الثلاثاء، 17 سبتمبر 2019

عمرو بن قيس بن زائدة رضي الله عنه


في المدينة اسمه عمرو بن قيس بن زائدة القرشي العامري و في العراق اسمه


عبدالله وفي النهاية اجتمعوا على أنه ابن قيس بن زائدة بن الأصم بن رواحة



نسبه
أمه أم مكتوم اسمها عاتكة بنت عبدالله بن عنكثة بن عامر بن مخزوم ، وهو ابن خال السيدة خديجة


بنت خويلد -رضي الله عنها- ، فأم خديجة هي فاطمة بنت زائدة الأصم وهي أخت قيس


إسلامه
أسلم بمكة قديماً وكان ضرير البصر ، هاجر إلى المدينة المنورة بعد مصعب بن عمير ،


قبل أن يهاجر الرسول -صلى الله عليه وسلم- إليها وقبل بدر قال البراء :


( أوّل من قدم علينا من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-


مُصعب بن عمير وابن أم مكتوم ، فجعلا يُقْرِئان النّاس القرآن )


عبس وتولى
كان النبـي -صلى الله عليه وسلم- جالساً مع رجال من قريش فيهم عُتبة بن ربيعة وناس من


وجوه قريش وهو يقول لهم :( أليس حسناً أن جئتُ بكذا وكذا ؟)فيقولون :( بلى والدماء !!)


فجاء ابن أم مكتوم وهو مشتغل بهم فسأله عن شيء فأعرض عنه


، وعبس بوجهه ، فأنزل الله تعالى مُعاتباُ رسوله الكريم

قال تعالى :"( عَبَـسَ وَتَولّـى ** أَن جآءَ هُ الأَعْمَـى ** وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّـى **
أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْـرى ** أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى ** فأنْتَ لَهُ تَصَـدَّى ** وَمَا عَلَيْكَ ألا يَزَّكّـَى
** وَأمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى ** وَهُوَ يَخْشَـى ** فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهّـَى ")سورة عبس (آيات 1-10 )
فلمّا نزلت الآية دعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ابن أم مكتوم فأكرمه



الآذان
كان ابن أم كلثوم يُؤذَّن للنبي -صلى الله عليه وسلم- بالمدينة مع بلال ، فقد كان بلال


يُؤذّن ويُقيم ابن أم مكتوم ، وربما أذن ابن أم مكتوم وأقام بلال ، وقال الرسول -صلى الله عليه وسلم-


:( إنَّ بلالاً يُنادي بليل ، فكلوا واشربوا حتى يُنادي ابن أم مكتوم )وبما أن


ابن أم مكتوم أعمى كان لا يُؤذن حتى يُقال له :( أصبحت أصبحت )


البصر
أتى جبريل -عليه السلام- رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعنده ابن أم مكتوم فقال :


( متى ذهب بصرُك ؟)قال :( وأنا غلام )فقال :( قال الله تبارك وتعالى


:( إذا ما أخذتُ كريمة عبدي لم أجِدْ له بها جزاءً إلا الجنة ))


اليهودية
نزل ابن أم مكتوم -رضي الله عنه- على يهودية بالمدينة ( عمّة رجل من الأنصار )


فكانت تخدمه وتؤذيه في الله ورسوله ، فتناولها فضربها فقتلها ، فرُفِعَ إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقا


ل :( أمّا والله يا رسول الله إن كانت لّتُرْفِقُني -تخدمني- ولكنها آذتني في الله ورسوله ، فضربتها فقتلتها )


فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :( أبعدها الله تعالى ، فقد أبطلتْ دَمَها )


المدينة


استخلفه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على المدينة ثلاث عشرة مرة ، في غزواته منها :
غزوة الأبواء وبواط ، وذو العسيرة ، وخروجه إلى جهينة في طلب كرز بن جابر ، وفي غزوة السويق ،
وغطفان وأحد وحمراء الأسد ، ونجران وذات الرقاع ، واستخلفه حين سار إلى بدر ،
ثم في مسيره إلى حجة الوداع ، وشهد فتح القادسية ومعه اللواء
وكان ابن أم مكتوم يُصلّي بالناس في عامّة غزوات رسول الله -صلى الله عليه وسلم-



القاعدون والمجاهدون
عندما نزل قوله تعالى

لا يَسْتوي القَاعِدونَ مِنَ المؤمنينَوالمجاهدونَ في سَبيلِ الله سورة النساء ( آية 95 )
قال عبد الله بن أم مكتوم :( أيْ ربِّ أَنْزِل عُذري )فأنزل الله
غَيْرُ أولِي الضَّرَرِ
فجُعِلَتْ بينهما وكان بعد ذلك يغزو فيقول :
( ادفعوا إليّ اللواء ، فإنّي أعمى لا أستطيع أن أفرّ ، و أقيموني بين الصّفَّين )



يوم القادسية
شهد ابن أم مكتوم فتح القادسية ومعه اللواء ، فقد كانت معه رايةٌ له


سَوْداء ، وعليه دِرْعٌ له سابغة ثم رجع ابن أم مكتوم إلى المدينة فمات بها

السلف في العيد .. حكم ومواقف

* في "التبصرة" لابن الجوزي (2/103):

ليس العيد ثوبًا يجر الخيلاء جره، ولا تناول مطعم بكف شرهٍ لا يؤمن شرّه، إنما العيد لبس توبة عاص تائب، يسر بقدوم قلب غائب.

** في "لطائف المعارف" (1/299):

مرَّ قوم براهب في دير، فقالوا له: متى عيد أهل هذا الدير؟

قال: يوم يغفر لأهله. ليس العيد لمن لبس الجديد، إنما العيد لمن طاعاته تزيد. ليس العيد لمن تجمل باللباس والركوب، إنما العيد لمن غفرت له الذنوب. في ليلة العيد تفرق خلق العتق والمغفرة على العبيد، فمن ناله منها شيء فله عيد، وإلا فهو مطرود بعيد.

** في "لطائف المعارف" (1/299):

- كان بعض العارفين ينوح على نفسه ليلة العيد بهذه الأبيات:

بحرمة غربتي كم ذا الصـدود *** ألا تعطـف عليَّ ألا تجـود

سرور العيد قد عم النواحـي *** وحـزني في ازدياد لا يبيـد

فإن كنت اقترفت خلال سوء *** فعذري في الهوى أن لا أعود

- وأنشد الشبلي:

ليس عيد المحب قصـد المصلى *** وانتظار الأمير والسلطـان

إنما العيد أن تكون لدى الحـ *** ب كريمًا مقربًا فـي أمـان

- وأنشد:

إذا ما كنت لي عيدًا *** فما أصنـع بالعيـد

جرى حبك في قلبي *** كجري الماء في العود

** في "لطائف المعارف" (1/299):

- قال الحسن: كل يومٍ لا يُعصى الله فيه فهو عيد، كل يوم يقطعه المؤمن في طاعة مولاه وذكره وشكره فهو له عيد.

** في "الورع" لابن أبي الدنيا ص63:

- قال وكيع: خرجنا مع سفيان الثوري في يوم عيد، فقال: إن أول ما نبدأ به في يومنا غضّ أبصارنا.

- قال محمد بن عبد الله الزراد: خرج حسان بن أبي سنان إلى العيد، فقيل له لما رجع: يا أبا عبد الله، ما رأينا عيدًا أكثر نساء منه. قال: ما تلقتني امرأة حتى رجعت.

- قال أبو حكيم: خرج حسان بن أبي سنان يوم العيد، فلما رجع قالت له امرأته: كم من امرأة حسنة قد نظرت اليوم إليها؟ فلما أكثرت عليه قال: ويحك! ما نظرتُ إلا في إبهامي منذ خرجت حتى رجعت إليكِ.

الزعيم الوطني ابراهيم هنانو

الزعيم الوطني إبراهيم هنانو
محمّد قجّة
لا مجال هنا للحديث عن الزعيم إبراهيم هنانو في أمور معروفة تتصل بحياته وتعليمه وجهاده المبكر ضد الاستعمار الفرنسي, ونهاية ثورته المفجعة, ولجوئه إلى الأردن, حيث سلمته سلطات الاستعمار البريطاني إلى أصدقائها الفرنسيين. وقصة محاكمته المثيرة, وبراءته, وانصرافه بعدها للعمل الوطني في إطاره السياسي, وهو إطار يتكامل ويتداخل مع الجهاد العسكري الذي رأيناه لدى يوسف العظمة والشيخ صالح العلي ورمضان شلاش ,وسواهم من أبطال الوطن .
ولا بد من الإشارة هنا إلى الظروف التي رافقت رحلة الزعيم هنانو إلى الجنوب قاصداً الأردن, بعد النهاية المأساوية لثورته. وقد أظهرت هذه المرحلة حوادث متباينة, بل ومتعاكسة في مسارها ونتائجها.
وفي الوقت الذي كانت فيه حفنة من المرتزقة صغار النفوس تطارد الزعيم خدمةً للمستعمر الفرنسي الأحمق الحاقد, كان هناك مواطنون شرفاء احتضنوا هنانو ووفّروا له المأوى وسبيل النجاة في طريقه إلى الأردن .
* * *
لم يكن اللجوء إلى العمل السياسي يعني نهاية الثورات في سورية, فلقد استمر الثوار في أداء واجبهم الوطني, وكبدوا قوات الاحتلال الفرنسي أفدح الخسائر, ومن أبرز هؤلاء الثوار : نجيب عويد ورفاقه, مصطفى الحاج حسين, الشيخ يوسف السعدون, نجيب سخيطة, فوزي القاوقجي, رمضان شلاش .. وسواهم .
وكانت الثورة السورية الكبرى بقيادة سلطان باشا الأطرش, والتي دامت سنتين 1925 ـ 1927. وكانت تمهيداً لمرحلة النضال الوطني السياسي .
الزعيم هنانو والنضال السياسي :
تبرز في هذا الميدان أسماء لامعة كانت تحيط بالزعيم هنانو, من أبرزهم سعد الله الجابري وفارس الخوري وعبد الرحمن الشهبندر وهاشم الأتاسي. وكان لكل منهم مواقفه المشرفة, وكان لكل منهم حصته من سجون العدو المظلمة .
في تلك الفترة شهدت البلاد مظاهرات وعصياناً مدنياً, وراحت السلطات الاستعمارية تقمع الحركات الشعبية بمنتهى الوحشية. فتداعى بعض الوطنيين إلى تأسيس الكتلة الوطنية لقيادة الأعمال النضالية والعمل السياسي الوطني. وكان من أبرز أعضائها : الزعيم إبراهيم هنانو, هاشم الأتاسي, سعد الله الجابري, جميل مردم, لطفي الحفار, حسني البرازي, توفيق الشيشكلي, مظهر رسلان .
وجرت انتخابات في 20 / 12 / 1931. وتم تزويرها بشكل فاضح, مما أدى إلى احتجاجات شعبية واسعة .
وفي ذكرى المولد النبوي الشريف وقف الزعيم هنانو يخطب في حلب يوم 29 / 7 / 1932 في جامع البرهمية في حي الجلوم. وكان مما جاء في خطابه :
" أيّها الإخوة : أطأطئ الرأس إجلالاً لذكرى النبي العظيم الذي جاء بالدعوة إلى السلام والحق والوئام .
لقد كان العرب المسلمون يجتمعون في الجوامع, وهذه الأماكن ليست للعبادة فقط ولكنها للنصح والإرشاد والاجتماع وإلقاء الخطب .
إليكم أيها الشباب أوجه كلامي, أنتم رجال المستقبل, إذا طأطأتم رؤوسكم أمام الظلم تكونون أنتم المسؤولين عن أعمال الظلم .
لا تقولوا بأنكم ضعفاء, فأنتم أقوياء بإيمانكم وإخلاصكم, فأنا أحرضكم على التمرد أمام الظالم. أحرضكم وأحرضكم . "
الكتلة الوطنية ودورها السياسي المحوري :
انعقدت الكتلة الوطنية يوم 4 / 11 / 1932 في مدينة حمص, وأقرت النظام الأساسي الذي جاءت فيه نقاط هامة, أبرزها :
غاية الكتلة تحرير البلاد السورية من كل سلطة أجنبية. والعمل على تأمين الاتحاد بين الأقطار العربية. وتأمين الحرية والمساواة للمواطنين بشتى أعراقهم وطوائفهم. ومتابعة الجهاد حتى التحرير الكامل .
وتشكلت الكتلة من عدد من الهيئات منها :
المكتب الدائم. ومجلس الكتلة, والمؤتمر العام .
وأبرز هذه الهيئات المكتب الدائم, وتألف من :
-إبراهيم هنانو زعيماً
-هاشم الأتاسي رئيساً
-سعد الله الجابري نائباً للرئيس
أما مجلس الكتلة فتألف من 44 شخصية وطنية, أضيف إليهم شخصيات أخرى عددها 12 منها شخصيات من لبنان.
وكان هذا المجلس يمثل كل أرجاء سورية والتيارات الوطنية والفكرية والسياسية الشريفة فيها.
لم تتوقف المظاهرات وأعمال العصيان المدني, وفي إحدى مظاهرات حلب يوم 17 / 8 / 1933 قام بعض أعوان الاستعمار بضرب السيد طارق هنانو نجل الزعيم إبراهيم. وأدى الضرب المبرّح إلى مرض عصبي دائم لدى طارق الذي نجا من الموت بأعجوبة .
وحينما عرف الزعيم هنانو بالحادث قال : ليس طارق إلا واحداً من أبناء هذا الشعب .
* * *
بدأ المرض والإرهاق يلوح على الزعيم هنانو, واشتد به المرض منذ 19 / 6 / 1934 وأقام الزعيم مدة في جبل الاربعين في أريحا طلباً للاستجمام. ورغم مرضه كان يتابع أمور الوطن ويلتقي رجال السياسة.
وحينما حل يوم 21/ 11 / 1935 لبى إبراهيم هنانو نداء ربه . وخرجت مدينة حلب بأجمعها تشيع جثمان الزعيم إلى مثواه الأخير يوم 23 / 11. في مشهد لم تر مدينة حلب له مثيلاً. ولا يزال ضريحه العظيم مزاراً يقصده أبناء الوطن, وإلى جانبه رفيق نضاله سعد الله الجابري, وضريح الجندي المجهول .
رحمك الله يا أبا طارق .. يا شيخ المجاهدين وزعيم التحرر الوطني .

سعيد بن المسيب ... لمحات من حياته !!


حياته في عبارات موجزة :-
أما أبو محمد سعيد بن المسيب بن حزن المخزومي؛ كان من الممتحنين، امتحن فلم تأخذه في الله لومة لائم، صاحب عبادة وجماعة وعفة وقناعة، وكان كاسمه بالطاعات سعيداً، ومن المعاصي والجهالات بعيداً.

مفهومه للعبادة :-
عن بكر بن خنيس، قال: قلت لسعيد بن المسيب وقد رأيت أقواماً يصلون ويتعبدون: يا أبا محمد ألا تتعبد مع هؤلاء القوم? فقال لي: يا ابن أخي إنها ليست بعبادة، قلت له: فما التعبد يا أبا محمد? قال: التفكر في أمر الله والورع عن محارم الله وأداء فرائض الله تعالى.
عن صالح بن محمد بن زائدة: أن فتية من بني ليث كانوا عباداً وكانوا يروحون بالهاجرة إلى المسجد ولا يزالون يصلون حتى يصلي العصر، فقال صالح لسعيد: هذه هي العبادة لو نقوى على ما يقوى عليه هؤلاء الفتيان، فقال سعيد: ما هذه العبادة ولكن العبادة التفقه بالدين والتفكر في أمر الله تعالى

حرصه على الصلاة في جماعة :-.
عن سعيد بن المسيب، قال: من حافظ على الصلوات الخمس في جماعة فقد ملأ البر والبحر عبادة.
عن سعيد بن المسيب: أنه اشتكى عينيه فقيل له: يا أبا محمد، لو خرجت إلى العقيق فنظرت إلى الخضرة فوجدت ريح البرية لنفع ذلك بصرك، فقال سعيد: فكيف أصنع بشهود العتمة والصبح?.
عن سعيد بن المسيب أنه قال: ما فاتتني الصلاة في الجماعة منذ أربعين سنة.
حدثنا سفيان بن أبي سهل وهو عثمان بن أبي حكيم قال: سمعت سعيد بن المسيب، يقول: ما أذن المؤذن منذ ثلاثين سنة إلا وأنا في المسجد.
عن ميمون بن مهران: أن سعيد بن المسيب مكث أربعين سنة لم يلق القوم قد خرجوا من المسجد وفرغوا من الصلاة.
عن برد مولى بن المسيب، قال: ما نودي للصلاة منذ أربعين سنة إلا وسعيد في المسجد.
عن إسماعيل بن أمية، عن سعيد بن المسيب، قال: ما دخل على وقت صلاة إلا وقد أخذت أهبتها، ولا دخل على قضاء فرض إلا وأنا إليه مشتاق.
عن قتادة، قال: قال سعيد بن المسيب ذات يوم: ما نظرت في أقفاء قوم سبقوني بالصلاة منذ عشرين سنة.
عن الأوزاعي، قال: كانت لسعيد بن المسيب فضيلة لا نعلمها كان لأحد من التابعين، لم تفته الصلاة في جماعة أربعين سنة عشرين منها لم ينظر في أقفية الناس.
حدثنا عبد المنعم بن إدريس، عن أبيه، قال: صلى سعيد بن المسيب الغداة بوضوء العتمة خمسين سنة. وقال سعيد بن المسيب: ما فاتتني التكبيرة الأولى منذ خمسين سنة، وما نظرت في قفا رجل في الصلاة منذ خمسين سنة.
حدثنا خالد بن داود يعني بن أبي هند عن سعيد بن المسيب، قال: وسألته ما يقطع الصلاة? قال: الفجور ويسترها التقوى

حرصه على الصوم :-.
حدثنا يزيد بن أبي حازم: أن سعيد بن المسيب كان يسرد الصوم.

حرصه على الحج :-
عن ابن حرملة، قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: لقد حججن أربعين حجة

نظرته إلى النفس :-.
حدثنا عمران بن عبد الله بن طلحة الخزاعي، قال: أن نفس سعيد بن المسيب كانت أهون عليه في ذات الله من نفس ذباب. أعطاهم حدثنا الحسن بن عبد الله بن سعيد، قال: حدثنا محمد بن عمرو بن سعيد البصري، قال: حدثنا محمد بن زكريا، قال: حدثنا عبد الله بن محمد،، قال: حدثنا سعيد بن المسيب، قال: ما أكرمت العباد أنفسها بمثل طاعة الله عز وجل، ولا أهانت أنفسها بمثل معصية الله، وكفى بالمؤمن نصرة من الله أن يرى عدوه يعمل بمعصية الله.
حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن جريج أن عبيد الله بن عبد الرحمن أخبره، أنه سمع سعيد بن المسيب، يقول: يد الله فوق عباده فمن رفع نفسه وضعه الله، ومن وضعها رفعه الله. الناس تحت كنفه يعملون أعمالهم فإذا أراد الله فضيحة عبد أخرجه من تحت كنفه فبدت للناس عورته

خشيته من الله :-.
عن يحيى بن سعيد: أن سعيد بن المسيب كان يكثر أن يقول في مجلسه اللهم سلم سلم.

حرصه على قراءة القرآن :-
عن ابن حرملة، قال: حفظت صلاة ابن المسيب وعمله بالنهار، فسألت مولاه عن عمله بالليل، فأخبرني فقال: وكان لا يدع أن يقرأ بصاد والقرآن كل ليلة، فسألته عن ذلك فأخبرني فقال: أن رجلاً من الأنصار صلى إلى شجرة فقرأ بصاد فلما مر بالسجدة سجد وسجدت الشجرة معه فسمعها تقول: اللهم أعطني بهذه السجدة أجراً، وضع عني بها وزراً، وارزقني بها شكراً، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود.

حرصه على الدعوة إلى الله :-.
أخبرنا علي بن زيد بن جدعان، قال: قيل لسعيد بن المسيب: ما شأن الحجاج لا يبعث إليك ولا يهيجك ولا يؤذيك، قال: والله لا أدري غير أنه صلى ذات يوم مع أبيه صلاة فجعل لا يتم ركوعها ولا سجودها فأخذت كفاً من حصباء فصحبته بها. قال الحجاج: فما زلت أحسن الصلاة

تفسيره للقرآن الكريم :-.
عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب أنه كان للأوابين غفوراً، قال: الذي يذنب ثم يتوب ثم يذنب ثم يتوب ولا يعود في شيء قصداً. .

خوفه من فتنة النساء :-.
عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، أنه قال: قد بلغت ثمانين سنة وما شيء أخوف عندي من النساء.
عن ابن زيد، عن سعيد بن المسيب أنه قال: قد بلغت ثمانين سنة ولا شيء أخوف عندي من النساء وكان بصره قد ذهب.
عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب قال: ما أيس من الشيطان من شيء إلا أتاه من قبل النساء، وقال: أخبرنا سعيد وهو ابن أربع وثمانين وقد ذهبت إحدى عينيه وهو يعشو بالأخرى: ما شيء أخوف عندي من النساء.
.
نظرته للزواج والمهر :-.
عن إبراهيم ابن عبد الله الكتاني، أن سعيد بن المسيب زوج ابنته بدرهمين.
عن ابن أبي وداعة، قال: كنت أجالس سعيد بن المسيب ففقدني أياماً فلما جئته قال: أين كنت? قال: توفيت أهلي فاشتغلت بها، فقال: ألا أخبرتنا فشهدناها، قال: ثم أردت أن أقوم فقال: هل استحدثت امرأة، فقلت: يرحمك الله ومن يزوجني وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة، فقال: أنا، فقلت: أو تفعل، قال: نعم، ثم حمد الله تعالى وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم وزوجني على درهمين أو قال: ثلاثة قال: فقمت ولا أدري ما أصنع من الفرح فصرت إلى منزلي وجعلت أتفكر ممن آخذ وممن أستدين فصليت المغرب وانصرفت إلى منزلي واسترحت وكنت وحدي صائماً فقدمت عشائي أفطر كان خبزاً وزيتاً، فإذا بآت يقرع، فقلت: من هذا? قال: سعيد، قال: فتفكرت في كل إنسان اسمه سعيد إلا سعيد بن المسيب فإنه لم ير أربعين سنة إلا بين بيته والمسجد فقمت فخرجت فإذا سعيد بن المسيب فظننت أنه بدا له، فقلت: يا أبا محمد إلا أرسلت إلي فآتيك، قال: لأنت أحق أن يؤتى، قال: قلت: فما تأمر، قال: إنك كنت رجلاً عزباً فتزوجت فكرهت أن تبيت الليلة وحدك وهذا امرأتك فإذا هي قائمة من خلفه في طوله، ثم أخذها بيدها فدفعها بالباب ورد بالباب فسقطت المرأة من الحياء فاستوثقت من الباب ثم قدمتها إلى القصة التي فيها الزيت والخبز فوضعتها في ظل السراج لكي لا تراه ثم صعدت إلى السطح فرميت الجيران، فجاءوني فقالوا: ما شأنك? قلت: ويحكم زوجني سعيد بن المسيب ابنته اليوم وقد جاء بها على غفلة، فقالوا: سعيد بن المسيب زوجك? قلت: نعم، وهاهي في الدار، قال: فنزلوا هم إليها وبلغ أمي فجاءت، وقالت: وجهي من وجهك حرام إن مسستها قبل أن أصلحها إلى ثلاثة أيام، قال: فأقمت ثلاثة أيام ثم دخلت بها فإذا هي من أجمل الناس، وإذا هي من أحفظ الناس لكتاب الله وأعلمهم لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعرفهم بحق الزوج، قال: فمكثت شهراً لا يأتيني سعيد ولا آتيه، فلما كان قرب الشهر أتيت سعيداً وهو في حلقته فسلمت عليه فرد علي السلام ولم يكلمني حتى تقوض أهل المجلس فلما لم يبق غيري، قال: ما حال ذلك الإنسان، قلت: خيراً يا أبا محمد على ما يحب الصديق ويكره العدو، قال: إن رابك شيء فالعصا فانصرفت إلى منزلي فوجه إلي بعشرين ألف درهم، قال عبد الله بن سليمان: وكانت بنت سعيد بن المسيب خطبها عبد الملك بن مروان لابنه الوليد بن عبد الملك حين ولاه العهد فأبى سعيد أن يزوجه فلم يزل عبد الملك يحتال على سعيد حتى ضربه مائة سوط في يوم بارد وصب عليه جرة ماء وألبسه جبة صوف. قال عبد الله: وابن أبي وداعة هذا هو كثير بن عبد المطلب بن أبي وداعة

هو والدعاء :-.
حدثنا الهيثم بن علي، قال: حدثنا يحيى بن سعيد بن المسيب، قال سعيد: دخلت المسجد ليلة أضحيان، قال: وأظن أن قد أصبحت فإذا الليل على حاله فقمت أصلي فجلست أدعو فإذا هاتف يهتف من خلفي يا عبد الله قل، ما أقول? قال: قل: اللهم إني أسألك بأنك مالك الملك وأنك على كل شيء قدير وما تشأ من أمر يكن . قال سعيد: فما دعوت بها قط بشيء إلا رأيت نجحه

أدبه مع رسول الله :-.
حدثنا يعقوب بن المسيب، قال: دخل المطلب بن حنظب على سعيد بن المسيب في مرضه وهو مضطجع فسأله عن حديث، فقال: أقعدوني فأقعدوه، قال: إني أكره أن أحدث حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مضطجع
.

هو والحاكم في عصره :-
عن ميمون بن مهران: أن عبد الملك بن مروان قدم المدينة فاستيقظ من قائلته فقال لحاجبه: انظر هل ترى في المسجد أحداً من حداثي فلم يرى فيه إلا سعيد بن المسيب، فأشار إليه بإصبعه فلم يتحرك سعيد، ثم أتاه الحاجب فقال: ألم ترى أني أشير إليك? قال: وما حاجتك? فقال: استيقظ أمير المؤمنين، فقال: انظر هل ترى في المسجد أحداً من حداثي، فقال إليه سعيد، لست من حداثه، فخرج الحاجب فقال: ما وجدت في المسجد إلا شيخاً أشرت إليه فلم يقم، قلت له: إن أمير المؤمنين استيقظ وقال لي انظر هل ترى أحداً من حداثي، قال: إني لست من حداث أمير المؤمنين. قال عبد الملك بن مروان: ذلك سعيد بن المسيب دعه
حدثنا عمران بن عبد الله، قال: دعي سعيد بن المسيب للبيعة للوليد وسليمان بعد عبد الملك بن مروان، قال: فقال: لا أبايع اثنين ما اختلف الليل والنهار، قال: فقيل: أدخل من الباب وأخرج من الباب الآخر، قال: والله لا يقتدي بي أحد من الناس، قال: فجلده مائة وألبسه المسوح
عن أبي عيسى الخراساتي، عن سعيد بن المسيب، قال: لا تملئوا أعينكم من أعوان الظلمة إلا بإنكار من قلوبكم لكي لا تحبط أعمالكم الصالحة.
.
حدثنا رجاء بن جميل الأيلي، قال: قال عبد الرحمن بن عبد القارئ لسعيد بن المسيب حين قدمت البيعة للوليد وسليمان بالمدينة بعد موت أبيهما: إني مشير عليك بخصال ثلاث، قال: وما هي? قال: تغير مقامك فإنك هو وحيث يراك هشام بن إسماعيل، قال: ما كنت لأغير مقاماً قمته منذ أربعين سنة، قال: تخرج معتمراً، قال: ما كنت لأنفق مالي وأجهد بدني في شيء ليس له فيه نية، قال: فما الثالثة? قال: تبايع، قال: أرأيت إن كان الله أعمى قلبك كما أعمى بصرك فما علي? قال وكان أعمى، قال رجاء: فدعاه هشام إلى البيعة فأبى فكتب فيه إلى عبد الملك فكتب إليه عبد الملك: مالك ولسعيد ما كان علينا منه شيء نكرهه فأما إذ فعلت فاضربه ثلاثين سوطاً وألبسه تبان شعر وأوقفه للناس لئلا يقتدي به الناس. فدعاه هشام فأبى وقال: لا أبايع لاثنين، قال: فضربه ثلاثين سوطاً وألبسه تبان شعر وأوقفه للناس، قال رجاء: حدثني الأيليون الذين كانوا في الشرط بالمدينة، قالوا: علمنا أنه لا يلبس التبان طائعاً، قلنا: يا أبا محمد إنه القتل فاستر عورتك، قال: فلبسه، فلما ضرب قلنا له: إنا خدعناك، قال: يا معجلة أهل أيلة لولا أني ظننت أنه القتل ما لبسته. لفظ الحسن بن عبد العزيز.
عن هشام بن زيد، قال: رأيت سعيد بن المسيب حين ضرب في تبان من شعر.
عن قتادة، قال: أتيت سعيد بن المسيب وقد ألبس تبان شعر وأقيم في الشمس، فقلت لقائدي: أدنني منه فأدناني منه فجعلت أسأله خوفاً من أن يفوتني وهو يحييني حسبة والناس يتعجبون.
عن يحيى بن سعيد، قال: كتب والي المدينة إلى عبد الملك بن مروان أن أهل المدينة قد أطبقوا على البيعة للوليد وسليمان إلا سعيد بن المسيب، فكتب أن أعرضه عن السيف فإن مضى وإلا فاجلده خمسين جلدة وطف به أسواق المدينة فلما قدم الكتاب على الوالي دخل سليمان بن يسار وعروة بن الزبير وسالم بن عبد الله على سعيد بن المسيب، فقالوا: إنا قد جئناك في أمر قد قدم فيك كتاب من عبد الملك بن مروان إن لم تبايع ضربت عنقك، ونحن نعرض عليك خصالاً ثلاثاً فأعطنا إحداهن فإن الوالي قد قبل منك أن يقرأ عليك الكتاب فلا تقل لا ولا نعم، قال: فيقول الناس بايع سعيد بن المسيب. ما أنا بفاعل، قال: وكان إذا قال لا لم يطيقوا عليه أن يقول نعم، قال: مضت واحدة وبقيت اثنتان قالوا: فتجلس في بيتك فلا تخرج إلى الصلاة أياماً فإنه يقبل منك إذا طلبت في مجلسك فلم يجدك، قال: وأنا أسمع الأذان فوق أذني حي على الصلاة حي على الفلاح ما أنا بفاعل، قالوا مضت اثنتان وبقيت واحدة قالوا: فانتقل من مجلسك إلى غيره فإنه يرسل إلى مجلسك فإن لم يجدك أمسك عنك، قال: فرقا لمخلوق ما أنا بمتقدم لذلك شبراً، ولا متأخر شبراً، فخرجوا وخرج إلى الصلاة صلاة الظهر فجلس في مجلسه الذي كان يجلس فيه فلما صلى الوالي بعث إليه فأتى به فقال: إن أمير المؤمنين كتب يأمرنا إن لم تبايع ضربنا عنقك، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيعتين. فلما رآه لا يجيب أخرج إلى السدة فمدت عنقه وسلت عليه السيوف فلما رآه قد مضى أمر به فجرد فإذا عليه تبان شعر، فقال: لو علمت أني لا أقتل ما اشتهرت بهذا التبان فضربه به خمسين سوطاً ثم طاف به أسواق المدينة فلما رده والناس منصرفون من صلاة العصر، قال: إن هذه لوجوه ما نظرت إليها منذ أربعين سنة قال محمد بن القاسم: وسمعت شيخنا يزيد في حديث سعيد بإسناد لا أحفظه أن سعيداً لما جرد ليضرب، قالت له امرأة: لما جرد ليضرب إن هذا لمقام الخزي، فقال لها سعيد: من مقام الخزي فررنا.
عن عبد الله بن القاسم، قال: جلست إلى سعيد بن المسيب فقال إنه قد نهي عن مجالستي، قال: قلت: إني رجل غريب، قال: إنما أحببت أن أعلمك
عن عبد الرحمن بن حرملة، قال: ما كان إنسان يجترئ على سعيد بن المسيب يسأله عن شيء حتى يستأذنه كما يستأذن الأمير.

نظرته إلى الدنيا والمال :-.
حدثنا سفيان بن عيينة، قال: قال سعيد بن المسيب: أن الدنيا نذلة، وهي إلى كل نذل أميل، وأنذل منها من أخذها بغير حقها، وطلبها بغير وجهها، ووضعها في غير سبيلها.
حدثني يحيى بن سعيد، قال: سمعت سعيد بن المسيب، يقول: لا خير فيمن لا يريد جمع المال من حله يعطي منه حقه ويكف به وجه عن الناس.
عن يحيى ابن سعيد، عن سعيد بن المسيب، قال: لا خير فيمن لا يحب هذا المال يصل به رحمه ويؤدي به أمانته ويستغني به عن خلق ربه.
عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب: أنه مات وترك ألفين أو ثلاثة آلاف دينار وقال: ما تركتها إلا لأصون بها ديني وحسبي.
رواه الثوري عن يحيى بن سعيد، عن سعيد، وقال: ترك مائة دينار، وقال: أصون بها ديني وحسبي.
عن محمد بن عبد الله بن أخي الزهري، عن عمه، عن سعيد المسيب، قال: من استغنى بالله افتقر الناس إليه.
حدثنا علي بن زيد، قال: رآني سعيد بن المسيب وعلي جبة خز، فقال: إنك لجيد الجبة، قلت: وما تغني عني وقد أفسدها علي سالم، فقال سعيد: أصلح قلبك والبس ما شئت.

ومن مسانيد حديثه:
عن سعيد بن المسيب، قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه على هذا المنبر يعني منبر المدينة إني أعلم أقواماً سيكذبون بالرجم، ويقولون: ليس في القرآن ولو لا أني أكره أن أزيد في القرآن لكتبت في آخر ورقة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رجم ورجم أبو بكر وأنا رجمت، رواه يحيى بن سعيد، عن سعيد مثله.
أخبرنا يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يذكر أن عمر، قال: إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم فذكر نحوه.
عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أول ما يرفع من الأمة الأمانة وآخر ما يبقى الصلاة ورب مصل لا خير فيه .
حدثنا عبد الله بن عبد الله الأموي، قال: حدثنا الحسن بن الحر، قال: سمعت يعقوب بن عتبة بن الأخنس، يقول: سمعت سعيد بن المسيب، يقول: سمعت عمر بن الخطاب، يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: من اعتز بالعبيد أزله الله .
عن ابن شهاب الزهري، عن أحمد بن المسيب، عن عثمان بن عفان، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: إذا سمعتم النداء فقوموا فإنها عزمة من الله .
عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، أنه قال لفاطمة رضي الله تعالى عنها: ما خير للنساء? قالت: أن لا يرين الرجال ولا يروهن، فذكره للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنما فاطمة بضعة مني .
عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: من اتقى الله عاش قوياً وسار في بلاده آمناً .
عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أدخل فرساً بين فرسين وهو لا يأمن أن يسبق فهو قمار .
عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عمار بن ياسر، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: حسن الخلق خلق الله الأعظم .
عن الزهري، عن سعيد ابن المسيب، عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال لي جبريل لبيك الإسلام على موت عمر رضي الله تعالى عنه .
حدثنا الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن لكل شيء شرفاً يتباهون به وإن بهاء أمتي وشرفها القرآن

فضائل الصحابة رضي الله عنهم

صيد الفوائد


الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد : " فإن أولى ما نظر فيه الطالب ، وعني به العالم بعد كتاب الله -عز وجل- سنن رسوله -صلى لله عليه وآله وسلم- فهي المبيِّنة لمراد الله -عز وجل- من مجملات كتابه ، والدالة على حدوده ، والمفسرة له ، والهادية إلى الصراط المستقيم صراط الله مَن اتبعها اهتدى ،ومن سُلبها ضل وغوى وولاه الله ما تولى ، ومِن أَوكد آلات السنن المعينة عليها ، والمؤدية إلى حفظها معرفة الذين نقلوها عن نبيهم -صلى الله عليه وآله وسلم- إلى الناس كافة ، وحفظوها عليه ،وبلغوها عنه ، وهم صحابته الحواريون الذين وعوها وأدوها ناصحين محسنين حتى أكمل بما نقلوه الدين ، وثبت بهم حجة الله -تعالى -على المسلمين فهم خير القرون ، وخير أمة أخرجت للناس ثبتت عدالة جميعهم بثناء الله عز وجل عليهم ، وثناء رسوله -عليه السلام- ، ولا أعدل ممن ارتضاه الله لصحبة نبيه ونصرته ، ولا تزكية أفضل من ذلك ، ولا تعديل أكمل منه قال الله تعالى ذكره ( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُود)( الفتح: 29) " [1]

" والصحابة أبر هذه الأمة قلوبا ، وأعمقها علما ، وأقلها تكلفا ، وأقومها هديا ، وأحسنها حالا اختارهم الله لصحبة نبيه -صلى الله عليه وسلم- وإقامة دينه " . كما قاله ابن مسعود _رضي الله عنه_ [2] . "فحبهم سنة والدعاء لهم قربة والإقتداء بهم وسيلة والأخذ بآثارهم فضيلة "[3]

وهم صفوة خلق الله تعالى بعد النبيين -عليهم الصلاة والسلام- فعن ابن عباس _رضي الله عنهما_ في قول الله عز وجل ( قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى ) (النمل:59) قال : أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- [4].

وقال سفيان في قوله عز وجل ( الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ)(الرعد: 28) قال : هم أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- .[5]

وعن وهب بن منبه -رحمه الله -في قوله تعالى ( بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ) (عبس:16) قال هم أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم-[6].

وقال قتادة في قوله تعالى ( يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِه)(البقرة:121) هم أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -آمنوا بكتاب الله وعملوا بما فيه [7].

وقال ابن مسعود _رضي الله عنه_ " إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد -صلى الله عليه وسلم- خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته ، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوبَ أصحابهِ خيرَ قلوبِ العبادِ فجعلهم وزراءَ نبيهِ يُقاتِلون على دينه " [8] والصحابي هنا هو مَن لقي النبي -صلى الله عليه وسلم - مؤمنا به ، ومات على ذلك . فقد جاء في حديث قيلة العنبرية -رضي الله عنها- : خرجت أبتغي الصحابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم [9] .

وقد ورد في فضلهم آيات وأحاديث كثيرة منها : قوله تعالى ( وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة:100)

وقال تعالى ( لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً) (الفتح:18)

وقال تعالى ( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً) (الفتح : 29)

وفي آيات عديدة ذكرهم الله تعالى وترضى عنهم .

ومما جاء في السنة :

عن أبي هريرة _رضي الله عنه_ قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ( لا تسبوا أصحابي لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه ) [10] " وسبب تفضيل نفقتهم أنها كانت في وقت الضرورة ، وضيق الحال بخلاف غيرهم ، ولأن إنفاقهم كان في نصرته -صلى الله عليه وسلم- ، وحمايته ، وذلك معدوم بعده ، وكذا جهادهم وسائر طاعتهم ، وقد قال تعالى ( لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً )(الحديد:10) وهذا كله مع ما كان فيهم في أنفسهم من الشفقة ، والتودد ، والخشوع ، والتواضع ، والإيثار ، والجهاد في الله حق جهاده ، وفضيلة الصحبة ولو لحظة لا يوازيها عمل ، ولا ينال درجتها بشيء ، والفضائل لا تؤخذ بقياس ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء " ا.هـ [11]

وقال البيضاوي _رحمه الله تعالى_ : " معنى الحديث لا ينال أحدكم بإنفاق مثل أحد ذهبا من الفضل والأجر ما ينال أحدهم بإنفاق مد طعام أو نصيفه ، وسبب التفاوت ما يقارن الأفضل من مزيد الإخلاص ، وصدق النية ) ا.هـ [12] " مع ما كانوا من القلة ، وكثرة الحاجة والضرورة " [13] وقيل " السبب فيه أن تلك النفقة أثمرت في فتح الإسلام ، وإعلاء كلمة الله ما لا يثمر غيرها ، وكذلك الجهاد بالنفوس لا يصل المتأخرون فيه إلى فضل المتقدمين لقلة عدد المتقدمين ، وقلة أنصارهم فكان جهادهم أفضل ، ولأن بذل النفس مع النصرة ، ورجاء الحياة ليس كبذلها مع عدمها " ا.هـ [14] .

ومما جاء في فضلهم -رضي الله عنهم- حديث ابن مسعود _رضي الله عنه_ عن النبي -صلى الله عليه وسلم - قال : ( خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ) [15] " وإنما صار أول هذه الأمة خير القرون ؛ لأنهم آمنوا به حين كفر الناس ، وصدقوه حين كذبه الناس ، وعزروه ، ونصروه ، وآووه ، وواسوه بأموالهم وأنفسهم ، وقاتلوا غيرهم على كفرهم حتى أدخلوهم في الإسلام " ا.هـ [16] .

ومما جاء في فضلهم ما رواه أبو بردة _رضي الله عنه_ قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم - (النجوم أمنة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد ، وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون ، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون ) [17]" وهو إشارة إلى الفتن الحادثة بعد انقراض عصر الصحابة من طمس السنن وظهور البدع وفشو الفجور في أقطار الأرض " [18] .

وها هو أمير المؤمنين علي _رضي الله عنه_ يصف حال الصحابة فعن أبي راكة قال : صليت خلف علي صلاة الفجر فلما سلم انفلت عن يمينه ثم مكث كأن عليه الكآبة حتى إذا كانت الشمس على حائط المسجد قيد رمح قال : لقد رأيت أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- فما أرى اليوم شيئا يشبههم كانوا يصبحون ضمرا شعثا غبرا بين أعينهم أمثال ركب المعزى قد باتوا لله سجدا وقياما يتلون كتاب الله ويراوحون بين جباههم وأقدامهم فإذا أصبحوا ذكروا الله مادوا كما تميد الشجر في يوم الريح فهملت أعينهم حتى تبتل ثيابهم .[19]

الوعيد الشديد فيمن آذى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم

عن عبد الله بن مغفل المزني _رضي الله عنه_ قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ( الله الله في أصحابي الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله تبارك وتعالى ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه ) [20] قال المناوي _رحمه الله تعالى_ " ( الله الله في حق أصحابي ) أي اتقوا الله فيهم ، ولا تلمزوهم بسوء ، أو اذكروا الله فيهم وفي تعظيمهم وتوقيرهم ، وكرره إيذانا بمزيد الحث على الكف عن التعرض لهم بمنقص ( لا تتخذوهم غرضا ) هدفا ترموهم بقبيح الكلام كما يرمى الهدف بالسهام هو تشبيه بليغ ( بعدي ) أي بعد وفاتي " ا.هـ ( [21] .

وعن ابن عباس _رضي الله عنهما_ قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ( مَن سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ) [22] .

موقف السلف الصالح من الصحابة الكرام

لقد عرف السلف الصالح فضل الصحابة الكرام وبيَّنوا ذلك وردوا على كل من أراد انتقاصهم _رضي الله عنهم_ قال ابن عمر _رضي الله عنهما_ " لا تسبوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فلمقام أحدهم ساعة خير من عمل أحدكم عُمره " [23].

وجاء رجل إلى عبد الله بن المبارك وسأله أمعاوية أفضل أو عمر بن عبد العزيز فقال " لتراب في منخري معاوية مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خير وأفضل من عمر بن عبد العزيز " [24].

وجاء رجل إلى الإمام أبي زرعة الرازي -رحمه الله- فقال : يا أبا زرعة أنا أبغض معاوية . قال : لِمَ ؟ قال : لأنه قاتَل عليا . فقال أبو زرعة : إن ربَّ معاوية ربٌّ رحيم وخصمَ معاوية خصمٌ كريم فما دخولك أنت بينهما _رضي الله عنهم_ أجمعين [25] .

وقال الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- " إذا رأيت رجلا يذكر أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بسوء فاتهمه على الإسلام " [26] وقال –رحمه الله تعالى- " لا يجوز لأحد أن يذكر شيئا من مساويهم ولا يطعن على أحد منهم بعيب ولا نقص فمن فعل ذلك فقد وجب على السلطان تأديبه وعقوبته ليس له أن يعفو عنه بل يعاقبه ويستتيبه فان تاب قبل منه وإن ثبت أعاد عليه العقوبة وخلده الحبس حتى يموت أو يراجع " [27]

وقال بشر بن الحارث _رحمه الله تعالى_ " مَن شتم أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهو كافر وإن صام وصلى وزعم أنه من المسلمين " [28] . ولعل كثيرا من الكتاب ممن في قلوبهم مرض الذين ينتقصون أصحاب رسول الله –صلى الله عليه وسلم – في الصحف وغيرها يرون أن الوقت لم يحن بعد لانتقاص القرآن والسنة فرأوا أن تقليل شأن الصحابة الكرام عند الناس هو من أخصر الطرق لرد الكتاب والسنة كما قال أبو زرعة _رحمه الله تعالى_ " إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاعلم أنه زنديق وذلك أن الرسول حق والقرآن حق وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنة أصحابُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليُبطلوا الكتاب والسنة والجرح بهم أولى وهم زنادقة " ا.هـ [29] .

وقال السرخسي _رحمه الله تعالى_ " فمن طعن فيهم فهو ملحد منابذ للإسلام دواؤه السيف إن لم يتب " ا.هـ [30] .

وقال الإمام محمد بن صُبيح بن السماك _رحمه الله تعالى_ لمن انتقص الصحابة " علمتَ أن اليهود لا يسبون أصحاب موسى -عليه السلام- وأن النصارى لا يسبون أصحاب عيسى -عليه السلام- فما بالك ياجاهل سببت أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- ؟ وقد علمتُ من أين أوتيتَ لم يشغلك ذنبك أما لو شغلك ذنبك لخفت ربك ، ولقد كان في ذنبك شغل عن المسيئين فكيف لم يشغلك عن المحسنين ؟ أما لو كنت من المحسنين لما تناولت المسيئين ، ولرجوت لهم أرحم الراحمين ، ولكنك من المسيئين فمن ثَمَّ عبت الشهداء والصالحين ، أيها العائب لأصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- لو نمتَ ليلك ، وأفطرت نهارك لكان خيرا لك من قيام ليلك ، وصوم نهارك مع سوء قولك في أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فويحك لا قيام ليل ، ولا صوم نهار ، وأنت تتناول الأخيار فأبشر بما ليس فيه البشرى إن لم تتب مما تسمع وترى .. وبم تحتج يا جاهل إلا بالجاهلين ، وشر الخلف خلف شتم السلف لواحد من السلف خير من ألف من الخلف " ا.هـ [31] .

وقال ابن الصلاح _رحمه الله تعالى_ " إن الأمة مجمعة على تعديل جميع الصحابة , ومَن لابس الفتن منهم فكذلك بإجماع العلماء الذين يُعتد بهم في الإجماع " ا.هـ ( [32] .

ذكر فضلهم في كتب العقائد رفعا لشأنهم وعلوا لمنزلتهم :

قال الطحاوي _رحمه الله تعالى_ " ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم و لا نُفرط في حب أحد منهم ، ولا نتبرأ من أحد منهم ونبغض من يبغضهم ، وبغير الحق يذكرهم ، ولا نذكرهم إلا بخير ، وحبهم دين وإيمان وإحسان ، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان " ا.ه[33].

وذكر الحميدي _رحمه الله تعالى_ أن من السنة " الترحم على أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- كلهم فإن الله عز وجل قال ( وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ )(الحشر:10) فلم نؤمر إلا بالاستغفار لهم ، فمن سبهم أو تنقصهم أو أحدا منهم فليس على السنة وليس له في الفيء حق ، أخبرنا غير واحد عن مالك بن أنس " ا.ه[34]

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية _رحمه الله تعالى_ " ويمسكون عما شجر من الصحابة ، ويقولون إن هذه الآثار المروية في مساوئهم منها ما هو كذب ، ومنها ما قد زيد فيه ، ونقص ، وغُيِّرَ عن وجهه ، والصحيح منه هم فيه معذورون ؛ إما مجتهدون مصيبون ، وإما مجتهدون مخطئون ... ، ولهم من السوابق ، والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر عنهم إن صدر حتى إنهم يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم ؛ لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات مما ليس لمن بعدهم ... ثم القَدْر الذي يُنكر من فعل بعضهم قليل نزر مغفور في جنب فضائل القوم ، ومحاسنهم من الإيمان بالله ، ورسوله ، والجهاد في سبيله ، والهجرة ، والنصرة ، والعلم النافع ، والعمل الصالح ، ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة ، وما منَّ الله عليهم به من الفضائل علم يقينا أنهم خير الخلق بعد الأنبياء لا كان ولا يكون مثلهم ، وأنهم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم ، وأكرمها على الله " ا.هـ [35]

وفي الختام لا نقول إلا كما قال الله تعالى (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ) اللهم ارض عن أصحاب نبيك أجمعين واحشرنا وإياهم في زمرة سيد المرسلين والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

معاوية رضي الله عنه هو الميزان في حب الصحابة

رغبة مني في زيادة المعلومة و التوسع في العنوان الذي أشرقت به سحاب الخير بمقال أخينا المفضال : الواضح(1)

أقول : يلهث الكثير ممن استهوته الشياطين بالطعن في معاوية رضي الله عنه ، وإن لم يطعن قلل من شأنه بأن يسمه بأنه من مسلمة الفتح وأنه من الطلقاء إلى غيرها من الأمور .. حتى وصل بالبعض منهم إلى أن يتوقف في شأنه و يعرضه على ميزان الجرح والتعديل .. ناسياً أو متناسياً أنه من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن الأمة قد أجمعت على تعديلهم دون استثناء من لابس الفتن منهم و من قعد .. و لم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة . انظر حول عدالة الصحابة : الاستيعاب لابن عبد البر (1/19) و فتح المغيث (3/103) و شرح الألفية للعراقي (3/13-14) والإصابة (1/9) و مقدمة ابن الصلاح (ص 147) والباعث الحثيث (ص 181-182) وشرح النووي على صحيح مسلم (15/149) والتقريب للنووي (2/214) والمستصفى للغزالي (ص 189-190 ) وفي غيرها من الكتب .

ذكر النووي في شرح صحيح مسلم (8/231) و ابن القيم في زاد المعاد (2/126) أن معاوية رضي الله عنه من مسلمة الفتح ، أي أنه أسلم سنة ( 8 هـ ) ، في حين ذكر أبو نعيم الأصبهاني كما في معرفة الصحابة (5/2496) و الذهبي كما في تاريخ الإسلام - عهد معاوية - ( ص 308) أنه أسلم قبيل الفتح .

ومرد الاختلاف بين المصادر حول تاريخ إسلام معاوية رضي الله عنه يعود إلى كون معاوية كان يخفي إسلامه ، كما ذكر ذلك ابن سعد في الطبقات (1/131) ، وهو ما جزم به الذهبي ، حيث قال : أسلم قبل أبيه في عمرة القضاء أي في سنة ( 7 هـ ) وبقي يخاف من الخروج إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أبيه .. وأظهر إسلامه عام الفتح . انظر : تاريخ الإسلام عهد معاوية ( ص 308) .

وبعد هذا هل يبقى مطعن في معاوية رضي الله عنه من كونه من مسلمة الفتح وليس في ذلك مطعن - . وإن سلمنا بأنه من مسلمة الفتح ؛ فهل هذا يقلل من شأن صحبته رضي الله عنه ؟!

و لمن لا يعرف معاوية جيداً أعرّفه به : إن معاوية رضي الله عنه كان من كتاب الوحي ، و من أفضل الصحابة و أصدقهم لهجة و أكثرهم حلماً فكيف يعتقد أن يقاتل الخليفة الشرعي و يهرق دماء المسلمين من أجل ملك زائل ، و هو القائل : والله لا أخير بين أمرين ، بين الله و بين غيره إلا اخترت الله على سواه . سير أعلام النبلاء للذهبي (3/151) .

وقد أفرد ابن أبي الدنيا وأبو بكر بن أبي عاصم تصنيفاً في حلم معاوية رضي الله عنه ، ولعل هذا من بركة دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم لمعاوية . انظر : تاريخ الإسلام للذهبي عهد معاوية ( ص 315) .

روى الترمذي في فضائل معاوية أنه لما تولى أمر الناس كانت نفوسهم لا تزال مشتعلة عليه ، فقالوا كيف يتولى معاوية و في الناس من هو خير مثل الحسن و الحسين . قال عمير و هو أحد الصحابة : لا تذكروه إلا بخير فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : اللهم اجعله هادياً مهدياً و اهد به . رواه الإمام أحمد في المسند (4/216) و صححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (3/236) . و زاد الإمام الآجري في كتابه الشريعة (5/2436-2437) لفظة : ( ولا تعذبه ) . إسناده صحيح .

و أخرج الإمام أحمد ، عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : اللهم علم معاوية الكتاب و قه العذاب . فضائل الصحابة (2/913) إسناده حسن .

و أخرج أبو داود و البخاري في الأدب المفرد من طريق أبي مجلز قال : خرج معاوية على ابن الزبير و ابن عامر ، فقام ابن عامر و جلس ابن الزبير ، فقال معاوية لابن عامر : اجلس فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار . سنن أبي داود (5/398) و الأدب المفرد (ص 339) ، الشريعة للآجري (5/2464) .

و أخرج ابن كثير في البداية والنهاية بسند صحيح ، أن معاوية رضي الله عنه ، كان إذا لقي الحسن بن علي رضي الله عنهما قال : مرحباً بابن رسول الله وأهلاً ، و يأمر له بثلاثمائة ألف ، و يلقى ابن الزبير رضي الله عنه فيقول : مرحباً بابن عمة رسول الله وابن حواريه ، ويأمر له بمئة ألف . البداية والنهاية (8/137) .

و أخرج الآجري عن الزهري قال : لما قتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه و جاء الحسن بن علي رضي الله عنهما إلى معاوية ، فقال له معاوية : لو لم يكن لك فضل على يزيد إلا أن أمك من قريش و أمه امرأة من كلب ، لكان لك عليه فضل ، فكيف و أمك فاطمة بنت رسول صلى الله عليه وسلم ؟! . أنظر كتاب الشريعة (5/2469-2470) إسناده حسن .

و فضائل معاوية رضي الله عنه كثيرة ثابتة عموماً و خصوصاً ، فبالإضافة إلى ما ذكرت ، أورد شيئاً منها ..

فأما العموم .. فلما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعاً ( لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولانصيفه ) .

وأهل العلم مجمعون قاطبة على أن معاوية من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا شك أنه داخل في عموم هذا النص ، فمن سبه أو طعن فيه آثم بلا ريب بل سب الصحابة رضي الله عنهم من الكبائر .

وأما خصوصاً .. فلما رواه مسلم من حديث ابن عباس قال : كنت ألعب مع الصبيان فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فتواريت خلف باب ، فجاء فحطأني حطأة وقال : اذهب وادع لي معاوية ، قال : فجئت فقلت هو يأكل ، قال : ثم قال لي : اذهب فادع لي معاوية ، قال : فجئت فقلت : هو يأكل ، فقال : لا اشبع الله بطنه .

قال الحافظ الذهبي في التذكرة (2/699) : لعل هذه منقبة لمعاوية لقول النبي صلى الله عليه وسلم : اللهم من لعنته أو شتمته فاجعل ذلك له زكاة و رحمة .

وقال الإمام النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم (16/156) : قد فهم مسلم رحمه الله من هذا الحديث أن معاوية لم يكن مستحقاً للدعاء عليه ، فلهذا أدخله في هذا الباب ، وجعله من مناقب معاوية لأنه في الحقيقة يصير دعاءً له .

قلت : وهذا الحديث أخرجه مسلم تحت الأحاديث التي تندرج تحت باب من لعنه النبي صلى الله عليه وسلم أو سبه أو دعا عليه ، وليس هو أهلاً لذلك كان له زكاة وأجراً و رحمة .

ومن فضائله ما قاله ابن عباس رضي الله عنه : ما رأيت رجلاً كان أخلق للملك من معاوية ، كان الناس يردون منه على أرجاء واد رحب ، و لم يكن بالضيق الحصر العصعص المتغضب . رواه عبد الرزاق في المصنف (برقم 20985) بسند صحيح . إلى غيرها من الفضائل ..

أما ما يتشدق به البعض من نقلهم عن اسحاق بن راهوية أنه قال : ( لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل معاوية شيء ) .

فلا يثبت عنه ، فقد أخرج الحاكم كما في السير للذهبي (3/132) والفوائد المجموعة للشوكاني ( ص 407) عن الأصم أبي العباس محمد بن يعقوب الأصم حدثنا أبي ، سمعت ابن راهوية فذكره . و في الفوائد : سقطت ( حدثنا أبي ) ، و هي ثابتة فالأصم لم يسمع من ابن راهوية .

قلت : يعقوب بن يوسف بن معقل أبو الفضل النيسابوري والد الأصم مجهول الحال ، فقد ترجمة الخطيب في تاريخه (14/286) فما زاد على قوله : قدم بغداد وحدث بها عن إسحاق بن راهوية ، روى عنه محمد بن مخلد .

ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً ، وله ذكر في ترجمة ابنه من السير (15/453) ولم يذكر فيه الذهبي أيضاً جرحاً ولا تعديلاً ، وذكر في الرواة عنه عبد الرحمن بن أبي حاتم ، ولم أجده في الجرح والتعديل ، ولا في الثقات ابن حبان . و بهذا فإن هذا القول ضعيف لم يثبت عن إسحاق بن راهوية رحمه الله .

و الذين لا يعرفون سيرة معاوية يستغربون إذا قلت لهم بأنه كان من الزاهدين و الصفوة الصالحين ، روى الإمام أحمد بسنده إلى علي بن أبي حملة عن أبيه قال : رأيت معاوية على المنبر بدمشق يخطب الناس و عليه ثوب مرقوع . كتاب الزهد (ص 172) .

و أخرج ابن كثير عن يونس بن ميسر الزاهد - و هو أحد شيوخ الإمام الأوزاعي - قال : رأيت معاوية في سوق دمشق و هو مردف وراءه وصيفاً و عليه قميص مرقوع الجيب و يسير في أسواق دمشق . البداية و النهاية (8/134) .

و قد أوردت هذه الأمثلة ليعلم الناس أن الصورة الحقيقية لمعاوية تخالف الصورة المكذوبة التي كان أعداؤه و أعداء الإسلام يصورونه بها ، فمن شاء بعد هذا أن يسمي معاوية خليفة ، أو أمير المؤمنين ، فإن سليمان بن مهران - الأعمش - و هو من الأئمة الأعلام الحفاظ كان يسمى بالمصحف لصدقه ، كاد يفضل معاوية على عمر بن عبد العزيز حتى في عدله .

و من لم يملأ - أمير المؤمنين - معاوية عينه ، و أراد أن يضن عليه بهذا اللقب ، فإن معاوية مضى إلى الله عز وجل بعدله و حلمه و جهاده و صالح عمله ، وكان و هو في دنيانا لا يبالي أن يلقب بالخليفة أو الملك . انظر حاشية محب الدين الخطيب على العواصم من القواصم (ص 217) .

و ذكر ابن العربي في كتابه العواصم أنه دخل بغداد و أقام فيها زمن العباسيين و المعروف أن بين بني العباس و بني أمية ما لا يخفى على الناس ، فوجد مكتوباً على أبواب مساجدها خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ثم معاوية خال المؤمنين رضي الله عنهم أجمعين . العواصم من القواصم (ص 229-230) .

و قد سئل عبد الله بن المبارك ، أيهما أفضل : معاوية بن أبي سفيان ، أم عمر بن عبد العزيز ؟
فقال : و الله إن الغبار الذي دخل في أنف معاوية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من عمر بألف مرة ، صلى معاوية خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : سمع الله لمن حمده ، فقال معاوية : ربنا ولك الحمد . فما بعد هذا ؟ وفيات الأعيان ، لابن خلكان (3 /33) ، و بلفظ قريب منه عند الآجري في كتابه الشريعة (5/2466) .

و أخرج الآجري بسنده إلى الجراح الموصلي قال : سمعت رجلاً يسأل المعافى بن عمران فقال : يا أبا مسعود ؛ أين عمر بن عبد العزيز من معاوية بن أبي سفيان ؟! فرأيته غضب غضباً شديداً و قال : لا يقاس بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أحد ، معاوية رضي الله عنه كاتبه و صاحبه و صهره و أمينه على وحيه عز وجل . كتاب الشريعة للآجري ( 5/2466-2467) شرح السنة لللالكائي ، برقم (2785) . بسند صحيح .

و كذلك أخرج الآجري بسنده إلى أبو أسامة ، قيل له : أيهما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز ؟
فقال : أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقاس بهم أحد . كتاب الشريعة (5/2465-2466) بسند صحيح ، و كذلك أخرج نحوه الخلال في السنة ، برقم (666) .

و قد قال عبد الله بن المبارك رحمه الله : معاوية عندنا محنة ، فمن رأيناه ينظر إليه شزراً اتهمناه على القوم ، يعني الصحابة . انظر البداية والنهاية لابن كثير (8/139) .

و سئل الإمام أحمد : ما تقول رحمك الله فيمن قال : لا أقول إن معاوية كاتب الوحي ، ولا أقول إنه خال المؤمنين فإنه أخذها بالسيف غصباً ؟
قال أبو عبد الله : هذا قول سوء رديء ، يجانبون هؤلاء القوم ، ولا يجالسون ، و نبين أمرهم للناس . انظر : السنة للخلال (2/434) بسند صحيح .

وقال الربيع بن نافع الحلبي ( ت 241 هـ ) رحمه الله : معاوية ستر لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، فإذا كشف الرجل الستر اجترأ على ما وراءه . البداية والنهاية (8/139) .

فوائد ..
قال محب الدين الخطيب رحمه الله : سألني مرة أحد شباب المسلمين ممن يحسن الظن برأيي في الرجال ما تقول في معاوية ؟ فقلت له : و من أنا حتى اسأل عن عظيم من عظماء هذه الأمة ، و صاحب من خيرة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، إنه مصباح من مصابيح الإسلام ، لكن هذا المصباح سطع إلى جانب أربع شموس ملأت الدنيا بأنوارها فغلبت أنوارها على نوره . حاشية محب الدين الخطيب على كتاب العواصم من القواصم ( ص 95) .

و قبل أن أختم ، أورد رأياً طريفاً للمؤرخ العلامة ابن خلدون في اعتبار معاوية من الخلفاء الراشدين فقد قال : إن دولة معاوية و أخباره كان ينبغي أن تلحق بدول الخلفاء الراشدين و أخبارهم ، فهو تاليهم في الفضل والعدالة والصحبة . أنظر هذا القول في العواصم من القواصم ( ص 213) .

و ما ضر المسك معاوية عطره ، أن مات من شمه الزبال والجعل .. رغم أنف من أبى ..

و جزاكم الله خيراً ..

الإمام ابن قدامة ـ رحمه الله

اسمه ونسبه :
هو أبو محمد عبدالله بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر المقدسي الجمَّاعيلي شيخ المذهب الإمام بحر علوم الشريعة المطهرة ـ رحمه الله وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة آمين ـ .

مولده ونشأته :
ولد ـ رحمه الله ـ بجمَّاعيل من عمل نابلس في فلسطين سنة 541 هـ ، وقدم دمشق مع أهله .

وصفه :
قال الضياء ـ رحمه الله ـ : كان تام الخلقه أبيض مشرق الوجه أدعج كأن النور يخرج من وجهه لحسنه وأسع الجبين طويل اللحية قائم الأنف مقرون الحاجبين صغير الرأس لطيف اليدين والقدمين نحيف الجسم ممتعا بحواسه .

طلبه للعلم :
حفظ القرآن دون سن البلوغ وحفظ مختصر الخرقي ، وكتبَ الخط المليح ، وقرأ على مشايخ دمشق ، ثم سافر إلى بغداد هو وابن خالته الحافظ عبدالغني المقدسي ـ رحمه الله ـ سنة إحدى وستين ، وأقاما بها أربع سنوات يدرس على شيوخها.

شيوخه :
بلغ شيوخه ـ رحمه الله ـ 32 شيخ منهم :
1. أحمد بن محمد بن قدامة والده بدمشق
2. الشيخ عبدالقادر بن عبدالله الجيلى
3. الإمام أبو الفرج عبدارحمن بن علي ابن الجوزي ببغداد .
4. الشيخ أبو الفتح نصر بن فتيان بن مطر ابن المَنِّيّ ببغداد .
5. الشيخ أبو المكارم بن هلال بدمشق .
6. الشيخ أبو الفضل عبدالله بن أحمد الطوسي بالموصل .
7. الشيخ المبارك بن الطباخ [2] بمكة ـ حرسها الله ـ .
8. خديجة بنت أحمد بن الحسن النهروانية ببغداد .

نبذه عن حياته :
لما رجع الإمام الموفق من بغداد إلى دمشق تصدر في جامع دمشق مدة طويلة ، وبعد موت أخيه أبي عمر صار هو الذي يؤم المصلين بالجامع المظفري ويخطب يوم الجمعة إذا حضر ، وهو إمام محراب الحنابلة بجامع دمشق [3]فيصلى فيه الموفق إذا كان في البلد .
قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ : كان يتنفل بين العشاءين بالقرب من محرابه ، فإذا صلى العشاء انصر إلى منزله بدرب الدّولَعِيّ بالرصيف ، وأخذ معه الفقراء من تيسر ، يأكلون معه من طعامه وكان منزله الأصلي بقاسيون .
، كان لا يناظر أحدا إلا وهو يبتسم ، حتى قال بعض الناس : هذا الشيخ يقتل خصمه بتبسمه .
وقيل أنه ناظر ابن فضلان الشافعي ـ الذي كان يضرب به المثل في المناظرة ـ فقطعه .
وقال الضياء : كان حسن الأخلاق لا يكاد يراه أحد إلا مبتسما يحكي الحكايات ويمزح زسمعت البهاء يقول : كان الشيخ يمازحنا وينبسط ، وكان لا ينافس أهل الدنيا ، ولا يكاد يشكو ، وربما كان أكثر حاجة من غيره ، وكان يؤثر .
وسمعت البهاء يصفه بالشجاعة ، وقال : كان يتقدم للعدو وجرح في كفه وكان يرامي العدو .
وجاءه مرة الملك العزيز ابن العادل يزوره فصادفه يصلي فجلس بالقرب منه إلى أن فرغ من صلاته ثم اجتمع به ، ولم يجوز في صلاته .
قال السبط بن الجوزي ـ رحمه الله ـ : كان صحيح الاعتقاد مبغضا للمشبهة ، وقال : من شرط التشبيهات أن يرى الشيء ثم يشبهه ، من رأى الله تعالى حتى يشبهه لنا ؟!! .
وقال ابن رجب ـ رحمه الله ـ : لم يكن يرى الخوض مع المتكلمين في دقائق الكلام وكان كثير المتابعة للمنقول في باب الأصول وغيره ، ولا يرى إطلاق مالم يؤثر من العبارات .. .
قال السبط بن الجوزي : شاهدت من الشيخ أبي عمر وأخيه الموفق ونسيبه العماد ما نرويه عن الصحابة والأولياء الأفراد فأنساني حالهم أهلي وأوطاني ثم عدت إليهم على نية الإقامة عسى أن أكون معهم في دار المقامة [4].
وله ـ رضي الله عنه ـ اخبار كثيرة ومآثرة مشهورة ونكتفي بما قدمناه .

نماذج من شعره :

أبعد بياض الشعر أعمر مسكناً *** سوى القبر إني إن فعلت لأحمق
يخبرني شيبي بأني ميت *** وشيكا وينعاني إلي فيصدق
تخرق عمري كل يوم وليلة *** فهل مستطيع رفق ما يتخرق
كأني بجسمي فوق نعشي ممددا *** فمن ساكت ومعول يتحرق
إذا سئلوا عني أجابوا وأعولوا *** وأدمعهم تنهل : هذا الموفق
وغيبت في صدعٍ من الأرض ضيق *** وأودعت لحدا فوقه الصخر مطبق
ويحثو علي الترب أوثق صاحب *** ويسلمني للقبر من هو مشفق
فيا رب كن لي مؤنسًا يوم وحشتي *** فإني لما أنزلته لمصدق
وما ضرني إني إلى الله صائر *** ومن هو من أهلي أبر وأرفق

طلابه :
تفقه علي يديه الكثير من أهل العلم منهم
1. الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن أحمد الواسطي ـ رحمه الله ـ .
2. أحمد بن إبراهيم بن عبدالواحد المقدسي إبن العمادر ـ رحمه الله ـ .
3. أحمد بن سلامة بن أحمد النجار ـ رحمه الله ـ .
4. الحافظ أبو العباس أحمد بن عيسى بن عبدالله ابن قدامة حفيده ـ رحمهما الله ـ .
5. إسماعيل بن عبدالرحمن بن عمروالمرداوي ابن الفراء ـ رحمه الله ـ .
6. خليل بن أبي بكر بن صديق المراغي ـ رحمه الله ـ .
7. الحافظ محمد بن عبدالواحد بن أحمد السعدي المقدسي ضياء الدين ـ رحمه الله ـ.
8. عبدالحافظ بن بدران بن شبل بن طرخان ـ رحمه الله ـ .
9. عبدالرحمن بن محمد بن أحمد ابن قدامة ـ رحمه الله ـ شارح المقنع .
10. الحافظ محمد بن سعيد بن يحي ابن الدبيثي الشافعي .
11. الحافظ محمد بن محمود بن الحسن ابن النَّجَّار ـ رحمه الله ـ .

مؤلفاته :
له مؤلفات كثيرة ذكرها ابن رجب وغيرها منها :
1. العمدة .
2. المقنع .
3. الكافي .
4. المغني ، وهو أكبر كتبه ومن كتب الإسلام المعدودة .
5. الاستبصار ، في الأنساب .
6. الاعتقاد .
7. التوابين .
8. ذم التأويل
9. ذم الوسواس .
10. روضة الناضر وجنة المناظر .
11. فضائل الصحابة
12. القدر .
13. لمعة الاعتقاد .
14. مسألة في تحريم النظر في علم الكلام .
15. مناسك الحج .

قال الشيخ يحي الصرصيري ـ رحمه الله ـ :

وفي عصرنا كان الموفق حجة *** على فقهه يثبت الأصول محولي
كفى الخلق بالكافي وأقنع طالبا *** بمقنع فقه عن كتاب مطّول
وأغنى بمغني الفقه من كان باحثا *** وعمدته من يعتمدها يحصل
وروضته ذات الأصول كروضةٍ *** أماستْ بها الأزهار أنفاس شمْأَل
تدل على المنطوق أوفى دلالة *** وتحمل في المفهوم أحسن محمل

عقبه :
1. عيسى
2. محمد
3. يحي
4. صفية
5. فاطمة
ومات أولاده الثلاثة في حياته ولم يعقب إلا عيسى خلف ولدين صالحين وماتا وانقطع عقبه ، وكان قد تزوج من بنت عنه مريم بنت أبي بكر المقدسي ثم تزوج عزِّيَّة وماتت قبله ، وتسرى بجاريتن .

وفاته :
توفي ـ رحمه الله ـ يوم السبت في يوم عيد الفطر عام 620هـ ودفن من الغد في جبل قاسيون خالف الجامع المطفري .

ومما قيل في رثائه ـ رحمه الله ـ :
قال الشيخ صلاح الدين أبي عيسى موسى بن محمد بن راجح المقدسي ـ رحمه الله ـ :

لم يبق لي بعد الموفق رغبة *** في العيش إن العيش سم مقنع
صدر الزمان وعينه وطرازه *** ركن الأنام الزاهد المتورع
بحر العلوم أبو الفضائل كلها *** شمل الشريعة بعد لا يجتمع
كان ابن أحمد في مقام محمد *** إن هالهم أمر اليه يفزعوا
فبين مشكله ويوضح سره *** ويذب عن دين الإله ويدفع
ببصيرة يجلو الظلام ضياؤها *** يبدي العجائب نورها يتشعشع
فاليوم قد اضحى الزمان وأهله *** غرضا لكل بلية تتنوع
والعلم قد أمسى كأن بواكنا *** تبكي عليه وحبله يتقطع
وتعطلت تلك المجالس وانقضت *** تلك المحافل ليتها لو ترجع
هيهات بعدك يا موفق يرتجى *** للناس خير أو مقال يسمع
لله درك كم لشخصك من يد *** بيضاء في كل اللفضائل ترتع
قد كنت عبدا طائعا لا تنثني *** عن باب ربك في العبادة توسع
كم ليلة أحييتها وعمرتها *** والله ينظر والخلائق هجع
تتلو كتاب الله في جنح الدجى *** كزبور داود النبي ترجع
لو كان يمكن من فدائك رخصة *** لفدتك أفئدة عليك تقطع

زياد علي

زياد علي محمد