَقائِعه العديد، كما تَناثَرَتْ حِكَمُه، وحِكاياتُه بين كُتُب النَّوادِر والمُلَح، وتَصانِيف الأدب، ومَعاجِم اللُّغة، ومؤلفات الجُغْرافيا العربية القديمة.





ولا يَخْفَى أن المُراد من تَسْلِيط الضَّوْء على شخصية من الشخصيات العظيمة في تاريخ أمة الإسلام: السَّيْر على خُطاها فيما أَحْسَنَتْ فيه، والتَّأَسِي بها فيما بَرَعت فيه من مَواهِب، لا وَضْعَها في مَوْضع الاقْتِداء المُطْلَق الذي لا يكون إلا للنبي صلى الله عليه وسلم، ولا مُحاذَاتها بخَيْر القُرُون رضوان الله عليهم، الذين يَلُوْنَه صلى الله عليه وسلم في مَرْتَبة الاقْتِداء، ولا تَقْدِيْمها على أئمة السَّلَف الصَّالح من العلماء العاملين رحمة الله عليهم، فلكلٍ نَصِيْبَه من الاقْتِداء، ولكل مَرْتَبَتَه في التَّأَسِّي.





اسْمُه ولَقَبُه وكُنْيته:


هو أبو سعيد - وقيل: أبو الأَصْبَغ - مَسْلَمَة بن عبد الملك بن مَرْوان بن الحَكَم بن أبي العاص الأموي، المُلَقَّب بالجَرادَة الصَّفْراء؛ لاصفرار جِلْده فيما قِيل[5].





قال ابن جِنِّي في المُبْهِج[6]: ومَسْلَمة: مَفْعَلة، من سَلِمت، كأنه مَصْدَر بمَنْزِلة المَشْأَمَة، والمَشْتَمَة.





إخْوَتُه:


قال الإمام أبو محمد ابن حزم في جمهرة أنساب العرب[7]: وولد عبد الملك أمير المؤمنين: الوليد، أمير المؤمنين، وسليمان، أمير المؤمنين، ويزيد، أمير المؤمنين، وهشام، أمير المؤمنين، ومَسْلَمَة، والِي العِراقَيْن، الذي حاصَر القُسْطَنْطِينيَّة، والحَجَّاج، ومَرْوان، وبَكَّار، والحَكَم، لم يُعْقِب، وعبد الله، وَلِيَ مِصْر، والمُنْذِر، لا نَعْرِف له عَقِبًا، وعَنْبَسَة، ومُحَمَّد، وسَعِيْد، كانا ناسِكَيْن، قُتلا يوم أبي فُطْرُس[8]، وبها قُتل بَكَّار أخوهما.





الذين يُعرف أَعاقِبُهم منهم أحد عشر، وهم: الوليد، وسليمان، ويزيد، وهشام، ومَرْوان، ومَسْلَمة، وعبد الله، وسعيد، والحَجَّاج، وبَكَّار، وعَنْبَسَة، انتهى[9].





ما أُسْنِد إلى مَسْلَمَة من الولايات:


وروى البَلاذُرِيُّ في أنساب الأشراف[10] عن المَدائِنِي، قال: قِيْل لمَسْلَمة بن عبد المَلِك: ما يَمْنَعُك من العَمَل، لو أَرَدْتَه، لتَوَلَّيْتَ أَجْسَمَه[11]؟ فقال: يَمْنَعُنِي ذُلُّ الطَّلَب، ومَرارة العَزْل، وهَوْل الخَطْب، وقَرْع حِلَق البَرِيْد.





والعمل هو الوِلاية، فلعل قال هذا القول - إن صَحَّ - قبل تَوَلِّيه ولاية أرمينية وأذربيجان لأخيه الوليد بن عبد الملك سنة إحدى وتسعين، ثم ولايته العراق لأخيه يزيد بن عبد المَلِك، عقب هزيمته لجَيْش يزيد بن المُهَلَّب في وَقْعَة العَقْر[12] سنة اثنتين ومائة، ثم عزله سنة ثلاث ومائة، ثم وَلَّاه أخوه هشام في خلافته على أرمينية، وأذربيجان مرتين، أولاهما سنة سبع ومائة، ثم عزله سنة إحدى عشرة ومائة، ثم وَلَّاه الولاية الثانية سنة ثلاث عشرة ومائة، ثم عزله في السنة التي تليها[13].





وِلايَة مَسْلَمَة الحَجّ:


ذكر ابن حَبِيْب في المُحَبَّر[14]، أنه حَجَّ بالناس سنة ثلاث وتسعين، وذكر خَليفة بن خَيَّاط في تاريخه[15]، أنه حَجَّ بالناس سنة أربع وتسعين، وهو ما رواه الطبري في تاريخه[16] عن أبي مَعْشَر السِّنْدِي - وهو إمام في المَغازِي والسِّيَر - ثم نَقَل الطبري عن الواقِدِيِّ أن عبد العزيز بن الوليد بن عبد المَلِك هو الذي حَجَّ بالناس في ذلك العام، ثم قال الطبري: قال - يعني الواقدي -: ويُقال: مَسْلَمَة بن عبد المَلِك.






ومن ذلك أيضًا:


ما ذَكَره المَسْعُودي في مُرُوج الذَّهَب[17] أن خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحَكَم بن أبي العاص قد حَجَّ بالناس في سنة سبع عشرة ومائة، قال: وقيل: مَسْلَمَة بن عبد المَلِك.






وذكر أيضًا في أحداث سنة تسع عشرة ومائة[18] أن مَسْلَمَة بن هشام بن عبد المَلِك قد حَجَّ بالناس، قال: وقيل: بل مَسْلَمَة بن عبد المَلِك[19].





دَار مَسْلَمَة:


ذكر الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق[20] أن دار مَسْلَمَة بدمشق كانت في محلة القباب عند باب الجامع القبلي[21].






[1]يُقال للشجاع: ما يَفْرِي فَرْيَه أَحَد، أي لا يفعل فعله أحد، وقيل: الصواب تشديد الياء (فَرْيَّه). انظر: المحكم والمحيط الأعظم لابن سيده (10/306)، وتاج العروس (39/232).




[2]البُزْل: جمع بازِل، ومعناه في كلام العرب: المحكم القوة، أُخِذ من بُزول البعير، وهو أن يخرج نابُه بعد تسع سنين تأتي عليه، وهو أقوى ما يكون. انظر: الزاهر في معاني كلمات الناس لأبي بكر ابن الأنباري (1/306).




[3]الخَزَر: أمة كبيرة، تجمع خليطًا من أجناس الترك، والسلاف، مَلَكت مساحات شاسعة حول بحر قزوين الذي كان يُسمى باسمها (بحر الخزر)، وامتد ملكها إلى شرق أوروبا، وانهارت تحت وطأة غزو مملكة الروس الأولى لها في القرن الرابع الهجري، ثم زالت بالكلية عقب الاكتساح المغولي لأراضيها في الربع الأول من القرن السابع الهجري. انظر: معجم البلدان (2/367-369)، ومقدمة كتاب القبيلة الثالثة عشرة لآرثر كيستلر.




[4]البداية والنهاية (9/360).




[5]قال البلاذري في أنساب الأشراف (8/359):ولقبه الجرادة؛ لصُفْرَة كانت تعلوه، وقال الجاحظ في كتابه البُرصان والعُرجان والعُميان والحُولان (ص154): قالوا: وكان مسلمة بن عبد الملك أصفر الجلد، كأنه جرادة صفراء، وكان يُلَقَّبُ، ويقال له: جرادة مروان، انتهى. ثم ذكر الجاحظ بعض صُفْر اللون، كيزيد بن أبي مسلم، والخليفة المأمون العباسي، وغيرهما.




[6]المبهج في تفسير أسماء شعراء الحماسة لأبي الفتح عثمان بن جني النحوي (ص147).




[7](1/89).




[8]نهر أبي فطرس: بضم الفاء، وسكون الطاء، وضم الراء، وسين مهملة، موضع قرب الرملة من أرض فلسطين، قال المهلبي: على اثني عشر ميلًا من الرملة في سمت الشمال نهر أبي فطرس، ومخرجه من أعين في الجبل المتصل بنابلس، وينصب في البحر الملح بين يدي مدينتي أرسوف ويافا، به كانت وقعة عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس مع بني أمية فقتلهم في سنة 132ه-. انظر: معجم البلدان لياقوت (5/316،315)، وتاج العروس للزبيدي (16/337،336).




[9]زاد ابن عبدربه في العِقْد الفريد (5/168) أن من أولاد عبد الملك بن مروان من يُسمى معاوية، قال: درج، أي لم يخلف نسلًا، وذكر أن له ولدان كانا يُسَمَّيان بمروان، وأن الأكبر منهما لم يُعقب، أي لم يكن له عَقِب من الولد، ولم يذكر الإمام ابن حزم معاوية، ولا ذكر سوى مروان واحد، فالله أعلم.




[10] (8/361).




[11]أَجْسَمَه: أكثره جَسَامَةً، والجسيم من الأمور هو العظيم. انظر: المعجم الوسيط (1/123،122).




[12]موضع بأرض بابل من ناحية الكوفة بالعراق بين واسط وبغداد. انظر: معجم البلدان لياقوت الحموي (4/136)، والروض المعطار للحميري (ص418).




[13]قال ابن الأثير في الكامل (4/346) ولما فرغ مسلمة بن عبد الملك من حرب يزيد بن المهلب جمع له أخوه يزيد ابن عبد الملك ولاية الكوفة والبصرة وخراسان، فأقر محمد بن عمرو بن الوليد على الكوفة، وكان قد قام بأمر البصرة بعد آل المهلب شبيب بن الحارث التميمي، فبعث عليها مسلمة عبد الرحمن بن سليمان الكلبي، وعلى شرطتها وأحداثها عمرو بن يزيد التميمي، فأراد عبد الرحمن أن يستعرض أهل البصرة فيقتلهم، فنهاه عمرو واستمهله عشرة أيام وكتب إلى مسلمة بالخبر، فعزله وولى البصرة بعد الملك بن بشر بن مروان، وأقر عمرو بن يزيد على الشرط والأحداث.

ثم ذكر ابن الأثير أن مسلمة استعمل على خراسان زوج ابنته سعيد بن عبد العزيز بن الحارث بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، الملقب بسعيد خذينة، وإنما لُقِّب بذلك لأنه كان رجلًا لينًا متنعمًا. وانظر عن تولي مسلمة ولاية العراق وخراسان وأرمينية وأذربيجان: تاريخ خليفة بن خياط (ص82 ،89 ،91-95)، وفتوح البلدان للبلاذري (1/243)، وتاريخ الطبري (4/150)، وتاريخ دمشق لابن عساكر (55/241،240)، (58/31،27،38،38)، وتاريخ الإسلام للذهبي (7/468)، وأعلام الزركلي (7/224).

[14](ص26).




[15](ص83)، وعنه نقل ابن عساكر في تاريخ دمشق (58/31).




[16](4/25)، قال: واختلف فيمن أقام الحج للناس في هذه السنة.




[17](4/583).




[18]الموضع السابق.




[19]وقع في المطبوع من التاريخ الصغير للبخاري (1/290،289) أن سعد بن زياد قال: حج مسلمة بن عبد الملك وهو خليفة سنة ست ومائة، ثم كان في سنة سبع ومائة وهو في المحرم بالمدينة، ومعه غيلان يفتي الناس، وكان محمد بن كعب يجئ كل جمعة من قرية على ميلين من المدينة، لا يكلم أحدًا حتى يصلي العصر، فأتاه غيلان، فقال: من يضلل الله، فلا هادي له، انتهى.

وهذا خطأ قطعًا، والظاهر أن ثمة سهو، أو سبق قلم، أو انتقال نظر، وقع من الناسخ، ولم ينتبه له المحقق، أو وقع من المحقق ذاته؛ فإن مسلمة لم يتول الخلافة قط، فضلًا عن كون المؤرخين لم يذكروا أنه حج في عام ست ومائة، كما أن المراد في هذا الأثر هو هشام بن عبد الملك؛ فإنه حج في العام المذكور بعد أن ولي الخلافة، وهو العام الذي توفي فيه سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وصلى عليه هشام. انظر: طبقات ابن سعد (5/200)، والثقات لابن حبان (4/305)، والمحبر لابن حبيب (ص29)، وتاريخ دمشق (20/68-73).




[20](58/27).




[21]وذكر ابن العديم في بغية الطلب أن مسلمة سكن بالناعورة، وابتنى بها قصرًا، وبناه بالحجر الصلد الأسود، وأنه ولده بقي به بعده إلى دولة بني العباس، وأن هارون الرشيد لما اجتاز بهم، بَرَّهم، ووَصلهم؛ مُجازاة لأبيهم، لأنه كان يحسن إلى بني هاشم في أيام ولاية أخوته، قال ابن العديم: وكان لمسلمة قرى ومزارع بأعمال حلب، اتخذها وعمرها أيام إقامته بالناحية المذكورة، منها الحانوت، وبها مات، قال: وتُسَمَّى في زمننا الحانوتة. وقد أدرك ابن العديم في القرن السابع بعض آثار قصر مسلمة المذكور، وذكر أنه أُخِذ منه حجارة كثيرة

عيسى المبلع - حفظه الله

نبذة

- عيسى بن درزي بن سالم المبلّع بضم الميم، واللام المشدّدة. عالم دين سعودي من مواليد مدينة حائل عام 1382هـ. يعود نسب الشيخ لعشيرة المفضّل إحدى فروع قبيلة شمر من بطون طيء.
- عمل الشيخ دائرة بين التدريس والإدارة خلال ثلاث وعشرين عاماً.
- عمل مديراً لإدارة التوعية والتوجيه بهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمدة عام، وما زال متعاوناً معهم.
- متعاون أيضاً مع مركز الدعوة والإرشاد بمدينة حائل بإقامة الدروس العلمية والمحاضرات والأنشطة الدعوية.
- تقاعد تقاعداً مبكراً عن التعليم عام 1423هـ للتفرغ للدروس العلمية ونشر العلم.
- (علّامة حائل) هكذا وصفه محبي الشيخ وطلابه ومن حضر مجالسه العلمية.
- للشيخ طرحٌ يتسم بالوسطية النابعة من المنهج السلفي المعتدل في كثير من القضايا المعاصرة من أهمها دور العلماء في نهضة الأمة. والمنهج السلفي المعتدل بين الإفراط والتفريط.
- أشتهر الشيخ بسعة علمه واطلاعه وكذا عُرف بسمته وخلقه وزهده وعبادته.

دراسته

- درس في معهد إعداد المعلمين وتخرج عام 1399 / 1400 هـ.
- ثم التحق بكلية إعداد المعلمين بحائل وتخرج عام 1409هـ ، بتقدير ممتاز مع (مرتبة الشرف). في تخصص الدراسات القرآنية - الدراسات الإسلامية.

حياته العلمية

- بدأ الشيخ بإتقان قراءة القرآن على جمع من المقرئين الذين من أبرزهم الشيخ عبد الرؤوف مرعي ـ المقريء المشهور والبارز في الساحة الإسلامية ـ حتى أنهى حفظ القرآن الكريم وأجازه عليه.
- أخذ اللغة العربية عن بحرها الزاخر في مدينة حائل الشيخ محمد فرهود -رحمه الله- وكذا علم الفرائض. ودرس الفرائض أيضا على الشيخ الجليل سليمان العامر ـ رحمه الله ـ حتى أتقنه.
- الشيخ أخذه حب العلم الشرعي فحفظ كثيراً من المتون من أبرزها كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبدالوهاب، وكتاب بلوغ المرام للإمام ابن حجر، وعمدة الاحكام للمقدسي، والمحرر لابن عبدالهادي، ومكث حفظه الله فترة في قراءة وفهم الكتب التسعه صحيح البخاري وصحيح مسلم وسنن ابن ماجه وسنن النسائي وسنن أبي داود وسنن الترمذي ومسند الإمام أحمد وموطأ الإمام مالك وسنن الدارمي، وكذا قرأ المغني لابن قدامه الواقع في خمسة عشر مجلداً، وغيرها من المتون العلمية في الفقه وأصوله والعقيدة واللغة والتفسير والمصطلح.
- عكف حفظه الله على كتب وأشرطة الإمام الأكبر ابن باز ـ رحمه الله ـ فقرأ عامة كتبه وشرحه، وكان يحضر بعض مجالس الشيخ ابن باز في منزله ودروسه، ويناقشه ويسأله فيما أشكل عليه في الشروح وأيضاً كان يستشيره في جل الأمور. عكف أيضا على كتب الإمام الفقيه ابن عثيمين ـ رحمه الله ـ فقرأ عامة كتبه وشرحه، وكان يحضر بعض دروس الشيخ ولقاءاته، ويناقشه فيما يشكل عليه، ويستشيره أيضا، حتى أنه نسّق لقاءً شهرياً مع الشيخ ابن عثيمين لطلاب العلم من منطقة حائل خاص بهم في جامع الشيخ بعنيزة. أيضا عكف الشيخ على كتب وأشرطة الشيخ عبدالله بن جبرين ـ رحمه الله ـ ولخّص شرحه لكتاب منار السبيل، وشرح الطحاوية، وكتاب التوحيد، وشرح الورقات وغيرها. وكانت لقاءاته مع الشيخ ابن جبرين واستفتائه متواصلا إلى أن توفي -رحمه الله- وكان يستشيره في بعض المسائل، وقدم الشيخ ابن جبرين -رحمه الله- لكتاب الإستخلاف والتمكين بتأليف شيخنا وأعجب به. وكذا واصل نهل العلم من كتب الإمام الألباني ـ رحمه الله ـ فيما يتعلق بالحديث وعلومه، وقد التقى بالشيخ الألباني ـ رحمه الله ـ في مواسم الحج، وحضر مجالسه العلمية. وكان لهؤلاء الأئمة الأربعة الأثر الواضح على الشيخ في خلقه، ومنهجه الدعوي.
- تبوء الشيخ الآن منزلة رفيعة بمدينة حائل وشمال المملكة بفضل من الله الكريم، وببذله وعطائه وجهده الدعوي والتعليمي والإصلاحي. فيمكن القول أنه مرجع لأهل المنطقة بالإفتاء والاستشارة والإصلاح لخواصهم وعوامهم.
- تميز الشيخ في الخطابة، فارتاد الجامع الذي يخطب من على منبره كثير من طلبة العلم والمثقفين. وكان للشيخ أسلوب خطابي بارع.
- محاضرات الشيخ مستمرة داخل مدينة حائل وخارجها من القرى والهجر، ولها بفضل الله تعالى الحضور الرائع لطرحه المتميز وأسلوبه المميز.
- الدروس العلمية الملقاة من قبل الشيخ مستمرة. منها ما هو دائم في مسجده بعد المغرب وبعد صلاة الفجر، وبعد صلاة العصر، ومنها ما هو على هيئة دورات علمية. ففي كل عطلة يقيم الشيخ دورة يتم فيها شرح كتاب معيّنٍ. وقد شرح الشيخ في هذه الدورات أصول الفقه، والعقيدة الواسطية، وبلوغ المرام، وكتاب التوحيد والأصول الثلاثة ونواقض الإسلام وكشف الشبهات. أما بعد المغرب فاستمر فترة طويلة في شرح كتاب منار السبيل لابن ضويان، والسيرة النبوية ـ على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم ـ. كما أن الشيخ أتم تفسير القرآن الكريم كاملاً في ظرف خمس سنوات في المسجد الذي يؤمه. وكذا قد شرح الشيخ الآجرومية في علم النحو كاملاً مع ألفية إبن مالك، وتفسير الفاتحه وقصار المفصل، وشرح الأربعين النووية. أما دروس الفجر فهي لم تزل مستمرة. أنهى فيها عشرات الكتب العظيمة. من أبرز الكتب التي أنهيت فتاوي شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ كاملة. وجامع الأصول لابن الأثير الواقع في ثلاثة عشر مجلداً، وهو يحوي الكتب الستة وموطأ الإمام مالك. وأيضاً أُنهي مسند الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ بشرحه الفتح الرباني وتيسير مصطلح الحديث، وكذا زاد المعاد لابن القيم، وشرح العقيدة الطحاوية، والشرح الممتع على زاد المستقنع لابن عثيمين، وتفسير القران العظيم لابن كثير، والآن يقرأ عليه الجمع بين الصحيحين للأشبيلي ـ رحمه الله ـ.
- تميز الشيخ ببعده عن المناصب. حيث تقاعد مبكراً ليتفرغ للعلم والتعليم والدعوة، وقد عرضت عليه عدة إدارات فرفضها مؤثراً التفرغ للعلم والدعوة.

شيوخه

سماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبدالله بن باز - رحمه الله -
سماحة الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله -
سماحة الشيخ العلامة عبدالله بن عبدالرحمن الجبرين - رحمه الله -
سماحة الشيخ العلامة محمد ناصر الدين الألباني - رحمه الله -
سماحة الشيخ العلامة عبدالله بن حسن بن قعود - رحمه الله -

كتبه ومؤلفاته

صدرت للشيخ عدة رسائل وكتب ومؤلفات، منها ماهو مطبوع، وكثيرٌ منها مازال تحت التدقيق والمراجعة:
1- كتاب الإستخلاف والتمكين "بتقديم الشيخ ابن جبرين" رحمه الله (مطبوع).
2- كتاب الواسطة والرشوة "بتقديم الشيخ سليمان العامر" رحمه الله (مطبوع).
3- رسالة إلى طالب العلم (لم تطبع).
4- كتاب تذكير المؤمنين بفضل الإنتظار بعد الفجر وصلاة ركعتين (مطبوع).
5- كيف تدعوا إلى الله (مطبوع)
6- شرح بلوغ المرام (لم يطبع)

- وللشيخ قرابة الثلاث مئة (300) خطبة؛ سترى النور قريباً.
- كما أن للشيخ عشرات المقالات نُشرت في عدّة صحف محلية وعالمية، ولم يتم الفسح لبقيتها.
ترجم الأستاذ / عبدالرحمن السويداء لفضيلة الشيخ في كتابه " الأدباء والكتاب في منطقة حائل " في صفحة 300 وما بعدها.

إيقافه عن الخطابة والدروس العلمية

- صدر أمر إيقاف فضيلة الشيخ عيسى المبلّع عن الخطابة والإمامة والدروس العلمية والمحاضرات وكافة المناشط الدعوية؛ من قبل فرع وزارة الشؤون الإسلامية بحائل صباح يوم الثلاثاء الموافق 1432/8/25هـ علماً أن قرار الإيقاف لا يتعلق بمسببات أمنية أو سياسية وإنما من جهة فرع وزارة الشؤون الإسلامية بحائل.
والشيخ أبدى إستغرابه من هذا المنع الذي لم يذكر له مسبباته ومبرراته.
- الجدير بالذكر أنه منذو إيقاف الشيخ وحتى الآن لم يزل طلاب الشيخ يطالبون بعودة الشيخ للدروس العلمية والمحاضرات والخطابة حيث كتبوا خطاباً موجهاً لمدير فرع وزارة الشؤون الإسلامية بحائل وقّع عليه قرابة المئة، وآخر لإمارة منطقة حائل طالبوا فيه برفع الإيقاف.
وكذا كتب مجموعه من أهل العلم والوجاهه قرابة الخمسين رجلاً خطاباً خطياً وجّه لأمير حائل طالبوا فيه بعودة الشيخ وسرعة رفع المنع والإيقاف لحاجة المنطقة إليه.
وكتب جماعة مسجد الشيخ - خليفة السيف - الواقع في حي المنتزه الغربي خطاباً وقّع عليه قرابة الثمانين من أهل الحي وجهوه لمدير فرع وزارة الشئون الإسلامية بحائل ونسخة للوزارة بالرياض.
كما قامت في مواقع التواصل الإجتماعي "تويتر" "فيسبوك" وبعض الصحف الإلكترونية "تواصل" "برق" "المختصر" مطالبات مكثّفة برفع الإيقاف عن فضيلة الشيخ. هذا وقد أبدى كثير من طلبة العلم والمثقفين والنخب والمشاهير إستيائهم الشديد من إيقاف الشيخ فطالبوا بإعادة الشيخ، وندد آخرون بالمنع ووصفوه بـ"الجائر"، بينما شنّع الكثير هذا الإيقاف لأحد أهم وأكبر المراجع الدينية في حائل وشمال المملكة، وقال حقيقيون أنّ الإيقاف بلا أسباب مخالف لنظام الدولة ولوائح وزارة الشئون الإسلامية.
- قال أحد الأدباء بعد إيقاف الشيخ :
إنّ القصائد في رباك لتنجلي *** صبحاً ينير الدرب في إبهار
ألقيت في أرض الكرام مكارماً *** ورسمت وجه السعد في إظهار
يا شيخنا عيسى جزاك إلهنا *** أجراً عميماً مثلما الأمطار
يا صاحب الخير العميم ومن أتى *** بالمكرمات تسأل في إصرار
في حائل أشعلت بدراً نيّراً *** ومحقت ليبراليّة الأشرار
وبذرت في درب الكرام كواكباً *** فأتيت مثل المغدق المدرار
إن كفّ منك خطابة فلعل في *** طي المصائب حكمة الأقدار
خذها أبا فوّاز الساري على *** درب الكرام قصائد الأسرار
واعلم بأن القلب يحكي وقفةً *** بجوار فعلك صاحب الأنهار
كل التحايا من فؤاد وامقٍ *** واسلمْ فمثلك ميسم الأبرار

المجال الإحتسابي والإصلاحي

- للشيخ جهود إحتسابية وإصلاحية عظيمة على الصعيدين؛ المحلي في منطقة حائل خصوصاً والسعودية عموماً، والإسلامي في جميع أقطار العالم الإسلامي.
عرف سكان حائل الشيخ بـ (سيّد الإنكار) إذ مامن منكرٍ ديني أو إداري أو أخلاقي بالمنطقة إلاّ وللشيخ نصيب من إنكاره وإصلاحه بالتي هي أحسن والمطالبة بإزالته.
- للشيخ خطابات إحتسابية وإصلاحية متعددة على كافة الدوائر الحكومية في المنطقة؛ الإمارة والمحكمة والصحة والتعليم والبلدية والأمن والجامعة والهيئة والنادي الأدبي والبنوك وغيرها.
- في الشأن الإسلامي للشيخ عدّة رسائل وتوجيهات ونصائح لما يعود على الأمة الإسلامية النصر والتمكين قد نشرت في وكالات الأنباء ووسائل الإعلام، منها: رسائل إزاء أحداث غزة، وتوجيهات للمجاهدين في الشام، ونصائح للشعوب الإسلامية، كما للشيخ جولات دعوية وعلمية وإصلاحية في مصر والسودان والأردن وتركيا وأوزبكستان وتركيا ودول جنوب افريقيا.
- علميّة الشيخ الهائلة، واطلاعه الواسع، جعلته ذا قدرة كبيرة في مواجهة الأفكار المنحرفة كالعلمانية والليبرالية والفكر الحداثي وكذا الفكر التكفيري والمذهب الرافضي، فتصدّى الشيخ لكثير من الأفكار المنحرفة في مدينة حائل وحاورها، حتى صلح بعضها، ووأد كثيراً منها.

معاذ بن جبل الشاب العالم الفقيه

معاذ بن جبل الشاب العالم الفقيه


إن كل أمة من الأمم تعتز بتاريخها وتفخر ببطولات رجالها وأبنائها، وإن أحق أمم الأرض بهذا الاعتزاز والفخار وبجدارة واقتدار، بل وبشهادة العزيز الغفار هي أمة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -، قال - تعالى -: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (1).
ونقدم لشباب الدعوة الذين يدعون إلى الله على بصيرة على منهج الوسطية في الإسلام الذي حثنا عليه ربنا- تبارك وتعالى -في قوله: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا (2)، وقال - تعالى -: يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (3).

هذا النموذج من شباب الصحابة ليكون لهم نبراسا وضياء على طريق الدعوة إلى الله - تعالى -.

فمع كوكب من كواكب المجموعة النبوية الكريمة المباركة، نقدم قدوة ومثلا أعلى لشباب الصحوة الإسلامية ولجميع البشرية كلها بصفة عامة، إنه شاب صغير من شباب الصحابة رضوان الله عليهم.


إسلامه ومبايعته للرسول - صلى الله عليه وسلم -:

أسلم في الثامنة عشر من عمره وتوفي في الثالثة والثلاثين من عمره وفي هذه الفقرة القصيرة المملوءة بالبركة خط على صفحات التاريخ مجدا لم تشهده البشرية من قبل.

ففي ليلة من ليالي مكة، الليل دامس والصمت مخيم، والظلام شامل والسكون يضفي على الخيام في "منى" بكوكبة مضيئة من الأنصار - رضي الله عنهم -، يتسللون بين خيام "منى" يتلفتون وكأنهم قد سرقوا الإيمان سرقة، إلى أين؟ إلى العقبة لمقابلة النبي - صلى الله عليه وسلم - من أجل البيعة ويلتقي هذا الصحابي الكريم بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ويقولون: علام نبايعك يا رسول الله؟ فيقول - صلى الله عليه وسلم - كما ورد في حديث جابر من عبدالله الأنصاري الذي رواه البيهقي وابن إسحاق بسند صحيح، يقول - عليه الصلاة والسلام - "تبايعوني على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وتبايعوني على النفقة في العسر واليسر، وتبايعوني على أن تقولوا في الله لا تأخذكم لومة لائم وتبايعوني على أن تنصروني إذا قدمت عليكم إلى يثرب، وتبايعوني على أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأبناءكم ولكم الجنة" فيقول البراء بن معرور - رضي الله عنه - "والذي بعثك بالحق لنمنعنّك مما نمنع منه أوزرنا فبايعنا يا رسول الله، فإنا والله إنا أهل الحرب، وأهل الحلقة ورثناها كابرا عن كابر".

ويقطع القول أبو الهيثم بن التيهان - رضي الله عنه - وأرضاه، فيقول يا رسول الله إن بيننا وبين القوم حبالا فإنا قاطعوها هل عسيت إن أظهرك الله - جل وعلا - أن ترجع إلى قومك وتدعنا، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "بل الدم الدم، الهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني أسالم من سالمتم وأحارب من حاربتم، فقال البراء بن معرور: ابسط يديك يا رسول الله نبايعك وبسط الحبيب يمينه المبارك وامتزجت القلوب والأيدي في مهرجان حب وولاء لم ولم تعرف البشرية له مثيلا، ومن بين هذه الأيدي الكريمة تمتد يد صغيرة وضيئة لشاب كريم المحيا براق الثنايا، يبهر الأبصار بهدوئه وسمته، فإذا ما تكلم ازداد انبهارا وتقديرا وإجلالا واحتراما.

إنها يد مقدام العلماء، إنها يد إمام الحكماء.

إنها يد سيد الدعاة الأتقياء، إنها يد القارئ القانت.

إنها يد المحب الثابت، إنها يد السهل الثري.

إنها يد السمح السخي، إنها يد معاذ بن جبل.


فتى الثامنة عشر:

إنه الشاب الذي أسلم في الثامنة عشرة من عمره، توفي في الثالثة والثلاثين من عمره، وكان تاجا بين الصحابة الكرام، وكان شامة وعلامة وكان شعلة من شعل الهداية وكان داعية من دعاة الحق.

إنه الشاب الذي إذا وقفنا على تاريخه تحسرنا على حياتنا، وبكينا دما بدل الدمع خجلا وحياء على ما قدمناه لديننا، وقد مضى بنا قطار العمر إلى مسافات وأعوام، إنه ابن العشرين من عمره، في هذه السنوات القصار الطوال "معاذ بن جبل" - رضي الله عنه -، الذي يقول عنه فاروق الأمة عمر - رضي الله عنه - وأرضاه، والأثر الذي رواه الحاكم في المستدرك وأقره الذهبي بل وصححه الحافظ بن حجر في الفتح يقول عمر - رضي الله عنه -: "من أراد الفقه فليأت معاذ بن جبل" من العشرين إلى الثلاثين، سبحان الله!.

وابن مسعود - رضي الله عنه - قرأ يوما قول الله - تعالى -: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ (4)، ثم قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: "إن معاذ بن جبل كان أمة قانتا لله كان يعلم الناس الخير، وكان مطيعا لله ورسوله" ويقول الحبيب - صلى الله عليه وسلم - عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - "خذوا القرآن من عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وسالم مولى أبي حذيقة" "رواه البخاري".


معاذ الداعية:

ويذكر النبي معاذا يوما مع الصحابيين الجليلين أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - فيقول والحديث رواه الترمذي وابن حيان، من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - "نعم الرجل أبو بكر، نعم الرجل عمر، نعم الرجل معاذ بن جبل".

نعلم أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أحبه كل شيء في الكون حتى الحجر والمدر، وأمرنا بمحبته - صلى الله عليه وسلم -، بل نتقرب إلى الله - عز وجل - بمحبتنا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولكن لمكانة معاذ عند الله ورسوله يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -، يقول له كما جاء في الصحيح: "يا معاذ إني لأحبك" أستاذ الإنسانية ورسول البشرية يحب معاذاً ويعلنها، فما كان من معاذ إلا أن قال: والله إني لأحبك يا رسول الله، ثم قال له النبي - صلى الله عليه وسلم - "لاتدعنَّ في دبر كل صلاة أن تقول "اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك".

وعندما أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يرسل داعية إلى اليمن، ما اختار إلا معاذا، وهذا دليل على ثقة النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه، مع أنه ابن الثلاثين من عمره وفي الصحابة من هم أسن منه، وعندما يقل الاختيار عليه فهذا دليل على كفاءته العلمية والفقهية التي تؤهله أن يكون داعية لأهل اليمن.


كيف لنا الاستفادة من معاذ بن جبل؟:

فيجب على دعاة اليوم وبخاصة الشباب الذي يريد أن يتصدى للدعوة الإسلامية أن يكون مؤهلا تأهيلا علميا وإيمانيا وأدبيا، وأن يكون قد أخذ العلم من مصادره الصحيحة، ومن العلماء الموثوق بهم لأن الأمة وبخاصة في عصرنا هذا في حاجة ماسة إلى دعاة مخلصين لينهضوا بها فوق منابر الدعوة الهادفة، وبعض الشباب الذي يحمل الفكر المنحرف، هذا الفكر الذي لا يوافق الوسطية والاعتدال في الدعوة إلى الله، وديننا الحنيف يدعو إلى الخير ويدعو إلى الرشد، ويدعو إلى الحوار البناء الهادف، بل يأمر الدعاة في دعوتهم للناس باللين والرفق، قال - تعالى -مخاطبا رسوله - صلى الله عليه وسلم -: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (5)، وقال الله – تعالى - لموسى - عليه السلام - في دعوته إلى فرعون: فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (6).

فهيا إلى ترغيب الناس إلى الخير، هيا لنأخذ بيدي العاصي والضال برفق ولين لا بالشدة ولا بالقسوة، فما نجحت أي دعوة وما تقدمت إلا بالترغيب والمحبة، وهذا هو إمام الدعاة محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي علم معاذا الخير كله، وسائر الصحابة يصفه ربه فيقول: وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ (7)، وقال الله - تعالى –عنه: بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (8).


وفاته:

أرسله الرسول - صلى الله عليه وسلم - داعية إلى اليمن ومشى معه الرسول - صلى الله عليه وسلم - يرافقه إلى حدود المدينة، وأبى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يركب ومشى بجوار ابن الثلاثين الذي ركب الدابة، ويودعه الرسول - صلى الله عليه وسلم - وداعا مؤثرا تكاد تنخلع منه القلوب وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يرد أن يملأ قلبه وعينيه من معاذ - رضي الله عنه -، فقال له: "يا معاذ لعلك تأتي في القادم فلم تجدني"، فبكى معاذ ونزل يقبل رأس ويدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: فإذا ما أتيت قبري وسلمت عليَّ فو الذي نفسي بيده لأردن عليك السلام، ويأتي معاذ في العام الثاني، فلم يجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويقف أمام قبره يسلم عليه، ولكنه لم يطق أن يمكث في المدينة بدون رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فطلب من الصديق خليفة المسلمين أن يذهب إلى الشام لعله ينال الشهادة هناك، فأذن له، وبعدها ذهب معاذ - رضي الله عنه - إلى الشام. توفي قائد جيش المسلمين أبو عبيدة بن الجراح - رضي الله عنه -، فيصدر الخليفة أبو بكر - رضي الله عنه - أوامره لمعاذ أن يكون قائد جيش المسلمين ولكنه يموت بمرض الطاعون رحم الله معاذ بن جبل. عليك سلام الله يا معاذ الخير، يا معاذ الفقه والعلم وأسكنك فسيح جناته.

لمحات من سيرة العلامة علي علاء الدين الآلوسي رحمه الله


ظهرت العائلةُ الآلوسية بعد قرون خلت ساد فيها الجمود الفكري، والتقليد الأعمى في أوساط المجتمع العراقي، وشاع بين علمائها الاعتمادُ على كتب الحواشي والشروحات والذيول للقدامى من فقهاء وعلماء، حتى غدت عاصمةُ الإسلام بغدادُ تَعِيش في ظلام دامس، واندرس في دياجير ظلامِها الاجتهادُ والتنوير، بالرغم من وجود علماء الشريعة وفقهاء الدين فإنهم وافقوا سكة الزمان، ولم يُمكِنهم مخالفة العوائد والتقاليد، أو الخروج عنها في غالب الأحيان، وبقُوا في رِبْقة التقليد وأغلاله، حتى قيَّض الله رجالاً أفذاذًا، وأدباء ألفافًا أعادوا لعاصمة الرشيد أيامَ مجدِها وعزها وسلطانها، ورفرفت على أسوارها راياتُ العلم والأدب، وقدَّموا للحضارة الإسلامية نتاجًا علميًّا رصينًا، وخدموا في شتى مجالات وجوانب الحياة الفكرية، وما قدَّموه ربما يوازي ما تُقدِّمه أمة بأسرها في أزمانهم، وقد بدأت تلك الشجرة بنبتةٍ ترعرعت بماء الأدب والعلم، وسُقِيت بمداد الفكر والإيداع، حتى غدت شجرة باسقة تحمل ثمارًا يانعة، هي غذاء نافع وصالح لكل متعلم ومرشد، وطالب ومنشد، يريد الصواب والهداية، والعلم والدراية، بَيْد أن علماء الآلوس ورجالاتها نبغوا في جميع الفنون والعلوم، ودخلوا إلى فنون الأدب من أوسع منافذه وأبوابه، حتى عُرِفوا به، ووصل صيتُهم إلى المصلحين من علماء الأمة، حتى طلبوا ودَّهم ولقاءهم، وجرت بينهم مراسلات ومكاتبات، بل دروس ومحاضرات، والحديث عن سيرهم وإنجازاتهم في نهضة الأدب، وبيان ما قدَّموا من نتاج فكري يطول، وقد دوَّنت التراجمُ عن أعمالهم وأدبهم، وشِعرهم ونثرهم، وحياتهم العلمية الكثيرَ[1].



وسنتناول سيرة عالِم من علمائهم، ومفكر من أدبائهم، وأَلْمَعي من شعرائهم، لم تأخذ الترجمة حقها في بيان سيرته، بل اقتصرت على بعض الجوانب من حياته، ومطلع من أدبه وعلمه، ألا وهو العلامة علي علاء الدين الآلوسي البغدادي، نبدؤها بنبذةٍ يسيرة عن ترجمتِه وشيوخه وطلابه، ثم منهجه في طلب العلم، ونختم ببيان ما امتاز به من أسلوب فريد، وعُرِف عنه من فنٍّ في الخطابة والخط البديع، ومن الله نستمدُّ العون والتوفيق والتسديد.



ترجمة العلامة علي علاء الدين الآلوسي:

• هو العلامة السيد علي علاء الدين، ابن المصلح الكبير العلامة نعمان بن محمود أبي الثناء الآلوسي الكبير، ولد عام 1277 هجرية ببغداد؛ أي بعد ولادة ابن عمه محمود شكري بثلاثة أعوام تقريبًا.



والعلامة علي علاء الدين يُوافِق اسم عالم من الشجرة الآلوسية، واسمه علي علاء الدين الآلوسي التكريتي، وهو ابن العلامة عبدالحميد الكيلاني، ولد عام 1281، وله مؤلَّفات غالبُها في الوعظ والتاريخ، وتُوفِّي عام 1354 - 1935[2].



طلبه للعلم من الشيوخ:

ورِث العلم عن والده المُصلِح العلامة نعمان الآلوسي رحمه الله، وخاصة علم الأثر والسنة، والعقيدة الصافية، ونَبْذ البدع والتصوف المنحرف، وورِث منه الأدب والشعر، كما عُرِف عن الآلوسيين جمعُهم بين اللغة وعلم الشريعة، واستطاع الشيخ نعمان الآلوسي أن يغرس في نفس ولده حبَّ السنة والتوحيد، ويمتاز العلامة نعمان بأسلوبه الفريد في التعليم والتربية، إضافة إلى سَعَة علمه، ومعرفته بجميع الفنون، مما أكسبه خبرة في التربية.



• تلقَّى الشيخ علي الآلوسي - رحمه الله - مبادئ العلوم؛ كاللغة والأدب والفقه والصرف والمنطق - النقلية والعقلية - وغيرها من ابن عمه العلامة محمود شكري الآلوسي رحمه الله[3]، ويظهر أن ذلك قبل أن يتحوَّل الشيخ محمود الآلوسي إلى الطور الثالث من حياته، والتعرُّف على منهج التوحيد والسنَّة.



• وتلقَّى العلم كذلك من العلامة إسماعيل أفندي الموصلي، مُدرِّس جامع الصاغة ببغداد[4]، وقد استفاد منه علومًا جليلة، وآدابًا حميدة، حتى قال عنه في الدر المنتثر: (شيخنا ومولانا، وكهفنا ومقتدانا، خاتمة المحققين المدققين، بركة علماء العراق، ومن على جلالته الاتفاق)[5]، وذكره محمود الآلوسي - رحمه الله - في المسك الأذفر؛ لأنه من شيوخه أيضًا؛ حيث قال عنه: (كان عُدَّة الطالبين، وعمدة فحول المدرِّسين، عماد العلوم، وروَاق المنطوق والمفهوم، بحر الفضل الزاخر، وبر الكمال الذي لا يحيط بأطرافه الأبصار والبصائر...)[6].



تُوفِّي عام 1302، وأُصِيب بحمى مطبقة نحو عشرة أيام[7].



• ومن شيوخه الذين قرأ عليهم الإمامُ العلامة المحقق محيي السنة، وقامع البدعة: أبو الطيب محمد صديق بن حسن بن علي بن لطف الله القِنَّوجِي البخاري، نزيل بهوبال، ولد عام (1248 هـ)، تزوج بالأميرة (شاهجان بيجوم)[8]، ولُقِّب بأمير بهوبال، وكانت فرصةً للعمل على نشر علم الحديث والدعوة إلى العقيدة الصافية الخالية من البدع، ومكَّنته تلك المكانة المرموقة من نشر مؤلَّفات الأقدمين في الفقه والسنة والأدب، ونشرها في الأمصار، بل وإعانة العلماء ماديًّا في طلبهم للعلم ونشره، وكتابه العظيم: (الدين الخالص)[9]، مما يدلُّ على معتقده وحرصه، وقد أرسل نعمان الآلوسي ولدَه عليًّا علاء الدين إلى العلامة صديق حسن خان لنشر مؤلفاته ومؤلفات العائلة الآلوسية[10]، وبقي في ضيافته سبعةَ عشرَ يومًا، وقرأ عليه وأجازه إجازة عامة.




• ومن شيوخه: الشيخ القاضي حسين بن محسن السبعي الأنصاري، تلميذ العلامة محمد بن ناصر الحازمي، تلميذ العلامة القاضي محمد بن علي الشوكاني، وُلد بالحديدة - بلدة على ساحل البحر، بين جُدَّة وعدن - في شهر جمادى الأولى، لأربع عشرة خلت منه، سنة 1245 ألف ومائتين وخمسة وأربعين، وقد قرأ عليه وأجازه إجازة عامة في العلوم في عام 1299 هجرية[11].



موهبة الشعر:

قال العلامة الأثري - رحمه الله -: (فُطِر منذ نعومة أظفاره على الأدب، فعكف عليه حتى ملأ منه الوطاب، وقال الشعر قبل أن يبلغ الحُلُم وأجاده، ولما انقضى زمن شبيبته أقلَّ منه، بل انصرف في الغالب إلى نظمه، وكان لا يقوله إلا لخاطرة تمر بفكره، أو معنًى بديع يجيش بصدره، فينظمه في سلك متين، لا يَعْرُوه وهنٌ ولا ضعف)[12].



وهو (شاعر تقليدي، نظم في كثير من أغراض الشعر مما انتشر في عصره، فمدح وهنَّأ ووصف، وتشوق معتمدًا للعروض الخليلي في مقطوعاته التي غلب عليها التاريخ، فجاءت محطات زمنية ترسم صورة لعَلاقاته في مجتمعه)[13]، له مؤلفات جمة في الشعر، نذكرها في سرد المؤلفات.



من أبياته:




لعمرُك إن الناسَ ساءت فعالهم

وقد طلَّقوا المجدَ الأثيل ثلاثَا




تراهم رجالاً إن نظرت جسومَهم

وتلقَاهمُ عند الفعالِ إناثَا[14]







وقال:




إذا رُمْتَ توفيقًا إلى العلم فاجتهِدْ

لتحصيلِه فالله كافٍ وكافلُ




وجاهِد إذا قال الورى فيك: ناقصٌ

لِكيما يقولوا فيك: إنك كاملُ[15]







فن الخطابة:

برز نجمُه في فن الخطابة، وعلا كعبُه في معرفتِه بأسلوبها، ومعرفته بأصولها وآدابها وسننها، كيف لا، وهو يملك أدواتها من الأدب واللغة، وآلاتها من النثر والشِّعر.




يقول محمد بهجة الأثري - رحمه الله -:

(وله - رحمه الله - خطبةٌ بليغة يتجلَّى في كل كلمة من كلماتها الإخلاص للأمة والوطن، كان قد ألقاها بُعَيد انتخابه في نادي الاتحاد ببغداد في جمع غاصٍّ بالأمراء والعلماء والأعيان، وإليك طرفًا منها:

أيها السادة الكرام، إنا معاشر المبعوثين من هذا القطر المبارك، مهما أطلقنا ألسنة الشكر تُجَاه ما منحنا به من حسن الظن الذي كسا حللَ الأهلية في القيام بالنيابة العمومية، وأدنانا من مركز محافظة حقوق الجامعة العثمانية، فإنا لا نستطيع بلوغ الواجب، وأنَّى لنا! على أننا - والثقة بعون الله تعالى وتوفيقه - في عزم أكيد على محافظة حقوق القطر العراقي خاصة، والممالك العثمانية عامة، وبذل الجهد فيما يعود على صلاح هذا الوطن العزيز، الذي استحكمت فيه الرابطة بين جميع أصناف الرعية، كائنًا من كان، فإنهم على اختلاف مذاهبهم وأديانهم، وتشعُّب فِرَقهم وآرائهم، يرمون إلى غاية واحدةٍ، هي سلامة الوطن من حضيض التلف، إلى أَوْجِ السعادة والشَّرف، وقد كانت الحال قبل هذه النهضة الاتحادية والعزمة الوطنية، كما نعلم، ويعلم كلُّ حكيم سياسي واقف على أمراض الدول وعللها، داخليِّها وخارجيها؛ بحيث يكاد ينقطع حبلُ الرجاء، وتنفصم عُرى الأمل؛ لِمَا يرى من إشراف ذلك الوطن على الموت بأفجع ما يكون، وأهلُه معقولة ألسنتُهم، مقرَّحة أكبادهم، تأخذهم تحت سلطة الاستبداد سَكْرةٌ بعد أخرى، وتنوء أثقالهم الشاقَّة في مهالك الاستعباد، فلا يُطِيقون نهوضًا، ولا يستطيعون صبرًا... إلخ[16].




توليه القضاء:

اشتغل بالقضاء وعُرِف بالقاضي، وقضى في فلسطين وبَعْلَبك وبلاد الشام، ثم العراق، وعمِل بقضاء بغداد عام 1335 زمن الاحتلال الإنكليزي، وأصرَّت عليه السلطة، فلم يجد بدًّا من القَبول على كرهٍ منه، حتى قال في ذلك:




إن القضاءَ هو البلاءُ فلا تكُنْ

متعرِّضًا فتصابَ من سوءِ القضا




وإذا ابتُلِيت بهِ على كرهٍ فخُذْ

نهجَ العدالة إنها سببُ الرِّضا




والله عونُ الحق ينصر أهله

ويُذِلُّ مَن ضم الحقوق وأعرضا[17]








وصدق؛ فقد كان كما قال تلميذه الأثري - رحمه الله -: (كان عون الضعيف، وملجأ الصريخ، ونصير الحق، لا يَحِيد عنه قِيد شعرةٍ، ولا تأخذه فيه لومة لائم وإن سُلَّت عليه القواضب المرهفات، وكان أقوى الناس عنده الضعيف، حتى يأخذ الحق له، وأضعفهم عنده القوي حتى يأخذ الحق منه، وكان يستعمل العدل، ويباعد عنه الظلم والجَور، واتفقت له في أيامه أمور تجلى فيه ورعُه وزهده وعفته بأجلى مظاهرها)[18].




من مواقفه:

لَمَّا دعاه ناظر الأوقاف إلى الاشتراك بمسألة الاستملاك أجابه:

(إن الشرع الشريف يحظر ذلك؛ فلذلك لا يسعني القيام بما طلبت، لا بالذات ولا بإرسال وكيل عني)[19].




معترك السياسة:

قال العلامة محمد الأثري - رحمه الله -:

(وقد امتاز على علماء قطرِه أو عصره بأكثر هذه الخلال الحسنة، وبخلالٍ أخرى، منها جمعه بين العلم والأدب والسياسة، وقلَّ مَن اتَّصف من علماء الدين بذلك؛ فقد كان متوغلاً في السياسة توغُّله في العلم والأدب، وله فيها مواقف محمودة تشهد بطول الباع وبُعد النظر)[20].




ولهذا السبب انتدبَتْه الحكومة في الحرب العالمية الأولى للذهاب مع ابن عمه محمود الآلوسي إلى ملك نجدٍ عبدالعزيز آل سعود في أمر سياسي خطير عن طريق سوريا، فالحجاز، واحتفى به الملك احتفاءه بابن عمِّه محمود شكري، وقد أبدى علماء نجدٍ والشام إعجابهم بفضله وآدابه وعلمه، وتفقد في طريق العودة خزائن الكتب العربية، وبعدها عاد إلى بغداد دار السلام من جديد، ينشر العلم بين أفراد الأمة، كما ذكر ذلك تلميذه الألمعي الأثريُّ رحمه الله.

الإمام الكبير الجبل الحافظ الذهبي

اسمه ونسبه: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز بن عبد الله الذهبي في شهر ربيع الآخر سنة 673 .ذكر ابن حجر أن مولده في الثالث من الشهر المذكور (الدرر الكامنة، 3/426).

مولده ومهنته :كان من أسرة تركمانية الاصل، تنتهي بالولاءإلى بني تميم ، سكنت مدينة ميافارقين من أشهر مدن ديار بكر. ياقوت: معجم البلدان، 4/703، فما بعد.
أما والده شهاب الدين أحمد، فقد ولد سنة 641 ه تقريبا، وعدل عن صنعة أبيه إلى صنعة الذهب المدقوق، فبرع بها، وتميز، وعرف بالذهبي.مقدمة سير أعلام النبلاء للشيخ شعيب الأرنؤوط ص15.

علمه:
فتوجه سنة 691 ه هو ورفقة له، إلى شيخ القراء جمال الدين أبي إسحاق إبراهيم بن داود العسقلاني، ثم الدمشقي، المعروف بالفاضلي، فشرع عليه بالجمع الكبير. ابن الجزري: " غاية القراء "، 2.
وقد شرع في الوقت نفسه يقرأ بالجمع الكبير على الشيخ جمال الدين أبي إسحاق إبراهيم بن غالي
المقرئ الدمشقي " ت 708 ." معرفة القراء "، ص 576.
وما لبث الذهبي أن أصبح على معرفة جيدة بالقراءات، وأصولها ومسائلها، وهو لما يزل فتى لم يتعد العشرين من عمره.
وسمع الذهبي مئات الكتب والاجزاء الحديثية طيلة حياته في طلب العلم.

صلته بابن تيمية والبرزالي والمزي:
اتصل الذهبي اتصالا وثيقا بثلاثة من شيوخ ذلك العصر وهم جمال الدين أبو الحجاج يوسف بن عبد الرحمن المزي الشافعي " 742 654 ه " 0 وتقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم المعروف بابن تيمية الحراني، " 661 728 ه " وعلم الدين أبو محمد القاسم بن محمد البرزالي " 739 665 ه "، وترافق معهم طيلة حياتهم.
وكان الذهبي أصغر رفاقه سنا، وكان أبو الحجاج المزي أكبرهم. السبكي: " طبقات "، 6/251 ،ابن كثير: " البداية "، 14/185،ابن شاكر: " فوات "، ص 119.
أما ابن تيمية، فكانت شخصيته قد اكتملت منذ أن كان الذهبي شابا في أول طلبه العلم، وكان قد أصبح مجتهدا، له؟؟ الخاصة التي تقوم في أصلها، على اتباع آثار السلف، وابتدأ منذ سنة 698 ه يدخل في خصومات عقائدية حادة مع علماء عصره من المخالفين له،ويقيم الحدود بنفسه، ويحلق رؤوس الصبيان ،ويحارب المشعوذين من أدعياء التصوف،ويقاتل بعض من يعتقد فساد عقيدته،بل بلغ الامر به في إحدى المرات أن دخل السجن، وأخرج رفيقه المزي منه بنفسه ،ظهرت شخصيته السياسية في الحرب الغازانية سنة 699 ه وما بعدها، لا سيما سنة 702 ه فقد كان له الدور البارز في انتصار المماليك على المغول في وقعة شقحب.ابن كثير " البداية 14/4، ابن حجر: " الدرر " 1/155. ابن كثير: " البداية "، 14/19.ابن كثير: " البداية " 14/37، ابن حجر: " الدرر " 5/234.
وقد أحب الذهبي شيخه ورفيقه، وأعجب به، فقال بعد أن مدحه مدحا عظيما: " وهو أكبر من أن ينبه مثلي على نعوته، فلو حلفت بين الركن والمقام لحلفت، أني ما رأيت بعيني مثله، ولا والله ما رأى هو مثل نفسه في العلم . ابن ناصر الدين: " الرد الوافر "، ص 35.

من أقوال العلماء فيه:
قال ابن ناصر الدين المتوفي سنة 842 ه: " له دربة بمذاهب الائمة
وأرباب المقالات قائما بين الخلف بنشر السنة ومذهب السلف. ابن ناصر الدين: " الرد الوافر " ص 31.
قال تلميذه تقي الدين ابن رافع السلامي المتوفى سنة 774 ه: " كان خيرا صالحا متواضعا حسن الخلق حلو المحاضرة، غالب أوقاته في الجمع والاختصار
والاشتغال بالعبادة، له ورد بالليل، وعنده مروءة وعصبية وكرم.سير أعلام النبلاء (مقدمة / 68).
وقال الزركشي المتوفى سنة 794 ه: " مع ما كان عليه من الزهد التام والايثار العام والسبق إلى الخيرات والرغبة بما هو آت .السابق نفسه.
قال ابن حجر: " ورغب الناس في تواليفه ورحلوا إليه بسببها وتداولوها قراءة، ونسخا، وسماعا . ابن حجر: " الدرر " 3/427.
قال تلميذه الحسيني: " وقد سار بجملة منها الركبان في أقطار البلدان. " ذيل تذكرة الحفاظ " ص 36.
وقال ابن قاضي شهبة الاسدي: " سمع منه السبكي والبرزالي والعلائي وابن كثير وابن رافع وابن رجب وخلائق من مشايخه ونظرائه..وتخرج به حفاظ . " الاعلام " م 1 ورقة 90.
وقال تلميذه صلاح الدين الصفدي المتوفى سنة 764 ه: " الشيخ الامام العلامة الحافظ شمس الدين أبو عبد الله الذهبي.
حافظ لايجارى ولا فظ لا يبارى، أتقن الحديث ورجاله، ونظر علله وأحواله، وعرف تراجم الناس، وأزال الابهام في تواريخهم والالباس." الوافي " 2/163.
قال تلميذه عماد الدين بن كثير المتوفى سنة 774 ه: " الشيخ الحافظ الكبير مؤرخ الاسلام وشيخ
المحدثين..وقد ختم به شيوخ الحديث وحفاظه. " البداية والنهاية " 14/225 .

من مؤلفاته:
* التلويحات في علم القراءآت.
*المستدرك على مستدرك الحاكم.
*العذب السلسل في الحديث المسلسل.
*الموقظة في علم مصطلح الحديث .
*الاربعين في صفات رب العالمين.
*العلو للعلي الغفار.
*الكبائر.
*العرش.
*تشبيه الخسيس بأهل الخميس .
*حقوق الجار.
*مسألة السماع.
*كشف الكربة عند فقد الاحبة.
*الاشارة إلى وفيات الاعيان والمنتقى من تاريخ الاسلام.
*تاريخ الاسلام ووفيات المشاهير والاعلام .
* تذكرة الحفاظ.
*العبر في خبر من عبر.
*سير أعلام النبلاء .
* معرفة القراء الكبار على الطبقات والاعصار .
*المغني في الضعفاء.
* بيان زغل العلم والطلب.
* تلخيص " العلل المتناهية في الاحاديث الواهية " لابن الجوزي.
* الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة.
وغيرها الكثير.

وفاته:
أضر الذهبي في أخريات سني حياته، قبل موته بأربع سنين أو أكثر، بماء نزل في عينيه، فكان يتأذى ويغضب إذا قيل له: لو قدحت هذا لرجع إليك بصرك، ويقول: ليس هذا بماء، وأنا أعرف بنفسي، لانني ما زال بصري ينقص قليلا قليلا إلى أن تكامل عدمه .وتوفي بتربة أم الصالح ليلة الاثنين ثالث ذي القعدة قبل نصف الليل سنة 748 ه ودفن بمقابر باب الصغير، وحضر الصلاة عليه جملة من العلماء كان من بينهم تاج الدين السبكي.

مواقف أم سليم الأنصارية مفخرة لكل مسلم ومسلمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، خلق الإنسان من علق، وعلمه ما لم يكن يعلم وفضله على كثير ممن خلق، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب الأرض والسماء، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله سيد الأولين والآخرين بعثه ربه بالحق بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد:

فإن الذي دعاني إلى الكتابة في هذا الموضوع أنه من خلال مطالعتي لكتب السنة النبوية بمصادرها المتنوعة كانت تمر علي مواقف عظيمة لهذه المرأة المسلمة الصحابية الجليلة، فاستوقفني ذلك فرأيت أن أجمع تلك المواقف في مؤلف واحد عسى أن يكون حافزًا قويا لكل المسلمات نحو الاقتداء بهؤلاء الصحابيات الفضليات.

لا سيما ونحن في عصر ضاعت فيه القيم وتبدلت فيه المفاهيم وصار التقليد الأعمى في أوساط الشباب من الذكور والإناث في كثير من البلدان الإسلامية السمة الغالبة تقليدًا للغرب وخاصة فيما يتعلق بالنساء، وما نراه اليوم من التفسخ والتبرج في هذا العالم جزءٌ من هذا التقليد الأعمى، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل تعداه إلى تبجيل النساء الفاجرات من ممثلات ومغنيات وعارضات أزياء وغيرهن ممن كن على شاكلتهن بل وتسمية بعضهن بالنجوم اعتزازًا وافتخارًا بهن مما يدل على أن الأمة تمر بمرحلة خطيرة من الانحطاط.

فكان لزامًا على أهل العلم مقاومة هذا الانحطاط والبحث عن علاج له ومن ذلك فيما أرى إبراز الجوانب المضيئة من سير الصالحات وعلى رأسهن الصحابيات اللاتي شاركن منذ البعثة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في تثبيت دعائم هذا الدين ونشره وقد عرفن بسرعة الامتثال لأوامر الشرع وحسن الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقد التزمت في هذه الرسالة منهجًا معالمهُ أنني لا أورد لك من الأحاديث إلا ما صح، وغالبها في الصحيحين أو في أحدهما خلافًا لمعهود في توسع كثير من المؤلفين في باب المناقب من ذكر الأحاديث الضعيفة اعتقادًا مني أن ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم  من الأحاديث فيه غنية عما لم يثبت.

كما أنني لا أطيل التعليق على هذه المواقف بل أكتفي بان أقدم بين يدي الموضوع بتمهيد يبين للقارئ فحوى الموقف ليكون على علم بالمقصود قبل الدخول في التفاصيل، ثم بعد الانتهاء من ذكر كل موقف أعلق عليه بما يكشف عن حقيقته مشيرًا على ما فيه من المحاسن والمناقب مما يُلفت النظر بعبارات وجيزة وهذا أوان الشروع في المقصود فأقول وبالله تعالى التوفيق وعليه التكلان.

قصة عمر بن الخطاب مع ابى الدرداء

حينما كان أبو الدرداء في الشام قدم سيدنا عمر متفقداً أحواله، فزار صاحبه أبا الدرداء في منزله ليلاً، فدفع الباب فإذا هو بغير غلق، فدخل في بيت مظلم لا ضوء فيه، فلما سمع أبو الدرداء صوته قام إليه ورحّب به وأجلسه، وأخذ الرجلان يتناوبان الأحاديث، والظلام يحجب كلاً منهما عن صاحبه .
قال له عمر:
((رحمك الله، ألم أوسِّعْ عليك؟ ألم أبعث إليك؟ قال له أبو الدرداء: أتذكر يا عمر, حديثاً حدثنا به النبي صلى الله عليه وسلم .
قال: وما هو؟.
قال: ألم يقل:
((ليكن بلاغ أحدكم من الدنيا كزاد الراكب))
قال: بلى .
قال: فماذا فعلنا بعده يا عمر؟ فبكى عمر، وبكى أبو الدرداء))
إليكم لحظته الأخيرة من الحياة :
ظل أبو الدرداء في دمشق يعظ أهلها، ويعلمهم الكتاب والحكمة، حتى أتاه اليقين، فلما مرِض مرَض الموت، دخل عليه أصحابه: فقالوا:
((ما تشتكي؟ .
قال: ذنوبي .
قالوا: ما تشتهي؟ .
قال: عفو ربي, ثم قال لمَن حوله: لقِّنوني لا إله إلا الله محمد رسول الله, فما زال يرددها حتى فارق الحياة))
ما هي الرؤيا التي رآها عوف بن مالك الأشجعي ؟
فلما لحق أبو الدرداء بجوار ربه، رأى عوفُ بن مالك الأشجعي فيما يراه النائمُ مرجاً أخضر فسيحَ الأرجاء، وارفَ الأَفْياء، فيه قبة عظيمة من أدم, حولها غنم رابضة لم تر العين مثلها قط, قال:
((لمن هذا؟ قيل: هذا لعبد الرحمن بن عوف، فطلع عليه عبد الرحمن بن عوف, وقال له: يا ابن مالك، هذا ما أعطانا الله عز وجل بالقرآن، ولو أشرفت على هذه الثنية لرأيت ما لم تر عينك, وسمعت ما لم تسمع أذنك, ووجدت ما لم يخطر على قلبك، قال ابن مالك: ولمَن ذلك كله يا أبا محمد؟ قال: أعده الله عز وجل لأبي الدرداء، لأنه كان يدفع عنه الدنيا بالراحتين والصدر)) فأين نحن من هؤلاء ياأمة الحبيب محمد عليه افضل الصلاة والسلام انظروا فى حالنا كم انفتحت الدنيا علينا وكم تغير حال المسلمين فاتقوا الله فيوم لقائه قريب .

زياد علي

زياد علي محمد