الاثنين، 16 سبتمبر 2019

فتح مكة

لما كان من بنود صلح الحديبية أن من أراد الدخول في حِلْف المسلمين دخل، ومن أراد الدخول في حلف قريش دخل، دخلت خزاعة في عهد الرسول ، ودخلت بنو بكر في عهد قريش، وقد كان بين القبيلتين حروبٌ وثارات قديمة، فأراد بنو بكر أن يصيبوا من خزاعة الثأر القديم، فأغاروا عليها ليلاً، فاقتتلوا، وأصابوا منهم، وأعانت قريش بني بكر بالسلاح والرجال، فأسرع عمرو بن سالم الخزاعي إلى المدينة، وأخبر النبي  بغدر قريش وحلفائها[1].

أرادت قريش تفادي الأمر، فأرسلت أبا سفيان إلى المدينة لتجديد الصلح مع المسلمين، ولكن دون جدوى؛ حيث أمر رسول الله  المسلمين بالتهيُّؤ والاستعداد، وأعلمهم أنه سائر إلى مكة، كما أمر بكتم الأمر عن قريش من أجل مباغتتها في دارها.

وفي العشرين من رمضان من السنة الثامنة للهجرة غادر الجيش الإسلامي المدينة إلى مكة، في عشرة آلاف من الصحابة بقيادة رسول الله ، بعد أن استخلف على المدينة أبا ذر الغفاري ، ولما كان بالجحفة لقيه عمُّه العباس بن عبد المطلب، وكان قد خرج بأهله وعياله مسلمًا مهاجرًا.

وركب العباس بغلة رسول الله  البيضاء، يبحث عن أحدٍ يبلِّغ قريشًا لكي تطلب الأمان من رسول الله  قبل أن يدخل مكة، وكان أبو سفيان ممن يخرج يتجسّس الأخبار، فوجده العباس، فنصحه بأن يأتي معه ليطلب له الأمان من رسول الله ، فجاء به راكبًا معه، حتى أدخله على رسول الله[2]، فقال له الرسول: "ويحك يا أبا سفيان! ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟... ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟". فقال العباس: ويحك أسلم! فأسلم وشهد شهادة الحق، ثم أكرمه الرسول  فقال: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن"[3].

ولما تحرك الجيش لدخول مكة أمر رسول الله  العباس أن يحبس أبا سفيان بمضيق الوادي؛ حتى تمر به جنود الله فيراها، فمرّت القبائل على أبي سفيان، والعباس يخبره بها، حتى مر رسول الله  في كتيبته الخضراء، فيها المهاجرون والأنصار، فقال أبو سفيان: سبحان الله! ما لأحدٍ بهؤلاء قبل ولا طاقة. ثم أسرع إلى قومه، وصرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمد، قد جاءكم فيما لا قِبل لكم به. فتفرق الناس إلى دورهم، وإلى المسجد[4]. ودخل رسول الله مكة متواضعًا لله الذي أكرمه بالفتح، وكان قد وزَّع جيشه إلى مجموعات أو كتائب؛ احتياطًا لأي مواجهة.

دول المسلمين مكة وسماحة الرسول:
ودخل الجيش الإسلامي كلٌّ حسب موضعه ومهامه، وانهزم من أراد المقاومة من قريش، ولم يستطع الصمود أمام القوى المؤمنة، ثم دخل رسول الله  المسجد الحرام والصحابة معه، فأقبل إلى الحجر الأسود فاستلمه، وكان حول البيت ثلاثمائة وستون صنمًا، فجعل يطعنها بقوس في يده ويكسرها، ويقول: {جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: 81]، {قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ} [سبأ: 49]، والأصنام تتساقط على وجوهها، ثم طاف بالبيت.

ثم دعا عثمان بن طلحة، فأخذ منه مفتاح الكعبة، فأمر بها ففُتحت، فدخلها فرأى فيها الصور فمحاها، وصلى بها، ثم خرج وقريش صفوفًا ينتظرون ما يصنع، فقال: "يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟" قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم. قال: "فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوانه: {لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ}، اذهبوا فأنتم الطلقاء"[5].

وأعاد المفتاح لعثمان بن طلحة، ثم أمر بلالاً أن يصعد الكعبة فيؤذن، وأهدر رسول الله  يومئذٍ دماء تسعة نفر من أكابر المجرمين، وأمر بقتلهم وإن وُجدوا تحت أستار الكعبة.

خطبة فتح مكة:
وفي اليوم الثاني قام رسول الله  وألقى خطبته المشهورة، وفيها: "إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، فَهْيَ حَرَامٌ بِحَرَامِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلاَ تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي، وَلَمْ تَحْلِلْ لِي إِلاَّ سَاعَةً مِنَ الدَّهْرِ، لاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلاَ يُعْضَدُ شَوْكُهَا، وَلاَ يُخْتَلَى خَلاَهَا، وَلاَ تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إِلاَّ لِمُنْشِدٍ"[6].

وخاف الأنصار بعد الفتح من إقامة الرسول  بمكة، فقال لهم: "معاذ الله! المحيا محياكم، والممات مماتكم"[7]. ثم بايع الرجال والنساء من أهل مكة على السمع والطاعة، وأقام بمكة تسعة عشر يومًا، يجدِّد معالم الإسلام، ويرشد الناس إلى الهدى، ويكسر الأصنام

أم سليم بنت ملحان ... رضي الله عنها


هي أم سليم بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام، اختلف في اسمها فقيل: سهلة، وقيل: رميلة، وقيل: رميثة، وقيل: مليكة. وتُلقَّب بالغميصاء أو الرميصاء. وقد أسلمت مع السابقين إلى الإسلام من الأنصار.


زواج أم سليم
عاشت في بداية حياتها كغيرها من الفتيات في الجاهلية قبل مجيء الإسلام، فتزوجت مالك بن النضر، فلما جاء الله بالإسلام، وظهرت شمسه في الأفق، واستجابت وفود من الأنصار أسلمت مع السابقين إلى الإسلام، وعرضت الإسلام على زوجها مالك بن النضر، فغضب عليها، وكان قد عشّش الشيطان في رأسه، فلم يقبل هدى الله، ولم يستطع أن يقاوم الدعوة؛ لأن المدينة صارت دار إسلام، فخرج إلى الشام فهلك هناك. ومن ثَمَّ فاختيار أم سليم الأنصارية -رضي الله عنها- الإسلام على زوجها في ذلك الوقت المبكر ينبئ عن عزيمة أكيدة، وإيمان راسخ في وقت كان الاعتماد في تدبير البيت والمعاش وغير ذلك من أمور الحياة على الرجل، ولم تكن المرأة قبيل مجيء الإسلام تساوي شيئًا، فكونها أخذت هذا القرار من الانفصال بسبب الإسلام عن زوجها الذي في نظرها يعتبر كل شيء في ذلك الوقت، فيه دلالة على ما تمتاز به هذه المرأة المسلمة من الثبات على المبدأ مهما كلفها من متاعب.

زواجها في الإسلام
أما زواجها في الإسلام فذاك هو العجب بعينه، ولم يتكرر في التاريخ مثله؛ فعن أنس قال: «خطب أبو طلحة أم سليم -رضي الله عنها- قبل أن يسلم فقالت: أما إني فيك لراغبة، وما مثلك يرد، ولكنك رجل كافر، وأنا امرأة مسلمة، فإن تسلم فذاك مهري، لا أسأل غيره». فأسلم وتزوجها أبو طلحة. فكانت بذلك أول امرأة جعلت مهرها إسلام زوجها، فصارت سببًا في دخول أبي طلحة في الإسلام، فحازت بذلك على الفضيلة التي وعد بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خيرٌ لك من أن يكون لك حُمْر النَّعَم».

أهم ملامح شخصيتها

1-العقل والحكمة:

 فقد كانت -رضي الله عنها- من عقلاء النساء، وموقفها مع زوجها أبي طلحة يوم وفاة ولدها يدل على عقل راجح، وحكمة بالغة، وصبر جميل؛ فعن أنس رضي الله عنه أن أبا طلحة رضي الله عنه مات له ابن، فقالت أم سليم رضي الله عنها: لا تخبروا أبا طلحة حتى أكون أنا أخبره. فسجَّت عليه ثوبًا، فلما جاء أبو طلحة رضي الله عنه وضعت بين يديه طعامًا فأكل، ثم تطيّبت له فأصاب منها فتلقت بغلام، فقالت له: يا أبا طلحة، إن آل فلان استعاروا من آل فلان عارية، فبعثوا إليهم أن ابعثوا إلينا بعاريتنا، فأبوا أن يردوها. فقال أبو طلحة: ليس لهم ذلك؛ إن العارية مؤداة إلى أهلها. قالت: فإن ابنك كان عارية من الله، وإن الله قد قبضه فاسْتَرْجِعْ. قال أنس: فأُخبر النبي ، فقال: «بارك الله لهما في ليلتهما».

2-الشجاعة والإقدام:

فكانت تغزو مع رسول الله ، ولها قصص مشهورة، منها ما أخرجه ابن سعد بسند صحيح أن أم سليم -رضي الله عنها- اتخذت خنجرًا يوم حنين، فقال أبو طلحة: يا رسول الله، هذه أم سليم معها خنجر. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : «مَا هَذَا الْخَنْجَرُ؟». قالت: "اتخذتُهُ إن دنا مني أحد من المشركين بقرتُ به بطنه".

3-حب النبي واقتفاء أثره في كل شيء:

فعن أنس بن مالك أن النبي دخل على أم سليم -رضي الله عنها- بيتها، وفي البيت قربة معلقة فيها ماء، فتناولها فشرب من فِيها وهو قائم، فأخذتها أم سليم -رضي الله عنها- فقطعت فمها فأمسكته.

4- العلم والفقه:

 ففي صحيح البخاري عن عكرمة أن أهل المدينة سألوا ابن عباس عن امرأة طافت ثم حاضت، قال لهم: تنفر. قالوا: لا نأخذ بقولك، وندع قول زيد. قال: إذا قدمتم المدينة فسلوا. فقدموا المدينة فكان فيمن سألوا أم سليم -رضي الله عنها- فذكرت حديث صفية رضي الله عنها، أيْ قول النبي صلى الله عليه وسلم لحفصة: «عَقْرَى حَلْقَى إِنَّكِ لَحَابِسَتُنَا، أَمَا كُنْتِ طُفْتِ يَوْمَ النَّحْرِ؟» قالت: بلى. قال: «فَلاَ بَأْسَ انْفِرِي».

من مناقبها وفضائلها
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَسَمِعْتُ خَشْفَةً[1] فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذِهِ الْغُمَيْصَاءُ بِنْتُ مِلْحَانَ أُمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ».

ومما يدل على وفاء أم سليم بالعهد، ما روته أم عطية -رضي الله عنها- قالت: «أخذ علينا النبي عند البيعة أن لا ننوح، فما وفت منا غير خمس نسوة: أم سليم، وأم العلاء، وابنة أبي سبرة، وامرأة معاذ، وامرأة أخرى».

من مواقفها مع الرسول
جاءت أم سليم -رضي الله عنها- إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له -وعائشة عنده-: يا رسول الله، المرأة التي ترى ما يرى الرجل في المنام، فترى من نفسها ما يرى الرجل من نفسه. فقالت عائشة: يا أم سليم، فَضَحْتِ النساءَ، تربت يمينك! فقال لعائشة: «بَلْ أَنْتِ فَتَرِبَتْ يَمِينُكِ، نَعَمْ فَلْتَغْتَسِلْ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ إِذَا رَأَتْ ذَاكِ»

وقالت أم سليم -رضي الله عنها- أنها سمعت رسول صلى الله عليه وسلم الله يقول: «مَا مِنِ امْرَأَيْنِ مُسْلِمَيْنِ يَمُوتُ لَهُمَا ثَلاَثَةُ أَوْلاَدٍ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ إِلاَّ أَدْخَلَهُمُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ».

أم سليم وبشارتها بالجنة
فقد روى البخاري من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال النبي : «رَأَيْتُنِى دَخَلْتُ الْجَنَّةَ ، فَإِذَا أَنَا بِالرُّمَيْصَاءِ امْرَأَةِ أَبِي طَلْحَةَ وَسَمِعْتُ خَشَفَةً، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: هَذَا بِلاَلٌ. وَرَأَيْتُ قَصْرًا بِفِنَائِهِ جَارِيَةٌ، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: لِعُمَرَ. فَأَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَهُ فَأَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَذَكَرْتُ غَيْرَتَكَ». فقال عمر: بأبي وأمي يا رسول الله، أعليك أغار؟!

من كلماتها
قالت أم سليم -رضي الله عنها- لما سمعت بقتل عثمان رضي الله عنه: :"أما إنه لم يحلبوا بعده إلا دمًا".

وفاة أم سليم
توفيت في حدود الأربعين في خلافة معاوية رضي الله عنه، فرضي الله عن أم سليم وأرضاها.

أم حكيم بنت الحارث رمز الوفاء وزوجة الشهداء

أنعم الله عليها بأحمد الصفات، وأفضل الخصال، فأصبحت رمزا للتضحية والفداء، ومثلا في الإخلاص والوفاء.


في وقت المحن والملمات صابرة محتسبة، وفي زمن الجهاد والغزوات فارسة منتصرة.


استشهد أزواجها الثلاثة في سبيل الله، وكان آخرهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رافع لواء العدل بين الناس، وصاحب السنن الحميدة والأفعال المجيدة.


أما زوجها الأول فقد مضت في أثره، حتى عثرت عليه في اليمن، لتبلغه خبر عفو النبي صلى الله عليه وسلم عنه وعاد مرة أخرى إنسانا جديدا، يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.


هي أم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومية، تزوجت من ثلاثة رجال نالوا جميعا شرف الشهادة.


تزوجت في صباها من ابن عمها عكرمة بن أبي جهل، عاشت معه وفية مخلصة، شاغلها الأول أن يدخل زوجها في دين الله، فيدخل الجنة وينجو من النار.


تصدى عكرمة خلال فتح مكة لسرية من جيش المسلمين على رأسها ابن عمه وصديق شبابه خالد بن الوليد. اشتد القتال بينهما ولما شعر باقتراب الهزيمة فر هاربا وأهدر الرسول دمه.


سعت أم حكيم إلى النبي صلى الله عليه وسلم تطلب منه العفو عن زوجها وكانت قد دخلت الإسلام في فتح مكة، قبل فرار زوجها.


بحثت عن زوجها في كل طريق، وسألت عنه كل قريب أو صديق، وعلمت أنه مضى إلى البحر في طريقه إلى اليمن.
جلس عكرمة يفكر على متن السفينة، في أمره وأمر زوجته وأهله وأقاربه والوطن الذي غادره والدين الجديد الذي جاء به محمد الصادق الأمين.


لاحت مقدمات الهداية، ومضت السفينة تمخر عباب البحر، وتشق أمواجه وهبت الريح عاصفة قوية، تأرجحت السفينة واقتربت من الغرق وأشرف ركابها على الهلاك.


طلب أصحاب السفينة من ركابها أن يخلصوا الدعاء لله عز وجل لأن الآلهة التي آمنوا بها لا تغني عنهم من الله شيئا.
قال عكرمة: إن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص فلن ينجيني في البر غيره، اللهم لك عليّ عهد، إن عافيتني مما أنا فيه، أن آتي محمدا، حتى أضع يدي في يده ولأجدنه عفوا كريما.




شاءت إرادة السميع العليم أن تصل السفينة إلى بر الأمان.


مضت الزوجة المحبة الوفية في أثر زوجها، حتى لحقت به في اليمن، ولما أدركته قالت له مبشرة: جئتك من عند أوصل الناس وأكرمهم، وقد أمنك، أي أعطاك عهدا بالأمان.


عاد الزوجان إلى أرض الآباء والأجداد، ومضى عكرمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رأى نور الإسلام في وجهه، فقام إليه وعانقه وقال: مرحبا بالراكب المهاجر.


كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رأى رؤيا تؤكد ما جرى ووقع، وأن عكرمة سيدخل دين الله، ويدافع عن حياضه ويكون من أهل الجنة.


عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "رأيت لأبي جهل عزقا في الجنة، فلما أسلم عكرمة قال يا أم سلمة هذا هو”.
والعزق هو جزء من النخلة (العرجون مع الشماريخ) أي أن الأب الذي كفر في نار جهنم والابن الذي أسلم في جنات الفردوس.


تألم عكرمة، وذهب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم شاكيا بعد أن كناه بعض الناس بابن عدو الله، فنهاهم الرسول.


وقال لهم: لا تسبوا أباه، فإن سب الميت يؤذي الحي.


استشهد عكرمة في سبيل الله، وأتمت أم حكيم عدتها، فتقدم إليها خاطبا بطل آخر من أبطال الإسلام وأحد السابقين إلى دين الله، هو خالد بن سعيد بن العاص.
وما إن عقد عليها حتى نادى منادي الجهاد، قالت له: "لو تأخرت حتى يهزم أعداء الله”. فقال لها: إنه يشعر أن الأجل قريب، وأنه سيلقى وجه ربه في هذه الغزوة فأذنت له فدخل بها عند قنطرة قريبة، عرفت باسمها فيما بعد.


أعد البطل وليمة لأصحابه، وما إن فرغوا منها حتى أقبل الأعداء فخرج إليهم وقاتل قتال الفرسان حتى استشهد في سبيل الله.


كانت أم حكيم تسقي الجنود، وتداوي الجراح فلما رأت ما وقع لزوجها نزعت عمود خيمتها، وانطلقت تقاتل به، قتال الأبطال وقتلت من جنود الروم سبعة رجال، وأدخلت بشجاعتها الرعب في قلوب الأعداء، ورفعت معنويات فرسان الإسلام، حتى أحرزوا النصر المبين، أعجب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بشجاعتها وإخلاصها ووفائها، فتزوجها، وعاشت معه مدة قصيرة انتقل بعدها إلى جوار ربه، بعد أن طعنه أبو لؤلؤة المجوسي بخنجر مسموم، وهو قائم يصلي في المحراب إماما للمسلمين في صلاة الفجر.


كان الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه يدعو الله آناء الليل وأطراف النهار أن يرزقه الشهادة في سبيل الله وفي مدينة رسول الله.
استجاب الله لدعاء أمير المؤمنين، وحصل على ما تمناه في المحراب وهو يصلي بصحابة رسول الله.


كان إسلام عمر بن الخطاب فتحا، وإمامته نصرا. ملأ الأرض عدلا، وفتح الفتوح شرقا وغربا، ونظم الدواوين، ووضع التقويم الهجري وجمع الناس على صلاة القيام في شهر رمضان وأضاء المساجد في هذا الشهر الكريم، وكان مثلا أعلى للحكام والمحكومين إلى يوم الدين.


قال في آخر أيامه: يا رب، كبرت سني، وضعفت قوتي وكثرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط. اللهم ارزقني الشهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسول الله.


هذا الطراز الفريد من البشر تنتسب إليه أم حكيم بنت الحارث زوجة الشهداء الثلاثة. سبقت إلى الإسلام لكنها لم تترك زوجها في طريق الضلال أو تطلب الانفصال لكنها أحست بالمسؤولية تجاهه، ذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تطلب الصفح عنه وانطلقت في أثره برا وبحرا حتى وصلت إليه في بلاد اليمن لتبلغه بالبشرى الطيبة، فتجده قد تحول إلى إنسان جديد، يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.


عادت معه وعاشت بجواره زوجة صالحة وقاتل عكرمة في سبيل الله وفاز بالشهادة

سلمة بن دينار المدني

نسب سلمة بن دينار المدني ونشأته

التابعي سلمة ابن دينارهو سلمة بن دينار المدني الزاهد التمّار القاصّ مولى الأسود ابن سفيان المخزومي، اشتهر بأبي حازم الأعرج، ولد في أيام ابن الزبير، من عُباد أهل المدينة وزهادهم ممن كان يتقشف ويلزم الورع الخفي والتخلي بالعبادة ورفض الناس وما هم فيه، وأعده الذهبي من طبقة التابعين الرابعة.

من أخذ عنهم ومن سمعوا منه
أخذ من سهل بن سعد وعطاء بن أبي رباح والنعمان بن أبي عياش وسمع من زيد بن أسلم وكان يقول: لقد رأيتنا في حلقة زيد بن أسلم أربعين فقيها أدنى خصلة فينا التواسي بما في أيدينا.

وقال أبو زرعة: لَمْ يسمع من صحابيّ إلاّ من سهل بن سعد. وسمع منه مالك والثوري وابن عيينة.

البلد التي عاش فيها سلمة بن دينار
أصله من فارس، وعاش في المدينة وكان يقص بها، وزار والشام، وقدم على عمر بن عبد العزيز بخناصرة بالشام.

أهم ملامح شخصية سلمة بن دينار
الحكمة

قال أبو نعيم في حلية الأولياء عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: ما رأيت أحدا الحكمة أقرب إلى فيه من أبي حازم.

ومما يوحي إ‘لينا بحكمته ما جاء عنه لما سأله رجل قائلاً يا أبا حازم: ما شكر العينين؟ قال: إن رأيت بهما خيرًا أعلنته، وإن رأيت بهما شرًا سترته. قال: فما شكر الأذنين؟ قال: إن سمعت خيرًا وعيته، وإن سمعت بهما شرًا أخفيته. قال: فما شكر اليدين؟ قال: لا تأخذ بهما ما ليس لهما، ولا تمنع حقا لله هو فيهما. قال: فما شكر البطن؟ قال: أن يكون أسفله طعامًا وأعلاه علمًا. قال: فما شكر الفرج؟ قال: كما قال الله : "إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون". قال: ما شكر الرجلين؟ قال: إن رأيت خيرًا غبطته استعملت بهما عمله، وإن رأيت شرًا مقته كففتهما عن عمله وأنت شاكر لله ، فأما من شكر بلسانه ولم يشكر بجميع أعضائه فمثله كرجل له كساء يأخذ بطرفه ولم يلبسه فلم ينفعه ذلك من الحر والبرد والثلج والمطر.

الزهد في الدنيا

عن عون بن عبد الله يقول ما رأيت أحدًا يفرفر الدنيا فرفرة هذا الأعرج يعني أبا حازم.

قال أبو حازم قاتل هواك أشد ممن تقاتل عدوك.

قال رجل لأبي حازم إنك متشدد فقال أبو حازم وما لي لا أتشدد وقد ترصدني أربعة عشر عدوا أما أربعة فشيطان يفتنني ومؤمن يحسدني وكافر يقتلني ومنافق يبغضني وأما العشرة فمنها الجوع والعطش والحر والبرد والعري والهرم والمرض والفقر والموت والنار ولا أطيقهن إلا بسلاح تام ولا أجد لهن سلاحا أفضل من التقوى.

وكان يتقشف ويلزم الورع الخفي والتخلي بالعبادة.

الجرأة في الحق

ومما يدل على جرأته في قول الحق موقفه مع سليمان بن عبد الملك وقد دخل المدينة زائرًا بعد أن قضى مناسك حجه فسأل عمن أدرك أحدًا من أصحاب النبي  فقالوا: نعم أبو حازم؛ فأرسل إليه فلما أتاه قال: يا أبا حازم، ما هذا الجفاء؟ قال: وأي جفاء رأيت مني يا أمير المؤمنين؟ قال: وجوه الناس أتوني ولم تأتني قال: والله ما عرفتني قبل هذا ولا أنا رأيتك فأي جفاء رأيت مني؟ فالتفت سليمان إلى الزهري فقال: أصاب الشيخ وأخطأت أنا فقال: يا أبا حازم، مالنا نكره الموت؟ فقال: عمرتم الدنيا وخربتم الآخرة؛ فتكرهون الخروج من العمران إلى الخراب قال: صدقت فقال: يا أبا حازم، ليت شعري مالنا عند الله تعالى غدًا؟ قال: اعرض عملك على كتاب الله  قال: وأين أجده من كتاب الله تعالى؟ قال: قال الله تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} قال سليمان: فأين رحمة الله؟ قال أبو حازم: قريبٌ من المحسنين قال سليمان: ليت شعري كيف العرض على الله غدًا؟ قال أبو حازم: أما المحسن كالغائب يقدم على أهله، وأما المسيء كالآبق يقدم به على مولاه؛ فبكى سليمان حتى علا نحيبه واشتد بكاؤه فقال: يا أبا حازم، كيف لنا أن نصلح؟ قال: تدعون عنكم الصلف، وتمسكوا بالمروءة، وتقسموا بالسوية، وتعدلوا في القضية، قال: يا أبا حازم، وكيف المأخذ من ذلك؟ قال: تأخذه بحقه وتضعه بحقه في أهله، قال: يا أبا حازم، مَنْ أفضل الخلائق؟ قال: أولوا المروءة والنهى، قال: فما أعدل العدل؟ قال: كلمة صدق عند من ترجوه وتخافه قال: فما أسرع الدعاء إجابة؟ قال: دعاء المحسن للمحسنين قال: فما أفضل الصدقة؟ قال: جهد المقل إلى يد البائس الفقير لا يتبعها مَنّ ولا أذى قال: يا أبا حازم، من أكيس الناس؟ قال: رجل ظفر بطاعة الله تعالى فعمل بها، ثم دل الناس عليها قال: فمن أحمق الخلق؟ قال: رجل اغتاظ في هوى أخيه وهو ظالم له فباع آخرته بدنياه قال: يا أبا حازم، هل لك أن تصحبنا وتصيب منا ونصيب منك؟ قال: كلا قال: ولم؟ قال: إني أخاف أن أركن إليكم شيئا قليلاً فيذيقني الله ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا يكون لي منه نصيرًا، قال: يا أبا حازم، ارفع إلي حاجتك قال: نعم تدخلن الجنة وتخرجني من النار قال: ليس ذاك إلي قال: فما لي حاجة سواها قال: يا أبا حازم، فادع الله لي قال: نعم اللهم إن كان سليمان من أوليائك فيسره لخير الدنيا والآخرة، وإن كان من أعدائك فخذ بناصيته إلى ما تحب وترضى قال سليمان: قط! قال أبو حازم: قد أكثرت وأطنبت إن كنت أهله، وإن لم تكن أهله فما حاجتك أن ترمي عن قوس ليس لها وتر قال سليمان: يا أبا حازم، ما تقول فيما نحن فيه؟ قال: أوتعفيني يا أمير المؤمنين؟ قال: بل نصيحة تلقيها إلي قال: إن آباءك غصبوا الناس هذا الأمر فأخذوه عنوة بالسيف من غير مشورة ولا اجتماع من الناس، وقد قتلوا فيه مقتلة عظيمة وارتحلوا فلو شعرت ما قالوا وقيل لهم، فقال رجل من جلسائه: بئس ما قلت قال أبو حازم: كذبت إن الله تعالى أخذ على العلماء الميثاق ليبيننه للناس ولا يكتمونه قال: يا أبا حازم أوصني، قال: نعم سوف أوصيك وأوجز نزه الله تعالى وعظمه أن يراك حيث نهاك أو يفقدك حيث أمرك، ثم قام فلما ولي قال: يا أبا حازم، هذه مائة دينار أنفقها ولك عندي أمثالها كثير فرمى بها وقال: والله ما أرضاها لك فكيف أرضاه لنفسي؟ أني أعيذك بالله أن يكون سؤالك إياي هزلاً وردي عليك بذلاً، إن موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام لما ورد ماء مدين قال: {رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير} فسأل موسى  ربه  ولم يسأل الناس، ففطنت الجاريتان ولم تفطن الرعاة لما فطنتا إليه، فأتيا أباهما وهو شعيب  فأخبرتاه خبره قال شعيب: ينبغي أن يكون هذا جائعًا ثم قال لإحداهما: اذهبي ادعيه فلما أتته أعظمته وغطت وجهها ثم قالت: إن أبي يدعوك ليجزيك فلما قالت: ليجزيك أجر ما سقيت لنا كره موسى  ذلك وأراد أن لا يتبعها ولم يجد بدًا من أن يتبعها لأنه كان في أرض مسبعة وخوف فخرج معها، فكانت الرياح تضرب ثوبها؛ فتصف لموسى  عجزها فيغض مرة ويعرض أخرى فقال: يا أمة الله كوني خلفي، فدخل موسى إلى شعيب عليهما السلام والعشاء مهيأ فقال: كل فقال موسى : لا قال شعيب: ألست جائعًا؟ قال: بلى ولكني من أهل بيت لا يبيعون شيئًا من عمل الآخرة بملء الأرض ذهبًا، أخشى أن يكون هذا أجر ما سقيت لهما قال شعيب : لا يا شاب، ولكن هذه عادتي وعادة آبائي قرى الضيف، وإطعام الطعام قال: فجلس موسى  فأكل، فإن كانت هذه المائة دينار عوضًا عما حدثتك فالميتة والدم ولحم الخنزير في حال الاضطرار أحل منه، وإن كان من مال المسلمين فلي فيها شركاء ونظراء إن وازيتهم وإلا فلا حاجة لي فيها، إن بني إسرائيل لم يزالوا على الهدى والتقى حيث كانت أمراؤهم يأتون الى علمائهم رغبة في علمهم، فلما نكسوا ونفسوا وسقطوا من عين الله تعالى وآمنوا بالجبت والطاغوت كان علماؤهم يأتون إلى أمرائهم ويشاركونهم في دنياهم وشركوا معهم في قتلهم قال ابن شهاب: يا أبا حازم، إياي تعني أو بي تعرض؟ قال: ما إياك اعتمدت؛ ولكن هو ما تسمع؟ قال سليمان: يا ابن شهاب، تعرفه قال: نعم جاري منذ ثلاثين سنة ما كلمته كلمة قط قال أبو حازم: إنك نسيت الله فنسيتني، ولو أحببت الله تعالى لأحببتني قال ابن شهاب: يا أبا حازم، تشتمني قال سليمان: ما شتمك، ولكن شتمتك نفسك أما علمت أن للجار على الجار حقًا كحق القرابة، فلما ذهب أبو حازم قال رجل من جلساء سليمان: يا أمير المؤمنين تحب أن يكون الناس كلهم مثل أبي حازم قال: لا.

القناعة والرضا بما قسمه الله

جاء في حلية الأولياء لأبي نعيم أن سفيان بن عيينة قال: كتب أمير المؤمنين إلى أبي حازم ارفع إلي حاجتك، قال: هيهات، رفعت حاجتي إلى من لا يختزن الحوائج، فما أعطاني منها قنعت، وما أمسك عني منها رضيت.

وكان زاهدًا لا يأتي الأمراء ولا يغشاهم حتى لا يكون ذلك سببًا في الإقبال على دنياهم بل فضل الترفع والزهد في دنياهم، ولقد أرسل بعض الأمراء إلى أبي حازم فأتاه وعنده الإفريقي والزهري وغيرهما فقال له: تكلم يا أبا حازم فقال: أبو حازم: إن خير الأمراء من أحب العلماء وإن شر العلماء من أحب الأمراء، وكان فيما مضى إذا بعث الأمراء إلى العلماء لم يأتوهم وإذا أعطوهم لم يقبلوا منهم وإذا سألوهم لم يرخصوا لهم، وكان الأمراء يأتون العلماء في بيوتهم فيسألونهم وكان في ذلك صلاح للأمراء وصلاح للعلماء، فلما رأى ذلك ناس من الناس قالو: ما لنا لا نطلب العلم حتى يكون مثل هؤلاء فطلبوا العلم فأتوا الأمراء فحدثوهم فرخصوا لهم وأعطوهم فقبلوا منهم، فجرأت العلماء على الأمراء وجرأت الأمراء على العلماء".

اليقين التام في الله وحسن التوكل عليه

ولقد كان أبو حازم شديد اليقين بالله  وقد قال الله: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} فالرزق شيء تكفل الله به فلم يشغل أبو حازم به نفسه بل شغل نفسه بالعبادة والعلم، ولما شكا إليه الناس قائلين له: يا أبا حازم أما ترى قد غلا السعر؟ فقال: وما يغمكم من ذلك؟ إن الذي يرزقنا في الرخص هو الذي يرزقنا في الغلاء".

وجاء في حلية الأولياء لأبي نعيم "قيل لأبي حازم: يا أبا حازم ما مالك؟ قال ثقتي بالله تعالى وإياسي مما في أيدي الناس".

ومر أبو حازم بأبي جعفر المديني وهو مكتئب حزين "فقال: مالي أراك مكتئبا حزينًا وإن شئت أخبرتك قال: أخبرني ما وراءك؟ قال: ذكرت ولدك من بعدك قال: نعم قال: فلا تفعل فإن كانوا لله أولياء فلا تخف عليهم الضيعة، وإن كانوا لله أعداء فلا تبال ما لقوا بعدك".

احترام العلم والعلماء

ومما يدل علي احترامه للعلماء، قال الزهري لسليمان بن هشام: ألا تسأل أبا حازم ما قال في العلماء قال: وما عسيت أن أقول في العلماء إلا خيرًا، إني أدركت العلماء وقد استغنوا بعلمهم عن أهل الدنيا، ولم يستغن أهل الدنيا بدنياهم عن علمهم، فلما رأوا ذلك قدموا بعلمهم إلى أهل الدنيا، ولم ينلهم أهل الدنيا من دنياهم شيئًا إن هذا وأصحابه ليسوا علماء إنما هم رواة فقال الزهري: وإنه لجاري وما علمت أن هذا عنده قال: صدق أما أني لو كنت غنيًا عرفتني".

خوفه وخشيته

يروى أن أبا حازم شهد جنازة فوقف على شفير القبر فجعل ينظر إليه ثم رفع رأسه فقال لبعض أصحابه: ما ترى؟ قال: أرى حفرة يابسة وأرى جنادل قال أبو حازم: أما والله لتحمدنه إلى نفسك أو لتكونن معيشتك فيه معيشة ضنكًا فبكى بكاءًا شديد.

وكان يقول: لو نادى مناد من السماء بأمن أهل الأرض من دخول النار لحق عليهم الوجل من حضور ذلك الموقف ومعاينة ذلك اليوم ثم أنشد قائلاً:

الدهر أدبني والصبر رباني *** والقوت أقنعني واليأس أغناني

وأحكمتني من الأيام تجربة *** حتى نهيت الذي كان ينهاني

بذل النصيحة

نصيحة من الأعرج للإمام الزهري

كتب أبو حازم الأعرج إلى الزهري: عافانا الله وإياك أبا بكر من الفتن، فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك بها أن يرحمك أصبحت شيخا كبيرا وقد أثقلتك نعم الله عليك فيما أصح من بدنك وأطال من عمرك وعلمت حجج الله تعالى مما علمك من كتابه وفقهك فيه من دينه وفهمك من سنة نبيه  فرمى بك في كل نعمة أنعمها عليك وكل حجة يحتج بها عليك الغرض الأقصى ابتلى في ذلك شكرك وابدأ فيه فضله عليك وقد قال  {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} فانظر أي رجل تكون، إذا وقفت بين يدي الله  فسألك عن نعمه عليك كيف رعيتها؟ وعن حججه عليك كيف قضيتها؟ فلا تحسبن الله  راضيًا منك بالتعذير، ولا قابلاً منك التقصير، هيهات ليس ذاك أخذ على العلماء في كتابه إذ قال: لتبيننه للناس ولا تكتمونه، إنك تقول إنك جدل ماهر عالم، قد جادلت الناس فجدلتهم وخاصمتهم فخصمتهم إدلالاً منك بفهمك واقتدارا منك برأيك فأين تذهب عن قول الله : {هَأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} اعلم أن أدنى ما ارتكبت وأعظم ما احتقبت أن آنست الظالم، وسهلت له طريق الغي بدنوك حين أدنيت، وإجابتك حين دعيت، فما أخلقك أن ينوه غدًا باسمك مع الجرمة وأن تسأل عما أردت باغضائك عن ظلم الظلمة، إنك أخذت ما ليس لمن أعطاك جعلوك قطبًا تدور عليه رحى باطلهم، وجسرًا يعبرون بك إلى بلائهم وسلمًا إلى ضلالتهم، يدخلون بك الشك على العلماء، ويقتادون بك قلوب الجهال إليهم، فلم يبلغ أخص وزرائهم ولا أقوى أعوانهم لهم إلا دون ما بلغت من إصلاح فسادهم، واختلاف الخاصة والعامة إليهم، فما أيسر ما عمروا لك في جنب ما خربوا عليك، وما أقل ما أعطوك في قدر ما أخذوا منك، فانظر لنفسك فإنه لا ينظر لها غيرك، وحاسبها حساب رجل مسئول، وانظر كيف شكرك لمن غذاك بنعمه صغيرًا وكبيرًا؟ وانظر كيف إعظامك أمر من جعلك بدينه في الناس مبجلاً؟ وكيف صيانتك لكسوة من جعلك بكسوته مستترًا؟ وكيف قربك وبعدك ممن أمرك أن تكون منه قريبًا؟ مالك لا تتنبه من نعستك، وتستقيل من عثرتك، فتقول: والله ما قمت لله  مقامًا واحدًا أحيي له فيه دينًا ولا أميت له فيه باطلاً، أين شكرك لمن استحملك كتابه واستودعك علمه؟ ما يؤمنك أن تكون من الذين قال الله : {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى} إنك لست في دار مقام قد أوذنت بالرحيل، فما بقاء المرء بعد أقرانه طوبى لمن كان في الدنيا على وجل ما يؤمن من أن يموت وتبقى ذنوبه من بعده، إنك لم تؤمر بالنظر لوارثك على نفسك، ليس أحد أهلاً أن ترد له على ظهرك، ذهبت اللذة وبقيت التبعة، ما أشقى من سعد بكسبه غيره، احذر فقد أتيت، وتخلص فقد وهلت، إنك تعامل من لا يجهل والذي يحفظ عليك لا يغفل، تجهز فقد دنا منك سفر بعيد، وداو دينك فقد دخله سقم شديد، ولا تحسبن أني أردت توبيخك وتعييرك وتعنيفك ولكني أردت أن تنعش ما فات من رأيك وترد عليك ما عزب عنك من حلمك، وذكرت قوله تعالى: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} أغفلت ذكر من مضى من أسنانك وأقرانك وبقيت بعدهم كقرن أعضب، فانظر هل ابتلوا بمثل ما ابتليت به، أو دخلوا في مثل ما دخلت فيه؟ وهل تراه دخر لك خيرًا منعوه، أو علمك شيئًا جهلوه؟ فإذا كانت الدنيا تبلغ من مثلك هذا في كبر سنك ورسوخ علمك وحضور أجلك، فمن يلوم الحدث في سنه الجاهل في علمه المأفون في رأيه المدخول في عقله، ونحمد الذي عافانا مما ابتلاك به والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.

من كلمات سلمة بن دينار
قال أبو حازم: نحن لا نريد أن نموت حتى نتوب، ونحن لا نتوب حتى نموت! واعلم: أنك إذا مت لم ترفع الأسواق بموتك إن شأنك صغير فاعرف نفسك.

وقال: ليس للملوك صديق ولا للحسود راحة والنظر في العواقب تلقيح للعقول.

وقال: لا تعادين رجلاً ولا تناصبنه حتى تنظر إلى سريرته بينه وبين الله، فإن لم تكن له سريرة حسنة فإن الله لم يكن ليخذله بعداوتك له، وإن كانت له سريرة رديئة فقد كفاك مساوئه، ولو أردت أن تعمل به أكثر من معاصي الله لم تقدر.

وقال أبو حازم: يسير الدنيا يشغل عن كثير الآخرة، فإنك تجد الرجل يشغل نفسه بهم غيره حتى لهو أشد اهتمامًا من صاحب الهم بهم نفسه.

قال أبو حازم: كل نعمة لا تقرب من الله  فهي بلية.

قال أبو حازم: ينبغي للمؤمن أن يكون أشد حفظًا للسانه منه لموضع قدميه.

موقف وفاة سلمة بن دينار
قال محمد بن مطرف: دخلنا على أبي حازم الأعرج لما حضره الموت فقلنا: يا أبا حازم، كيف تجدك؟ قال: أجدني بخير، أجدني راجيًا لله حسن الكلف به، ثم قال: إنه والله ما يستوي من غدا أو راح يعمر عقد الآخرة لنفسه فيقدمها أمامه قبل أن ينزل به الموت حتى يقدم عليها فيقوم لها وتقوم له، ومن غدا أو راح في عقد الدنيا يعمرها لغيره ويرجع إلى الآخرة لا حظ له فيها ولا نصيب.

وقال أبو حازم لما حضره الموت: ما آسي على شيء فاتني من الدنيا إلا على ذكر الله، وإن هذا الليل والنهار لا يأتيان على شيء إلا أخلفاه، وفي الموت راحة للمؤمنين ثم قرأ {وما عند الله خير للأبرار}.

وفاة سلمة بن دينار
مات –رحمه الله- سنة 135هـ.

الشيخ الدكتور عمر سليمان الأشقر رحمه الله

الشيخ الدكتور عمر سليمان الأشقر، عالم محقق و داعية رباني  ، نموذج للعالم العامل ، كان رحمه الله عليه وقار العلماء و أدب الفقهاء و حكمة الدعاة ، ، كان نقطة التقاء بين أبناء الحركة الإسلامية و أحد أبرز علماء وأعلام فلسطين والأمة العربية والإسلامية في هذا العصر

نشأته و مسيرته :

هو عمر بن سليمان بن عبد الله الأشقر ، ولد رحمه الله عام 1940 في قرية برقة قضاء مدينة نابلس شمال الضفة الغربية المحتلة، وهو شقيق الدكتور محمد الأشقر من علماء أصول الفقه بالعصر الحديث.
وخرج الأشقر من فلسطين وهو في الـ 16 من عمره إلى المدينة المنورة بالسعودية، وأكمل دراسته الثانوية هناك وحصل على البكالوريوس من كلية الشريعة بالرياض انتسابا ومكث بالسعودية فترة من الزمن ثم غادر إلى الكويت عام 1965 واستكمل رحلته العلمية بدراسة الماجستير والدكتوراه في جامعة الأزهر.
وكانت رسالته التي حصل بموجبها على الدكتوراه عام 1980 في "النيات ومقاصد المكلفين" في الفقه المقارن، وعمل مدرسا في كلية الشريعة بجامعة الكويت ، بقي بالكويت حتى عام 1990م ثم خرج منها إلى المملكة الأردنية فعيِن أستاذاً في كلية الشريعة بالجامعة الأردنية وبعدها عميداً لكلية الشريعة بجامعة الزرقاء، ثم تفرغ للدعوة والبحث والكتابة، وأصدر العديد من الكتب والأبحاث في العقيدة والسيرة والدعوة ومختلف علوم الدين.

مؤلفاته:
ألف رحمه الله أكثر من خمسين كتابا في مجالات الشريعة وقضايا العصر المختلفة، وشارك مع بعض زملائه في تأليف عدد آخر من الكتب، إضافة إلى كتابته الكثير من المقالات العلمية المحكمة، ومشاركته بأوراق عمل علمية في العشرات من المؤتمرات في العالم العربي وآسيا وأوروبا وأميركا. وتعد كتبه خصوصا في مجال الفقه والعقيدة مصادر مهمة ومعتمدة، ومن الكتب الأكثر تداولا بين طلبة العلم في عالمنا الإسلامي
ومن أبرز مؤلفاته :
(أ)في الفقه:
(1)مقاصد المكلفين رسالة دكتوراه وهي تتكون من جزئين: النيات والإخلاص
(2)الواضح في شرح قانون الأحوال الشخصية الأردني
(3) أحكام الزواج في ضوء الكتاب والسنة
(4) تاريخ الفقه الإسلامي
(5) خصائص الشريعة الإسلامية
(6) عالم السحر والشعوذة
(7) حكم المشاركة في الوزارة والمجالس النيابية
(8) الصوم في ضوء الكتاب والسنة
(9) الربا وأثره في المجتمع الإنساني
(10) نظرات في أصول الففه
(11) المدخل إلى دراسة المدارس والمذاهب الفقهية
(12) مسائل من فقه الكتاب والسنة
(13) ثلاث شعائر
(14) المدخل إلى علم الفقه الإسلامي.

(ب)التوحيد:
(1) أسماء الله وصفاته في معتقد أهل السنة والجماعة.
(2) العقيدة في الله
(3) عالم الملائكة الأبرار
(4) علم الجن والشياطين
(5) الرسل والرسالات
(6) القيامة الصغرى
(7) القيامة الكبرى
(8) الجنة والنار
(9) القضاء والقدر
(10) التأويل وخطورته وأثاره
(11) معتقد الإمام أبى الحسن الأشعري.
(12) أسماء الله الحسنى.

(ج)في الدعوة والدفاع عن الإسلام:
(1) الشريعة الإلهية لا القوانين الجاهلية
(2) مواقف ذات عبر
(3) نحو ثقافة إسلامية أصلية
(4) معوقات تطبيق الشريعة الإسلامية
(5) جولة في رياض العلماء
(6) صحيح قصص الحديث النبوي
(7) محاضرات إسلامية هادفة

(د)الأبحاث:
(1) مسائل في الفقه المقارن، بالاشتراك مع د. ماجد أبو رخية
(2) أبحاث فقهية في قضايا الزكاة المعاصرة بالاشتراك مع د. محمد نعيم ياسين وآخرين
(3) بحوث فقهية في قضايا اقتصادية معاصرة بالاشتراك مع الدكتور محمد عثمان شبير وآخرين
(4) بحوث فقهية في قضايا طبية معاصرة بالاشتراك مع د.عبد الناصر أبى البصل وآخرين
و كل هذه الأبحاث و الكتب تنشرها دار النفائس – عمان – الأردن .

وفاته
توفي رحمه الله في العاصمة الأردنية عمان يوم الجمعة 10 أغسطس 2012م ، الموافق 22 رمضان في العشر الأواخر لعام 1433 هجرية بعد معاناة مع المرض عن عمر يناهز 72 عاماً، رحمه الله رحمة واسعة وجزاه الله عن طلاب العلم خير الجزاء

وصيته :
كتب الشيخ عمر بن سليمان الأشقر وصيّة لآله ومن قرأ كتبه فانتفع بها يقول فيها:
"أوصي أولادي وذريتي، ومن انتفع بكتبي، ومن يريد الإحسان إليَّ أن يستغفروا لي كثيرًا، فأنا عبد الله الخطَّاء، وأسأل الله رحمته وعفوه وإحسانه، وأن يتمَّ عليَّ ستره وعافيته، ومغفرته في الدنيا والآخرة".. اللهم ارحمه واغفر له واعفُ عنه وأحسن إليه يا كريم!

قال القارئ الشيخ توفيق الصايغ‏ " عمر الأشقر ‏فقيدٌ يُضاف لمصاب الأمة وجراحاتها ظواهر خاتمته الحسنة (رمضان + العشر الاواخر + الجمعة + العلم والذكر الحسن + شيبة في الاسلام) "
وقالت عنه حركة حماس إنه "رحل بعد حياة حافلة بالعطاء والتَّضحية والعلم والعمل والدعوة إلى الله، كرسها في الدِّفاع عن شعبنا الفلسطيني وقضيته وحقوقه، ودعم مشروع المقاومة والجهاد، والدفاع عن قضايا أمتنا العربية والإسلامية".
و قال الأستاذ خالد مشعل عن الشيخ الدكتور عمر الأشقر :
الشيخ عمر الأشقر كان أحد وأهم وأبرز مؤسسي حماس، وكان المفتي الأول بالحركة، كان أول رئيس لمجلس شورى الحركة، وكان في الحلقة الأولى التي خططت لمشروع حماس وكتب بيده رؤية لقضية فلسطين”

قصة صالح نبي ثمود عليه السلام

السلام

نسبه عليه السلام

قوم صالح عليه السلام : هم قبيلة مشهورة يقال ثمود باسم جدهم ثمود أخي جديس، وهما ابنا عابر بن ارم بن سام بن نوح، وكانوا عرباً من العارية يسكنون الحجر الذي بين الحجاز وتبوك، وقد مرَّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ذاهب إلى تبوك بمن معه من المسلمين ، كما سيأتي ذكره فى القصة

وكانوا بعد قوم عاد، وكانوا يعبدون الأصنام كأولئك، فبعث الله فيهم رجلاً منهم، وهو عبد الله ورسوله: صالح بن عبد بن ماسح بن عبيد بن حاجر بن ثمود بن عابر بن ارم بن سام بن نوح
فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وأن يخلعوا الأصنام والأنداد، ولا يشركوا به شيئاً، فآمنت به طائفة منهم، وكفر جمهورهم، ونالوا منه بالمقال والفعال وهموا بقتله، وقتلوا الناقة التي جعلها الله حجة عليهم، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر.

ذكر قصته مع قومه
والآن لنذكر قصتهم، وما كان من أمرهم، وكيف نجى الله نبيه صالحاً عليه السلام، ومن آمن به، وكيف قطع دابر القوم الذين ظلموا بكفرهم، وعتوهم ومخالفتهم رسولهم عليه السلام.
قد ذكرنا أنهم كانوا عرباً وكانوا بعد عاد، ولم يعتبروا بما كان من أمرهم، ولهذا قال لهم نبيهم عليه السلام:
{وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ}

أي: إنما جعلكم خلفاء من بعدهم، لتعتبروا بما كان أمرهم، وتعملوا بخلاف عملهم، وأباح لكم هذه الأرض تبنون في سهولها القصور، وتنحتون من الجبال بيوتاً فارهين، أي: حاذقين في صنعتها واتقانها وإحكامها، فقابلوا نعمة الله بالشكر والعمل الصالح، والعبادة له وحده لا شريك له، وإياكم ومخالفته، والعدول عن طاعته، فإن عاقبة ذلك وخيمة.

وقال لهم أيضاً: {... قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا...}.
أي: هو الذي خلقكم، فأنشأكم من الأرض، وجعلكم عمارها: أي أعطاكموها بما فيها من الزروع والثمار، فهو الخالق الرزاق، فهو الذي يستحق العبادة وحده لا سواه.
{فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} أي: أقلعوا عما أنتم فيه، وأقبلوا على عبادته فإنه يقبل منكم، ويتجاوز عنكم.
{إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ * قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَذَا}
أي: قد كنا نرجو أن يكون عقلك كاملاً قبل هذه المقالة، وهي دعاؤك إيانا إلى إفراد العبادة، وترك ما كنا نعبده من الأنداد، والعدول عن دين الآباء والأجداد.

ولهذا قالوا: {... أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ * قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فما تزيدونني غير تخسير فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ}

وهذا تلطف منه لهم في العبارة، ولين الجانب، وحسن تأت في الدعوة لهم إلى الخير، أي: فما ظنكم إن كان الأمر كما أقول لكم، وأدعوكم إليه، ماذا عذركم عند الله، وماذا يخلصكم بين يديه، وأنتم تطلبون مني أن أترك دعائكم إلى طاعته.
وأنا لا يمكنني هذا لأنه واجب علي، ولو تركته لما قدر أحد منكم، ولا من غيركم، أن يجيرني منه ولا ينصرني، فأنا لا أزال أدعوكم إلى الله وحده لا شريك له، حتى يحكم الله بيني وبينكم.

وقالوا له أيضاً: {إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ}
أي: من المسحورين، يعنون مسحوراً لا تدري ما تقول في دعائك إيانا إلى إفراد العبادة لله وحده، وخلع ما سواه من الأنداد. وهذا القول عليه الجمهور إن المراد بالمسحرين المسحورين.

وقولهم: {فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ}
سألوا منه أن يأتيهم بخارق يدل على صدق ما جاءهم.

قصة الناقة

قال: {قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ}
وقال: {قَدْ جَاءتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}

وقال تعالى: {وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا}.
وقد ذكر المفسرون أن ثمود اجتمعوا يوماً في ناديهم، فجاءهم رسول الله صالح فدعاهم إلى الله، وذكرهم، وحذرهم، ووعظهم، وأمرهم،
فقالوا له:
إن أنت أخرجت لنا من هذه الصخرة، وأشاروا إلى صخرة هناك ناقة من صفتها كيت وكيت، وذكروا أوصافاً سموها ونعتوها، وتعنتوا فيها، وأن تكون عشراء طويلة، من صفتها كذا وكذا.

فقال لهم النبي صالح عليه السلام: أرأيتم إن أجبتكم إلى ما سألتم على الوجه الذي طلبتم أتؤمنون بما جئتكم به وتصدقوني فيما أرسلت به.
قالوا: نعم، فأخذ عهودهم ومواثيقهم على ذلك، ثم قام إلى مصلاه فصلى لله عز وجل ما قدر له، ثم دعا ربه عز وجل أن يجيبهم إلى ما طلبوا.
فأمر الله عز وجل تلك الصخرة أن تنفظر عن ناقة عظيمة عشراء، على الوجه المطلوب الذي طلبوا
أو على الصفة التي نعتوا، فلما عاينوها كذلك، رأوا أمراً عظيماً، ومنظراً هائلاً، وقدرة باهرة، ودليلاً قاطعاً، وبرهاناً ساطعاً، فآمن كثير منهم، واستمر أكثرهم على كفرهم وضلالهم، وعنادهم.
ولهذا قال: {فَظَلَمُوا بِهَا} أي: جحدوا بها، ولم يتبعوا الحق بسببها أي: أكثرهم.

وكان رئيس الذين آمنوا: جندع بن عمرو بن محلاه بن لبيد بن جواس. وكان من رؤساهم، وهم بقية الأشراف بالإسلام، قصدهم ذؤاب بن عمر بن لبيد، والخباب صاحبا أوثانهم، ورباب بن صمعر بن جلمس ودعا جندع ابن عمه شهاب بن خليفة، وكان من أشرافهم، فهمَّ بالإسلام، فنهاه أولئك فمال إليهم.

ولهذا قال لهم صالح عليه السلام: {هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً}
أضافها لله سبحانه وتعالى إضافة تشريف وتعظيم، كقوله: بيت الله، وعبد الله.
{لَكُمْ آيَةً} أي: دليلاً على صدق ما جئتكم به.

{فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ}

فاتفق الحال على أن تبقى هذه الناقة بين أظهرهم، ترعى حيث شاءت من أرضهم، وترد الماء يوماً بعد يوم، وكانت إذا وردت الماء تشرب ماء البئر يومها ذلك، فكانوا يرفعون حاجتهم من الماء في يومهم لغدهم، ويقال: إنهم كانوا يشربون من لبنها كفايتهم.
ولهذا قال: {لها شرب، ولكم شرب يوم معلوم}

ولهذا قال تعالى: {إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ}
أي: اختبار لهم أيؤمنون بها أم يكفرون؟ والله أعلم بما يفعلون.
{فَارْتَقِبْهُمْ} أي: انتظر ما يكون من أمرهم، واصطبر على أذاهم فسيأتيك الخبر على جلية.

{وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ}
فلما طال عليهم الحال هذا، اجتمع ملؤهم واتفق رأيهم على أن يعقروا هذه الناقة ليستريحوا منها، ويتوفر عليهم ماؤهم، وزين لهم الشيطان أعمالهم.

قال الله تعالى: {فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ}

وكان الذي تولى قتلها منهم رئيسهم: قدار بن سالف بن جندع
وذكر ابن جرير وغيره من علماء المفسرين:
أن امرأتين من ثمود، اسم إحداهما: صدوق ابنة المحيا بن زهير بن المختار، وكانت ذات حسب ومال، وكانت تحت رجل من أسلم ففارقته، فدعت ابن عم لها يقال له: مصرع بن مهرج بن المحيا، وعرضت عليه نفسها إن هو عقر الناقة.

واسم الأخرى: عنيزة بنت غنيم بن مجلز، وتكنى أم عثمان، وكانت عجوزاً كافرة، لها بنات من زوجها ذؤاب بن عمرو، أحد الرؤساء، فعرضت بناتها الأربع على قدار بن سالف إن هو عقر الناقة، فله أي بناتها شاء.

فانتدب هذان الشابان لعقرها، وسعوا في قومهم بذلك، فاستجاب لهم سبعة آخرون، فصاروا تسعة، وهم المذكورون في قوله تعالى:
{وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ}
وسعوا في بقية القبيلة، وحسنوا لهم عقرها، فأجابوهم إلى ذلك، وطاوعوهم في ذلك، فانطلقوا يرصدون الناقة، فلما صدرت من وردها كمن لها مصرع فرماها بسهم، فانتظم عظم ساقها، وجاء النساء يزمرن القبيلة في قتلها، وحسرن عن وجوههن ترغيباً لهم.

فابتدرهم قدار بن سالف فشد عليها بالسيف، فكشف عن عرقوبها، فخرت ساقطة إلى الأرض، ورغت رغاة واحدة عظيمة تحذر ولدها، ثم طعن في لبتها فنحرها، وانطلق سقيها وهو فصيلها، فصعد جبلاً منيعاً ودعا ثلاثاً.

وروى عبد الرزاق، عن معمر، عمن سمع الحسن أنه قال: يا رب أين أمي؟ ثم دخل في صخرة فغاب فيها.
ويقال: بل اتبعوه فعقروه أيضاً

قال الله تعالى: {فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ * فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ}
وقال تعالى: {إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا * فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا}

عن عبد الله بن زمعة قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الناقة، وذكر الذي عقرها فقال: (({إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا} انبعث لها رجل من عارم، عزيز منيع في رهطه، مثل أبي زمعة)).
أي شهم عزيز، أي رئيس منيع أي مطاع في قومه.

عن عمار بن ياسر قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: ((ألا أحدثك بأشقى الناس؟)).
قال: بلى.
قال: ((رجلان أحدهما أحيمر ثمود الذي عقر الناقة، والذي يضربك يا علي على هذا - يعني قرنه - حتى تبتل منه هذه - يعني لحيته)).

وقال تعالى: {فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ}
فجمعوا في كلامهم هذا بين كفر بليغ من وجوه:
منها: أنهم خالفوا الله ورسوله في ارتكابهم النهي الأكيد في عقر الناقة التي جعلها الله لهم آية.
ومنها: أنهم استعجلوا وقوع العذاب بهم فاستحقوه من وجهين:
أحدهما: الشرط عليهم في قوله: {وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ} والثاني: استعجالهم على ذلك.
ومنها: أنهم كذبوا الرسول الذي قد قام الدليل القاطع على نبوته وصدقه، وهم يعلمون ذلك علماً جازماً، ولكن حملهم الكفر والضلال، والعناد على استبعاد الحق، ووقوع العذاب بهم.

قال الله تعالى: {فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} وذكروا أنهم لما عقروا الناقة كان أول من سطا عليها قدار بن سالف لعنه الله، فعرقبها فسقطت إلى الأرض، ثم ابتدروها بأسيافهم يقطعونها، فلما عاين ذلك سقيها - وهو ولدها - شرد عنهم، فعلا أعلى الجبل هناك، ورغا ثلاث مرات.
فلهذا قال لهم صالح: {تمتعوا في داركم ثلاثة أيام}

أي: غير يومهم ذلك، فلم يصدقوه أيضاً في هذا الوعد الأكيد، بل لمـّا أمسوا همّوا بقتله، وأرادوا فيما يزعمون أن يلحقوه بالناقة.
{قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ}
أي: لنكبسنه في داره مع أهله، فلنقتلنه ثم نجحدن قتله، وننكرن ذلك إن طالبنا أولياؤه بدمه.
ولهذا قالوا: {ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ}.

هلاك ثمود
وقال الله تعالى: {وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ * فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ}.

وذلك أن الله تعالى أرسل على أولئك النفر الذين قصدوا قتل صالح حجارة رضختهم، سلفاً وتعجيلاً قبل قومهم .
وأصبحت ثمود يوم الخميس، وهو اليوم الأول من أيام النظرة، ووجوههم مصفرة كما أنذرهم صالح عليه السلام، فلما أمسوا نادوا بأجمعهم: ألا قد مضى يوم من الأجل.
ثم أصبحوا في اليوم الثاني من أيام التأجيل، وهو يوم الجمعة ووجوههم! محمرة، فلما أمسوا نادوا ألا قد مضى يومان من الأجل.
ثم أصبحوا في اليوم الثالث من أيام المتاع، وهو يوم السبت، ووجوههم مسودة، فلما أمسوا نادوا ألا قد مضى الأجل.
فلما كان صبيحة يوم الأحد، تحنطوا وتأهبوا وقعدوا ينظرون ماذا يحل بهم من العذاب، والنكال، والنقمة، لا يدرون كيف يفعل بهم، ولا من أي جهة يأتيهم العذاب.
فلما أشرقت الشمس، جاءتهم صيحة من السماء من فوقهم، ورجفة شديدة من أسفل منهم، ففاضت الأرواح، وزهقت النفوس، وسكنت الحركات، وخشعت الأصوات، وحقت الحقائق، فأصبحوا في دارهم جاثمين جثثاً لا أرواح فيها، ولا حراك بها.

قالوا ولم يبق منهم أحد إلا جارية كانت مقعدة، واسمها كلبة - بنت السلق - ويقال لها: الذريعة، وكانت شديدة الكفر والعداوة لصالح عليه السلام، فلما رأت العذاب أطلقت رجلاها، فقامت تسعى كأسرع شيء، فأتت حياً من العرب فأخبرتهم بما رأت، وما حل بقومها واستسقتهم ماء، فلما شربت ماتت.
قال الله تعالى: {كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا} أي: لم يقيموا فيها في سعة ورزق وغناء.
{أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْداً لِثَمُودَ} أي: نادى عليهم لسان القدر بهذا.

عن جابر قال: لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر قال:
((لا تسألوا الآيات، فقد سألها قوم صالح فكانت - يعني الناقة - ترد من هذا الفج، وتصدر من هذا الفج فعتوا عن أمر ربهم فعقروها.
وكانت تشرب ماءهم يوماً، ويشربون لبنها يوماً، فعقروها فأخذتهم صيحة أهمد الله من تحت أديم السماء منهم إلا رجلاً واحداً كان في حرم الله)).
فقالوا: من هو يا رسول الله؟
قال: ((هو أبو رغال، فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه)).

عن بجير بن أبي بجير قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين خرجنا معه إلى الطائف فمررنا بقبر، فقال:
((إن هذا قبر أبي رغال، وهو أبو ثقيف؛ وكان من ثمود؛ وكان بهذا الحرم يدفع عنه، فلما خرج منه أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان فدفن فيه، وآية ذلك أنه دفن معه غصن من ذهب، إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه معه، فابتدره الناس فاستخرجوا منه الغصن)).
وهكذا رواه أبو داود، من طريق محمد بن إسحاق به.

وقوله تعالى: {فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ}
إخبار عن صالح عليه السلام أنه خاطب قومه بعد هلاكهم، وقد أخذ في الذهاب عن محلتهم إلى غيرها قائلاً لهم:

{يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ} أي: جهدت في هدايتكم بكل ما أمكنني، وحرصت على ذلك بقولي، وفعلي، ونيتي.
{وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ} أي: لم تكن سجاياكم تقبل الحق، ولا تريده، فلهذا صرتم إلى ما أنتم فيه من العذاب الأليم، المستمر بكم، المتصل إلى الأبد، وليس لي فيكم حيلة، ولا لي بالدفع عنكم يدان، والذي وجب عليّ من أداء الرسالة، والنصح لكم، قد فعلته وبذلته لكم، ولكن الله يفعل ما يريد.

عن ابن عباس قال: لما مر النبي صلى الله عليه وسلم بوادي عسفان حين حج قال:
((يا أبا بكر أي واد هذا؟))
قال: وادي عسفان.
قال: ((لقد مر به هود وصالح عليهما السلام، على بكرات خطمها الليف، أزرهم العباء، وأرديتهم النمار، يلبون يحجون البيت العتيق)) إسناد حسن.

مرور النبي بوادي الحجر من أرض ثمود عام تبوك

عن ابن عمر قال:
لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس على تبوك، نزل بهم الحجر عند بيوت ثمود، فاستقى الناس من الآبار التي كانت تشرب منها ثمود، فعجنوا منها، ونصبوا القدور
فأمرهم رسول الله فأهراقوا القدور، وعلفوا العجين الإبل
ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة، ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا، فقال:
((إني أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم، فلا تدخلوا عليهم)).

عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالحجر:
((لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين، إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، أن يصيبكم مثل ما أصابهم)).
أخرجاه في (الصحيحين) من غير وجه.

وفي بعض الروايات: أنه عليه السلام لما مر بمنازلهم، قنع رأسه، وأسرع راحلته، ونهى عن دخول منازلهم، إلا أن تكونوا باكين.

وفي رواية: ((فإن لم تبكوا فتباكوا، خشية أن يصيبكم مثل ما أصابهم)) صلوات الله وسلامه عليه.
عامر بن سعد رضي الله عنه قال:
لما كان في غزوة تبوك، فسارع الناس إلى أهل الحجر يدخلون عليهم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنادى في الناس الصلاة جامعة، قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو ممسك بعيره، وهو يقول:
((ما تدخلون على قوم غضب الله عليهم)).
فناداه رجل تعجب منهم يا رسول الله؟
قال: ((أفلا أنبئكم بأعجب من ذلك، رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم، وما هو كائن بعدكم، فاستقيموا وسددوا، فإن الله لا يعبأ بعذابكم شيئاً، وسيأتي قوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئاً)).
إسناد حسن ولم يخرجوه.
وقد ذكر أن قوم صالح كانت أعمارهم طويلة، فكانوا يبنون البيوت من المدر، فتخرب قبل موت الواحد منهم، فنحتوا لهم بيوتاً في الجبال. وذكروا أن صالحاً عليه السلام لما سألوه آية، فأخرج الله لهم الناقة من الصخرة، أمرهم بها وبالولد الذي كان في جوفها، وحذرهم بأس الله إن هم نالوها بسوء، وأخبرهم أنهم سيعقرونها، ويكون سبب هلاكهم ذلك

قصة صالح نبي ثمود عليه السلام

السلام

نسبه عليه السلام

قوم صالح عليه السلام : هم قبيلة مشهورة يقال ثمود باسم جدهم ثمود أخي جديس، وهما ابنا عابر بن ارم بن سام بن نوح، وكانوا عرباً من العارية يسكنون الحجر الذي بين الحجاز وتبوك، وقد مرَّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ذاهب إلى تبوك بمن معه من المسلمين ، كما سيأتي ذكره فى القصة

وكانوا بعد قوم عاد، وكانوا يعبدون الأصنام كأولئك، فبعث الله فيهم رجلاً منهم، وهو عبد الله ورسوله: صالح بن عبد بن ماسح بن عبيد بن حاجر بن ثمود بن عابر بن ارم بن سام بن نوح
فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وأن يخلعوا الأصنام والأنداد، ولا يشركوا به شيئاً، فآمنت به طائفة منهم، وكفر جمهورهم، ونالوا منه بالمقال والفعال وهموا بقتله، وقتلوا الناقة التي جعلها الله حجة عليهم، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر.

ذكر قصته مع قومه
والآن لنذكر قصتهم، وما كان من أمرهم، وكيف نجى الله نبيه صالحاً عليه السلام، ومن آمن به، وكيف قطع دابر القوم الذين ظلموا بكفرهم، وعتوهم ومخالفتهم رسولهم عليه السلام.
قد ذكرنا أنهم كانوا عرباً وكانوا بعد عاد، ولم يعتبروا بما كان من أمرهم، ولهذا قال لهم نبيهم عليه السلام:
{وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ}

أي: إنما جعلكم خلفاء من بعدهم، لتعتبروا بما كان أمرهم، وتعملوا بخلاف عملهم، وأباح لكم هذه الأرض تبنون في سهولها القصور، وتنحتون من الجبال بيوتاً فارهين، أي: حاذقين في صنعتها واتقانها وإحكامها، فقابلوا نعمة الله بالشكر والعمل الصالح، والعبادة له وحده لا شريك له، وإياكم ومخالفته، والعدول عن طاعته، فإن عاقبة ذلك وخيمة.

وقال لهم أيضاً: {... قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا...}.
أي: هو الذي خلقكم، فأنشأكم من الأرض، وجعلكم عمارها: أي أعطاكموها بما فيها من الزروع والثمار، فهو الخالق الرزاق، فهو الذي يستحق العبادة وحده لا سواه.
{فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} أي: أقلعوا عما أنتم فيه، وأقبلوا على عبادته فإنه يقبل منكم، ويتجاوز عنكم.
{إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ * قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَذَا}
أي: قد كنا نرجو أن يكون عقلك كاملاً قبل هذه المقالة، وهي دعاؤك إيانا إلى إفراد العبادة، وترك ما كنا نعبده من الأنداد، والعدول عن دين الآباء والأجداد.

ولهذا قالوا: {... أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ * قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فما تزيدونني غير تخسير فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ}

وهذا تلطف منه لهم في العبارة، ولين الجانب، وحسن تأت في الدعوة لهم إلى الخير، أي: فما ظنكم إن كان الأمر كما أقول لكم، وأدعوكم إليه، ماذا عذركم عند الله، وماذا يخلصكم بين يديه، وأنتم تطلبون مني أن أترك دعائكم إلى طاعته.
وأنا لا يمكنني هذا لأنه واجب علي، ولو تركته لما قدر أحد منكم، ولا من غيركم، أن يجيرني منه ولا ينصرني، فأنا لا أزال أدعوكم إلى الله وحده لا شريك له، حتى يحكم الله بيني وبينكم.

وقالوا له أيضاً: {إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ}
أي: من المسحورين، يعنون مسحوراً لا تدري ما تقول في دعائك إيانا إلى إفراد العبادة لله وحده، وخلع ما سواه من الأنداد. وهذا القول عليه الجمهور إن المراد بالمسحرين المسحورين.

وقولهم: {فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ}
سألوا منه أن يأتيهم بخارق يدل على صدق ما جاءهم.

قصة الناقة

قال: {قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ}
وقال: {قَدْ جَاءتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}

وقال تعالى: {وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا}.
وقد ذكر المفسرون أن ثمود اجتمعوا يوماً في ناديهم، فجاءهم رسول الله صالح فدعاهم إلى الله، وذكرهم، وحذرهم، ووعظهم، وأمرهم،
فقالوا له:
إن أنت أخرجت لنا من هذه الصخرة، وأشاروا إلى صخرة هناك ناقة من صفتها كيت وكيت، وذكروا أوصافاً سموها ونعتوها، وتعنتوا فيها، وأن تكون عشراء طويلة، من صفتها كذا وكذا.

فقال لهم النبي صالح عليه السلام: أرأيتم إن أجبتكم إلى ما سألتم على الوجه الذي طلبتم أتؤمنون بما جئتكم به وتصدقوني فيما أرسلت به.
قالوا: نعم، فأخذ عهودهم ومواثيقهم على ذلك، ثم قام إلى مصلاه فصلى لله عز وجل ما قدر له، ثم دعا ربه عز وجل أن يجيبهم إلى ما طلبوا.
فأمر الله عز وجل تلك الصخرة أن تنفظر عن ناقة عظيمة عشراء، على الوجه المطلوب الذي طلبوا
أو على الصفة التي نعتوا، فلما عاينوها كذلك، رأوا أمراً عظيماً، ومنظراً هائلاً، وقدرة باهرة، ودليلاً قاطعاً، وبرهاناً ساطعاً، فآمن كثير منهم، واستمر أكثرهم على كفرهم وضلالهم، وعنادهم.
ولهذا قال: {فَظَلَمُوا بِهَا} أي: جحدوا بها، ولم يتبعوا الحق بسببها أي: أكثرهم.

وكان رئيس الذين آمنوا: جندع بن عمرو بن محلاه بن لبيد بن جواس. وكان من رؤساهم، وهم بقية الأشراف بالإسلام، قصدهم ذؤاب بن عمر بن لبيد، والخباب صاحبا أوثانهم، ورباب بن صمعر بن جلمس ودعا جندع ابن عمه شهاب بن خليفة، وكان من أشرافهم، فهمَّ بالإسلام، فنهاه أولئك فمال إليهم.

ولهذا قال لهم صالح عليه السلام: {هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً}
أضافها لله سبحانه وتعالى إضافة تشريف وتعظيم، كقوله: بيت الله، وعبد الله.
{لَكُمْ آيَةً} أي: دليلاً على صدق ما جئتكم به.

{فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ}

فاتفق الحال على أن تبقى هذه الناقة بين أظهرهم، ترعى حيث شاءت من أرضهم، وترد الماء يوماً بعد يوم، وكانت إذا وردت الماء تشرب ماء البئر يومها ذلك، فكانوا يرفعون حاجتهم من الماء في يومهم لغدهم، ويقال: إنهم كانوا يشربون من لبنها كفايتهم.
ولهذا قال: {لها شرب، ولكم شرب يوم معلوم}

ولهذا قال تعالى: {إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ}
أي: اختبار لهم أيؤمنون بها أم يكفرون؟ والله أعلم بما يفعلون.
{فَارْتَقِبْهُمْ} أي: انتظر ما يكون من أمرهم، واصطبر على أذاهم فسيأتيك الخبر على جلية.

{وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ}
فلما طال عليهم الحال هذا، اجتمع ملؤهم واتفق رأيهم على أن يعقروا هذه الناقة ليستريحوا منها، ويتوفر عليهم ماؤهم، وزين لهم الشيطان أعمالهم.

قال الله تعالى: {فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ}

وكان الذي تولى قتلها منهم رئيسهم: قدار بن سالف بن جندع
وذكر ابن جرير وغيره من علماء المفسرين:
أن امرأتين من ثمود، اسم إحداهما: صدوق ابنة المحيا بن زهير بن المختار، وكانت ذات حسب ومال، وكانت تحت رجل من أسلم ففارقته، فدعت ابن عم لها يقال له: مصرع بن مهرج بن المحيا، وعرضت عليه نفسها إن هو عقر الناقة.

واسم الأخرى: عنيزة بنت غنيم بن مجلز، وتكنى أم عثمان، وكانت عجوزاً كافرة، لها بنات من زوجها ذؤاب بن عمرو، أحد الرؤساء، فعرضت بناتها الأربع على قدار بن سالف إن هو عقر الناقة، فله أي بناتها شاء.

فانتدب هذان الشابان لعقرها، وسعوا في قومهم بذلك، فاستجاب لهم سبعة آخرون، فصاروا تسعة، وهم المذكورون في قوله تعالى:
{وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ}
وسعوا في بقية القبيلة، وحسنوا لهم عقرها، فأجابوهم إلى ذلك، وطاوعوهم في ذلك، فانطلقوا يرصدون الناقة، فلما صدرت من وردها كمن لها مصرع فرماها بسهم، فانتظم عظم ساقها، وجاء النساء يزمرن القبيلة في قتلها، وحسرن عن وجوههن ترغيباً لهم.

فابتدرهم قدار بن سالف فشد عليها بالسيف، فكشف عن عرقوبها، فخرت ساقطة إلى الأرض، ورغت رغاة واحدة عظيمة تحذر ولدها، ثم طعن في لبتها فنحرها، وانطلق سقيها وهو فصيلها، فصعد جبلاً منيعاً ودعا ثلاثاً.

وروى عبد الرزاق، عن معمر، عمن سمع الحسن أنه قال: يا رب أين أمي؟ ثم دخل في صخرة فغاب فيها.
ويقال: بل اتبعوه فعقروه أيضاً

قال الله تعالى: {فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ * فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ}
وقال تعالى: {إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا * فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا}

عن عبد الله بن زمعة قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الناقة، وذكر الذي عقرها فقال: (({إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا} انبعث لها رجل من عارم، عزيز منيع في رهطه، مثل أبي زمعة)).
أي شهم عزيز، أي رئيس منيع أي مطاع في قومه.

عن عمار بن ياسر قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: ((ألا أحدثك بأشقى الناس؟)).
قال: بلى.
قال: ((رجلان أحدهما أحيمر ثمود الذي عقر الناقة، والذي يضربك يا علي على هذا - يعني قرنه - حتى تبتل منه هذه - يعني لحيته)).

وقال تعالى: {فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ}
فجمعوا في كلامهم هذا بين كفر بليغ من وجوه:
منها: أنهم خالفوا الله ورسوله في ارتكابهم النهي الأكيد في عقر الناقة التي جعلها الله لهم آية.
ومنها: أنهم استعجلوا وقوع العذاب بهم فاستحقوه من وجهين:
أحدهما: الشرط عليهم في قوله: {وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ} والثاني: استعجالهم على ذلك.
ومنها: أنهم كذبوا الرسول الذي قد قام الدليل القاطع على نبوته وصدقه، وهم يعلمون ذلك علماً جازماً، ولكن حملهم الكفر والضلال، والعناد على استبعاد الحق، ووقوع العذاب بهم.

قال الله تعالى: {فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} وذكروا أنهم لما عقروا الناقة كان أول من سطا عليها قدار بن سالف لعنه الله، فعرقبها فسقطت إلى الأرض، ثم ابتدروها بأسيافهم يقطعونها، فلما عاين ذلك سقيها - وهو ولدها - شرد عنهم، فعلا أعلى الجبل هناك، ورغا ثلاث مرات.
فلهذا قال لهم صالح: {تمتعوا في داركم ثلاثة أيام}

أي: غير يومهم ذلك، فلم يصدقوه أيضاً في هذا الوعد الأكيد، بل لمـّا أمسوا همّوا بقتله، وأرادوا فيما يزعمون أن يلحقوه بالناقة.
{قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ}
أي: لنكبسنه في داره مع أهله، فلنقتلنه ثم نجحدن قتله، وننكرن ذلك إن طالبنا أولياؤه بدمه.
ولهذا قالوا: {ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ}.

هلاك ثمود
وقال الله تعالى: {وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ * فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ}.

وذلك أن الله تعالى أرسل على أولئك النفر الذين قصدوا قتل صالح حجارة رضختهم، سلفاً وتعجيلاً قبل قومهم .
وأصبحت ثمود يوم الخميس، وهو اليوم الأول من أيام النظرة، ووجوههم مصفرة كما أنذرهم صالح عليه السلام، فلما أمسوا نادوا بأجمعهم: ألا قد مضى يوم من الأجل.
ثم أصبحوا في اليوم الثاني من أيام التأجيل، وهو يوم الجمعة ووجوههم! محمرة، فلما أمسوا نادوا ألا قد مضى يومان من الأجل.
ثم أصبحوا في اليوم الثالث من أيام المتاع، وهو يوم السبت، ووجوههم مسودة، فلما أمسوا نادوا ألا قد مضى الأجل.
فلما كان صبيحة يوم الأحد، تحنطوا وتأهبوا وقعدوا ينظرون ماذا يحل بهم من العذاب، والنكال، والنقمة، لا يدرون كيف يفعل بهم، ولا من أي جهة يأتيهم العذاب.
فلما أشرقت الشمس، جاءتهم صيحة من السماء من فوقهم، ورجفة شديدة من أسفل منهم، ففاضت الأرواح، وزهقت النفوس، وسكنت الحركات، وخشعت الأصوات، وحقت الحقائق، فأصبحوا في دارهم جاثمين جثثاً لا أرواح فيها، ولا حراك بها.

قالوا ولم يبق منهم أحد إلا جارية كانت مقعدة، واسمها كلبة - بنت السلق - ويقال لها: الذريعة، وكانت شديدة الكفر والعداوة لصالح عليه السلام، فلما رأت العذاب أطلقت رجلاها، فقامت تسعى كأسرع شيء، فأتت حياً من العرب فأخبرتهم بما رأت، وما حل بقومها واستسقتهم ماء، فلما شربت ماتت.
قال الله تعالى: {كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا} أي: لم يقيموا فيها في سعة ورزق وغناء.
{أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْداً لِثَمُودَ} أي: نادى عليهم لسان القدر بهذا.

عن جابر قال: لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر قال:
((لا تسألوا الآيات، فقد سألها قوم صالح فكانت - يعني الناقة - ترد من هذا الفج، وتصدر من هذا الفج فعتوا عن أمر ربهم فعقروها.
وكانت تشرب ماءهم يوماً، ويشربون لبنها يوماً، فعقروها فأخذتهم صيحة أهمد الله من تحت أديم السماء منهم إلا رجلاً واحداً كان في حرم الله)).
فقالوا: من هو يا رسول الله؟
قال: ((هو أبو رغال، فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه)).

عن بجير بن أبي بجير قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين خرجنا معه إلى الطائف فمررنا بقبر، فقال:
((إن هذا قبر أبي رغال، وهو أبو ثقيف؛ وكان من ثمود؛ وكان بهذا الحرم يدفع عنه، فلما خرج منه أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان فدفن فيه، وآية ذلك أنه دفن معه غصن من ذهب، إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه معه، فابتدره الناس فاستخرجوا منه الغصن)).
وهكذا رواه أبو داود، من طريق محمد بن إسحاق به.

وقوله تعالى: {فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ}
إخبار عن صالح عليه السلام أنه خاطب قومه بعد هلاكهم، وقد أخذ في الذهاب عن محلتهم إلى غيرها قائلاً لهم:

{يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ} أي: جهدت في هدايتكم بكل ما أمكنني، وحرصت على ذلك بقولي، وفعلي، ونيتي.
{وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ} أي: لم تكن سجاياكم تقبل الحق، ولا تريده، فلهذا صرتم إلى ما أنتم فيه من العذاب الأليم، المستمر بكم، المتصل إلى الأبد، وليس لي فيكم حيلة، ولا لي بالدفع عنكم يدان، والذي وجب عليّ من أداء الرسالة، والنصح لكم، قد فعلته وبذلته لكم، ولكن الله يفعل ما يريد.

عن ابن عباس قال: لما مر النبي صلى الله عليه وسلم بوادي عسفان حين حج قال:
((يا أبا بكر أي واد هذا؟))
قال: وادي عسفان.
قال: ((لقد مر به هود وصالح عليهما السلام، على بكرات خطمها الليف، أزرهم العباء، وأرديتهم النمار، يلبون يحجون البيت العتيق)) إسناد حسن.

مرور النبي بوادي الحجر من أرض ثمود عام تبوك

عن ابن عمر قال:
لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس على تبوك، نزل بهم الحجر عند بيوت ثمود، فاستقى الناس من الآبار التي كانت تشرب منها ثمود، فعجنوا منها، ونصبوا القدور
فأمرهم رسول الله فأهراقوا القدور، وعلفوا العجين الإبل
ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة، ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا، فقال:
((إني أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم، فلا تدخلوا عليهم)).

عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالحجر:
((لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين، إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، أن يصيبكم مثل ما أصابهم)).
أخرجاه في (الصحيحين) من غير وجه.

وفي بعض الروايات: أنه عليه السلام لما مر بمنازلهم، قنع رأسه، وأسرع راحلته، ونهى عن دخول منازلهم، إلا أن تكونوا باكين.

وفي رواية: ((فإن لم تبكوا فتباكوا، خشية أن يصيبكم مثل ما أصابهم)) صلوات الله وسلامه عليه.
عامر بن سعد رضي الله عنه قال:
لما كان في غزوة تبوك، فسارع الناس إلى أهل الحجر يدخلون عليهم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنادى في الناس الصلاة جامعة، قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو ممسك بعيره، وهو يقول:
((ما تدخلون على قوم غضب الله عليهم)).
فناداه رجل تعجب منهم يا رسول الله؟
قال: ((أفلا أنبئكم بأعجب من ذلك، رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم، وما هو كائن بعدكم، فاستقيموا وسددوا، فإن الله لا يعبأ بعذابكم شيئاً، وسيأتي قوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئاً)).
إسناد حسن ولم يخرجوه.
وقد ذكر أن قوم صالح كانت أعمارهم طويلة، فكانوا يبنون البيوت من المدر، فتخرب قبل موت الواحد منهم، فنحتوا لهم بيوتاً في الجبال. وذكروا أن صالحاً عليه السلام لما سألوه آية، فأخرج الله لهم الناقة من الصخرة، أمرهم بها وبالولد الذي كان في جوفها، وحذرهم بأس الله إن هم نالوها بسوء، وأخبرهم أنهم سيعقرونها، ويكون سبب هلاكهم ذلك

زياد علي

زياد علي محمد