الاثنين، 16 سبتمبر 2019

التعاونية

شركة التعاونية للتأمين هي شركة مساهمة سعودية، تأسست في التاسع من يناير عام 1985، برأس مال نصف مليار ريال سعودي، وتعد المؤسسة العامة للتقاعد أحد المساهمين الرئيسيين للشركة إذ تبلغ نسبة تملكها 23.70%، أما المؤسسة العامة للتامينات الاجتماعية فتملك 22.80%، ويتركز نشاط الشركة في مزوالة أعمال التأمين التعاوني وكل ما يتعلق بهذه الأعمال من توكيلات وإعادة التأمين، ويتمثل النشاط الرئيس للشركة في تقديم خدمات تأمين السيارات، التأمين البحري، تأمين الحريق، التأمين الطبي، التأمين الهندسي، تأمين الطيران، وتأمين التكافل والحوادث المتنوعة .

الشركات التابعة والشقيقة للتعاونية للتأمين  :

شركة المتحدة للتأمين.
شركة وصيل.
شركة التعاونيه للاستثمارالعقارية.

دوري ابطال اسيا

دوري أبطال آسيا هي بطولة كرة قدم آسيوية سنوية ينظمها الاتحاد الآسيوي لكرة القدم منذ عام 1967 لأفضل أندية كرة القدم في آسيا. وتعتبر البطولة من أهم البطولات القارية في رياضة كرة القدم على مستوى الأندية في العالم. كانت البطولة قبل عام 2003 تسمى رسمياً بطولة الأندية الآسيوية، وفي العادة يشار إليها إعلامياً وجماهيرياً باسم كأس آسيا. وكانت البطولة منذ 1967 وحتى عام 2002 تُلعب في أدوارها الأولى بنظام خروج المغلوب وفي أدوارها النهائية بنظام التجمع والاستضافة ما عدا بعض المواسم. أقيمت المباراة النهائية بنظام الذهاب والإياب، وكان يشارك فيها بطل الدوري لكل دولة فقط، وشهدت البطولة تقلبات كثيرة حيث مرت بنسخ مختلفة ومسميات مختلفة، بدأت البطولة تتوسع في سنة 2000، حيث تم زيادة عدد الفرق.

وفي عام 2003 تحولت إلى مسماها الحالي (دوري أبطال آسيا) بعد أن دمجت البطولة مع بطولة كأس الكؤوس الآسيوية وبطولة كأس السوبر الآسيوي في بطولة واحدة، وتغير مسماها إلى المسمى الحالي بعد الدمج  و مرت البطولة بمسماها الحالي بفترتين بنظامين مختلفين ، الفترة الأولى منذ 2003 و حتى 2008 و الفترة الثانية منذ 2009 و حتى الآن حيث تم زيادة عدد الفِرق حتى أصبحت البطولة حالياً مُكونة من 32 نادي في عام 2009 تم تحسين البطولة و تغيير نظام التأهل بطريقة (تحقيق المعايير المرغوبة) من أفضل 10 دوريات. وقد يكون حامل اللقب ليس له مكان في النُسخة القادمة من البطولة؛ مالم يُقدم مراكز عالية في الدوري المحلي. ويتأهل الفائز باللقب لمنافسات كأس العالم للأندية.

فاز باللقب 14 نادياً مختلفاً،12 منهم فاز باللقب أكثر من مرة. يُعد بوهانغ ستيلرز النادي الأكثر فوزاً باللقب، حيث فاز بالبطولة ثلاث مرات أعوام 1997 و1998 و2009، ومن بعده يأتي الهلال السعودي حقق البطولة مرتين أعوام 1992 و2000، والوصافة اربع مرات أعوام 1987 و1988 و2014 و2017 (وهو من يحمل الرقم القياسي من حيث عدد مرات الوصول للمبارة النهائية 6 مرات ومن حيث الوصافة 4 مرات)  وهناك 14 نادي آخر حققوا اللقب لمرة واحدة فقط وهناك 17 نادي اكتفوا بالوصافة دون تحقيق اللقب. الفائز باللقب يتأهل

البطل الحالي هو نادي كاشيما أنتلرز الياباني بعدما فاز بلقب موسم 2018، بعد تغلبه عل نادي برسبوليس الإيراني بنتيجة 2-0 بمجموع اللقائين.

التاريخ
البدايات (1967–2002)
بدأت المسابقة كبطولة الأندية الآسيوية ، وهي بطولة لأبطال كل دولة في الاتحاد الآسيوي ، وكان لها أشكال مختلفة ، حيث تم تنظيم البطولة الافتتاحية بتنسيق خروج المغلوب المباشر والإصدارات الثلاثة التالية التي تتكون من مرحلة المجموعات. سيطرت الأندية الإسرائيلية على الطبعات الأربع الأولى من المسابقة ، ويرجع ذلك جزئيًا إلى رفض الفرق العربية مواجهتها. في عام 1970 ، رفض فريق نادي هومنتمن بيروت اللبناني اللعب ضد نادي هبوعيل تل أبيب في الدور نصف النهائي ، وبالتالي ذهب هبوعيل مباشرة إلى النهائي ، بينما في عام 1971 ، رفض فريق الشرطة العراقي اللعب ضد مكابي تل أبيب في مناسبتين منفصلتين في البطولة. بما في ذلك النهاية نفسها ، مع اعتبار وسائل الإعلام العربية أن الجانب العراقي هو الفائز بالبطولة واستقبال الفريق وموكب حافلة مفتوح. تم إلغاء إصدار عام 1972 من قبل الاتحاد الآسيوي لكرة القدم بعد رفض فريقين عربيين الالتزام باللعب ضد الجانب الإسرائيلي مكابي نتانيا. بعد ذلك ، توقف الاتحاد الآسيوي عن إجراء المنافسة وطردت إسرائيل من الاتحاد. عادت بطولة الأندية الآسيوية الأولى في عام 1985 ، وفي عام 1990 ، قدم الاتحاد الآسيوي لكرة القدم كأس الكؤوس الآسيوية ، وهي بطولة للفائزين بكأس كل دولة في الاتحاد الآسيوي. شهد موسم 1995 تقديم كأس السوبر الآسيوي حيث واجه الفائزون في بطولة الأندية الآسيوية وكأس الفائزين في كأس آسيا ضد بعضهم البعض.

نظام البطولة
شارك في هذه البطولة قرابة 40 نادياً من أقوى 10 دوري محلي آسيوي (5 غرب آسيا) (5 شرق آسيا)، ويتم ترتيب الأتحادات وفقاً لتصنيف أنظمة الاتحاد الآسيوي لكرة القدم، الذي يُجري التقييم حسب المعايير التي حددها الاتحاد الآسيوي، وأيضاً يعتمد على نظام قوة الدوري المحلي حيث يعتبر الهلال السعودي أكثر الأندية حصولاً على بطولة الدوري بواقع 4 بطولات منها 2 دوري أبطال آسيا و 2 أبطال الدوري.

التصفيات التأهيلية
الملحق التأهيلي
في دور التأهيلي يشارك 10 أندية من الأتحادات العشرة على النحو التالي:

6 أندية من غرب آسيا – الدور نصف نهائي, النهائي (يتأهل فريقين إلى مرحلة المجموعات)
4 أندية من شرق آسيا – الدور النهائي (يتأهل فريقين إلى مرحلة المجموعات)
دور المجموعات
يتكون دور المجموعات من 32 فريقا يتاهل إليه على النحو التالي:

14 نادي من غرب آسيا (5 أتحادات)
14 نادي من شرق آسيا (6–5 أتحادات)
4 نادي من الملحق التأهيلي (2 من غرب آسيا, 2 من شرق آسيا)
وبذلك يصبح المجموع 32 فريقا، وتقام القرعة بينها ليتم توزيعها على 8 مجموعات، تحوي كل منها 4 أندية; 4 مجموعات الأولى (اندية غرب آسيا), 4 مجموعات الأخيرة (اندية شرق آسيا). مع مراعاة توزيع الاندية الكبرى. ويلعب كل فريق مع باقي فرق مجموعته مبارتي ذهاب وإياب، ويمنح الفائز 3 نقاط والتعادل نقطة والخسارة لا شيء. يتأهل صاحبا المركز الأول والثاني مباشرة إلى دور الستة عشر.

يتأهل 16 نادي إلى هذا الدور (8 أندية من غرب آسيا تتنافس فيما بينها؛ 8 أندية من شرق آسيا تتنافس فيما بينها), تلعب كل مواجهة بمباراة واحدة، يستضيفها الفائز من كل مجموعة (الفريق 1) ضد الوصيف من المجموعة الأخرى (الفريق 2). ويتأهل من هذا الدور 8 فرق. في دور ربع النهائي تقام قرعة جديدة بين الفرق الثمانية المتأهلة, منذ عام 2010، الفريق لا يستطيع مواجهة الفريق الآخر من نفس المنطقة أو الدولة; ألا في حال تأهل ثلاثة أندية من نفس الدولة. ويلعب كل فريق مباريتا ذهاب وإياب، وإذا تعادل الفريقان يتم اللجوء إلى الوقـت إالاضـافي وإذا استمر التعادل تنتقل المباراة إلى ركلات الترجيح مباشرة. ويتأهل من هذا الدور 4 فرق.

في دور نصف النهائي تلعب مباريتا ذهاب وإياب، وإذا تعادل الفريقان يتم اللجوء إلى الوقـت الإضافي وإذا استمر التعادل تنتقل المباراة إلى ركلات الترجيح مباشرة. ويتأهل من هذا الدور فريقين إلى النهائي. نهائي البطولة سوف يلعب في ملعب أحد الفريقين المتأهلين للنهائي، يتم تحديده في القرعة. يلعب فيها الفريقان المتأهلان مباراة واحدة، وبحال استمر التعادل يتم اللجوء إلى وقت إضافي، وإذا استمر التعادل على الرغم من ذلك، يتم اللجوء إلى ركلات الترجيح لتحديد الفائز.

اسعار النفط

أسعار النفط تطلق على سعر خام غرب تكساس الوسيط (الخام الخفيف المتداول في بورصة نيويورك التجارية أو مزيج برنت المتداول على بورصة انتركونتيننتال)، سعر برميل من النفط يختلف من مكان لآخر اعتمادا على عدة عوامل، مثل الثقل النوعي أو API، ومحتواه من الكبريت، ومكان استخراجه.

الطلب على النفط يعتمد اعتمادا كبيرا على نمو الاقتصاد العالمي، ويقول بعض الاقتصاديين أن ارتفاع أسعار النفط لها أثر كبير سلبي على النمو العالمي.

منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) تشكلت للحفاظ على سعر النفط عند مستوى يحقق الفائدة لجميع أعضائها.

في الأشهر الأخيرة سعر النفط قد انخفض بشكل كبير، وتجاوز الانخفاض مستوى 54 دولارا للبرميل.
التاريخ
الأسعار مؤخرا
كانت الأسعار في يناير 1999 قد وصلت إلى حاجز متدني حيث بلغت 16 دولارا (الأسعار في كامل المقال بالدولار لكل برميل من النفط)، بعد زيادة إنتاج النفط من العراق وتزامن مع الأزمة المالية الآسيوية، مما أدى إلى تراجع الطلب،

ثم زادت الأسعار بسرعة، لأكثر من الضعف بحلول سبتمبر 2000 فبلغت 35 دولارا، ثم انخفضت مرة أخرى حتى نهاية عام 2001، ثم اتجهت إلى الزيادة بشكل متطرد، وبلغت 40-50 بحلول سبتمبر 2004، وفي أكتوبر 2004 ارتفع سعر النفط الخام الخفيف للعقود الآجلة متجاوز 53 دولارا في عقود تسليم نوفمبر و 55 دولارا في عقود ديسمبر.

ارتفعت أسعار النفط الخام إلى مستوى قياسي فوق 60 دولارا في يونيو 2005، واستمر هذا الاتجاه في أوائل أغسطس 2005، وارتفعت العقود الآجلة لنحو 65 دولارا، كما واصل الطلب على البنزين ارتفاعه على الرغم من ارتفاع الأسعار، وصل سعر النفط الخام وصل إلى ذروته في يوليه 2006 فحقق أكثر من 77 دولارا، وفي ديسمبر 2006 بلغ نحو 63 دولارا.

وفي سبتمبر 2007، تجاوز خام تكساس حاجز 80 دولارا، عوامل متعددة تسببت في ارتفاع هذه الأسعار، منها أن زيادة إنتاج أوبك كانت أقل من المتوقع، انخفاض أسعار الأسهم في الولايات المتحدة بأقل من توقعات الخبراء، والتغيرات في السياسات النفطية الاتحادية، وتعرض ستة من خطوط الأنابيب لهجوم من قبل مجموعة يسارية في المكسيك، وفي أكتوبر 2007 ارتفع الخام الاميركي الخفيف فوق 90 دولارا للمرة الأولى، بسبب مزيج من حدة التوتر في شرق تركيا وانخفاض قيمة الدولار.

يناير 2008، بلغ متوسط سعر برميل النفط خلال تلك السنة 94 دولار وفق إحصائية منظمة أوبك وتأرجح سعر النفط خلال ههذه السنة.

توازن السوق
أسعار النفط مثل أسعار جميع السلع، تخضع لتقلبات كبيرة مع مرور الوقت، وخاصة تلك المرتبطة بدورة الأعمال التجارية فعند زيادة الطلب على سلعة مثل النفط بشكل يتجاوز قدرة الإنتاجية، فإن السعر السعر سوف يرتفع بشكل حاد جدا لان كلا من الطلب والعرض غير مرن إلى حد بعيد في المدى القصير، فمستهلكوا النفط قد يصدموا من ارتفاع أسعار النفط بشكل كبير، ولكن عاداتهم تحدد استهلاكهم له، وهي تأخذ وقتا للتكيف، غير أن كلا من الشركات والأفراد عليهم معرفة سبل لخفض استهلاك النفط كاستجابة لارتفاع الأسعار، وارتفاع الأسعار تشجع الاستثمارات الجديدة في ايجاد مصادر جديدة.

وعندما يتجاوز العرض الطلب، من جهة أخرى، ينبغي أن تنهار الأسعار حتى تصبح التكلفة الحدية للإنتاج أكبر من السعر، فتبدأ آبار البترول بالإغلاق لانها أصبحت غير اقتصادية، على الأقل مؤقتا، فيقل المعروض بالتالي ويزداد السعر من جديد.تأ

المصري

كأس مصر هي كأس منافسات كرة القدم الرئيسية في مصر، بدأت أولى دورات كأس مصر عام 1921، ولم تلعب في الفترات من 1968 إلى 1971 بسبب حرب 1967 وحرب الاستنزاف، وموسم 1973-1974 بسبب حرب أكتوبر، وفي مواسم 1979-1980، و 1981-1982،و1986-1987،و 1993- 1994، و2012-2011 لأسباب مختلفة.

سجل الأبطال حسب السنة
1922–1921 : الزمالك
1923–1922 : الترسانة
1924–1923 : الأهلي
1925–1924 : الأهلي
1926–1925 : الاتحاد
1927–1926 : الأهلي
1928–1927 : الأهلي
1929–1928 : الترسانة
1930–1929 : الأهلي
1931–1930 : الأهلي
1932–1931 : الزمالك
1933–1932 : الأوليمبي
1934–1933 : الأوليمبي
1935–1934 : الزمالك
1936–1935 : الاتحاد
1937–1936 : الأوليمبي
1938–1937 : الزمالك
1939–1938 : الترام
1940–1939 : الأهلي
1941–1940 : الزمالك
1942–1941 : الأهلي
1943–1942 : الأهلي والزمالك
1944–1943 : الزمالك
1945–1944 : الأهلي
1946–1945 : الأهلي
1947–1946 : الأهلي
1948–1947 : الاتحاد
1949–1948 : الأهلي
1950–1949 : الأهلي
1951–1950 : الأهلي
1952–1951 : الزمالك
1953–1952 : الأهلي
1954–1953 : الترسانة
1955–1954 : الزمالك
1956–1955 : الأهلي
1957–1956 : الزمالك
1958–1957 : الزمالك والأهلي
1959–1958 : الزمالك
1960–1959 : الزمالك
1961–1960 : الأهلي
1962–1961 : الزمالك
1963–1962 : الاتحاد
1964–1963 : القناة
1965–1964 : الترسانة
1966–1965 : الأهلي
1967–1966 : الترسانة
1972 إلى 1967 : توقفت
1973–1972 : الاتحاد
1974–1973 : لم تقم
1975–1974 : الزمالك
1976–1975 : الاتحاد
1977–1976 : الزمالك
1978–1977 : الأهلي
1979–1978 : الزمالك
1980–1979 : لم تقم
1981–1980 : الأهلي
1982–1981 : الأهلي
1983–1982 : لم تقم
1984–1983 : الأهلي
1985–1984 : الأهلي
1986–1985 : الترسانة
1987–1986 : لم تقم
1988–1987 : الزمالك
1989–1988 : الأهلي
1990–1989 : المقاولون العرب
1991–1990 : الأهلي
1992–1991 : الأهلي
1993–1992 : الأهلي
1994–1993 : لم تقم
1995–1994 : المقاولون العرب
1996–1995 : الأهلي
1997–1996 : الإسماعيلي
1998–1997 : المصري
1999–1998 : الزمالك
2000–1999 : الإسماعيلي
2001–2000 : الأهلي
2002–2001 : الزمالك
2003–2002 : الأهلي
2004–2003 : المقاولون العرب
2005–2004 : إنبي
2006–2005 : الأهلي
2007–2006 : الأهلي
2008–2007 : الزمالك
2009–2008 :حرس الحدود
2010–2009 :حرس الحدود
2011–2010: إنبي
2012–2011 : لم تقم
2013–2012 : الزمالك
2014–2013 : الزمالك
2015–2014 : الزمالك
2016–2015 : الزمالك
2017-2016:الأهلي
2018-2017: الزمالك
2019-2018 : الزمالك

تونس

تونس، رسميًا الجمهورية التونسية، هي دولة عربية تقع في شمال أفريقيا يحدها من الشمال والشرق البحر الأبيض المتوسط ومن الجنوب الشرقي ليبيا (459 كم) ومن الغرب الجزائر (965 كم). عاصمتها مدينة تونس. تبلغ مساحة الجمهورية التونسية 163,610 كم2. يبلغ سكان الجمهورية التونسية حسب آخر الإحصائيات سنة 2014 ما يقارب 10 ملايين و982,8 ألف نسمة.

لعبت تونس أدوارا هامة في التاريخ القديم منذ عهد الفينيقيين والأمازيغ والقرطاجيين والونداليين والرومان وقد عرفت باسم مقاطعة أفريكا إبان الحكم الروماني لها والتي سميت باسمها كامل القارة. فتحها المسلمون  في القرن السابع الميلادي وأسسوا فيها مدينة القيروان سنة 50 هـ لتكون ثاني مدينة إسلامية في شمال أفريقيا بعد الفسطاط. في ظل الدولة العثمانية، كانت تسمى "الإيالة التونسية". وقعت تحت الاحتلال الفرنسي في عام 1881، ثم حصلت على استقلالها في عام 1956 لتصبح رسميا المملكة التونسية في نهاية عهد محمد الأمين باي. مع إعلان الجمهورية التونسية في 25 يوليو 1957، أصبح الحبيب بورقيبة أول رئيس لها.

تلى الأخيرَ في رئاسة الجمهورية زين العابدين بن علي بالانقلاب عام 1987، واستمر حكمه حتى 2011 حين هرب خلال الثورة التونسية. اعتمدت تونس على الصناعات الموجهة نحو التصدير في عملية تحرير وخصخصة الاقتصاد الذي بلغ متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي 5 ٪ منذ أوائل 1990، ويذكر ان تونس عانت الفساد في ظل حكم الرئيس السابق.

تونس لديها علاقات وثيقة وتاريخية مع كل من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي وهي حليف رئيسي خارج الناتو ولديها عدة اتفاقيات شراكة متقدمة تجمعها مع الاتحاد الأوروبي والذي يعد الزبون الأول لتونس والحليف الاقتصادي القوي. تونس هي أيضا عضو في جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي. وأنشأت تونس علاقات وثيقة مع فرنسا على وجه الخصوص، من خلال التعاون الاقتصادي والتحديث الصناعي، وبرامج الخصخصة. وقد جعلت النهج الذي تتبعه الحكومة في الصراع بين إسرائيل وفلسطين كما أنها وسيط في مجال الدبلوماسية في الشرق الأوسط ومساهم كبير في فرض السلام في العالم عبر قواتها المنتشرة في مناطق النزاع والتابعة للأمم المتحدة.
أصل التسمية
تأتي تسمية البلاد من تسمية عاصمتها التي تمتلك نفس الاسم. وتختلف الآراء عن تسمية هذه المدينة. يعتقد البعض أن اسم تونس يعود إلى الحقبة الفينيقية حيث أن عادةً ما تسمى المدينة بألهتها الرئيسية وفي حالة تونس فهي تانيت. بعض المدارس العربية رجحت أصل الكلمة إلى جذور عربية من خلال المدينة القديمة ترشيش. كما رجح البعض الأخر أصل الكلمة إلى كلمة تينس التي وصفها ديودورس وبوليبيوس والتي يبدو وصفها قريبًا من منطقة القصبة بضواحي تونس حاليًا. أيضًا، أشار المؤرّخ عبد الرحمن بن خلدون إلى أصل كلمة "تونس" التي أطلقت على حاضرة شمال إفريقيّة حيث أرجع اصلها إلى ما عرف عن المدينة من ازدهار عمراني وحيوية اقتصادية وحركية ثقافية واجتماعية فقد أشار إلى أنّ اسم "تونس" اشتقّ من وصف سكانها والوافدين عليها لما عرفوا به من طيب المعاشرة وكرم الضيافة وحسن الوفادة. كما يوجد تفسير آخر يقول أن الكلمة من جذع فعل أنس الأمازيغي والذي يعني قضاء الليلة.مع تغير المعنى في الزمن والمكان، قد تكون كلمة تونس أخذت معنى مخيم ليلي، أو مخيم، أو مكان للتوقف. وهناك مراجع مكتوبة من الحضارة الرومانية القديمة تذكر مدن قريبة بأسماء مثل تونيزا (حاليًا القالة)، تونسودى (حاليًا سيدي مسكين)، تنسوت (حاليًا بئر بورقبة)، تونسي (حاليًا رأس الجبل). بما أن كل هذه القرى كانت موجودة على الطرقات الرومانية، فقد كانت بلاشك تستعمل كمحطة لتوقف والاستراحة. تسمية البلاد في اللغات اللاتينية، التي تضيف إليها ia مثل الإنجليزية وهي قد تطورت من تسمية الجغرافيين والمؤرخين الفرنسيين الذين سموها Tunisie -ia,. في أوائل القرن 19 كجزء من جهودهم الرامية إلى إعطاء أسماء للأراضي التي كانت تحتلها فرنسا. كلمة Tunisie المشتقة من الفرنسية تبنتها بعض اللغات الأوروبية مع بعض التعديلات الطفيفة، مما أنتج عن اسم مميز للبلاد. أما بعض اللغات الأخرى فلم تغير التسمية العربية كثيرا، مثال على ذلك التسمية الروسية لتونس Тунис (تو'نس) والتسمية الإسبانية Túnez.
المناخ
تقع تونس جنوب المنطقة المعتدلة ويخضع مناخها للتأثيرات المتوسطية فهو لذلك مناخ معتدل ولطيف، ويبلغ متوسط ارتفاع الحرارة 44،11 درجة في جويلية و3،29 درجة في شهر ديسمبر.

أما الأمطار فهي تنزل بدون انتظام وتتوزع بدون تساو بحسب الفصول والجهات ( 75 % منها تنزل في الشتاء ). ويتجاوز معدل الأمطار 1.500 مليمتر سنويا في عين دراهم الواقعة في أقصى الشمال، وتتدنى هذه الكميات إلى أقل من 150 مليمترا في أقصى الجنوب .

البيئة
من أهم المخاطر المهددة للبيئة التونسية الجفاف، حيث تتعرض البلاد التونسية إلى سنوات متتالية من الجفاف حيث تغيب التساقطات وخاصة في إقليم الجنوب فالإحصائيات بين 1901 و1980 تؤكد أن هذا الإقليم هو الأشد تضررا مما يتسبب في أضرار بيئية واقتصادية. كما حدثت في تونس بعض الفيضانات وهي كميات مرتفعة من الأمطار في وقت وجيز كما حدث في جانفي 1990 بكل من السند والمكناسي (قفصة وسيدي بوزيد) أو في العاصمة تونس في سبتمبر 2003. وتخلف خسائر بشرية ودمار للبنية التحتية. وتسعى الدولة التونسية إلى تقليص الفياضات بإنشاء السدود والمنشآت الحمائية بصفاقس والقيروان. أما التصحر وهو توسع للمساحات الصحراوية فيؤدي إلى تقدم الكثبان الرملية وتراجع خصوبة التربة. أسباب ذلك النمو السريع للسكان الذين تضاعفوا خمسة مرات منذ بداية القرن، وتوسع مناطق العمران على حساب الغابات والمساحات الخضراء عن طريق الزحف العمراني والرعي الجائر. تتمثل أساليب مكافحة التصحر في تونس بإنشاء برنامج اليد الصفراء سنة 1994 ويهدف إلى مقاومة الإرمال بتشييد الطوابي ومقاومة الانجراف المائي بتشييد البحيرات الجبلية وتهيئة المراعي. رغم المزايا العديدة للبيئة التونسية فإن عديد من المخاطر تهددها مما يستوجب البحث عن حلول.
العهد الاسلامي
استقر الإسلام في المنطقة بعد ثلاث فتوحات متتالية عرفت مقاومة كبيرة من البربر بينما لم تُعَرّب شعوب المنطقة إلا بعد ذلك بقرون طويلة. كانت أولى الفتوحات سنة 647م وعرفت بفتح العبادلة لان قوادها يحملون اسم عبد الله وقد كان اسم المعركة الآخر هو معركة سبيطلة حيث فتحوا المدينة وقتلوا حاكما الظالم جرجيريورس أو كما كانوا يسمونه جرجير وأسروا ابنته وقعت الحملة الثانية سنة 661م وانتهت بالسيطرة على مدينة بنزرت. أما الحملة الثالثة والحاسمة فكانت بقيادة عقبة بن نافع سنة 670م وتم فيها تأسيس مدينة القيروان والتي أصبحت فيما بعد القاعدة الأمامية للحملات اللاحقة في إفريقية والأندلس. إلا أن مقتل عقبة بن نافع سنة 683م كاد يفشل الحملة واضطر الفاتحون إلى حملة رابعة ونهائية بقيادة حسان بن النعمان سنة 693م أكدت سيطرة المسلمين على إفريقية رغم مقاومة شرسة من البربر بقيادة الكاهنة. وتمت السيطرة على قرطاج سنة 695م ورغم بعض الانتصارات للبربر واسترجاع البيزنطيين لقرطاج سنة 696م فإن المسلمين سيطروا بصفة نهائية على المدينة في 698م وقتلت الكاهنة في السنة نفسها. لم تسترجع قرطاج هيبتها بعد ذلك وتم استبدالها بعد ذلك بميناء تونس القريب والذي كان مركز انطلاق للغزوات في البحر باتجاه صقلية وجنوب إيطاليا. لم يكتف الفاتحون الجدد بالسيطرة على السواحل بل أتجهوا برا ونشروا عقيدتهم في صفوف البربر الذين أصبحوا من ذلك الحين رأس الحربة في الفتوحات اللاحقة وخاصة في الأندلس بقيادة طارق بن زياد. احتوت مدينة القيروان على العديد من مراكز تعليم الإسلام إلا أن بعد إفريقية عن المشرق مهد الديانة ومركز الحكم أدى إلى انتشار الفرق الإسلامية التي لا تنتمي إلى أهل السنة وخاصة الفكر الخارجي. أشرق نور الإسلام في مكة المكرّمة ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فدخل الناس في دين الله أفواجا، ولما توفي النبي صلى الله عليه وسلم كان الإسلام قد عم جزيرة العرب، ثم انتشر الصحابة خارجها فاتحين وناشرين لدعوة الأسلام. وفي أقل من ربع قرن أتموا فتح كل من العراق وبلاد الشام ومصر، وما إن أتم المسلمون الفتح النهائي لمصر سنة 21 هـ حتى سارع عمرو بن العاص ففتح برقة (بين الإسكندرية وطرابلس بليبيا) سنة 22 هـ، وطرابلس سنة 23 هـ، وترك جزءا من جيشه للحفاظ على البلاد المفتوحة ونشر الإسلام بين أهلها لمن رغب فيه. وكان ضمن هذه الحامية عقبة بن نافع الفهري الذي كان له بعد ذلك شأن عظيم في تاريخ إفريقية والمغرب. ولما شارف عمرو بن العاص على إفريقية (تونس) ليفتحها أرسل يستشير أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فكان الجواب حاسما "لا". ففي هذه السنة 22 هـ بات عمر بن الخطاب ليلة مهموما يفكر من يولي على الكوفة وقد رفض أهلها أن يولى عليهم عمار بن ياسر ومن بعده أبو موسى الأشعري فكانت ولاية الكوفة مبعثة للقلق، وأمام تقدم فتوحات المسلمين في أرض البحرين وفارس والسند والترك والأكراد ومصر قلق عمر بن الخطاب وأحس بتسارع الأحداث، فلما أراد عمرو ابن العاص أن يتوغل باتجاه الروم (تونس) منعه من ذلك، ثم كان يوم الأربعاء 27 ذي الحجة سنة 23 هـ الموافق لـ 3 نوفمبر 644 م هو اليوم الذي طعن فيه عمر بن الخطاب بخنجر أبي لؤلؤة المجوسي ودفن يوم الأحد 7 نوفمبر 644 م الموافق للأول من 24 هـ، فدفن معه العدل في ذلك اليوم. إلى أن جاءت ولاية عثمان بن عفان رضي الله عنه يوم الأربعاء 4 محرم 24 هـ، فعزل عمرو بن العاص سنة 26 هـ وولى عبد الله بن سعد بن أبي سرح على مصر فسار ومعه عقبة بن نافع الفهري على رأس جيش يضم عشرين ألفا، قال الطبري خرج منهم عشرة آلاف من قريش والأنصار والمهاجرين، وعرفت هذه الغزوة "بغزوة العبادلة السبع" والتي جرت أحداثها بمدينة سبيطلة سنة 27 هـ الموافق لـ 648 م حيث قتل قائد الجيش البربري جرجير وأصاب المسلمون من هذه الغزوة أموالا لم يصيبوا مثلها، فكانت إفريقية من أعظم الفتوح عند المسلمين، قال الطبري كانت أحسن امة سلاما وطاعة وأهل إفريقية من أحسن أهل البلدان وأطوعهم إلى ولاية هشام بن عبد الملك، حتى دب إليهم أهل العراق فاستثاروهم وشقوا عصاهم وفرقوا بينهم. عبد الله بن سعد بن أبي سرح القرشي العامري، كان يكتب للنبي فأزله الشيطان فلحق بالكفر فأمر النبي أن يقتل يوم الفتح، فلما كان يوم فتح مكة اختبأ عبد الله عند عثمان بن عفان (وهو أخوه لأمه) فجاء به حتى أوقفه على النبي وهو يبايع الناس، فقال يا رسول الله بايع عبد الله (بن أبي سرح) ! فبايعه بعد ثلاث أيام، ثم أقبل على الصحابة فقال : ما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا (يقصد عبد الله بن أبي سرح) حين رآني كففت يدي عن مبايعته فيقتله. العبادلة السبعة: أشهرهم عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن الزبير بن العوام وعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق
جبال الأطلس والصحراء على حد سواء لعبت دورا بارزا في العصور القديمة، الأولى مع المدينة البونية الشهيرة في قرطاج، ثم باسم مقاطعة رومانية من أفريقيا، والذي كان يعرف باسم "سلة الخبز" من روما أو مطمور روما حيث أن تونس كانت المزود الأكبر للحبوب والغلال والخضر للامبراطورية الرومانية. في وقت لاحق، احتلت تونس من قبل مخربين خلال القرن 5، البيزنطيين في القرن 6، والعرب في القرن 8. في ظل الدولة العثمانية، وكانت تونس معروفة بأنها "ريجنسي من تونس". مرت عليه تحت الحماية الفرنسية في عام 1881. بعد الحصول على الاستقلال في عام 1956 قاد البلاد الاسم الرسمي "للمملكة من تونس" في نهاية عهد الباي لامين واسرة Husainid. مع إعلان الجمهورية التونسية في 25 يوليو عام 1957، أصبحت القومية الزعيم الحبيب بورقيبة أول رئيس لها.

وقاد البلاد من قبل الحكومة الاستبدادية للرئيس زين العابدين بن علي 1987-2011 قبل فراره عقب الثورة التونسية. تونس تجد نفسها الآن كبلد الموجهة نحو التصدير في عملية تحرير وخصخصة الاقتصاد الذي، في حين بلغ متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5٪ منذ أوائل 1990s، وقد عانت من فساد النخب المستفيدة متصلة من الناحية السياسية.

ما قبل التاريخ
أظهرت بعض الحفريات أقيمت بالجنوب الغربي للبلاد التونسية (خاصة منطقة قفصة وماجاورها) إلى وجود أثار للأنسان وحياة قبلية لقبت لاحقا "بالحضارة القبصية" (نسبة إلى مدينة قفصة، ذلك أن أول الحفريات حول هذه الحضارة وأكبرها قامت قرب هذه المدينة) حضارة تاريخية ظهرت بين 10.000 و6.000 سنة قبل الحاضر، أي في آخر العصر الحجري القديم وفي العصر الحجري الوسيط وفي العصر الحجري الحديث، في المناطق الداخلية من شمال إفريقيا الحالي، خاصة في تونس وفي الجزائر، وفي بعض المناطق ببرقة في ليبيا.

العهد النوميدي
نوميديا هي مملكة أمازيغية أنشأها سكان المنطقة عاصمتها سيرتا. امتدت من غرب تونس الحالية مرورا بشمال الجزائر الحالية وصولا إلى جزء من المغرب الحالي أي إلى وادي ملوية إضافة إلى جزء من ليبيا الحالية حتى حدود إقليم برقة حيث تعتبر من أشهر الممالك القديمة للأمازيغ وأكثرها قدما. عرفت تونس أهم معركة في التاريخ معركة زاما سنة 202 قبل الميلاد التي تمكن فيها ماسينيسا أشهر الملوك النوميديين من هزم حنبعل القرطاجي أهم الجنيرالات التاريخيين. وتعد هذه المعركة نقطة تحول في التاريخ النوميدي حيث شهدت هذه المملكة الأمازيغية ازدهارا كبيرا في مختلف الميادين عسكريا ثقافيا وعلى المستويين التجاري والفلاحي.

العهد البونيقي
لقد سيطر الفنيقيون أو البونيقيون على البلاد التونسية طيلة ألف سنة من أواخر الألف الثانية حتى سنة 146 قبل الميلاد أي حتى تاريخ تهديم قرطاج. وقد استطاعوا بفضل رسوخ أقدامهم ومناعة مراكزهم على السواحل أن يحتكروا كل المبادلات مع الخارج وأن ينفردوا بأحدث التقنيات وأكثر النظم إحكاما بالنسبة إلى ذلك العصر. أما سكان البلاد الأصليون فقد كانوا اما رعايا خاضعين لنفوذ قرطاج اللوبيون في قسم كبير من القطر التونسي) أو مستقلين عنها مع التأثير العميق الذي كان للبونيقيين فيهم (النوميديون المسيليون  غرب البلاد التونسية الحالية وفي مقاطعة قسنطينة).

العصر الروماني

قوس دقلديانوس بمدينة سبيطلة.
كانت تونس منقسمة بين قرطاج والدولة النوميدية حتى سقوطهما تحت الجمهورية الرومانية، عاشت تونس سنوات تحت حكم الأباطرة الروم، إلى تاريخ الفتوحات الإسلامية. فكان تحول البلاد التونسية بعد حملة العبادلة السبعة. التي انتهت بمقتل جرجير ودخول مدينة سبيطلة تحت حكم العرب، ثم تواصل الإنتشار الإسلامي تجاه القيروان ثم باقي المغرب العربي وصولا إلى جنوب أوروبا.

الحكم العثماني
أصبحت تونس بعدما دخلها العثمانيون الأتراك سنة 1574 إيالة عثمانية يحكمها باشا يولّيه عليها الخليفة في إسطنبول لمدّة معيّنة. والملاحظة هنا أن المقاطعة الجديدة في الإمبراطورية كانت تتميّز إدارياّ عن جارتيها إيّالتي الجزائر وطرابلس وأنّها كانت منذ ذلك الحين مؤهّلة لأن تسلك سبيلها الخاص في التطوّر أي تتميّز بكيان تونسي مستقل.

سمّيت المقاطعة "وجقا أو سنجقا" وهو ما يؤكّد طابعها العسكري وقد انتصب بتونس وبصفة دائمة ما بين 3 آلاف و4 آلاف من عساكر الإنكشارية. وعموما فقد كانت الأوجاق المغاربية حصون الإسلام المنيعة التي تتصدّى لضربات الصليبيين المسيحيين.

عهد الدّايات

باب سويقة بتونس العاصمة، ج 1899
كان الدايات ضبّاطا من أصل تركي، استولوا على السلطة بفضل عساكر الإنكشارية. كان للدّايات سلطة واسعة حتّى على الممثّلين الرّسميين للحكم العثماني بتونس مثل الباشا.

وصل الدّايات إلى الحكم بعد ثورة 1591, فقد اغتنم عامّة الجند الأزمة السياسية والمالية التي كانت تتخبّط فيها إسطنبول، كما اغتنموا ظروف الغضب المتفشّي بين الرّعايا لقتل رؤوس القوّات التركية المحتكرين لعضوية الدّيوان الدّيوان هو مجلس عسكري أعلى يكوّن من آغوات وبولكابشية, كان له شأن عظيم في حياة المقاطعة الإيالة وكان سلطانه يعدل سلطة الباشا.

و بذلك أصبح الدّابات أصحاب السلطة الحقيقييّن في تونس، ثم ما لبث أحد الدّايات المتنفّذين وهو عثمان داي أن استولى على الحكم عام 1598 وقضى بذلك على منافسيه وعلى الدّيمقراطيّة العسكرية المباشرة التي كانت سائدة آن ذاك.

استمرّ حكم الدّايات إلى منتصف القرن السابع عشر وذلك بفضل عنفوانهم وشدّتهم، إذ كانوا ضبّاطًا أشدّاء تخرّجوا من صفوف الجنديّة، يتعاطون الجهاد البحري مثل عثمان داي وأسطا مراد كانوا يغنمون من السفن المسيحية بضائعها والأسرى الذين كانوا يباعون في أسواق تونس. كما برع الدّايات في السياسة مثل يوسف داي 1598-1610 وأحمد خوجة 1637-1640.

و يحسب للآغوات أنّهم أعادوا للجيش الإنضباط الشديدالذي كان هو مصدر قوّتهم، كما أنّهم سلكوا سياسة حازمة وعملوا على حماية أعيان البلاد وتعقّبهم أهل الفساد تعقّبًا لا هوادة فيه، كما أنصفوا الرّعايا من ظلم ممثّلي إسطنبول وأعادوا الأمن والإستقرار للبلاد التونسية وتحوّل اعيان المدن التونسيين لمستشارين ومقرّبين لأصحاب السلطة.

أمّا من ناحية الدّين، فقد حرص الدّايات على إقرار نظام المدينة الإسلامية وسننها من جديد فآزرهم علماء الدّين، مما زاد سلطان الدّايات شرعية.

الأحد، 15 سبتمبر 2019

من أعلام الإسلام: ابن هبيرة

تبدو أهميةُ تراجمِ أعلام الإسلام: أنَّهم نماذجُ مضيئة تبيِّن أثر الإسلام ومبادئه وتعاليمه في أبنائه الذين التزموا به، وحكَّموه في كل أعمالهم، وجسَّدوه في كلِّ تصرُّفاتهم، فأشرقت الدنيا بهم، وتحقَّق العدل على أيديهم، وكان الأمنُ والأمان في رِحابهم، وترَكوا مِن بعدِهم العملَ الصالِحَ، والعِلم النافع، فهم قُدوةٌ للشباب للمسلم أن يَمضي على دَرْبهم، ويأخذ بأسبابهم، فيكون خيرَ خلَف لأعظم سَلَف.

ومِن هؤلاء الأعلام: الإمام ابن هُبَيرة.

معالم حياته:

هو يحيى بن محمَّد بن هُبَيرة، ويُكنى أبا المظفَّر، ويُلقَّب بعون الدِّين، وينعت بالوزير العادل.

وُلِد في ربيع الآخر سَنَة تِسع وتسعين وأربعمائة بقرية بني أوقر، وهي قريبةٌ مِن بغداد، وعُرِفت فيما بعدُ باسم الوزير ابن هبيرة؛ لأنَّه أقام فيها مسجدًا ومدرسةً على ما ذَكَر ياقوت في "معجم البلدان".

ويبدو لنا: أنَّ ابن هبيرة من أُسرة فقيرة شغَلها طلبُ الرزق عن طلبِ العِلم، فابنُ الجوزي - وهو صاحبُ ابن هبيرة وقريب منه - ينقُل لنا عنه أنَّه كان في مطلَع حياته شديدَ الفقر، حتى إنَّه كان لا يَجِدُ رغيفَ الخبز ليَعبُرَ به نهر دِجلة، وقد أشار ابن خَلِّكان أنَّ والد ابن هبيرة كان جُنديًّا.

ولم يمنعِ الفقرُ ابنَ هبيرة من طلبِ العلم والحرْص عليه، فدخَل بغداد شابًّا، وجالَسَ الفقهاءَ والعلماء والأدباء، وسمِع الكثيرَ مِن الحديث، وحصَّل مِن كلِّ فنٍّ طرَفًا، فاطلع على أيام العرب وأحوال الناس، وحفِظ كتاب الله وختَمَه بالقراءات والرِّوايات، وتعلَّم صناعة الإنشاء.

سعَى لكسبِ الرِّزق، فعمل في المخازن السلطانيَّة، فتجلَّتْ أمانتُه وكفاءته، فقُلِّد الإشرافَ والرِّقابة على المخازن، فبان نصحُه، فتولَّى في سنة 542هـ رئاسةَ المخازن؛ أي: صاحب الديوان.

ظهَر للخليفة العباسي المقتفي بأمر الله (555هـ) كفاءةُ ابن هبيرة للقيام في مهامِّ المُلْك، فاستدعاه في سنة 544هـ إلى داره وقلَّده الوَزارة، وهو أمر يدلُّ على وجود الفُرْصة المتاحة لكلِّ مسلمٍ للوصول إلى أعلى المناصِب على أساس من الكفاءة والجدارة.

اتَّبع ابنُ هبيرة الحقَّ في الحُكم، وحَذِر الظلمَ، فحقَّق العدل، وقرَّب خيارَ الناس مِن الفقهاء والمحدِّثين والصالحين إليه، وكانتْ أمواله مبذولةً لهم ولتدبيرِ الدولة، وارتفع به أهلُ السنة غايةَ الارتفاع، ونقَل لنا ابن الجوزي عنه أنَّه قال أثناء وزارته:

والله لقدِ كنتُ أسأل الله - تعالى - الدنيا لأخدمَ بما يرزقنيه اللهُ منها العلمَ وأهلَه، وكانتِ السَّنَة تدور وعليه بعضُ الديون، حتى قال فيه بعضُ الشعراء:

يَقُولُونَ يَحْيَى لاَ زَكَاةَ لِمَالِهِ *** وَكَيْفَ يُزَكِّي الْمَالَ مَنْ هُوَ بَاذِلُهْ

إِذَا دَارَ حَوْلٌ لاَ يُرَى فِي بُيُوتِهِ *** مِنَ الْمَالِ إِلاَّ ذِكْرُهُ وَفَضَائِلُهْ

لم تكشفِ المصادرُ التي بين أيدينا عنِ المحن التي مرَّ بها الوزير ابن هبيرة بصراحة، ولكنَّ بعض الإشارات تدلُّ على أنَّه كان له بعضُ الحاقدين والأعداء، وصَل بهم الأمرُ إلى تحريض الطبيب الذي يُعالِجه أن يدسَّ له السُّمَّ في الدواء ممَّا أدى إلى استشهاده، يصِفُ لنا ابن الجوزي الفترةَ الأخيرة مِن حياة ابن هُبَيرة فيقول: "كان الوزير يتأسَّف على ما مضَى مِن زمانه، ويَندم على ما دخَل فيه، ثم صار يسأل الله - عز وجل - الشهادة، ويتعرَّض لأسبابها، وكان صحيحًا يومَ السبت ثاني عشر جُمادَى الأولى سَنَة ستِّين وخمسمائة، فنام ليلةَ الأحد في عافية، فلمَّا كان وقتُ السَّحَر قاء، فأحضر طبيبًا كان يخدُمه فسقاه شيئًا، فيُقال: إنَّه سمَّه فمات، وسُقِي الطبيب بعدَه بنحو ستَّة أشهر، فكان يقول: سُقِيتُ كما سَقَيْتُ، ومات الطبيب واسمه ابن رشاده".

ويَحكي لنا ابنُ الجوزي رؤيةً صادقة له في حقِّ ابن هبيرة، ويؤكِّد أنَّ الوزير مات مسمومًا، فيقول: كنتُ ليلةَ مات الوزيرُ نائمًا على سطحٍ مع أصحابي، فرأيتُ في المنام كأنِّي في دار الوزير وهو جالس، فدخَل رجلٌ بيده حربةٌ قصيرة، فضرَبه بها بين أنثييه فخرَج الدم كالفوارة فضرَب الحائط، فالتفتُّ فإذا بخاتمٍ مِن ذهب ملقًى، فأخذتُه وقلت: لمَن أعطيه؟ أنتظِر خادمًا يخرُج فأعطيه إيَّاه، وانتبهتُ، وحدَّثتُ أصحابي بالرؤيا، فلم أستتمَّ الحديثَ حتى جاءَ رجلٌ فقال: مات الوزير، فقال بعضُ الحاضرين: هذا محالٌ! أنا فارقتُه أمس العصر، وهو في كلِّ عافية، وجاء آخرُ وصحَّ الحديث، وقال لي ولدُه: لا بدَّ أن تغسِّله، فأخذتُ في غسله، ورفعتُ يده لأغسل مغابنَه (مطاوي البدن مثل الإِبْط وغيرِه) قال: فسَقَط الخاتمُ مِن يدِه، فحين رأيتُ الخاتم تعجبتُ مِن المنام، وقال ابنُ الجوزي: ورأيتُ في وقت غسْله آثارًا في وجهه وجسده تدلُّ على أنه مسموم.

والشاهِد الثاني على ما نقول أثبتَه ابنُ رجب في "ذيل طبقات الحنابلة"؛ إذ قال: "فلمَّا بِيعت كتبُه بعدَ موته اشتراها بعضُ الأعداء فغسَلَها".

ونستنتج مِن هذا النصِّ أنَّ ابن هبيرة مات مُعدمًا، حتى إنَّ ورثَتَه عرَضوا مصنفاتِه التي بخطِّ يده - فضلاً عمَّا اقتناه من كتُب - للبيع، وأنَّ لابن هبيرة أعداءً لم يكفِهم قتلُه واستشهاده، بل سعَوا إلى محوِ ذِكراه بما ترَك مِن علم ينتفع به بعد وفاته بمحوِ مصنَّفاته، ولعلَّ هذا هو السبب الذي يُبرِّر لنا أنه لم يصلْ إلينا مِن مؤلَّفات ابن هبيرة سوى أجزاء مِن كتابه "الإفصاح عن المعاني الصحاح"، وكفَى بها شاهدًا على أصالة ابن هُبَيرة في الحديث والفِقه واللُّغة.

وينقُل لنا ابن رجب عن أبي بكرٍ التيمي الذي أفرد كتابًا لسيرة الوزير ابن هبيرة - لم يصلْ إلينا - أنَّ الوزير بعدما تناول المشروب مِن طبيبِه استفرَغ، ثم استدعَى بماء فتوضأ للصلاة، وصلَّى قاعدًا، فسجَد فأبطأ عن القعودِ مِن السجود، فحرَّكوه فإذا هو ميِّت.

ولمَّا خرجتْ جنازته غُلِّقت أسواق بغداد، ولم يتخلَّف عن جنازته أحدٌ، وصُلِّي عليه في جامِع القصر، ودُفِن في مدرسته التي أنشأها.

شيوخ ابن هبيرة:

ثبَت باستقراء الواقِع أنَّ المرء يتأثَّر بمَن حوله مِن والديه وأساتذته وأصحابه، وتتكوَّن مبادئه وقِيُمه منهم، وإنِ اختلفت درجةُ التأثير، ولعلَّ أكثرَها أثرًا التي تكون في سِنِّ الحداثة، وقد أشرْنا من قبلُ أنَّ والد ابن هبيرة كان جنديًّا ولم يكن مِن أهل العلم، وإنْ كان يبدو لنا أنه قد غرَس في ولده حبَّ العلم؛ لأنَّ الوالدَ في غيرِ قليل من الأحيان يَودُّ أن يُحقِّق ذاته في أولاده، ويُعوِّض ما حُرِم منه فيهم، وصادَف ذلك ميلاً أصيلاً لدَى ابن هبيرة مِن حبِّ العلم وطلبه.

وقد تأثَّر ابنُ هبيرة بأخلاقِ أساتذته، ولعلَّ عُمقَ زهد ابن هبيرة يرجِع إلى الزبيدي (الواعِظ الزاهِد) المتوفَّى 555 هـ، فقدْ صاحبَه ابنُ هبيرة في حداثتِه، وكان الزبيديُّ على طريقِةِ السَّلف في الأصول، حنفيَّ المذهب في الفروع، وكان يقول الحقَّ وإنْ كان مُرًّا، وكان بارعًا في النحو، وبدَا أثَرُ ذلك في ابن هُبَيرة وله مؤلَّف في النحو، وكان يقول الحقَّ ولا يخاف فيه لومَ لائم.

وسمِع ابنُ هبيرة الحديثَ الكثير من حفَّاظ عصره المشهود لهم بالرِّواية والدراية مع الورَع، منهم:

• أبو الحسن الزَّاغُوني، وهو عليُّ بن عُبيدالله بن نصْر، أحد أعيان المذهب الحَنبلي، وُلِد سَنَة خمس وخمسين وأربعمائة، وكان مُتقِنًا في الحديثِ والأصول والفُروع والوعْظ، وصنَّف في ذلك كلِّه، وتُوفِّي يومَ الأحد سادس عشر المحرَّم سَنَة سبع وعشرين وخمسمائة.

• عبدالوهاب الأنماطي، ويُكنى أبا البركات، ويُلقَّب بـ(محدِّث بغداد)، كان ثقةً ثَبْتًا، ذا دِين وورع، وقد نَصَّب نفسه لتسميعِ الحديث طولَ النهار، ولم يكن يأخُذ أجرًا على العِلم، تُوفِّي يومَ الخميس الحادي عشر من محرَّم سَنَة ثمانٍ وثلاثين وخمسمائة.

• أبو غالب البناء: كان يلقب بـ(مسند العراق)، وتوفي في ربيع الأول من سَنَة سبع وعشرين وخمسمائة.

• أبو القاسم بن الحصين: ويُلقَّب أيضًا بـ(مسند العراق)، وكان دَيِّنًا صحيحَ السماع، تُوفِّي يومَ الأربعاء رابعَ عشر شوَّال مِن سَنَة خمس وعشرين وخمسمائة.

ومِن شيوخ ابن هبيرة في الفِقه:

• أبو الحسين الفرَّاء، الملقَّب بالقاضي الشهيد، وهو ولدُ أبي يعلى الفرَّاء، وكان عارفًا بالمذهبِ الحنبلي متشدِّدًا في السُّنة، ومات مُغتالاً في 526 هـ.

• أبو بكر الدِّينوري، أحدُ أئمَّة المذهب الحَنبلي، وله فيه كتابُ "التحقيق في مسائلِ التعليق"، وتُوفِّي في غرة جمادى الأولى سَنَة اثنتين وثلاثين وخمسمائة.

أخلاق ابن هبيرة:

يبدو لنا أنَّ الوزيرَ ابنَ هُبَيرة كان عبدًا لله تقيًّا، يلتزم بأوامره، ويبتعد عن نواهيه، ويتمسَّك بسُنَّة رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ويقتدي به، فكان على خُلُق عظيم، فقد كانتْ غايته إرضاءَ الله - سبحانه وتعالى - وتقديمَ صالِح الأعمال، والإسهامَ في العمل النافع، وكان متواضعًا لله، يحاسِب النفْس، ويصبر في الشدَّة، ويعفو عندَ المقدِرة، فلم يكن غريبًا أن يكونَ مستجابَ الدعوة، وأن يُحقِّق الله رجاءَه وينتهي أجلُه شهيدًا.

فمِن مَظاهر إيمانِه وثِقته بالله وورعه:

أنَّه قد ضاقتْ يدُه في مطالِع حياتِه حتى فقدَ القوت أيَّامًا، فخرَج مِن بلدته قاصدًا بغداد للعمل، وفي الطريقِ رأى مسجدًا مهجورًا، فدخَل وصلَّى فيه ركعتَيْن، وإذ بمريض ملقًى على حصيرة قديمة متهالكة، فقعد عندَ رأسه، وسأله عمَّا يشتهي؟ فقال: سفرجلة، فخرَج إلى بقَّال، ورهَن مِئزره على سفرجلتين وتفاحة وأتَى بهما، فأكَل المريض من السفرجلة ثم أمرَه بغَلْق باب المسجد، فأغْلَقه، فأعْطاه وعاءً صفيحيًّا، وقال: خذْ فأنتَ أحقُّ به، فسأله ابنُ هبيرة عمَّا إذا كان له وارثٌ، فقال: لا، وإنَّما لي أخٌ وعهْدي به بعيد، وبلغَني أنه مات، ونحن مِن الرصافة، ثم مات أثناءَ حديثِه، فغسَّله ابنُ هُبيرة وكفَّنه ودفَنه، ثم أخَذ (الكوز)، وفيه مقدارُ خمسمائة دِينار، ومضَى إلى دجلةَ ليعبرها، فإذ بملاَّح في سفينة عتيقة، وعليه ثيابٌ رثَّة، فقال: معي معي، فنزَل معه، وإذا به مِن أكثرِ الناس شبهًا بذلك الرَّجل، فسأله: مِن أين أنت؟ فقال: من الرصافة، ولِي بنات، وأنا صُعلوك، فسأله: ما لك أحدٌ؟ قال: لا، كان لي أخٌ، ولي عنه زمان ما أدري ما فَعَل الله به.

فقال ابنُ هبيرة له: ابسطْ حِجرَك، فبسَطَه، فصبَّ المال فيه، فبُهِت: فحدَّثه الحديث، فطلَب منه أن يأخذَ نِصفَه، فقال: لا.

والشاهد مِن هذه الواقعة أنَّه على الرغم مِن شِدَّة حاجة ابنِ هُبَيرة إلى المال، وقد جاءَه هِبة مِن صاحبه، بَيْدَ أنه لورعه وتقواه رأى أنَّ النِّية الحقيقية لصاحِب المال أن يصِلَ إلى ورثته، فإن عُدِم ذلك فله، وأنَّ الوارث أحقُّ بأموال المورّث وإنْ وهب المورّث المال لغيرِ الوارث.

لذلك لم يكن غريبًا أن يسأل اللهَ تحقيقَ حاجته في أن يجد عملاً يسدُّ به جوعته، وأن يمضيَ إلى دار الخليفة بالطلَب، فإذ إسناد العمل بالمخازن.

ومِن صُور محاسبته لنفْسه، أنَّهم أضافوا إلى ألْقابه في الوزارة (سيِّد الوزراء) فيأبى، ويقول: إنَّ الله - تعالى - سمَّى هارون وزيرًا، وجاءَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: ((إنَّ وزيريه مِن أهل السماء: جبريل وميكائيل، ومِن أهل الأرض: أبو بكر وعمر))، وجاء عنه أنَّه قال: ((إنَّ اللهَ اختارني، واختار لي أصحابًا فجعَلهم وزراءَ وأنصارًا)) فلا يصلُح أن يُقال عنِّي: أني سيِّدُ هؤلاءِ السادَةِ.

واقعة أخرى: ذُكِر مرَّة في مجلسه مفردةٌ للإمام أحمد تفرَّد بها عن الثلاثة (أبي حنيفة، مالك، الشافعي)، فادَّعى أبو محمد الأشتري المالكي أنها روايةٌ عن مالك، ولم يُوافقْه على ذلك أحدٌ، وأحضر الوزير كتبَ مفردات أحمد، وهي منها، والمالكي مقيمٌ على دَعواه، فقال له الوزير: بهيمةٌ أنت؟ أمَا تسمع هؤلاء الأئمَّة يشهَدُون بانفِرادِ أحمد بها، والكتب المصنَّفة، وأنت تُنازِع؟ وتفرَّق المجلس.

فلمَّا كان المجلس الثاني، واجتَمَع الخلق للسَّماع، أخَذ ابن شافِع في القراءة، فمَنَعه ابن هُبَيرة، وقال: قدْ كان الفقيه أبو محمَّد جريئًا في مسألة أمس على ما لا يَلِيق به عن العدولِ عن الأدب، والانحراف عن نهجِ النظَر، حتى قلت تلك الكلمة، وها أنا، فليقل لي كما قُلْت، فلستُ بخيركم، ولا أنا إلاَّ كأحدِكم، القصاصَ القصاصَ، ولكنْ أبو محمد الأشتري صفَح عنه.

ومِن صُور تواضُعه ما يحكيه صاحب سِيرَتِه (أبو بكر التيمي) ممَّا شاهَدَه بعينه في مجالسِ ابن هُبَيرة: أنَّ الحاجب (أبا الفضائل بن تركان) أسَرَّ للوزير بشيء لم يسمعه أحدٌ، فقال له الوزير: أدخَل الرجل؟ فأبطأ، فسألَه: فقال الحاجبُ: إنَّ معه شملةَ صوف مكورة، وقد قلت له: اتركْها مع أحد الغلمان خارجًا عن الستر وادْخُل، قال: لا أدخُل إلا وهي معي، فقال له الوزير: دعْه يدخل وهي معه، فخرَج وعاد، وإذا معه شيخ طُوَالٌ مِن أهل السواد، عليه فوطة قُطن وثَوْبٌ خام، وقال للوزير: يا سيِّدي، إنَّ أم فلان - يعني: أم ولده - لَمَّا علمتْ أني متوجِّه إليك قالت لي: بالله سلِّم على الشيخ يحيى عنِّي، وادفَع إليه هذه الشَّملة، قد خبزتُها على اسمِه، فتبسَّم الوزير إليه وأقْبل عليه، وقال: الهدية لِمَن حضَر، وأمَر بحلِّها فحُلِّت الشملة بين يدَيْه، فإذا فيها خبزُ شعير، فأخذ الوزير منه رغيفين، وقال: هذا نصيبي، وفرَّق الباقي على مَن حضَر من صدور الدولة، والسادة الأجِلَّة، وسأله عن حوائجه جميعِها، وتقدَّم بقضائها في الحال، ثم التفَتَ إلى الجماعة، وقال: هذا شيخٌ قد تقدَّمت صُحبتي له قديمًا، واختبرتُه في زَرْعِ بيتنا فوجدتُه أمينًا، ويُعقِّب صاحب سيرته، فيقول: "ولم يظهر منه تأفُّف بمقال الشيخ، ولا تكبّر عليه، ولا أعرض عنه، بل أحسن لقاءه، وقضى حوائجه، وأجزل عطاءه".

ومن صُوَرِ شَجاعته:

أنَّه حضَر يومًا في دار الخِلافة، وحضَر أرباب الدولة جميعًا للصلاة على جنازة الأمير إسماعيل بن المستظهر، فسقَطتْ مِن السقف أفعى عظيمةُ المقدار على كَتِف الوزير، فما بقِي أحدٌ من أرباب الدولة وحواشي الخدمة إلا خرَج أو قام عن موضعه إلاَّ الوزير، فإنَّه التفتَ إلى الأفعى، وهي تَسْرَح على كُمِّه حتى وقعتْ على الأرض، وبادَرَها المماليك فقتَلُوها، ولم يتحرَّك الوزير مِن مكانه، ولا تغيَّر في هيئته ولا عِباراته.

ومِن صور الصبر على المصيبة، واحتِسابِ الأجْر عندَ الله والحِرْصِ على متابعةِ مجلس الحديث: أنَّ المجلسَ كان غاصًّا بوُلاة الدِّين والدُّنيا والأعيان الأماثل، وابنُ شافِع يقرأ الحديث، إذ بصُراخٍ بشعٍ وصِياح يرتَفِع من بابِ الستر وراءَ ظهْر الوزير، واضطَرَب المجلسُ وارْتاع الحاضرون، والوزير ساكنٌ ساكِت، حتى أنهَى ابنُ شافع قراءةَ الإسناد ومتنه، ثم أشار الوزيرُ إلى الجماعة: على رِسلِكم (استَأذَن)، ثم قام ودخَل إلى الستر ولم يلبثْ أنْ خرج، فجلس وتقدَّم بالقراءة، فدعا له ابن شافع والحاضرون: وقالوا: قد أزعجَنا ذلك الصياحُ، فإنْ رأى مولانا أنْ يُعرِّفنا سببَه، فقال الوزير: حتى ينتهي المجلس، وعاد ابن شافع إلى القراءة حتى غابتِ الشمس وقلوب الجماعة متعلِّقة بمعرفة الحال، فعاوَدُوه فقال: كان لي ابنٌ صغيرٌ مات حين سمعتُم الصياح، ولولا تعيُّن الأمر بالمعروف في الإنكار عليهم ذلك الصياحَ، لمَا قمتُ عن مجلسِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فعَجِب الحاضرون من صبرِه.

ومِن صُور عفْوه عندَ المَقدِرة:

قَدِمَ رجلٌ ومعه آخرُ ادَّعى عليه أنَّه قتَل أخاه، فقال له الوزير: أقتلتَه؟ قال: نعم؛ جرَى بيني وبينه كلامٌ فقتلتُه، فقال الخصم: سلِّمه إلينا حتى نقتلَه فقد أقرَّ بالقتل، فقال عون الدين: أطلقوه ولا تقتلوه، قالوا: كيف ذلك، وقد قتَل أخانا؟! قال: فتبيعُونِيهِ؟ فاشتراه منهم بسِتمائة دينار، وسلَّم الذهب إليهم وذهبوا، وقال للقاتل: اقعدْ عندنا لا تبرح، قال: فجلس عندَهم، وأعطاه الوزير خمسين دينارًا.

يقول ابنُ الجوزي فسألنا الوزير: لقد أحسنتَ إلى هذا، وعملت معه أمرًا عظيمًا، وبالغتَ في الإحسان إليه!

فقال الوزير: منكم أحدٌ يعلم أنَّ عيني اليمنى لا أبصر بها شيئًا؟

فقلنا: معاذ الله! فقال: بلى والله، أتَدْرون ما سبب ذلك؟ قلنا: لا، قال: هذا الذي خلَّصتُه مِن القتل جاءَ إليَّ، وأنا في الدور، ومعي كتابٌ في الفقه أقرأ فيه، ومعه سلَّة فاكهة، فقال: احملْ هذه السلَّة، فقلت له: ما هذا شغلي، فاطلبْ غيري، فشاكَلَني ولكَمَني، فقَلَع عيني، ومضَى، ولم أرَه بعدَ ذلك إلى يومي هذا، فذكرتُ ما صنع بي، فأردتُ أنْ أقابل إساءتَه إلي بالإحسان مع القُدْرة.

نقف مبهورين إزاءَ هذه الواقعة، الوزير يَسْعَى إلى فكِّ خصمه من يد غيره، ولا تثريبَ عليه إنْ سلَّم الخصم لأهل القتيل للقصاص منه، بل كان يُعَدُّ إنزالاً لحكم الشرع في الواقِعة، وإشفاءً لغليل نفس فقَدَتْ بصرها بيدٍ آثمة، ولكنَّ الشخصيَّة التي تغلغلتْ فيها تعاليمُ الإسلام تُطبِّق قول الله - تعالى -: (وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ)[فصلت: 34]، تطبيقًا على النفس قبل أن تُطبِّقه على الغير، فحق قول الله - تعالى - في وصفها: (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ)[فصلت: 35].

ومِن صُور تمسُّكه بالسنة:

أنَّه كان لا يلبس الحرير وإنْ قدَّمه له خليفةُ المسلمين، فقد خرَج ابن هُبَيرة لدفْع بعض البغاة، وعند عودته ودخوله على الخليفة المقتفي قال له: ادخُلْ هذا البيت، فغيِّر ثيابَك؛ يقول ابن هُبَيرة: فدخلتُ، فإذا خادمٌ وفرَّاش ومعهما خلعةُ حرير، فقلت: أنا واللهِ ما ألْبَس هذه، فخرج فأخبر المقتفي، فسَمِع صوت المقتفي وهو يقول: قد واللهِ قلت: إنَّه ما يلبس، وعاد الخادمُ وعلى يده دستٌ من ثياب الخليفة فأفاضَه عليه، وكان ابن هُبَيرة لا يلبس ثوبًا يَزيد فيه الإبرَيْسَم على القُطن، فإنْ شكَّ في ذلك، سلَّ مِن طاقاته، ونظر: هل القطن أكثر أم الإبرَيْسَم، فإن استَويَا لم يلبسه؛ أخذًا بالأحوط.

ومِن صور تمسُّكه بالسنَّة:

أنَّه لَمَّا استَطال السُّلطان مسعود وأصحابه وأفسَدُوا عزمَ ابن هُبَيرة والخليفة على قِتالهم ثم فكَّر، فرأى أنَّه ليس من الأصوب مُجاهرتُه لقوَّة شوكته، فدخَل ابن هُبَيرة على المقتفي وقال: إني رأيتُ أن لا وجهَ في هذا الأمر إلاَّ الالتجاء إلى الله - تعالى - وصِدق الاعتماد عليه، فبادَرَ الخليفة إلى تصديقه، وقال: ليس إلاَّ هذا، ثم كتَب للخليفة: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد دعا على "رِعْل" و"ذكوان" شهرًا، ويَنبغي أن ندعو نحن شهرًا، فأجابَه بالأمر بذلك.

قال الوزير: ثم لازَمتُ الدعاء في كلِّ ليلة وقتَ السَّحَر، أجلس فأدعو الله - سبحانه - فماتَ مسعود لتمامِ الشهر لم يزدْ يومًا ولم ينقص يومًا، وأجابَ اللهُ الدعاء، وأزال يدَ مسعود وأتباعه عن العِراق.

مصنفاته:

صنَّف الوزيرُ ابن هُبَيرة عِدَّةَ كُتب تدلُّ على علوِّ مقامِه في الحديثِ والفقه واللغة.

ويعدُّ أهم كتبه "الإفصاح عن معاني الصحاح"، وهو شرح صحيحي البخاري ومسلم متَّخذًا مسندَ الحميدي أساسًا، فقد تبيَّن لنا من الاطِّلاع على الأجزاء الموجودة منه بمكتبة المحموديَّة بالمدينة المنوَّرة، ومنها الجزء الأول، وقد تضمَّن مسانيدَ العشرة المبشَّرين بالجنة أنَّه يعرض لما اتَّفق عليه البخاري ومسلم، ثم لِمَا انفرد به البخاريُّ، ثم ما انفرد به مسلم، مع بيان الحِكَم النبويَّة فيهما.

ويرى الناس كتاب "الإفصاح" مطبوعًا، ويبدأ بحديث: ((مَن يرد الله به خيرًا، يفقِّهه في الدين))، وقد تكلَّم ابن هُبَيرة فيه عن معنى الفِقه، وآل الكلام إلى ذكر مسائل الفقه المتَّفق عليها والمختلَف فيها بين الأئمَّة الأربعة المشهورين.

وهذا الجزء الوحيدُ مِن الكتاب الذي ظهَر، وباقي أجزاء الكتاب مخطوطة، فالكتاب يحوي تِسعةَ عشرَ جزءًا، وهم مِن أقْيَمِ الكتب في فِقه الحديث.

كما أنَّ لابن هُبَيرة كتابًا في "العبادات الخمس" تناوَل فيه أحكام الشهادة بالله والرسول، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج على مذهبِ الإمام أحمد، وحدَّث به في مَجْمَع من العُلَماء من أئمَّة المذاهب المختلفة.

وفي اللُّغة: صنَّف في النحو كتابًا سمَّاه "المقتصِد" بكسر الصاد المهملة وشرحه أبو الخشاب (المتوفى 567 هـ) في أربع مجلدات وبالَغ في الثناء عليه.

كما له أرجوزةٌ نظمية في المقصور والممدود.

وفي المنطق: اختصر كتاب "إصلاح المنطق"، لابن السِّكِّيت (المتوفَّى 244هـ)، وكان ابن الخشَّاب يستحسنه ويُعظِّمه.

وفي الشِّعر: له مجموعٌ يَحوِي شِعرًا كثيرًا هادفًا في خِدمة الإسلام ومبادئه وتعاليمه.

ومن أشعاره قوله:

مَا لَنَا قَطُّ غَيْرَ مَا شَرَعَ اللَّ *** هُ بِهِ يُعْبَدُ الْإِلَهُ الْكَرِيمُ

فَتَمَسَّكْ بِالشَّرْعِ وَاعْلَمْ بِأَنَّ الْ *** حَقَّ فِيهِ وَمَا سِوَاهُ سُمُومُ

وقوله:

تَمَسَّكْ بِتَقْوَى اللَّهِ فَالْمَرْءُ لاَ يَبْقَى *** وَكُلُّ امْرِئٍ مَا قَدَّمَتْ يَدُهُ يَلْقَى

وَلاَ تَظْلِمَنَّ النَّاسَ مَا فِي يَدَيْهِمُ *** وَلاَ تَذْكُرَنْ إِفْكًا وَلاَ تَحْسُدَنْ خَلْقَا

تَعَوَّدْ فِعَالَ الْخَيْرِ جَمْعًا فَكُلَّمَا *** تَعَوَّدَهُ الإِنْسَانُ صَارَ لَهُ خُلْقَا

وقوله:

لاَ تُلْهِيَنَّكُمُ الدُّنْيَا بِزَهْرَتِهَا *** فَمَا تَدُومُ عَلَى حُسْنٍ وَلاَ طِيبِ

وقوله:

وَالْوَقْتُ أَنْفَسُ مَا عُنِيتَ بِحِفْظِهِ *** وَأَرَاهُ أَسْهَلَ مَا عَلَيْكَ يَضِيعُ

ونختَتِم كلمتنا عنه بكلمةٍ قالها الإمام الذهبيُّ في "دول الإسلام" عن ابن هُبَيرة نراها أوجزتْ فجمعت؛ إذ قال: "كان من أعْيانِ الفقهاء الصالحين، جمَّ الفضائل، وافرَ الحُرْمة، كبير الشأن، دائم العدل، له تصانيف، مات مسمومًا شهيدًا ببغداد، وشَيَّعه الخلْقُ، وكثر البكاء والتأسُّف عليه".

ولا يسعنا إلاَّ أنْ نقول: رحم الله الوزيرَ ابنَ هُبَيرة، ومَن كان على شاكلته مِن عُلَماء الإسلام وحكَّامه، ونفَع الله بعلمه وسِيرَتِه شبابَ الإسلام وأمل غده.

وآخِر دَعوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين.

من قضاة الإسلام.. أبو عبدالله ابن الأزرق

صنَع الإسلام قُضاةً أضاؤوا بعَدْلِهم المشرِق والمغرِب، بل الدُّنيا كلَّها، وأسهَمُوا بعِلمٍ يَنتَفِع به مَن بعدَهم، ومنهم مَن نالَ الذِّكر في حَياته وبعد مَماته، ومنهم مَن طوَى الموتُ ذِكرَه إلى أنْ شاء الله أنْ يَظهَر بعض تراثه؛ فبان مكانُه من الدين والدنيا، من هؤلاء: الإمام أبو عبدالله ابن الأزرق.

مَعالِم حياته:

وُلِدَ أبو عبدالله ابن الأزرق، وكامل اسمه محمد بن علي بن محمد بن علي بن قاسم بن الأزرق الأصبحي في 832هـ - 1427م بمالَقة (مدينة بالأندلس المفقود)، من أسرةٍ يبدو لنا أنَّها لم تكن من أهل العِلم ولم تَحْظَ بالشُّهرة، وشغلَتْها أعباء الرِّزق عن طلَب العِلم، فمَراجِع المكتبة الأندلسيَّة وكتب التراجم التي بين أيدِينا لا تُعِيننا على إلقاء الضَّوء على تلك الأسرة، بيد أنَّ هذه الأسرة بغير شكٍّ تُغايِر أسرة الأزرق التي اشتَهرَتْ في المشرِق بالدِّراية بعِلم الحديث وأخبار التاريخ، فلم يَثبُت لدَيْنا انتقالُ أيِّ أفرادها إلى الأندلس أو المغرب، ويبدو لنا أنَّ "الأزرق" لصفةٍ جسديَّة فيه أو في أحد أصوله.

استَظهَر ابن الأزرق منذ الصِّغَر القُرآن الكريم ووعى تفسيرَه، وخاصَّة تفسيرَ الإمام ابن كثير المتوفَّى سنة 774هـ؛ الذي يُعَدُّ من أطيب التفاسير وأكثرها إشارةً إلى ما ينقله مؤلِّفه من مصادر، واعتِمادًا على البَيان القرآني بالقُرآن وصَحِيح السنَّة، والتَّعوِيل على رأي أهل السَّلَف، وقد تلا ابن الأزرق هذا التفسير على ابن إسحاق إبراهيم بن أحمد البدري، وفقًا لما ذكَرَه السخاوي في "الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع".

كما حفظ ابن الأزرق كثيرًا من أشعار العرب، وتفقَّه في النحو والمنطق والفقه على يد مُعلِّمه الكبير الذي كان له أثرُه الكبير فيه، وكثر انتِفاعُه من علمه وهو مفتي غرناطة أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن فتوح (المتوفَّى سنة 867هـ)، وقد كان هذا الأستاذ العظيم يُعوِّد تلاميذَه على الرُّجوع إلى المصادر، وأنْ يُعمِل الطالبُ فيها عقلَه وفِكرَه بالتحليل والتحقيق؛ ليصل إلى وجْه الحقِّ في المسألة المعروضة بالدَّليل، وليكون للباحث لديه شخصيَّة مستقلَّة، يقول لنا المقري في "نفح الطيب" عنه: "كان يُفسِح لصاحب البحث مَجالاً رَحبًا، ويوسع المراجع له رحبًا وقبولاً، بل يُطالِب بذلك ويقتضيه، ويَختار طريق التعليم به ويرتَضِيه، توفيقًا على ما خلص له وتحقيقه، ووضح له في مِعيار الاختِيار توفيقه...".

كما زاد تفقُّه ابنِ الأزرق في الفقه المالكي على أحفظ الناس لمذهب مالك في عصره، وهو الإمام محمد بن محمد السرقسطي المتوفَّى عام 865هـ، ودرس الأدب على يد الإمام محمد بن زكريا بن الجبير الحصيبي الذي كان يُعَدُّ من أهل السنَّة والجماعة، وشديد الانتِقاد للمعتزلة عامَّة وللزمخشري خاصَّة.

عندما بلَغ ابن الأزرق أشُدَّه واستَوَى على العِلم بالفقه، وشُهِد له بالوَرَع - عُيِّن قاضِيًا لغرب مالَقة، وكان عمرُه قرابة السابع والثلاثين هجريَّة، وظَلَّ ينتَقِل في عمله القَضائي ويرتَقِي فيه حتى وصَل إلى قاضي القُضاة بغَرناطَة، ومكَث في القَضاء بالأندلس المفقود قرابة عشرين عامًا مُشتَهِرًا عنه أنَّه من قُضاة العَدل والإنصاف، وكان سُلطان بني نصر يُؤثِره بسِرِّه ويستَشِيره فيما يلمُّ به من المُعضِلات لما تلمَّس فيه من فقهٍ للواقع، وذَكاء وقُدرة على وضْع الأمور في نصابها، وكثيرًا ما بعَثَه رسولاً عنه لحلِّ مَشاكِله مع الملوك النصريِّين، بَيْدَ أنَّ الخِلاف والقتال بينهم قد وصَل مَداه، ما مكّن لطاغية الإسبان من دُخولها.

وقد حدا ذلك بابن الأزرق أنْ يتوجَّه إلى المشرق ليحثَّ ملوك الإسلام وأمراءَهم على نجدة صاحب غَرناطة، يقول لنا المقري عنه تلك الفَترة: "واستَنهَض عَزائم السُّلطان قايتباي لاستِرجاع الأندلس، فكان كمَن يطلب بَيْضَ الأَنُوق"، فقد كان السُّلطان مشغولاً بقِتال سُلطان الرُّوم، فتوجَّه ابن الأزرق إلى مكَّة المكرمة، وجاوَر فيها مُدَّة، وزار النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -.

رجَع ابن الأزرق إلى مصر في سنة ستٍّ وتسعين وثمانمائة، وأصبح في حاجَةٍ إلى أنْ يُسنَد إليه عمل يكتَسِب به رِزقًا، وقد نفدَتْ موارده الماليَّة، فأسند إليه ما هو أهلٌ له من تولِّي قَضاء المالكيَّة بالقُدس الشَّريف في رابع رمضان تلك السَّنة، فوصَل القُدس في سادس عشر من شوال سنة ستٍّ وتسعين، وأقام نحو شهر يُنزِل الأحكامَ على مُقتَضى الشَّرع بعفَّةٍ ونَزاهةٍ.

ثم مَرِضَ واستمرَّ في مرضه إلى أنْ تُوفِّي في يوم الجمعة بعدَ فَراغ الصلاة سابع عشر ذي الحجَّة الحرام سنة ستٍّ وتسعين وثمانمائة، وصُلِّى عليه في يومه بعدَ صلاة العصر بالمسجد الأقصى، وكثُر أسَف الناس على فقْده.

ابن الأزرق والقَضاء:

لم نَقِفْ على نماذج من أحكام ابن الأزرق القضائيَّة لنقوم بتحليلها، ولكن ما كتَبَه ابن الأزرق عن القَضاء والعدل يُعِينُ على فهْم الرَّجل وبَيان آرائه القضائيَّة.

فهو يرى أنَّ القَضاء من أجَلِّ المناصب؛ لأنَّه دخولٌ بين الخالق والمخلوق ليُؤدِّي فيهم أوامره وأحكامه بواسطة الكتاب والسنَّة، وبه يُقمَع الظالم ويُنصَر المظلوم، ويُحفَظ النِّظام، ويُدفَع الضَّرر العام، وأنَّه واجبٌ أنْ يكون بين الناس قَضاءٌ وقُضاة، وأنَّ على الإمام (رئيس الدولة) اختيارَ القُضاة من الكُفاة من أهل العِلم والورَع، وأنْ يُوسع عليهم أرزاقَهم من بيت مال المسلمين، وأنْ يتفقَّد أحوالَهم، ومَن غلب جورُه وكان في بَقائه مَفسَدةٌ عزَلَه، بَيْدَ أنَّه لا يعزل لمجرَّد الشَّكوى، بل عليه أنْ يتثبَّت ويستَقصِي حتى لا يفسد أمرُ القَضاء والقُضاة.

ويقول: إنَّ غاية القَضاء والحُكم تحقيق العَدل بين الناس، والعَدل أساسُ الشريعة، به يتولَّى الأُمَناء والأكفاء في كافَّة الولايات، وتُحفَظ الأنفُس والأموال والأعراض.

ويحثُّ القُضاةَ على بذْل الجُهد وتَحقِيق العَدل، وأنَّ المسابقة فيه تُقرِّب صاحبه من التقوى ومحبَّة الله له بإجابة دُعائه، ويتحقَّق له الأمنُ والطمأنينة النفسيَّة، ويملك به سَرائِر الناس، ويَدُوم به الملك والرَّخاء.

ويُؤخَذ برأي ابن قيِّم الجوزيَّة الحنبلي في شأن تَحدِيد اختِصاصات القَضاء وموضوعاته بأنها تختَلِف باختِلاف الأزمنة والأمكنة، وتُستَفاد بما جرَتْ به العادة واقتضاء العرف في كلِّ قُطر.

آثار ابن الأزرق:

لم يَظهَر من مُصنَّفات ابن الأزرق حتى الآن سوى كتابه "بدائع السلك في طبائع الملك"، وهو كتاب في عِلم الاجتماع السياسي يدلُّ على أصالة ابن الأزرق العلميَّة وسَعة ثقافَتِه، وقد قام بتَحقِيق الكتاب الأستاذُ الدكتور علي سامي النشار، أستاذ الفلسفة الإسلاميَّة المصري، والذي يُشارِك بِجُهدِه بالمغرب حاليًّا، ويقَع الكتاب في قرابة ألف صفحة، ويحتَوِي علي مقدمتين وأربعة كتب على النحو التالي:

الكتاب الأول: في حقيقة الملك والخلافة وسائر أنواع الرِّئاسة.

والكتاب الثاني: في أركان الملك وقواعد مَبناه؛ ضرورةً وكمالاً.

والكتاب الثالث: فيما يُطالَب به السلطان تشييدًا لأركان المملكة.

والكتاب الرابع: في عَوائِد الملك وعَوارِضه.

ويرى المقري في "نفح الطيب" أنَّ هذا الكتاب لَخَّصَ فيه ابن الأزرق كلامَ ابن خَلدون وأضاف إليه زِيادات كثيرة، وكلمة "زيادات كثيرة" تُعادِل في عصرنا أنَّه قدَّم جديدًا للعِلم يُسنَد إليه ويُحتَجُّ له به، فإنْ كان ابن الأزرق يتَّفق مع ابن خَلدون في اتِّخاذ المنهج الاستِقرائي الأصولي في تفسير التاريخ واستِخلاص المبادئ التي تحكمه، وقد تعرَّض من خِلاله إلى أطوار الدَّولة، وانتهى فيها إلى حتميَّة أطوارها، بينما غاية ابن الأزرق بَيان أخلاقيَّة الحاكم وأخلاقيَّة المحكوم، ويرى ابن الأزرق أنَّ الدَّولة تعيش أبدًا إذا تحقَّقت القِيَم بين الحاكم والمحكوم، ولم يحدث النِّزاع والصراع بينهما؛ ولذلك يتعرَّض في كتاب "بدائع السلك" لمسؤوليَّة الحاكم تجاه رعيَّته، وتجاه جنده، وأنَّ فَساد المجتمع الذي عاصَرَه راجعٌ إلى ما أصابَه من فَساد خلقي ومادي وانحِلال اقتصادي؛ لانعِدام الثقة بين الحاكم والمحكوم.

ويتميَّز ابن الأزرق عن ابن خَلدون بأنَّه قد أشار في كتابه إلى غالب مصادر مَن سبَقَه على عكس ابن خَلدون الذي كان يُخفِي جُلَّ مصادر مادَّته العلميَّة، وهو بذلك قد ألقى الضوء على المصادر التي استَقَى منها ابن خَلدون مادَّته العلميَّة، بل إنَّ تنوُّع مصادر ابن الأزرق ظاهرةٌ جديرةٌ بالإعجاب؛ فقد فاقَ ابنَ خَلدون ومُعظَمَ كُتَّاب الفِكر الإسلامي، فاستند إلى كتب متنوِّعة: في علم السياسة الخالص، والبعض في التاريخ، والآخَر في الجغرافيا وفي كتب الرحلات، وكتب الأدب، وكتب الفقه وأصوله، ولم يكن يفعَل هذا لبحْث الموضوعات الجزئيَّة لهذه العلوم المختلفة في ذاتها؛ بل لتَدعِيم نظريَّته ورؤيته في الاجتِماع السياسي، ويدلُّ هذا الكتاب بوضوحٍ على أنَّ ابن الأزرق استَوعَبَ ثقافة سابِقيه ومُعاصِريه، واستَطاع منها أنْ يُقدِّم جديدًا للعِلم.

حقيقة كتاب "الإبريز المسبوك في كيفيَّة آداب سير الملوك":

أأشار خير الدين الزركلي في كتابه "الأعلام" عند ترجمة ابن الأزرق أنَّ له كتابًا باسم "الإبريز المسبوك في كيفية أدب الملوك"، وأنَّ الكتاب ما زال مخطوطًا، وقد استَقَى ذلك من المستشرق الألماني بروكلمان في "ذيله على تاريخ الأدب العربي"، وقد تابَع بروكلمان جورجي زيدان في "تاريخ الآداب العربية"، وقد كتَب الأستاذ محمد عبدالله عنان مَقالاً بعنوان: "كتب تأثَّرت بابن خَلدون"، في "مجلة العربي" في يناير 1974، أشار فيه إلى أنَّ كتاب "الإبريز المسبوك" تأثَّر بابن خَلدون، وأنَّ ابن الأزرق ألَّف هذا الكتاب قبل كتاب "بدائع السلك".

وأنكَر الدكتور النشار وجودَ هذا الكتاب، واستَنَد إلى أنَّه لم يَعثُر عليه، وأنَّ ابن الأزرق لم يُشِر إلى كتاب "الإبريز المسبوك" في كتابه "بدائع السلك".

وقد أتاحَتْ لنا فرصة الإعارة للتدريس بالجامعات الجزائريَّة منذ بضع سنوات، أنْ نقف على مخطوطةٍ لابن الأزرق بعنوان "الإبريز المسبوك في كيفية آداب سير الملوك" بالمكتبة الوطنيَّة بالجزائر العاصمة، وقد أُتِيح لنا فُرصةُ الاطِّلاع عليها وتصوير أجزاءٍ منها، وقد تبيَّن لنا من الاطِّلاع على هذه المخطوطة أنها ناقصة من البداية، وكُتِب في أولها: "الحمد لله، هذا أوَّل ما وُجِد من هذا التأليف الجليل المسمَّى بـ"الإبريز المسبوك في كيفية أدب الملوك"؛ للإمام الأعلى القاضي الأكمل العلاَّمة الأجل: أبي عبدالله محمد بن علي بن قاسم بن الأزرق الأصبحي".

وافتتَحَه بالكلام عن الجِباية، وأنها حبس تُوزَّع على القَبائل وذَوِي العصبيَّة، ثم تكلَّم بعد ذلك عن الرُّكن الخامس: وهو تَكثِير العمارة، والسادس: إقامة العدل، والسابع: تولية الخطط الدينيَّة من: إمامة الصلاة، والفتيا، والتدريس، والقَضاء، والعدالة، والحسبة، والسكَّة، والرُّكن الثامن: ترتيب المراتب السلطانيَّة؛ وهي: الحجابة، والكتابة، وديوان العمل، والحجابة، والشرطة، والرُّكن التاسع: رعاية السياسة، والعاشر: مشورة ذوي الرأي والتجربة، والحادي عشر: بذْل النصيحة، والثاني عشر: أحكام التَّدبير، والثالث عشر: تقديم الوُلاة والعُمَّال، والرابع عشر: اتِّخاذ البِطانة أهل البساط، والخامس عشر: تنظيم المجلس وعَوائِده، السادس عشر: تقرير الظُّهور والاحتِجاب، والركن السابع عشر: رعاية الخاصَّة والبِطانة، والثامن عشر: ظُهُور العِناية بِمَن له حقٌّ أو فيه مَنفَعة، والركن التاسع عشر: مُكافَأة ذوي السوابق، والعشرون: تَخلِيد مَفاخِر الملك ومَآثِره.

ثم تعرَّض للباب الثاني: في الصفات التي تصدر بها تلك الأفعال على أفضل نِظام وهي: العقل، العلم، الشجاعة، العفَّة، السَّخاء، الجود، الحلم، كظْم الغَيْظِ، والغضَب، العفو، الرفق، اللين، الوَفاء بالوَعد، الصِّدق، كتْم السر، الحزم، الدَّهاء، والتغافُل، التواضُع، سَلامة الصدر من الحقد والحسد، الصَّبر، الشُّكر.

ثم تعرَّض الكتاب الثالث لمقدِّمة في التحذير من مَحظُورات تُخِلُّ بذلك المطلوب شَرعيًّا في بابين: الأول: في جَوامِع ما به السياسة المطلوبة من السُّلطان ومَن يَلِيه، والثاني: في واجبات يَلزَمُ السُّلطان سياسة القيام بها وفاءً بعُهدَةِ ما تحمَّلَه.

وتكلَّم في الكتاب الرابع عن عَوائِق الملك وعَوارِضه في بابين:

الأول: في عَوائِق الملك المانعة من دَوامِه، والثاني: في عَوارِض الملك اللاحقة لطَبِيعة وُجوده، ويُشِير في الباب الثاني أنَّه أتى بها مُلخَّصة من كلام ابن خَلدون - رحمه الله -.

وتعرَّض لخاتمة في سياستي المعيشة والناس.

وانتهى الكِتاب بقولٍ للإمام عليِّ بن أبي طالبٍ - رضي الله عنه - ناعِتًا له - أي: الرسول، - صلى الله عليه وسلم -: لم أرَ قبلَه ولا بعده مثله - صلى الله عليه وسلم -.

ويبدو لنا أنَّ ابن الأزرق أهدَى الكتابَ لسُلطان بني نصر؛ فالثابت أنَّه سماه "الإبريز المسبوك في كيفية أدب سير الملوك".

واستَمحَنتُه لهذا المَقام العلي نَصرًا بتَخلِيد الأثر الحميد وافيًا، وللصُّدور على الدَّوام من تعاقُب الشُّهور والأعوام شافيًا، ثم يدعو له بقوله: "اللهم افتَح له فتحًا مُبِينًا، وأره نور الهدايات لنهاية البِدايات مستبينًا، اللهم أصلِح برعايَتِك أحوالَه، وسَدِّد باهتِدائه العالم اقتدائه أفعاله وأقواله، اللهم حقِّق به صَلاح العِباد والبِلاد، وأيِّده على طُغاة الكفَّار بسيوفه الماضية الشفار في مواقف الطَّعن والجِهاد، اللهم كُنْ له ناصرًا ومُعِينًا، وشرع به للملك الحميد الخِلال مَوارِد عَذبة الذلل مَعِينًا، اللهم اجعَل ذِكرَه على مرِّ الدَّهر باقيًا، وسعده إلى أرفع مَعارِج الظهور راقيًا، واللهم خُصَّ وزيره الحميد المذاهب، المخصوص بمواهب الكمال وكمال المذاهب، بتوفيقٍ يَسُود آراءه وينجحها".

وثابِتٌ أنَّ ابنَ الأزرق انتَهَى من تبييض الكتاب في يوم الأحد السابع من رجب عام ثلاثة وثمانين وثمانمائة، وكان الفَراغ من تصنيفه يوم السبت الرابع عشر من محرم العام المذكور، وذلك بمدينة وادي آش المحروسة، وتبيَّن من المقارنة بين مخطوطة "الإبريز المسبوك في كيفيَّة أدب سير الملوك" وكتاب "بدائع السلك في طبائع الملك" أنَّ الأوَّل هو الأصل الذي أهداه إلى حاكم عصره في سنة 883هـ.

كتاب "روضة الأعلام بمنزلة العربية من أعلام الإسلام":

يقول المقري في هذا الكتاب: إنَّه "مجلد ضَخم فيه فَوائِد وحِكايات لم يُؤلَّف في فَنِّه مثلُه، وأنَّه قد وقَف عليه - المقري - بتلمسان"، وتُوجَد أكثر من نسخةٍ له مخطوطة بمكتبات المغرب.

والكتاب موسوعةٌ أدبيَّة كبيرة تتضمَّن موضوعات شتَّى من التُّراث العربي الإسلامي، وهو يُشابِه كتاب "عيون الأخبار"؛ لابن قُتَيبة، و"الأخبار الطوال"؛ للدينوري.

ولقد تعمَّدنا أنْ نَعرِض لرُؤوس الموضوعات وعَناوِين الكتاب؛ ليَتسنَّى للمُقارِن بين كتاب "الإبريز المسبوك" و"بدائع السلك" أنْ يصل إلى أنهما كتابٌ واحد، ولا يعدوان أنْ يكون العنوان الأوَّل هو النسخة المُهداة من ابن الأزرق لحاكم عصره سُلطان بني نصر.

وتتميَّز هذه المخطوطة عن المخطوطات التي حقَّق عليها الدكتور النشار "بدائع السلك" بما يلي:

أولاً: كشفت عن تاريخ تصنيف الكتاب "بدائع السلك" أو "الإبريز المسبوك".

فالثابت من نهاية مخطوطة ابن الأزرق فرَغ منها في 14 من المحرم سنة 833هـ بمدينة وادي آش؛ أي: إنَّ سنَّ ابن الأزرق كان قد جاوَز الخمسين من عُمره، وهي فترة تمام النُّضوج وكماله.

ثانيًا: يتبيَّن من الدعاء لحاكم عصره أنَّه في حالة حرْب وجِهاد مع الأعداء، كما تتَّضِح الظُّروف التي كُتِبَ فيها الكتاب والحالة التي كانت عليها الأندلس وقتذاك، والأمل المعقود في ذلك الحاكم فهو يقول: "واستَمحنتُه".

كتاب "شفاء الغليل شرح مختصر الخليل":

وهو في شرح الفقه المالكي يقول فيه صاحب "نفح الطيب": إنَّه رأى ثلاثة أسفار منه، وقد قرأ خطبة الكتاب، "وقد أتى فيها ابن الأزرق بالعجاب"، فيقول: "هذا الشَّرح لم يُؤلَّف على "مختصر الخليل" مثله إقناعًا ونقلاً وفَهمًا، وقد رأيتُ منه نحو الأسفار الثلاثة، ولا أدري هل أتَمَّه أم لا، وتمامُه يكون في نحو العِشرين سفرًا، وقد كتب بتلمسان خطبةً في كراسة وقد أتى فيها بالعجاب".

تناوَل في هذه المقدمة أهميَّة "مختصر الخليل" في الفقه المالكي، وتصدَّى لبَيان أصول المذهب المالكي، وبَيان منهجه ومصادره في شرح هذا المختصر، ويوجد مخطوطات لهذا الشرح بالمغرب.

ونختَتِم مقالتنا بثَناء أئمَّةٍ التَقَوْا بابن الأزرق وعاصَرُوه، فيقول السخاوي المؤرِّخ الثِّقة فيه وقد التقى به في مصر: "رأيتُه من رجال الدهر"؛ أي: إنَّ ابن الأزرق في نظَرِه كان عبقريًّا.

ويقول قاضي القُضاة أبو اليمن العليمي (الحنبلي) في "الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل": "كان من أهل العلم والصَّلاح، حسن الشكل، مُنوَّر الشيبة، عليه الأُبَّهة والوَقار، من قُضاة العدل، باشَر الحكم بعفَّة وتقوى وسِيرة محمودة، ثم لَحِقَ بالله - سبحانه - والناس عليه راضُون".

ولا يسَعُنا إلاَّ أنْ نقول: رَحِمَ الله ابنَ الأزرق بما قدَّم من علمٍ يُنتَفَع به، ووفَّق المهتمِّين بإبراز التُّراث الإسلامي إلى تَحقِيق ونشْر باقي التراث، والله الموفِّق، والحمد لله ربِّ العالمين.

زياد علي

زياد علي محمد