الجمعة، 27 مارس 2020

فهد

فهد

الفهد أو النمر الصيّاد هو نوع فريد من فصيلة السنوريات، يتميز بسرعة فائقة لا ينازعه فيها أحد من أبناء فصيلته ولا أي نوع آخر من الدواب، وبذلك فهو يعتبر أسرع حيوان على وجه الأرض، إلا أن تلك السرعة الفائقة يقابلها ضعف بنيوي كبير عند المقارنة بأنواع أخرى من هذه الفصيلة، إذ أن تأقلم أجساد هذه الحيوانات للعدو جعل منها نحيلة لا تقوى على قتال الضواري الأكبر حجمًا والطرائد الأضخم قدًا.

والفهود هي الممثلة الوحيدة لجنس "ثابتة المخالب" (باللاتينية: Acinonyx) في العصر الحالي، إذ أن جميع الأنواع المنتمية لهذا الجنس اندثرت عن وجه الأرض قبل آلاف السنين بسبب العوامل الطبيعية. تتراوح سرعة الفهد بين 112 و120 كيلومترًا في الساعة (بين 70 و75 ميل في الساعة)، وذلك في المسافات القصيرة حتى 460 مترًا (1,510 أقدام)، ولها القدرة على الوصول إلى سرعة 103 كيلومترات في الساعة انطلاقًا من الصفر خلال 3 ثوان فقط، وهذا يجعلها أسرع من معظم السيارات الفائقة. كانت مقولة أن الفهد هو أسرع الثدييات عدوًا مقولة مشكوكًا بصحتها، ذلك أن بعض الحيوانات، مثل الوعل شوكي القرون من أمريكا الشمالية، قادرة على مقارعة الفهود من ناحية العدو، إلا أن بعض الدراسات أثبتت مؤخرًا أن الفهود هي بالفعل أسرع الحيوانات.

تصنف القائمة الحمراء للاتحاد العالمي للحفاظ على الطبيعية الفهد على أنه نوع مهدد بالانقراض بدرجة منخفضة، والسبب الرئيسي وراء ذلك هو الاضطهاد البشري المستمر في المناطق حيث تسود تربية الماشية بشكل أساسي، ذلك أن المربين يقتلون الفهود لاستهدافها الخراف والماعز بطيئة الحركة، إضافة إلى أنهم يقومون بتدمير مسكنها على الدوام وتجزئتها في سبيل إنشاء مراعي لمواشيهم.

كانت الفهود واسعة الانتشار سابقًا في أجزاء عديدة من العالم القديم، أما اليوم فهي مبعثرة مع تجمع جمهراتها الرئيسية في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، ويعيش البعض منها في جيوب معزولة في شمال أفريقيا وإيران وباكستان. أما أكبر تجمّع للفهود في العالم فهو في ناميبيا بجنوب غرب القارة الأفريقية، التي يدعوها البعض "أرض الفهود"
التسمية
باللغة العربية
يُشتق اسم "فهد" باللغة العربية من كلمة "فَهْدَ"، ويعني: الثقيل النوم، المتغافل عن واجباته، الشديد الغضب، وذي الوثبات البعيدة. وصفت امرأة من العرب زوجها بعد سؤالها عنه فقالت: "إنْ دخل فَهِدَ، وإنْ خرج أسِدَ، ولا يسأل عمَّا عَهِدَ"، أي: أنَّه يتعامل معها بلين وسكون حين يكون معها في البيت لذا شبّهته بالفهد الذي يوصف بكثرة النوم، فيُقال: "أنوم من فهد"، وهو كالأسد إذا خرج لمواجهة أعدائه، ويحرص على الوفاء والالتزام وحفظ العهود. ولعلّ السبب الذي دفع العرب لتطلق هذا الاسم على تلك الحيوانات هو بيئة شبه الجزيرة العربية وطبيعة الفهود ذاتها، ففي شبه الجزيرة حيث الطقس حار، تميل معظم السنوريات إلى الخمول والنوم معظم ساعات النهار الأكثر حرًا لتقتصد في مخزون طاقتها الذي تحتاجه في الصيد، وبما أن الفهود أسرع تلك السنوريات، فإنها تتفادى الإرهاق أكثر من غيرها كي تستطيع العدو وراء فرائسها في تلك البيئة الحارة، حيث يمكن لأي كائن حي سريع الأيض أن ينفق بسهولة جرّاء الإرهاق. وبما أن الفهود كانت من أصغر وأضعف السنوريات في شبه الجزيرة العربية، فلعلها كانت شديدة العدائية، بشكل واضح أكثر من الأسود والنمور، وذلك كي تستطيع الدفاع عن طرائدها التي يصعب عليها صيدها في تلك الأنحاء من العالم، بسبب عدم قدرتها على العدو بشكل متواصل في ساعات النهار، وبسبب تناثر الفرائس وندرتها في الكثير من الأماكن.

يُطلق الكثير من الناس اليوم على هذه الحيوانات اسم "الفهد الصيّاد" باللغة العربية، وذلك يعود إلى الاختلاط الذي حصل بين اللغة العربية والفارسية في العصور الوسطى وجعل العامّة يخلطون بين الببر والنمر والفهد، فكلمة "ببر" تعني في الواقع "نمر" باللغة الفارسية، أما "نمر" في العربية فهي صفة تطلق على الحيوان "الأنمر" أي ذي النُمر أو العلامات، والعرب لم يعرفوا حيوانًا "أنمر" سوى النمر الأرقط الذي كان يعيش في جميع أنحاء شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام، أما الببر فلم يعرفه العرب إلا عند فتح العراق وإيران، وعندها اقتبسوا اسمه الفارسي من سكان تلك البلاد. وخلال العصر الذهبي للإسلام دوّن العلماء الفرس اسم هذه الحيوانات باللغة المحلية، وكذلك فعل العلماء العرب، فعلى الرغم من أن الببر حيوان "أنمر" أي ذو علامات على جسده، إلا أنهم استعملوا اسمه الفارسي كي لا يحصل لغط بين الحيوانين، أما العامّة من الناس فاستمرت بإطلاق لفظ "نمر" على هذه الحيوانات للإشارة إلى هيئتها، وبهذا استمر اللغط بين الحيوانين حتى اليوم. وبالنسبة للفهد، فقد عاش أيضًا في شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام وعرفته العرب بهذا الاسم منذ القدم، وأطلقت عليه أيضًا اسم "النمر الصياد" بما أنه أيضا حيوان أنمر وكان يُستأنس ويُستخدم في الصيد، وبسبب الاختلاط الحاصل أصلا بين النمر والببر فقد استمر الكثير من الناس بإطلاق اسم نمر على الببور، فهد على النمور، وفهد صياد على الفهود، واستمر هذا الأمر لفترة طويلة بعد اضمحلال الحضارة الإسلامية العربية وأصبح راسخًا عند كثير من الناس بسبب عدم بروز علماء أو أدباء ومترجمين عرب لتصحيح هذا الأمر طيلة عهد الدولة العثمانية، أي قرابة 400 سنة.

بلغات أخرى
يُطلق البعض على هذه الحيوانات اسمًا آخرًا أيضًا هو الاسم ذاته الذي يُطلق عليها في عدد من اللغات الأخرى مثل الإنگليزية، الأردية، الإندونيسية، البنجابيّة، والتركية، وهو "چيتا"، وهذا الاسم سنسكريتي الأصل مشتق بدوره من كلمة "چيتا - चीता" الهندية، التي تعني "الجسد المبرقش". تتشابه أسماء هذه الحيوانات في العديد من اللغات الأوروبية، كما في الفرنسية "Guépard - گيپار"، الألمانية "Gepard - گيپارد"، الإسبانية "Guepardo - گيپاردو"، المجرية "Gepárd - گيپارد"، الرومانية "Ghepard - غيپارد"، وكثير غيرها؛ وجميع هذه الأسماء مُشتقة من الاسم اللاتيني لهذه الحيوانات الذي أطلقه عليها الرومان في القدم، وهو "Gattus pardus" (نقحرة: گاتوس پاردوس)، بمعنى "السنّور المرقط".

تصنيف النوع وتطوره
تنتمي الفهود لجنس "ثابتة المخالب" (باللاتينية: Acinonyx)، وهي الممثل الوحيد له في العصر الحالي، وسبب إطلاق اسم الجنس هذا على الفهود هو أن مخالبها ثابتة لا يُمكن غمدها كما باقي السنوريات، الأمر الذي يجعل أقدامها أكثر شبهًا بأقدام الكلب. أما اسم النوع فلاتيني الأصل ويُقصد به "الأعرف" أو "ذي العرف" (باللاتينية: jubatus)، وهو يرمز إلى عرف جراء الفهد الذي يستمر بارزًا حتى بلوغها. أطلق عالم البيئة الألماني "يوحنا كريستيان ڤون شريبر تسمية " Felis jubatus" الثنائية على الفهود أساسًا، وذلك في سنة 1775، قبل أن تُعطى تسميتها الحالية "Acinonyx jubatus" في سنة 1828 بعد أن أظهرت الدراسات خصائصها التشريحية المختلفة عن خصائص السنوريات الأخرى المنتمية لجنس القط (باللاتينية: Felis). غالبًا ما يُخطئ الناس من غير أهل الاختصاص ويفترضون بأن الفهود تُصنف في مجموعة السنوريات الكبرى إلى جانب الأسود والببور والنمور واليغاور ونمور الثلج، إلا أن هذا بعيد عن الصحة، ذلك أن السنوريات سالفة الذكر تتشارك في خصائص عديدة لا يُعثر عليها في الفهود، لعلّ أبرزها هو قدرتها على الزئير والزمجرة، الأمر الذي لا تستطيعه الفهود، وعوضًا عن ذلك تمتلك الأخيرة عظمة تحتلسانية كما في السنوريات الأصغر حجمًا تساعدها على الخرخرة.

النشوء
تعاني الفهود عادةً من نقص في تنوع مورثاتها، ومن رداءة سائلها المنوي وقلّة حيواناتها المنوية وبطأ حركتها وتشوّه سوطها. وما يُفيد بصحة هذا القول هو التجارب العديدة التي أجريت على أعداد كبيرة من هذه الحيوانات، حيث زُرع للبعض منها قطع من الجلد أحضرت من فهود أخرى لا ترتبط بها برابطة الدم، وكانت النتيجة أن نجحت تلك العمليات دائمًا ولم يرفض المضيف العضو الغريب، مما يدل على أن جميع الفهود تبدو وكأنها أشقاء عوضًا عن أفراد غريبة عن بعضها البعض. يفترض العلماء أن السبب وراء هذا الأمر هو التناسل الداخلي الذي جرى طيلة سنوات وعقود طويلة خلال العصر الجليدي الأخير والحقبة التي تلته، وتقول هذه النظرية أن الأكثرية الساحقة من الفهود على وجه البسيطة نفقت بسبب التقلبات المناخية في العصر الجليدي الأخير، ولعلّ قلة قليلة جدًا منها نجت واستمرت بالتناسل حتى وصل حالها إلى ماهو عليه اليوم. يُعتقد أن الفهد نشأ وتطور في أفريقيا خلال العصر الميوسيني (منذ 26 حتى 7.5 ملايين سنة)، ومن ثم هاجر إلى آسيا، وفي دراسة حديثة أجراها فريق من العلماء من مختبر التنوع الوراثي التابع لمعهد أبحاث السرطان الوطني في مدينة فرديريك بولاية ماريلاند بالولايات المتحدة، تبين أن سلف جميع الفهود الباقية اليوم كان يعيش في آسيا منذ 11 مليون سنة، الأمر الذي جعل العلماء ينكبون على مراجعة وتشذيب الأفكار السائدة حول تطور هذه الحيوانات.
كان العلماء يعتقدون سابقًا أن الفهود أكثر السنوريات بدائيةً وأقدمها نشأةً، وأنها تطورت منذ حوالي 18 مليون سنة، أما الأبحاث الحديثة فتفترض أن السلف الأخير المشترك لجميع الأنواع الباقية من السنوريات عاش خلال فترة أحدث من ذلك بكثير، وبالتحديد منذ قرابة 11 مليون سنة. وقد أظهرت نفس الأبحاث أن الفهود بالذات وعلى الرغم من أنها ذات خصائص تشريحية مختلفة تميزها عن باقي السنوريات، إلا أنها لا تمتلك سلفًا قديمًا محددًا، فكل ما يظهر حتى الآن من سجل المستحثات يدل على أنها انشقت عن أقرب أنسباؤها، أي الكوجر (Puma concolor) واليغورندي (Puma yaguarondi)، منذ حوالي 5 ملايين سنة، وأنها لم تتغير بشكل ملموس منذ ذلك الحين. للفهود 38 صبغية كمعظم السنوريات، 13 منها متطابقة كليًا مع تلك الخاصة بأنواع أخرى وبشكل خاص أسود الجبال واليغورندي. يفترض العلماء أن بعض جمهرات سلف هذه السنوريات الذي تبين أنه آسيوي النشأة، عبرت إلى أمريكا الشمالية عبر مضيق بيرينغ خلال إحدى العصور الجليدية الأولى عندما اتصلت آلاسكا بروسيا بفعل انخفاض مستوى البحر، وقد انعزلت تلك الجمهرات في أمريكا الشمالية بعد أن عادت مستويات المياه لترتفع مجددًا وتفصل بين القارتين، وقد أظهرت دراسة الحمض النووي للمتقدرات أن سلف هذه السنوريات الثلاث كان يعيش في أمريكا الشمالية منذ حوالي 8.25 مليون سنة، وخلال الفترة التي امتدت بين 6.9 إلى 6.7 ملايين سنة، انشقت أسود الجبال واليغورندي عن بعضها البعض وتطور كلاً منها ليُشكل نوعًا مستقلاً بذاته. ومنذ قرابة 4.9 ملايين سنة انشقت أسلاف الفهود المعاصرة عن السلف المشترك وتطورت لتُشكل جنسًا خاصًا بها، وقد أظهرت المستحثات أن تلك الحيوانات عاشت في الأراضي التي تُشكل اليوم ولايات نيڤادا وتكساس ووايومينغ بالولايات المتحدة. عادت أسلاف الفهود لتعبر مضيق بيرينغ من جديد خلال الفترة الممتدة بين 4 ملايين ومليون سنة وصولاً إلى آسيا فأفريقيا حيث بقيت وتطورت لتصبح بشكلها الحالي. ظهرت الفهود المعاصرة منذ ما يُقارب 200,000 سنة، واستمرت تزدهر في نواح عديدة من أفريقيا وآسيا وأوروبا حتى الفترة الممتدة بين 12,000 و10,000 سنة، أي خلال العصر الجليدي الأخير، فخلال هذه الفترة انقرض حوالي 75% من الثدييات على وجه الأرض، وكادت الفهود أن تكون بينها لولا أن استطاعت ثلة قليلة العدد منها أن تنجو وتتناسل وتعيد إكثار بني جنسها.

السلالات
ما زال عدد سلالات الفهود يُشكل موضع جدل بين العلماء، ذلك أن فريق منهم يقول بوجود 6 سلالات من الفهود، بينما يقول فريق آخر بوجود 8 منها. وفي وقت من الأوقات أضيف ملك الفهود إلى قائمة سلالات هذا النوع تحت تسمية "Acinonyx jubatus rex"، إلا أنه أزيل منها في وقت لاحق عندما تبين أن نمط نماره ليس إلا نتيجةً لمورثة غالبة تدحر المورثة التي تحمل النمط الطبيعي وتحل محلها. كذلك يقول العلماء أن السلالة الصوفيّة (Acinonyx jubatus guttatus) المنقرضة، ربما لم تكن إلا أفرادًا من سلالة معروفة ذات مورثة غالبة كذلك الأمر. ومن أبرز السلالات المعترف بها:
السلالة العرفيّة (الفهد الأعرف، الفهد الجنوبي، Acinonyx jubatus jubatus): تتواجد هذه السلالة في دول أفريقيا الجنوبية بشكل رئيسي وفي بعض أنحاء أفريقيا الشرقية، وبالتحديد في كل من دول: أنگولا، بوتسوانا، الكونغو، موزامبيق، مالاوي، جنوب أفريقيا، تنزانيا، زامبيا، زيمبابوي، وناميبيا. منها حوالي 500 فرد باق على قيد الحياة.
منها قرابة 3,000 فرد باق على قيد الحياة.
السلالة السريعة (الفهد الغربي، Acinonyx jubatus velox): تقطن بعض أنحاء أفريقيا الغربية.
السلالة النگورونگوريّة (فهد نگورونگورو، Acinonyx jubatus ngorongorensis): توجد في تنزانيا وبالتحديد في فوهة نگورونگورو.
سلالة سومرنج (فهد سومرنج، فهد أفريقيا الوسطى، Acinonyx jubatus soemmeringii): تتواجد هذه السلالة في عدد من دول أفريقيا الوسطى وجزء بسيط من الشمالية، في كل من: الكاميرون، تشاد، جمهورية أفريقيا الوسطى، إثيوبيا، نيجيريا، النيجر، والسودان.
سلالة هيك (فهد شمال أفريقيا، الفهد الصحراوي، Acinonyx jubatus hecki): تعيش في شمال وغرب أفريقيا وبالتحديد في دول: الجزائر، جيبوتي، مصر، مالي، موريتانيا، المغرب، النيجر، تونس، ليبيا، بنين، بوركينا فاسو، غانا، والسنغال إلا أن موطنها انحصر فقط بالجزائر وتوغو والنيجر ومالي وبينين وبوركينا فاسو ومصر والمغرب. مهددة بالانقراض بدرجة قصوى، تنص بعض التقديرات أن هناك أقل من 250 فردًا بالغًا منها في البرية.
السلالة الصيّادة (الفهد الآسيوي، الفهد الإيراني، الفهد الهندي، الفهد العربي، Acinonyx jubatus venaticus): كانت هذه السلالة أوسع السلالات انتشارًا، حيث شمل موطنها أجزاءً من المشرق العربي (عُمان والإمارات العربية المتحدة والسعودية والعراق والأردن وفلسطين ولبنان وسوريا) إضافة إلى تركيا وإيران وباكستان وأفغانستان والهند وأرمينيا وأذربيجان وتركمنستان وأنحاء من روسيا. وهي مهددة بدرجة قصوى، حيث تشير بعض التقديرات إلى وجود حوالي 50 فرد بري منها، مقصورة في وجودها اليوم على إيران وبعض أنحاء باكستان وعمان. تختلف عن السلالات الإفريقية بفرائها الأدكن وجسدها الأطول.
ومن أسباب عدم اتفاق العلماء على عدد محدد من سلالات الفهود، الجدال القائم حول ما إذا كان ينبغي اعتبار بعض تلك السلالات المتفق عليها أساسًا سلالات مستقلة بذاتها أم لا، فجميع تلك السلالات متماثلة من الناحية الوراثية على الرغم من أن كلاً منها يقطن منطقة جغرافية مختلفة، فحتى السلالة الآسيوية الموجودة خارج إفريقيا تُظهر شبهًا وراثيًا كبيرًا مع سلالة شمال أفريقيا، لدرجة تجعل بعض العلماء يفترضون أنها تُشكل سلالة واحدة.

التهجين مع سنوريات أخرى
يُصعب تهجين الفهد مع أنواع أخرى من السنوريات لأسباب مختلفة، منها أن الفهد أصغر حجمًا وأقل قوةً بأشواط من جميع السنوريات الكبرى، وهو بدوره أضخم من معظم السنوريات الصغرى، الأمر الذي ينجم عنه صعوبة كبيرة في عملية التآلف أولاً، ذلك أن أحد الطرفين سيخشى الآخر بطبيعة الحال، وإن نجحت عملية التآلف فإن عملية الجماع لن تخلو من الصعوبة، فمن المعروف أن السنوريات عندما تتجامع يُمسك الذكر بعنق الأنثى مداعبًا إياها، وبما أن إناث الفهود أصغر حجمًا بكثير من أي ذكر من ذكور السنوريات الكبرى، فإن هكذا مداعبة قد تقضي عليها، ويسري الأمر نفسه بحال حاول فهد ذكر أن يُجامع أنثى من إناث السنوريات الصغيرة. يقول البعض بإمكان تهجين النمور والفهود في الأسر بما أنها مشابهة لبعضها البعض من الناحية الوراثية، ويرد آخرون بعكس هذا الكلام تمامًا، ويقولون أن بنية الفهد وحدها تُشكل عائقًا أمام التهجين الناجح، ذلك أن وزن الفهدة الخفيف وتكوين عظامها وقوتها العضلية، لا تسمح لها بأن تحمل جراءً هجينة ضخمة، وبحال كان الحمل ناجحًا فإن الولادة ستكون متعسرة أو مستحيلة حتى. كذلك فإن السائل المنوي لذكور الفهود شديد الوهن والردائة بحيث لا يستطيع تخصيب بويضات أي أنثى من إناث السنوريات الكبرى. يفترض العلماء أن هجين النمر والفهد، بحال وُجد، سيمتلك خصائص مشتركة من كلا أبويه، كالفراء الأرقط برقط مشابهة لتلك الخاصة بالفهود والنمور، وبنية شبه عضلية، حيث سيكون أقل امتلاءً من النمور وأكثر وزنًا من الفهود، مما يعني أنه لن يكون قادرًا على العدو بنفس سرعة الأخيرة. كان يُعتقد فيما مضى أن ملك الفهود دليل حي على تهجين النمور والفهود بشكل طبيعي في البرية، وقد دعمت قبائل أفريقيا الشرقية هذه الفرضية عندما زعم عدد منها أن النمور تتزاوج والفهود بشكل شائع، وأنهم شهدوا عددًا من عمليات التزاوج تلك، قبل أن يكتشف العلماء أن نمط نمار ملك الفهود يعود لمورثة غالبة تمتلكها بعض الأفراد وتجعلها تظهر على هذا الشكل. ويسري الكلام ذاته على الفهود واليغاور. ولعلّ أكثر السنوريات احتمالاً بأن تتهجن والفهود بشكل ناجح هي أسود الجبال، ذلك أنها أقرب السنوريات إليها من حيث النسب. وفي شهر أكتوبر من سنة 2009، زعم موقع "حيوانات الناس الأليفة" (بالإنگليزية: PeoplePets) أن قط الممثلة الصينية "باي لينغ" ليس سوى هجين فهد ذكر وقطة مستأنسة، وأنها ابتاعته من أحد المربين بقيمة 30,000 دولار أمريكي، لكن تبين فيما بعد أن هذه المعلومة مغلوطة، خصوصًا بعد أن أعلنت المالكة أن قطها هجين قط مستأنس وبج وليس فهد.

الخصائص الجسدية
الوصف الخارجي
للفهود صدور عميقة وأوساط نحيفة ضيقة، وفراؤها خشن قصير صدئ اللون ذي رقط سوداء يتراوح قطرها بين 2 و3 سنتيمترات (بين 0.79 و1.2 إنش)، يؤمن لها بعض التمويه بين أعشاب السڤانا الجافة. تنتشر الرقط على جميع أنحاء جسد الفهد عدا القسم السفلي منه، الذي يكون أبيض اللون بشكل كامل، وتندمج مع بعضها البعض على الذيل لتُشكل ما بين 4 و6 حلقات داكنة، وينتهي الذيل عادةً بخصلة كثة بيضاء. للفهد رأس صغير مقارنة بأنواع السنوريات الأخرى المماثلة له في الحجم، وتقع عيناه في أعلى جمجمته مما يمنحه رؤية أمامية ممتازة، وينحدر من زاوية عينيه خطّان أسودان يُقال لها "علامات الدموع" تمر بمحاذاة أنفه وصولاً إلى فمه، وتساعد هذه العلامات في حماعية العينين من وهج أشعة الشمس عندما يعدو الحيوان خلف طريدته أثناء الصيد.

يتراوح وزن الفهد البالغ بين 36 و65 كيلوغرامًا (بين 79 و140 رطلاً)، ويتراوح طول جسدها بالكامل بين 115 و135 سنتيمترًا (بين 45 و53 إنشًا)، أما الذيل فيصل في طوله إلى حوالي 84 سنتيمترًا (33 إنشًا). يصل ارتفاع الفهود عند الكتفين لما بين 67 و94 سنتيمترًا (26 إلى 37 إنشًا)، وتميل الذكور لتكون أكبر حجمًا من الأناث بفارق بسيط، وتكون رؤوسها أضخم بعض الشيء كذلك الأمر، إلا أن مثنوية الشكل الجنسية عند هذه الحيوانات تبقى بالكاد تُذكر، لذا يُصعب على الناظر من بعد تمييز الذكر من الأنثى. يُخطأ الكثير من الناس ويخلطون بين النمور والفهود على الرغم من سهولة التفرقة بينهما، فعلى الرغم من أن كلا النوعين متماثلان في الحجم تقريبًا، إلا أن النمور أكثر امتلاءً من الفهود بكثير، وتلك الأخيرة أقصر جسدًا وأطول قامةً، الأمر الذي يجعلها تبدو أكثر انسيابًا. أضف إلى ذلك أنه يسهل التمييز بينها عن طريق رقطها: فالنمر يمتلك رقطًا وردية الشكل بينما يمتلك الفهد بقعًا بسيطة، ويمتلك النمر بقعة بيضاء مميزة على أسفل ذيله تستخدمها الأنثى في التواصل مع جرائها عندما تتنقل في العشب، وهذه البقعة معدومة عند الفهد. بالإضافة لذلك، تفتقد النمور للحلقات التي تقع على نهاية ذيل الفهد بالإضافة إلى الخطوط السوداء التي تنحدر من عيون الفهد إلى زوايا فمه، والفهود تجري بسرعة أكبر من النمور بكثير ولا تتسلّق الأشجار إلا عندما تكون جراءً فقط بينما تعد النمور متسلقة ماهرة، كما أن الأخيرة ليليّة النشاط في الغالب بينما الفهود نهاريّة النشاط.

تظهر عند بعض الفهود طفرة نادرة تجعل من فرائها ملطخًا ومن نمارها نمارًا ضخمة مندمجة ببعضها البعض، ويُطلق على هذه الأفراد "ملوك الفهود"، وكان يُعتقد في السابق أنها تُشكل سلالة مستقلة بذاتها، لكن الأبحاث أظهرت في وقت لاحق أنها مجرّد طفرة من الفهود الأفريقية دون الآسيوية، ومن النادر رؤية هكذا أفراد في البرية، إلا أنها تُربى في الأسر على نطاق واسع.

تمتلك الفهود مخالب شبه مرتدة؛ وهذه الخاصيّة معروفة عند 3 أنواع أخرى من السنوريات فقط وهي: السنور السمّاك، السنور مفلطح الرأس، وسنور إيرموته، وهي تُساعدها على العدو بسرعة أكبر عن طريق دفعها نحو الأمام عندما تضرب أكفها بالأرض في لحظة الاندفاع. تُعد بنية رباط مخالب الفهد هي نفسها عند باقي أنواع السنوريات؛ ولا تختلف عنها إلا من ناحية افتقادها للغمد الفروي الذي ترتد إليه المخالب، لذا فإن الأخيرة، عدا الزمعة، تبقى بارزة للعيان. والزمعة عند الفهود تكون بدورها أقصر وأكثر استقامة بكثير من زمعات السنوريات الأخرى.

مقدرة العدو
الفهود هي أسرع الثدييات عدوًا، حيث تستطيع أن تصل لسرعة تتراوح بين 112 و120 كيلومترًا في الساعة وأن تحافظ عليها لحوالي 275 مترًا، ويبلغ من سرعة الفهود أنها قادرة على أن تتقدم حوالي 7 أو 8 أمتار في خطوة واحدة، وأن تخطو 4 خطوات في الثانية. وأكف الفهد أكثر قساوة وأقل استدارة من أكف باقي السنوريات؛ مما يساعدها على الالتفاف بسرعة أثناء العدو ومطاردة فريستها، وتؤمن مخالبها البارزة الجر والاحتكاك اللازم لدفعها نحو الأمام. للفهود أسنان صغيرة مقارنة بالسنوريات الأخرى، ولعلّ ذلك يعود لامتلاكها منخرين شديدا الوسع يساعدها على استنشاق أكبر كمية ممكنة من الهواء المشبع بالأكسجين أثناء عدوها، مما لا يترك مجالاً لنمو جذور أسنان أكبر حجمًا. يمتلك الفهد قلبًا ضخمًا إضافة إلى رئتين وكبد وغدة كظرية أكبر من تلك الخاصة بحيوانات من نفس الحجم، الأمر الذي يُساعد على جعلها سريعة الاستجابة البدنية. تمتلك الفهود جسدًا طويلاً رشيقًا انسيابيًا وأعظم خفيفة، ويُساعد ذيلها الطويل على الحفاظ على توازنها عندما تنعطف انعطافًا شديدًا. أما عمودها الفقري فشديد الليونة، ويلعب دور النابض للقوائم الخلفية، مما يعطيها القدرة على الامتداد مع كل خطوة تخطيها. يندر للفهود أن تعدو لأكثر من 400 متر، وذلك بسبب احتمال ارتفاع درجة حرارة جسدها ارتفاعًا كبيرًا قد يقضي عليها، لذا يُلاحظ أنها تستريح لفترة وجيزة بعد كل عملية صيد قبل أن تبدأ بالاقتيات.

الأنماط اللونية والنمارية
من أشهر الأنماط النمارية عند الفهود النمط الفريد الذي يُعرف أصحابه "بملوك الفهود"، وقد اكتشف الأوروبيون هذا النمط للمرة الأولى سنة 1926 في المنطقة التي كانت تُعرف بجنوب روديسيا، وتُشكل حاليًا دولة زيمبابوي. وفي السنة الاحقة، قام عالم البيئة البريطاني "ريگنالد إينيس بوكوك" بوصف هذه الحيوانات بصفتها نوعًا مستقلاً بذاته، لكنه عاد وعدل عن رأيه هذا في سنة 1939 لقلّة الأدلة الداعمة له، وفي وقت سابق، في سنة 1928، ابتاع عالم الحيوان والسياسي البريطاني "والتر روثتشايلد" جلدًا يعود لأحد ملوك الفهود كان نمط نماره وسطًا بين نمار الفهود المألوفة والملوك منها، وقال فيه الصيّاد وعالم البيئة الإنگليزي أنه مجرد لون مختلف لفهد عادي. عُثر على 22 جلدًا من هذه الجلود في الفترة الممتدة بين سنتيّ 1926 و1974، ومنذ سنة 1927، لم ترد سوى 5 تقارير تفيد برؤية فهود ملوك في البرية، ولم يتم التقاط صورة لأي فرد حي منها سوى في عام 1974 وذلك في منتزه كروغر الوطني بجنوب أفريقيا، وفي العام التالي التقطت الصورة الثانية لها على يد الباحثين في علم الحيوانات الخفية "پول" و"لينا بوتريل" أثناء حملة قاما بها بحثًا عن فهود برية من هذا الشكل، واستطاعا أيضًا صيد أحدها والاحتفاظ به محنطًا، وقد بدا ذلك الفرد أكبر حجمًا من الفهود المألوفة، وكان فرائه ذا بنية مختلفة. وفي سنة 1986 شوهد ملك فهود آخر في البرية، وكانت تلك المشاهدة الأولى منذ 7 سنوات، وبحلول سنة 1987 كان قد تم توثيق وجود 38 فردًا من تلك الحيوانات عن طريق عينات من جلودها في معظم الأحيان.

إنفض الجدال حول تصنيف ملوك الفهود في سنة 1981 عندما ولد اثنين منها خلال شهر مايو في "مركز إكثار الفهود البرية والحياة البرية" في جنوب أفريقيا، حيث أنجبت فهدتين شقيقتين بطنين يحوي كل منهما على ملك فهود واحد. وكانت كلا الفهدتان قد تزاوجتا مع ذكر قُبض عليه في إقليم الترنسڤال حيث وردت تقارير عديدة تفيد بوجود ملوك الفهود في تلك النواحي. وفي وقت لاحق ولد المزيد من ملوك الفهود في ذات المركز. يُعتقد أن الفهود قاطنة زيمبابوي وبوتسوانا وشمال إقليم الترنسڤال بجنوب أفريقيا، من إناث وذكور، هي الفهود الوحيدة في العالم ذات المورثة الغالبة التي تجعل بعضًا من ذريتها يولد بهذا الشكل، ولهذا السبب فإن ملوك الفهود نادرة أشد الندرة.
إن معظم الأنماط الأخرى لفراء الفهود معروفة من الفهود المستأنسة التي كان الأمراء الهنود يحتفظون بها للصيد، وهي تشمل: النمط عديم الرقط، الأسفع، الأمهق، والرمادي. كان إمبراطور الهند المغولي "نور الدین سلیم جهانگیر" يحتفظ بفهد أبيض قُدم له هدية في سنة 1608، أي في السنة الثالثة لتربعه على العرش، وقد ذكر ذلك في كتاب مذكراته الذي حمل عنوان "تزك جهانگیري"، فقال: «أحضر رجا ديو بير سينغ فهدًا أبيض يعرضه عليّ، وما كانت عيناي قد وقعت على فهد أبيض من قبل.... على أن طيورًا ووحوشًا أخرى يُعرف بياضها. كانت نماره زرقاء اللون عوض أن تكون سوداء، وجسده الناصع ضارب إلى الزرقة في بعض أنحائه». يفترض العلماء أن المعلومات الواردة في مذكرات الإمبراطور تفيد بأن هكذا فهود تعاني من طفرة بياض تخفف من نسبة الأصباغ في رمح شعرها، الأمر الذي يجعل من رقطها السوداء تظهر بلون رمادي ضبابي ومن فرائها الباهت أصلاً أبيض اللون بعض الشيء. وبالإضافة إلى هذا الفهد المذكور الذي احتفظ به الإمبراطور في عاصمة ملكه "أكرة"، وردت تقارير أخرى تفيد بأن فهدًا أمهقًا قُبض عليه بالقرب من بلدة "بوفورت الغربية" الواقعة بإقليم غربي رأس الرجاء الصالح بجنوب أفريقيا.

وُصف فهد أسفع، كان قد شوهد في منطقة ما وراء نهر نزويا بكينيا في سنة 1925 في رسالة إلى جمعية "البيئة في أفريقيا الشرقية"، كذلك أفاد أحد الحكام البريطانيين لجنوب أفريقيا أنه رأى فهدًا أسفع إلى جانب آخر مرقط في زامبيا، خلال نفس الحقبة الزمنية. أفاد البعض أيضًا برؤيته لفهود حمراء ذات رقط سمراء وأهاب ذهبي، وقال آخرون أنهم شاهدوا فهودًا قشدية ذات رقط حمراء باهتة وأهاب باهت. يُلاحظ أن الفهود قاطنة الصحراء غالبًا ما تكون أبهت لونًا من تلك قاطنة السهول، ولعلّ ذلك يُساعدها على التموّه وسط الرمال عندما تصطاد. وهناك نمط لوني نادر للفهود هو النمط الأردوازي، الذي تكون أصحابه رمادية باهتة ذات رقط أردوازية أو رمادية داكنة، كذلك هناك النمط عديم الرقط، وهو معروف من فهد وحيد قُتل عام 1921 في تنزانيا كان لديه قليل من الرقط الشديدة الصغر على عنقه وظهره. ومن أنماط فراء الفهود الشهيرة إلى جانب نمط الملوك، النمط الصوفي، وكانت أصحاب هذا النمط تشتهر بفرائها الأطول والأكثف، وقد اعتقد العلماء بادئ الأمر أنها تُشكل نوعًا مستقلاً بذاته قبل أن يعدلوا عن فكرتهم في وقت لاحق. لوحقت هذه الحيوانات واصطيدت بلا هوادة لغرض دراستها وللترفيه كذلك الأمر، فما كان من نتيجة ذلك إلا أن اختفى جميع الأفراد حاملة تلك الطفرة بحلول عقد الثمانينات من القرن التاسع عشر. كانت هذه الحيوانات أثخن جسدًا وأقصر قامةً من الفهود المألوفة، وكان فراؤها طويل كث على العنق والذيل بشكل خاص، ورقطها شديدة البهتان.

السلوك والخواص الأحيائية
التناسل ودورة الحياة
تصل إناث الفهود لمرحلة النضج الجنسي عندما تبلغ عامها الثاني أو الثالث، أما الذكور فتصل مرحلة البلوغ عندما تبلغ السنة من العمر، إلا أنها لا تتزاوج عادةً قبل أن تبلغ 3 سنوات. تتناسل الفهود طيلة أيام السنة ولا تتقيد بموسم محدد، إلا أن الولادات تبلغ ذروتها في موسم الأمطار، وقد أظهرت دراسة أجراها بعض العلماء في سهول السيرينگتي بشرق أفريقيا أن إناث الفهود غالبًا ما تتجامع وذكور عديدة وتنجب جرائها من عدد منها.

تلد الأنثى بطنًا يتراوح عدد أفراده بين 3 و5، على أنه يحتمل أن يصل إلى 9، بعد فترة حمل تدوم ما بين 90 و98 يومًا، وذلك في أفحوص تستره الأعشاب الطويلة عن العيون. يتراوح وزن الجراء عند الولادة بين 150 و300 غرام (بين 5.3 و11 أونصة)، وعلى العكس من الكثير من أنواع السنوريات، تولد الفهود بذات الرقط المميزة لها وتحتفظ بها طيلة حياتها، كذلك فإن ما يميز جراء الفهود عن صغار السنوريات الأخرى أنها تولد بفراء مبطن ناعم يمتد من وسط ظهرها على طول عنقها، يُطلق عليه تسمية "العباءة"، ومنه جاء اسم نوعها (باللاتينية: jubatus)، ( يُسمى جرو الفهد بالعربية العوبر) ويمنحها هذا الفراء مظهرًا أعرفًا طيلة سنوات صغرها، قبل أن يتساقط مع تقدمها بالسن. يقول بعض العلماء أن عرف الجراء يساهم في حمايتها من الضواري، إذ أنه يجعل الفرد منها يبدو للناظر وكأنه غرير عسل، وهذه الأخيرة حيوانات شرسة من فصيلة العرسيات قادرة على مقارعة النمور حتى.
يبدأ عرف الجراء بالتساقط في شهرها الثالث، ويُستبدل بفراء الفهود البالغة، إلا أنها تبقى تحتفظ بشعر عنقها الطويل حتى تبلغ سنتين من العمر. تُفطم الصغار خلال الفترة الممتدة بين شهرها الرابع والسابع وتبدأ بتعلم الصيد في هذه المرحلة، حيث تُرافق والدتها وتراقب عملية المطاردة والقتل، وقد تحضر الأم لجرائها طريدة حية من شاكلة الأخشاف أو الأرانب البرية وتتركها تتمرس على قتلها. تبقى الصغار مع والدتها حوالي سنة ونصف قبل أن تذهب في سبيلها وتسيطر على أحواز خاصة بها. تُعد نسبة الوفيات بين جراء الفهود مرتفعة جدًا، حيث ينفق 90% منها قبل أن يبلغ عامه الأول، وذلك يعود لأسباب مختلفة، منها الأمراض وافتراس الضواري الأكبر حجمًا لها، من شاكلة الأسود والنمور والضباع، إضافة إلى ذكور الفهود الغريبة. تعتبر الأشهر الثمانية عشر الأولى من حياة الجراء أهم فترة بالنسبة لها، إذ أنها تتعلم خلالها كل ما تحتاجه للبقاء من والدتها، وبحلول شهرها الثامن عشر، تقوم الأم بهجر جرائها، فتؤلف الأخيرة زمرة أخوية وتبقى سويًا طيلة 6 أشهر في العادة، وعندما تبلغ الإناث منها سنتين من العمر، فإنها تُقدم على مغادرة الزمرة والعيش بمفردها، أما الذكور فتبقى سويًا طيلة حياتها. يصل أمد حياة الفهد لحوالي 12 سنة في البرية، وقرابة 20 سنة في الأسر.

السلوك المناطقي
تعتبر الفهود، وبشكل خاص الذكور منها، أكثر السنوريات حبًا للاجتماع بعد الأسود. تعيش الذكور من ذات البطن مع بعضها البعض في مجموعات طيلة حياتها، وبحال حوى البطن ذكرًا وحيدًا، فإن هذا الأخير سوف يُشكل ثنائيًا مع ذكر وحيد آخر، أو مجموعة مع ذكرين، وفي بعض الأحيان تنضم ذكور وحيدة إلى مجموعة مكونة من بضعة أشقاء، بحال تقبلت الأخيرة ذلك. يُطلق على مجموعة الفهود تسمية "حلف" أو "تحالف"، وفي دراسة لفهود السيرينگتي من سنة 1987، تبين أن 41% منها يعيش منفردًا، 40% يعيش في أزواج، و19% يعيش في مجموعة من 3 أفراد.
تُعد فرصة تحالف الذكور بالاستيلاء على حوز خاص بها أكبر بست مرّات من فرصة الذكر المنفرد، إلا أن الدراسات أظهرت أنه على الرغم من ذلك، فهكذا مجموعة لا تقدر أن تسيطر على حوزها لفترة أطول من تلك التي يُسيطر فيها ذكرًا منفردًا على حوزه، أي لحوالي 4 سنوات. يمكن لحوز الأنثى أن يبلغ مساحةً شاسعة، لذا يصعب على الذكور السيطرة على منطقة تضم حوز عدد من الإناث لاستحالة الدفاع عن حدودها ضد الذكور الأخرى، وعوضًا عن ذلك يقوم الذكر بالسيطرة على المنطقة التي تلتقي فيها بضعة أحواز تعود لإناث مختلفة، مما يزيد من فرصته للتناسل ودرء الخطر عن حدود منطقته. تتأثر مساحة حوز الفهد ببضعة عوامل، منها: نسبة الموارد المتاحة والتي تعتمد عليها هذه الحيوانات للبقاء، فكلما كانت هذه النسبة قليلة كلما قلّت مساحة الحوز والعكس صحيح، لذا يُلاحظ أن مساحة أحواز الفهود في أفريقيا تتراوح بين 37 و160 كيلومترًا مربعًا (بين 14 و62 ميل مربّع)، ومن الموارد التي تعتمد الفهود عليها للبقاء: عدد كاف من الطرائد الصغيرة والمتوسطة الحجم، إضافةً لبعض السهول المنبسطة حيث تستطيع مطاردة فريستها والهرب من المفترسات الأخرى بسرعة فائقة إن لزم الأمر، فقد أظهرت بعض الدراسات أن مساحة حوز الفهود في أحراج جنوب أفريقيا تصل إلى 34 كيلومترًا مربعًا (13 ميلاً مربعًا)، أما في سهول ناميبيا وصحاريها، فقد تصل إلى 1,500 كيلومتر مربع (580 ميلاً مربعًا). ومن العوامل الأخرى المؤثرة في مساحة الحوز، نسبة الضواري الأكبر حجمًا في المنطقة، فكلما كان عدد النمور والأسود والضباع وسعادين الربّاح مرتفعًا، كلما انخفض عدد الفهود، ذلك أن تلك الضواري تقدم على الفتك بالفهود وجرائها كلما سنحت لها الفرصة، وبحال كان عددها منخفضًا فإن عدد الفهود يكون مرتفعًا بالمقابل، فقد لوحظ أنه في بعض أنحاء أفريقيا الشرقية حيث أبيدت المفترسات الضخمة، أصبح بالإمكان رؤية مجموعات ضخمة من الفهود يتراوح عدد أفرادها بين 14 و19 فهدًا.
تُعلّم الذكور حدود حوزها عبر رش بولها على الأشجار والصخور وتلال النمل الأبيض، وبحال كانت تُشكل حلفًا، فإن جميعها تقدم على رش البول لتزيد من قوّة رائحته وعبقه ولتُعلم الذكور الأخرى بوجودها. وذكور الفهود حيوانات مناطقية تدافع عن حدود حوزها بشراسة، وهي تستميت غالبًا في ذلك لدرجة أن أي نزاع مناطقي بينها غالبًا ما ينجم عنه موت أحد الطرفين أو إصابته إصابة بالغة.
تعتبر إناث الفهود فريدةً بين جميع السنوريات، إذ أنها لا تسيطر على حوز خاص بها، بل تبقى ضمن نطاق جغرافي معين يُطلق عليه تسمية الموطن أو الإقليم، يتقاطع مع ذلك الخاص بإناث أخرى غالبًا ما تربطها بها صلة دموية، كأن تكون بناتها أو شقيقاتها أو والدتها. تصطاد الإناث بمفردها على الدوام ولا تتعاون مع إناث أخرى على إسقاط أي طريدة، والحالة الوحيدة التي تصطاد فيها أنثى مع فهود أخرى، هي عندما ترافقها جرائها لتتعلم الصيد.

الأصوات
تصدر الفهود عددًا من الأصوات، لكنها لا تزأر كما السنوريات الكبرى، ذلك أنها لا تمتلك الخواص الأحائية اللازمة التي تمكنها من هذا. كان يُعتقد بأن السبب الذي يُمكن السنوريات الكبرى من الزئير هو التعظم غير الكامل للعظم اللامي، إلا أن الدراسات الحديثة أظهرت أن هذه القابلية ترجع إلى خصائصها التشكلية المميزة، وبشكل خاص تلك المتعلقة بالحنجرة. أما الأصوات التي تصدرها الفهود فتشمل:

النقيق: تُصدر الفهود نباحًا حادًا يُسمى نقيقًا عندما يحاول أحدها العثور على الأخر، وهذا النوع من الأصوات شائع بشكل خاص عند الأنثى ذات الجراء، حيث تصدره عندما تتواصل مع صغارها المختبئة أو التائهة ويمكن سماعه من على بعد كيلومترين. ونقيق جراء الفهود مميز بين أصوات صغار السنوريات، إذ أنه يبدو للسامع وكأنه تغريد عصفور، لذا يُطلق عليه البعض "الصفير".
التلعثم: تُصدر الفهود هذا النوع من الأصوات عند التقائها بفرد آخر من نوعها، ويُعبر ذلك عادةً عن رغبتها بالتواصل مع بني جنسها، أو عدم ارتياحها لوضع ما، أو عن رضائها، أو عند التقائها بفرد ينتمي للجنس الآخر. ويلاحظ أن كلا الجنسين يتلعثم لأسباب مختلفة.
الزمجرة أو الهدر: تقدم الفهود على إصدار هذا الصوت مرفقًا بهسهسة وبصاق عندما يضايقها أمر ما ويسبب لها توترًا، أو عندما تواجه خطر معين.
العواء: هو عبارة عن هدر أكثر حدة، وتصدره الفهود عادةً عندما يتفاقم الخطر الذي تتعرض له.
الخرخرة: تُصدر الفهود هذا الصوت عندما تكون راضية مستريحة، وذلك عند التقائها بفرد آخر تستريح له عادةً، كما في حالة الأم وجرائها. ومن خصائص الخرخرة أنها تصدر عبر الشهيق والزفير على حد سواء.
الحمية والصيد
الفهود حيوانات لاحمة تقتات عادةً على الثدييات التي يقل وزنها عن 40 كيلوغرام (88 رطلاً)، من شاكلة غزلان طومسون، الظباء القفّازة، غزلان گرانت، الإمبالا، وصغار الخنازير الثؤلولية. كذلك فهي تقتات في بعض الأحيان على صغار بعض الثدييات الأكبر حجمًا، مثل صغار النو وحمر الزرد، وعلى تلك البالغة منها في أحيان أخرى، على أنه يُشترط في الحالة الأخيرة أن تكون الفهود تصطاد في مجموعة. تقتات الفهود أيضًا على بعض الطرائد الأصغر حجمًا مثل الأرانب البرية، الثعالب خفاشية الأذنين، بنات آوى سوداء الظهر، وبعض أنواع الطيور قاطنة الأرض كالغرغر والحبارى وفراخ النعام. تصطاد الفهود في وضح النهار على العكس من معظم السنوريات الأخرى ليلية النشاط، وغالبًا ما تقدم على ذلك في الصباح الباكر أو عند الغروب، أي خلال أكثر فترات النهار برودةً والتي لا يزال فيها ما يكفي من النور للسماح بالرؤية.

تعتمد الفهود على حاسة النظر عوضًا عن حاسة الشم عند الصيد. تتسلل الفهود نحو طريدتها حتى تصبح على بعد يتراوح بين 10 و30 مترًا (33–98 قدمًا) منها ثم تقدم على مطاردتها، وتدوم المطاردة عادةً لأقل من دقيقة واحدة، وبحال فشل الفهد في الامساك بفريسته خلال هذه المدة، فإنه سوف يعدل عن المطاردة فورًا. تصل نسبة نجاح الفهود في الامساك بطريدتها إلى 50%، أي أنها تنجح في نصف محاولاتها وتفشل في النصف الآخر.

يسبب العدو بسرعة فائقة ضغطًا كبيرًا لجسد الفهد، فأثناء الركض ترتفع درجة حرارتها لتصل مستوى قاتلاً بحيث لو استمر الفهد على هذ المنوال لسقط ميتًا؛ ولهذا السبب غالبًا ما يرى الناظر الفهد وهو يستريح لفترة من الوقت بعد أن يمسك طريدته وقبل أن يقتات عليها، وتختلف المدة التي يحتاجها الفهد للاستراحة من عناء المطاردة باختلاف الفترة التي قضاها مطاردًا للفريسة، فإن كانت تلك الأخيرة قد دامت طويلاً، فإنه قد يحتاج نصف ساعة أو أكثر حتى يستجمع قواه وطاقته. تقتل الفهود طريدتها عن طريق تعثيرها أثناء المطاردة، ومن ثم تقوم بعضّ حلقها حتى تنفق الأخيرة اختناقًا أو جرّاء ثقب إحدى شرايينها الحيوية؛ ويعود سبب قتل الفهود لطريدتها بهذا الشكل لعدم تمتعها بالقوة الكفاية حتى تكسر عنق فرائسها من الظباء والغزلان كما تفعل السنوريات الأكبر حجمًا. تقدم الفهود على الاقتيات بأسرع ما يمكنها بعد نفوق الفريسة، تحسبًا لوصول ضوار أخرى قادرة على سلبها إياها. تتشاطر الفهود طريدتها مع بعضها البعض ولا تظهر عدائية تجاه أقاربها التي تشاركها الطعام أغلب الأحيان.
تختلف حمية الفهود باختلاف المنطقة التي تقطنها، ففي أفريقيا الشرقية على سبيل المثال، تقتات الفهود بدرجة رئيسية على غزلان طومسون، وهذه الغزلان أقصر وأبطأ من الفهود وأقل مقاومة من طرائد أخرى، مما يجعلها فريسة مثالية، وفي أفريقيا الجنوبية تصطاد الفهود الظباء القفّازة بشكل رئيسي، وهذه الأخيرة أكبر حجمًا من غزلان طومسون لكنها لا تزال أقل سرعة من الفهد وقليلة المقاومة مثلها في ذلك مثل الغزلان. أما في الهند فكانت الفهود تصطاد الظباء السوداء والغزلان الهندية بوتيرة أعلى من اصطيادها لأنواع أخرى. تنتقي الفهود الأفراد الشاردة عن القطيع في أغلب الأحيان وليس الأفراد المريضة أو الطاعنة في السن كما يُعتقد.

العلاقة مع الضواري الأخرى
على الرغم من سرعة الفهود وبراعتها بالصيد، إلا أنها غالبًا ما تخضع للضواري الأكبر حجمًا التي تشاطرها معظم موطنها، حيث أنها لا تستطيع الدفاع عن نفسها ضدها بعد أن فقدت قوتها الجسدية ومقدرتها على تسلق الأشجار لصالح سرعتها الفائقة أثناء عملية تطورها خلال آلاف السنين. تتجنب الفهود قتال أي حيوان ضار آخر في معظم الأحيان، وتقوم بهجر طريدتها لصالحه عوض أن تخاطر بتعرضها لإصابة قد تقعدها أو تؤثر على مقدرتها على العدو، مما قد يؤدي إلى فشلها بالصيد في كثير من الأحيان وبالتالي نفوقها جوعًا، ومن أبرز الضواري التي تسلب الفهود طرائدها، الضباع المرقطة الأكبر حجمًا والأقوى فكًا، فهذه لا تخشى الفهود وتقترب منها بثقة عمياء وتسرق طريدتها، ولا تقدم الفهود على مقارعة الضباع خوفًا من أفكاكها طاحنة العظام التي يمكن أن تحطم أحد أطرافها أو تقتلعها، ومن أكثر الأماكن حيث يُشاع حصول هكذا منازعة، منتزه ماساي مارا الوطني في كينيا، حيث تكتشف النسور موقع الصيد بسهولة نظرًا لانكشاف السهول، وتستدل عن طريقها الضواري الأخرى في المنطقة.

تصل نسبة احتمال فقدان الفهود طريدتها لصالح مفترس آخر إلى 50%. تتفادى الفهود منافسة الضواري الأخرى عن طريق صيدها في أوقات مختلفة من النهار لا تحبذها الأخيرة، وعبر اقتياتها فورًا على الفريسة بأسرع ما يمكن. وفي الآونة الأخيرة، أخذت الفهود الأفريقية تتعرض لمزيد من الضغوط من قبل المفترسات الأخرى نتيجة لتدمير المزيد من مساكنها وموائلها الطبيعية في تلك القارة على يد البشر، لغرض استصلاح الأراضي للزراعة وتربية الماشية.

تُقتل الفهود في كثير من الأحيان، وبشكل خاص الجراء منها، على يد الضواري الأخرى، ومعدل الوفيات بين الجراء مرتفع للغاية، إذ أن نسبته تصل إلى 90%، ومن المفترسات التي تستهدف الفهود وجرائها عمدًا: الأسود، النمور، الضباع، الكلاب البرية الأفريقية، والعقبان حتى. تقوم الأنثى بالدفاع عن جرائها ضد أي معتد، وفي بعض الأحيان تنجح في صد بعض الضواري وردها على أعقابها، كذلك غالبًا ما ينجح تحالف من الذكور بصد بعض الضواري الأخرى، شريطة أن يكون الذكور في هذا التحالف أكثر عددًا من المفترسات المعتدية وأن تقل الأخيرة عنها في قدها أو تماثلها. يعتبر الفهد البالغ السليم بمنأى نسبي عن معظم المفترسات نظرًا لسرعته الفائقة التي تمكنه من الهرب منها بسهولة.

الانتشار والمسكن
كانت الفهود واسعة الانتشار سابقًا في مختلف أنحاء أفريقيا وآسيا، أما اليوم فهي مبعثرة مع تجمع جمهراتها الرئيسية في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وحتى في تلك الناحية من العالم، يمكن العثور على جيوب معزولة منها في بعض الأماكن. أما في آسيا فما زالت هناك جمهرة صغيرة منها يُقدر عدد أفرادها بحوالي الخمسين في محافظة خراسان بإيران، حيث يحاول علماء الحيوان ودعاة حماية الحياة البرية الحفاظ عليها وإكثارها. تفيد بعض التقارير غير المؤكدة بوجود بعض الفهود في جنوب شبه الجزيرة العربية والهند، كذلك كانت تقارير أخرى قد أفادت عبر السنين أن عددًا من الفهود لا تزال تقطن محافظة بلوشستان في باكستان، وقد أُكدت صحة هذه المزاعم عندما عُثر على جيفة فهد في تلك النواحي خلال السنوات القليلة الماضية. تقلص موطن الفهود خلال القرن العشرين بنسبة 76%، الأمر الذي أدى إلى تراجع أعدادها بشكل كبير، بعد أن كان يصل في مستهل ذلك القرن إلى 100,000 فرد.

تفضل الفهود سكن الأراضي المكشوفة الواسعة ذات الطرائد الوفيرة، حيث تستطيع اللجوء إلى سرعتها للصيد والنجاة بحياتها إن لزم الأمر. ومن الموائل التي تفضلها الفهود: المناطق شبه الصحراوية، المروج، السهول العشبية، السڤانا، وأراضي الأشجار القمئية المكشوفة، ويمكن للفهود أن تعيش في أنواع مختلفة من المساكن في ذات المنطقة أو البلد، وأن تتنقل بينها، ففي ناميبيا على سبيل المثال، يمكن رؤية الفهود في السهول العشبية، السڤانا، الأجام الكثيفة، والمناطق الجبلية. كان الأرستقراطيون يستأنسون الفهود في الكثير من أنحاء موطنها السابق ويستخدموها لصيد الغزلان والظباء، كما تُستخدم اليوم كلاب الصيد بسلالاتها المختلفة.

تمثيل الفهد في الثقافة الإنسانية
الأهمية الاقتصادية
كانت بعض الشعوب تنظر إلى فراء الفهود على أنه يُمثل رمزًا اجتماعيًا مرموقًا، حيث كان بعض الملوك والأمراء يرتديه أو يعرضه على أرض بلاطه، أما اليوم فإن أهمية الفهود الاقتصادية تتمثل في ما تحققه من عوائد للمحميات الطبيعية والمنتزهات وحدائق الحيوان، حيث يدفع السيّاح مبلغًا من المال مقابل مشاهدتهم لها في مؤلها الطبيعي ورؤيتها تتفاعل وطرائدها والضواري الأخرى. والفهود إحدى أقل السنوريات عدائية تجاه الإنسان، ويمكن لفضولها أن يدفعها حتى تتسلق سيارات السفاري وتتفقدها، وفي بعض الأحيان تستخدمها كمطل كاشف لمحيطها، أو تستظل في ظلها إلى جانب البشر القابعين بداخلها. يمكن ترويض الفهود بسهولة نظرًا لقلة عدائيتها، وهناك بعض التجار الذين يقومون بتزويج أفراد منها في الأسر وبيع جرائها كحيوانات أليفة.

كانت الفهود، ولا تزال في بعض الأحيان، تُصاد من قبل المزارعين ومربي المواشي اعتقادًا منهم بأنها تفتك بحيواناتهم، وهناك عدد من الجمعيات والأشخاص الذين يقيمون برامج توعية للمزارعين لتثقيفهم عن هذه الحيوانات وتشجيعهم على عدم قتلها واللجوء إلى أساليب أخرى للتخلص منها، كنصب أفخاخ غير قاتلة لها ونقلها لأماكن أخرى. أظهرت بعض الدراسات أن الفهود لا تقدم على مهاجمة الماشية إلا بحال كانت يائسة للحصول على طعام، وأنها تفضل الطرائد البرية، ذلك أنها تخشى البشر وكلاب الحراسة وتربط بينها وبين الماعز والخراف، إلا أنها على الرغم من ذلك لا تتجنب الأراضي الزراعية بل تدخلها في نطاق حوزها وتجول بها، الأمر الذي يؤدي إلى نزاع بينها وبين ملاّك تلك الأراضي.

الاستئناس
استؤنست الفهود واستخدمت في الصيد من قبل العديد من الشعوب عبر الزمن، فقد احتفظ المصريون القدماء بها كحيوانات أليفة وقاموا بترويضها واستخدامها في صيد الغزلان والظباء والأرانب البرية، حيث كانوا يحملوها معهم في رحلات الصيد في عربات جانبية صغيرة، أو على ظهور الخيل، ويعصبون عيونها ويمسكون برسنها ريثما تقوم الكلاب بإفزاع الطريدة وحملها على الخروج للملأ، وما أن تصبح الأخيرة قريبة بما فيه الكفاية حتى تُزال العصابة عن أعين الفهد ويُطلق في أثر الفريسة. وفي وقت لاحق اقتبس الفرس هذا التقليد ومارسوه في بلادهم، ثم نقلوه إلى الهند حيث استمر الأمراء الهنود يطبقونه حتى بداية القرن العشرين. وكانت العرب قد اقتبست هذه الرياضة أيضًا من الفرس والمصريين عن طريق التفاعل الذي حصل جرّاء التبادل التجاري في بادئ الأمر، ومن ثم جرّاء الفتح الإسلامي، وكذلك فقد اقتبس الصليبيون هذا الأمر من العرب خلال فترة الحروب الصليبية، ونقلوه إلى أوروبا حيث مارسه عدد من النبلاء الإيطاليون والفرنسيون. كان الحكّام الروس يستخدمون الفهود في صيد ظباء السايگا قاطنة حوض نهر الفولگا، وكذلك فعل الأمراء الأرمن، حيث ذكر أحد الرحالة الألمان من القرن الخامس عشر، أن أميرًا أرمنيًا امتلك حوالي 100 فهد مدرّب على الصيد. استمرت الفهود تعتبر رمزًا أرستقراطيًا وملكيًا طيلة سنوات عديدة، وازدادت نسبة الملوك والأمراء الذين احتفظوا بها كحيوانات أليفة بازدياد العلم والمعرفة بسرعتها ونسبة نجاحها في الصيد، ومن أشهر الملوك الذين احتفظوا بفهود في بلاطهم: "جنكيز خان" خاقان إمبراطورية المغول، و"شارلمان" ملك الإفرنج وإمبراطور الرومان، إضافة إلى "جلال الدين محمد أكبر" إمبراطور الهند المغولية، المعروف بحبه للحيوانات والصيد، والذي احتفظ بحوالي 1000 فهد مستأنس. استمر احتفاظ الملوك بفهود مستأنسة حتى عقد الثلاثينات من القرن العشرين، ومن آخر هؤلاء الملوك نجاشي الحبشة "هيلا سيلاسي الأول"، الذي غالبًا ما يظهر في صوره وإلى جانبه فهد مربوط برسن.

وفي الوقت الحالي فإن استئناس الفهود واستخدامها في الصيد محصور بيد قلة من الناس الذين يحنون إلى تراث أجدادهم، مثل بعض المشايخ والأثرياء العرب من دولة الإمارات العربية المتحدة، الذين يبتاعون جراءً من السوق السوداء ويقومون بتدريبها على صيد الغزلان والأرانب البرية.

الحفاظ على النوع
تعاني الفهود كثيرًا في مراحل حياتها الأولى بفعل افتراس الضواري لها وسهولة تعرضها للامراض المميتة بسبب ضعف مقاومتها العائد لقلة تنوعها الوراثي، وهي قد تولد مصابة بعيب أو عدّة عيوب خلقية كأسنان ضيقة، ذيول ملوية، أو أطراف محنية. يعتقد بعض علماء الأحياء أن الفهود لن يُكتب لها البقاء والازدهار بسبب تناسلها الداخلي الذي بلغ حدًا من الجسامة وأصاب النوع ككل بضرر لا يمكن الرجوع عنه وإصلاحه.
يُصنف الخبراء في الاتحاد العالمي للحفاظ على الطبيعة الفهود على أنها مهددة بالانقراض بدرجة دنيا، وأن السلالة الآسيوية منها مهددة بدرجة قصوى أما السلالات الأفريقية فيصدق عليها وضع النوع ككل. وكذلك يفعل قانون الأنواع المهددة بالانقراض الأمريكي، حيث يُصنف الفهود كحيوانات مهددة، وهذه هي الحال أيضًا في اتفاقية حظر الإتجار بالأنواع المهددة بالانقراض (CITES) حيث يضع الخبراء الفهود ضمن قائمة الحيوانات المذكورة في الملحق الأول من الاتفاقية، وهي القائمة التي تضم الأنواع غير المهددة ولكن يحتمل تأثرها بالتجارة. هناك قرابة 12,400 فهد باق على قيد الحياة اليوم في 25 بلدًا أفريقيًا، تأوي ناميبيا العدد الأكبر منها والذي يصل إلى 2,500 فهد. يُعتقد أن حوالي 50 أو 60 فهدًا آسيويًا لا يزال يعيش في إيران، وأن بعضًا منها يُحتمل وجوده في باكستان. قام المحافظون على الحياة البرية بإنشاء عدّة برامج تزاوج وإكثار للفهود في عدد من حدائق الحيوان حول العالم، وقد تضمنت بعض تلك البرامج اللجوء إلى الحمل الاصطناعي. ومن حدائق الحيوانات والمؤسسات التي نجحت بإكثار الفهود محمية جزيرة صير بني ياس بالإمارات العربية المتحدة، التي يُعتقد أيضًا أنها أول مؤسسة حفاظ على الحياة البرية استطاعت إعادة فهود مولودة بالأسر إلى البرية ودمجها فيها.

قام بعض الباحثين ومحبي الحياة البرية سنة 1990 بتأسيس جمعية "صندوق الحفاظ على الفهود" (بالإنگليزية: Cheetah Conservation Fund، CCF) في ناميبيا، ويهدف هذا المشروع ليكون مصدر التمويل العالمي الأول لجميع مشاريع الحفاظ على الفهود، ويعمل أفراده على تثقيف أصحاب الأراضي والمزارعين والقرويين الذين يشاركون الفهود موطنها وإقناعهم باللجوء إلى أساليب أخرى غير فتاكة لحماية مواشيهم واقصار رعي الأخيرة على مناطق محددة دون الأخرى كي يبقى للفهود مخزونًا كافيًا من الطرائد البرية.

ومن الجمعيات الأخرى التي تأسست لأغراض مشابهة، "مؤسسة الحفاظ على الفهود" (بالإنگليزية: Cheetah Conservation Foundation) الجنوب أفريقية واسعة الصلات، وهي تتعاون مع عدد من المؤسسات الأخرى الهادفة لإنقاذ الفهود عبر تدريبها باحثيها وتقديم النماذج الناجحة من مشاريعها لها إضافة للموارد اللازمة، ومن الدول التي تتعاون معها: بوتسوانا، جنوب أفريقيا، زيمبابوي، الجزائر، وإيران.

مشاريع إعادة الادخال في الهند والإمارات
كانت الفهود شائعة في الهند حتى عقد الأربعينات من القرن العشرين، عندما قُتل آخرها على يد مهراجا مقاطعة سورگوجا سنة 1947، بشرق ولاية ماضية براديش، وتشير بعض المصادر الأخرى أن آخر فهد في الهند قتل سنة 1962. أعلنت الفهود منقرضة في البلاد بصورة رسمية سنة 1952، وكانت أول نوع من الحيوانات يندثر في تلك الناحية من العالم لأسباب غير طبيعية. وفي أوائل القرن الحادي والعشرين، اقترح بعض العلماء الهنود من مركز علم الأحياء الجزيئية والخلوية في حيدر أباد، اقترحوا نقل زوج من الفهود الآسيوية من إيران واستنساخها ثم إطلاق سراحها بالبرية، أو السماح لفريق منهم بالذهاب إلى إيران واحضار خلايا حية من بعض الفهود الباقية هناك، لكن إيران رفضت هذا الطلب وأعلنت على لسان سفيرها في دلهي أنها لن تسمح بإرسال أي فهود إلى الهند، أو السماح لأي علماء هنود بدخول أراضيها. وبتاريخ 7 يوليو سنة 2009، أي بعد حوالي 60 سنة من انقراض الفهود في الهند، اقترح وزير البيئة والغابات الهندي "جايرام راميش" إعادة إدخال الفهود وتوطينها في بيئتها السابقة والعمل على إكثارها، وذلك عن طريق إحضار بضعة منها من أفريقيا وتزويجها في الأسر لفترة من الزمن ثم إطلاقها في البرية، وقد قابلت الحكومة الهندية هذا الطلب بالإيجاب، وشرعت في إبرام دراسة لتحديد أكثر المواطن ملائمة للفهود، ومن المناطق المقترحة: محمية سهول باني في ولاية گوجرات، ومنتزه الصحراء الوطني في ولاية راجستان.
وكما في الهند، كانت الفهود واسعة الانتشار في شبه الجزيرة العربية، لكن اعدادها أخذت تتراجع شيءًا فشيئًا جرّاء الصيد المكثف غير المنظم، حتى قتل آخرها في السعودية سنة 1972. وفي أواخر سنة 2008 أحضر العلماء العاملين في محمية جزيرة صير بني ياس الواقعة قبالة شاطئ مدينة أبوظبي 3 فهود من سلالة سومرنج (Acinonyx jubatus soemmeringii) القريبة من السلالة الآسيوية من مركز الشارقة لإكثار الحياة البرية العربية، وأطلقوها في حظيرة تبلغ مساحتها 24 هكتارًا حتى تتأقلم مع مناخ وبيئة الجزيرة. وقد اضطر العلماء إلى تلقين هذه الفهود أساليب الصيد بنفسهم بما أنها مولودة بالأسر ولم تتعلم الصيد على يد أمهاتها، وكان البعض يتوقع فشل هذا المشروع نظرًا لاعتماد الفهود على البشر بشكل كبير، إلا أنه فاق في نجاحه ما توقعه الجميع، حيث أخذت الفهود تصطاد أنواعًا مختلفة من الطرائد الموجودة على الجزيرة مثل الريم وغزلان الجبال والظباء السوداء والأيائل المرقطة حتى، وفي وقت لاحق تزاوجت الأنثى الوحيدة مع الذكرين وأنجبت بطنًا يحتوي على 4 جراء لتكون بذلك أول جراء فهود برية تولد في شبه الجزيرة العربية منذ حوالي 40 سنة.

في الميثولوجيا والحضارة البشرية
لعبت الفهود دورًا في الميثولوجيا والحضارة البشرية منذ القدم، فقد اكتشف علماء الآثار أختامًا سومرية في بلاد مابين النهرين تحمل نقشًا لفهود وتعود لحوالي 5000 سنة، كذلك كان المصريون القدماء يعتقدون بأن الفهود حيوانات مقدسة وإنها رمز الازدهار، وجعلوا منها آلهة في مصر السفلى حيث كانوا يدعون الفرد منها "بالسنور الإله"، وكان الفراعنة يحتفظون بفهود إلى جانبهم اعتقادًا منهم أنها تحمي العرش وصاحبه. وقد عُثر في ضريح الملك "توت عنخ آمون" على بضعة حرفيات تمثل الفهود وُضعت لحماية جثمانه من اللصوص والأرواح الشريرة على الأرجح. تفيد بعض التقارير أن عددًا من قبائل البوشمن في أفريقيا الجنوبية استمرت تصطاد الفهود وتأكل لحمها حتى عقد الستينات من القرن العشرين. ظهرت الفهود في عدد من المؤلفات الأدبية واللوحات الفنية خلال العصور الحديثة، ومن هذه الأعمال: لوحة الرسام الإيطالي من عصر النهضة "تيتيان"، حاملة عنوان "باخوس وأريادن"، والتي تُظهر عربة الإله الروماني "باخوس" تجرها فهود، ومن الجدير بالذكر أن تصوير الفهود في تلك اللوحة يرجع إلى شيوع استئناسها في تلك الفترة في إيطاليا واسخدامها في الصيد. كذلك تظهر الفهود في لوحة للفنان البريطاني "جورج ستبز" تحمل عنوان "فهد وخادمين هنديين وأيل (بالإنگليزية: Cheetah with Two Indian Attendants and a Stag) وهي تُظهر الفهد كحيوان صياد، وتصف تقديم أحدها هدية إلى الملك "جورج الثالث" من "السير جورج پيگوت"، الحاكم الإنگليزي لمدينة مدراس. تمثل لوحة الرسام الرمزي البلجيكي "فرناند كنوپ" حاملة عنوان "العناق" أسطورة أوديب وأبو الهول، وفيها تظهر امرأة بجسد فهد تعانق رجلاً. يتكلم الكاتب الفرنسي "أندريه مرسير" في روايته "صديقنا يامبو" عن زوجين فرنسيين يتبنيان فهدًا ويحضرانه للعيش في منزلهما في باريس، ويعتبر البعض أن هذه الرواية جاءت ردًا على فيلم "ولدت حرة" (بالإنگليزية: Born Free) لسنة 1960، والذي قامت كاتبة قصته "جوي آدمسون" بكتابة رواية عن الفهود بدورها حملت عنوان "أبو الهول الأرقط" (بالإنگليزية: The Spotted Sphinx). يذكر الكاتب البريطاني "پاتريك أوبراين" في روايته "حسين، ترفيهة" (بالإنگليزية: Hussein, An Entertainment) التي تدور أحداثها في الهند البريطانية، كيف أن الملوك والأمراء كانوا يحتفظون بالفهود ويدربوها على صيد الظباء. يُعتبر اسم "فهد" اسمًا عربيًا شائعًا في دول الخليج العربي خصوصًا، ومن أشهر الأشخاص الذين حملوه "فهد بن عبد العزيز آل سعود"، خامس ملوك السعودية والذي توفي بتاريخ 1 أغسطس سنة 2005.

فرنسا

فرنسا

فَرَنسَا (بالفرنسية: La France)، رسمياً الجُمهُوريّة الفَرَنسِيَّة (بالفرنسية: la République française)، هي جُمهُوريّة دُستوريّة ذات نظّام مركزيّ وبرلمانيّ ذِي نَزعة رئاسية، ويبلغُ عدد سُكانها حوالِيّ 66 مليون نسمة، وهي تقع في أوروبا الغربية، ولها عدة مناطق وأقاليم منتشرة في جميع أنحاء العالم  عاصمتها بَارِيس، ولُغتها الرسميّة هي الفرنسِيّة وعملتها اليورو، شعارها (حرية مساواة إخاء)، علمها مُكَوّن من ثلاثة أَلوان عموديّة بالترتيب أزرق،أبيض،أحمر نشيِّدُها الوطنِيّ هو لامارسييز. وفَرنسا هي بلد قديم يعود تكوينه للعُصُور الوُسطى، وتُعتبر إحدى المناطق المهمة في أُورُوبَّا. منذ لعُصُور الوُسطى، وقد وصلت فَرنسا إلى أوج قوتها خلال القرن 19 وأوائل القرن 20، إذ امتلكت ثاني أكبر إمبراطورية استعمارية في 1950 بعد الامبراطوراية البريطانية العظمى. وفَرنسا هي إحدى الدول المؤسسة لِلاِتِّحادِ الأورُوبِّي، وأحد الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن الدولي، كما أنها عضو في العديد من المؤسسات الدولية، بما في ذلك الفرانكُوفُونِيّة، مجموعة الثمانية ومجموعة العشرين، حلف شمال الأطلسي، منظمة التعاون والتنمية ومنظمة التجارة العالمية، و الاتحاد اللاتيني، وهي أكبر بلد في أوروبا الغربية والاتحاد الأوروبي من حيث المساحة وثالث أكبر دولة في أوروبا بشكل عام بعد روسيا وأوكرانيا،

وتلعب فَرنسا دورا بارزا في تاريخ العالم من خلال تأثير ثقافته وانتشار اللغة الفرنسية، وقيمه الديمقراطية والعلمانية والجمهورية في كامل القارات الخمس، وتعدّ فَرنسا مركزا عالميا بارزا للثقافة و الموضة و نمط الحياة، وهي تضم رابع أكبر قائمة من حيث مواقع التراث العالمي لليونسكو، وصل عدد زوارها من السواح ما معدله 83 مليون سائح أجنبي في السنة أي أكثر من أي بلد في العالم بأسره.

وتعدّ فَرنسا إحدى الدول العملاقة في المجالات الاقتصادية والعسكرية والسياسية الهامة في أوروبا بشكل خاص وحول العالم بشكل عام وهي سادس أكبر دولة من حيث الإنفاق العسكري في العالم، وثالث أكبر مخزون للأسلحة النووية، وثاني أكبر سلك دبلوماسي بعد الولايات المتحدة. وهي أيضا ثاني أكبر اقتصاد في أوروبا. و الخامس من حيث الناتج المحلي الإجمالي في العالم. أما من حيث إجمالي ثروات الأسر، ففَرنسا هي أغنى دولة في أوروبا والرابعة في العالم. يتمتع المواطن الفرنسي بمستوى عال من المعيشة، فالبلد له أداء جيد في التصنيف العالمي من التعليم والرعاية الصحية، والحريات المدنية، ومؤشر التنمية البشرية.
أصل التسمية
اسم فَرنسا مشتق من كلمة "فرانك" (بالفرنسية: franc) أي فرنجة وهو شعب جرماني جاء من الشمال ليستقر في فَرنسا، استُعملت بعد سقوط روما لغاية العصور الوسطى للدلالة على البلاد التي فيها فَرنسا حاليا، بتتويج هيو كابيت ملك الفرنجة أشير إليها بمملكة فَرانسيا، ثم رسميا فَرنسا في عهد فيليب أغسطس. لا تزال معروفة فَرنسا لليوم.

تطبق أصلا إلى الفرنجة الإمبراطورية بأكملها، واسم "فَرنسا" يأتي من فَرنسا اللاتينية، أو "دولة الفرنجة". لا تزال فَرنسا الحديثة التي تسمى اليوم فَرانسيا باللغة الإيطالية والإسبانية، الفرنسية باللغة الألمانية وباللغة الهولندية، وكلها لها نفس المعنى التاريخي.

هناك نظريات مختلفة لأصل اسم فرانك. وبعد سوابق إدوارد جيبون ويعقوب غريم، وقد تم ربط اسم الفرنجة مع كلمة صريحة (مجاني) في اللغة الإنجليزية. فقد قيل أن معنى "الحرة" اعتمد لأنه بعد غزو بلاد الغال، وكانت فقط فرانكس خالية من الضرائب. هناك نظرية أخرى أنه مشتق من كلمة فرانكون بروتو الجرمانية، والتي تترجم إلى رمي الرمح أو انس بوصفها الفأس رمي الفرنجة كان يعرف باسم فرانسيسكا. ومع ذلك، فقد ثبت أن هذه الأسلحة كانت اسمه بسبب استخدامها من قبل الفرنجة، وليس العكس.

الجغرافيا
الموقع والحدود
بالنسبة للجزء الأوروبي من فَرنسا فإنه يقع غرب قارة أوروبا. يحدها من جهة الشمال بحر الشمال، ومن الشمال الغربي بحر المانش، والمحيط الأطلنطي غرباً والبحر الأبيض المتوسط جهة الجنوب الشرقي. تحدها من بلجيكا ولوكسمبورج إلى الشمال الشرقي، وألمانيا وسويسرا جهة الشرق، وتحدها من جهة الجنوب الشرقي كلا من إيطاليا وموناكو. أما جهة الجنوب الغربي فتحدها كلا من إسبانيا وأندورا. أما بالنسبة للحدود الطبيعية، فيظهر جهتي الجنوب والشرق سلاسل الجبال: جبال البرانس وجبال الألب وجبال جورا. أما الحدود الشرقية فهي على نهر الراين. في حين أن الحدود الشمالية الشرقية غير طبيعية. أما بالنسبة للجزر؛ فتظهر جزيرة كورسيكا كأكبر الجزر بجانب العديد من الجزر الصغيرة. لذلك؛ يظهر أن البر الرئيسي للجُمهُوريّة الفَرنسِيَة يمتد بين دائرتي عرض 46" 19' 42° شمالاً و47" 5' 51° شمالاً، وخطي طول 46' 4° غرباً و42" 14' 8° شرقاً، أي أن البر الرئيسي يمتد حوالي 1000 كم من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب.

مقاطعات وأقاليم ما وراء البحار الفرنسية هي المسمى الذي يُطلق على مكونات الجُمهُوريّة الفَرنسِيَة خارج القارة الأوروبية، وتلك التوابع موجودة في جميع محيطات العالم باستثناء المحيط المتجمد الشمالي. وتختلف بعض المناطق والأقاليم عن بعضها بحسب نظام الإدارة المحلية، ويمكن تقسميها إلى:

في قارة أمريكا الجنوبية: غيانا.

في المحيط الأطلنطي: سان بيار وميكلون في منطقة البحر الكاريبي، وجوادلوب، ومارتينيك، والقديس مارتن، وسانت بارثولوميو.
في المحيط الهادي: بولينزيا الفرنسية، وكاليدونيا الجديدة، وواليس وفوتونا، وكليبرتون.
المحيط الهندي: ريونيون، ومايوت، والجزر المبعثرة، وجزر كيرغولين، وجزر كروزيه، وجزر القديس بولس وأمستردام الجديدة.
في القطب الجنوبي: أرض أديلي.
ولفَرنسا أيضاً حدوداً برية مع البرازيل وسورينام في غيانا. وكذلك مع هولندا عبر الجانب الفَرنسِيّ من سانت مارتن. وتبلغ المساحة الإجمالية لفَرنسا (البر الرئيسي) حوالي 675000 كم2 أما إجمالي المساحة مع مقاطعات وأقاليم ما وراء البحار فبلغت 551500 كم2. والإدارات في الخارج 92220 كم2، والأقاليم الأخرى 30904 كم2. كل هذا لا يشمل هذا أرض أديلي التي تطالب بها فَرنسا بالسيادة عليها. فَرنسا هي الدولة رقم 42 في ترتيب الدول الأكبر في العالم من حيث المساحة. وهي كذلك ثالث أكبر بلد في أوروبا بعد روسيا وأوكرانيا، أو الثانية إذا حسبت الإدارات والأقاليم البحرية، وأكبر دول الاتحاد الأوروبي. وبلغ إجمالي طول سواحلها 8245 كم.

الجيولوجيا والطبوغرافيا والهيدروغرافيا
تمتلك الجُمهُوريّة الفَرنسِيَة العديد من المناظر الطبوغرافية الطبيعية. فقد رفعت أجزاء كبيرة من الأراضي الفَرنسية الحالية بسبب عدة حركات تكتونية، بما في ذلك رفع هيرسينيان في حقب الحياة الأولية، والتي هي أصل الكتل الجبلية: آرموريكون والوسطى ومورفان وجبال الفوج والأردنيز وكورسيكا. جبال الألب والبرانس وجورا أصغر كثيراً ولها أشكال أقل تآكلاً، وتعد أعلى قمة هي قمة جبال الألب في 4809 متر على الجبل الأبيض. وبذلك تُعيّن تخوم مرتفعة ضخمة بالعديد من الأحواض الرسوبية، بما في ذلك حوض آكيتن في الجنوب الغربي وشمال حوض باريس، وتضم هذه الأخير مناطق خصبة وفيرة؛ وبخاصة المرتفعات الغرينية بوس وبري. بالإضافة إلى ذلك، تظهر الطرق الطبيعية المختلفة التي تسمح بالعبور والاتصال مثل وادي الرون.

قد تظهر السواحل متناقضة تماماً للمناظر الطبيعية، فسلاسل المرتفعات لها أحياناً مزايا؛ مثل ساحل الريفيرا، وأنجاد ذات منحدرات؛ مثل ساحل المرمر، أو السهول الرملية واسعة؛ مثل سهل لانغدوك. وأما بالنسبة لأنظمة المياه العذبة في البلاد، فإن في فَرنسا 4 أنهار رئيسية: اللوار، والسين، والغارون والرون، بجانب نهري الميوز والراين الأقل أهمية في فَرنسا؛ لكنها ذات أهمية كبرى في جميع أنحاء قارة أوروبا. وتُشكّل مجموه المياه من أحواض الأنهار الأربعة الأولى حوالي 62% من إجمالي مساحة أراضي الجمهورية الفرنسية. وبشكل عام، فإن فَرنسا لديها 11 مليون كم2 من المياه البحرية الخاضعة لولايتها القضائية في ثلاثة محيطات.

المناخ
تتوفر فرنسا على مناخ رطب بارد شتاء و دافئ صيفا

الاسد

الاسد

الأسد حيوان من الثدييات من فصيلة السنوريات وأحد السنوريات الأربعة الكبيرة المنتمية لجنس النمر (باللاتينية: Panthera)، وهو يُعد ثاني أكبر السنوريات في العالم بعد الببر، حيث تفوق كتلة الذكور الكبيرة منه 250 كيلوغراما (550 رطلًا). تعيش معظم الأسود البرية المتبقية اليوم في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، ولا تزال جمهرة واحدة صغيرة مهددة بالانقراض تعيش في آسيا بولاية غوجرات في شمال غربي الهند. كان موطن الأسود شاسعًا جدًا في السابق، حيث كانت تتواجد في شمال إفريقيا، الشرق الأوسط، وآسيا الغربية، حيث انقرضت منذ بضعة قرون فقط. وحتى بداية العصر الحديث (الهولوسين، منذ حوالي 10,000 سنة)، كانت الأسود تُعتبر أكثر ثدييات اليابسة الكبرى انتشارا بعد الإنسان، حيث كانت توجد في معظم أنحاء إفريقيا، الكثير من أنحاء أوراسيا من أوروبا الغربية وصولا إلى الهند، وفي الأمريكيتين، من يوكون حتى البيرو.

يختلف أمد حياة الأسود باختلاف جنسها، فاللبوات التي تعيش في مناطق محميّة آمنة مثل منتزه كروغر الوطني قد تصل لما بين 12 و14 عاما، بحال تخطّت مخاطر ومشقات حياة الأشبال، بينما لا تتخطى الذكور 8 سنوات من حياتها إلا فيما ندر. إلا أن هناك وثائق تظهر أن بعض اللبوات عاشت حتى سن 20 عامًا في البرية. تسكن الأسود السفانا والأراضي العشبيّة عادة، إلا أنها قد تتواجد في أراضي الأشجار القمئية والغابات في بعض الأحيان. تعتبر الأسود حيوانات اجتماعية بشكل كبير مقارنة بباقي أعضاء فصيلة السنوريات، وتُسمّى المجموعة العائلية للأسود "زمرة" باللغة العربية، وهي تتألف من إناث مرتبطة ببعضها عن طريق القرابة (أخوات، أمهات، خالات، جدّات...)، عدد من الصغار، وبضعة ذكور بالغة. تصطاد مجموعة الإناث مع بعضها في الغالب، حيث تفترس إجمالا الحافريات الكبرى، إلا أنها قد تلجأ للتقميم إن سنحت لها الفرصة. يُعدّ الأسد مفترسا فوقيّا أو رئيسيّا (لا يفترسه أي كائن حي آخر)، ونوعا أساسيّا أو عماديّا (من أنواع الحيوانات التي يرتكز وجود باقي الأنواع بتوازن على وجودها معها في نظام بيئي معيّن). على الرغم من أن الأسود لا تعتبر الإنسان طريدة طبيعية لها وغالبًا ما تتجنبه، إلا أنه يُعرف عن البعض منها أنه أصبح آكلا للبشر في حالات محددة.

تصنّف الأسود على أنها من الأنواع المهددة بالانقراض بدرجة دنيا، حيث ارتفعت حدّة تراجع أعدادها من 30 إلى 50% في إفريقيا خلال العقدين الماضيين؛  ويعتبر أمل الجمهرات الباقية خارج المحميات والمنتزهات القومية ضعيف للغاية. وعلى الرغم من أن سبب التراجع هذا ليس مفهوما كثيرا، إلا أن فقدان المسكن والنزاع مع البشر يعتبران أكثر الأسباب إثارة للقلق. كان يُحتفظ بالأسود في معارض الوحوش منذ أيام الإمبراطورية الرومانية، كما كانت ابتداءً من أواخر القرن الثامن عشر، ولا تزال، من الأنواع الرئيسيّة التي يسعى الناس إلى عرضها في حدائق الحيوان عبر العالم. تتعاون الكثير من حدائق الحيوانات حول العالم حاليّا لإكثار الأسود الآسيوية المهددة بالانقراض عبر إخضاعها لبرنامج تزاوج مكثّف.

يمكن تمييز ذكر الأسد عن الأنثى بسهولة فائقة عن طريق النظر، فالأول يمتلك لبدة (شعر حول العنق) بينما لا لبدة للبؤة. يُعتبر رأس الأسد الذكر أحد أكثر الرموز الحيوانية انتشارا في الحضارة الإنسانية، حيث ظهر في العديد من المؤلفات الأدبية، المنحوتات، الرسومات، الأعلام، وفي الأدب والأفلام المعاصرة. وفي بعض الأحيان تستخدم صورة الذكر حتى ولو كان المراد بالأصل إظهار الأنثى، لأن لبدة الذكر المميزة تفرّق بين هذا النوع من السنوريات وغيره من الكبيرة منها.

إلا أنه تمّ إظهار اللبوة أيضا ووصفها في أوائل الكتابات والرسومات البشرية، حيث اعتبرت أنها بسالة الصيد بحد ذاتها، وصوّرت في أحيان على أنها أم محاربة جمعت بين صفات الحنان على أشبالها والمقدرة على الإطاحة بعدو يفوقها حجما. تقوم اللبؤات بمعظم الصيد للزمرة، حيث تتعاون مع بعضها بأسلوب دقيق ومعقّد للإمساك بفريستها. تطوّر كل لبوة مهارات صيد محددة لتلعب بها دورها المعين بتقنية الصيد التي تلجأ إليها زمرتها، وعادة ما تلعب الدور نفسه خلال معظم عمليات الصيد. برز وصف اللبوات وهي تصطاد في مجموعة واحدة منذ آلاف السنين، حيث يرجع أقدم هذه الأوصاف إلى رسومات ومنحوتات عُثر عليها في كهفيّ لاسو وشوفيه في فرنسا، والتي يعود تاريخها لأواخر العصر الحجري.

وقد لاحظ البشر اللاحقين هذه العادات والصفات في اللبؤات، فصوّرت حضاراتهم التي وجدت في نفس المناطق التي قطنتها الأسود أكثر آلهتهم الحربيّة شراسة، بالإضافة لمحاربيهم، على صورة اللبوة، حيث كانوا يلقبون حكّامهم الذكور "بابن اللبوة". ومن الأمثلة المستمدة من أقدم التسجيلات المكتوبة الآلهة المصرية سخمت، باخت، تفنوت، ومسخنت، وقد عبد النوبيين القدماء اباداماك الرجل برأس أو وجه الاسد. ويُحتمل بأنه كان هناك آلهة مماثلة لها جميعها في ليبيا. وتُعد بعض الآلهة المصرية الأخرى معقدة للغاية، حيث تتخذ مظاهر متنوعة، كامرأة برأس لبؤة أو لبوة تتخذ أوضاع معينة.

توصف العديد من السنوريات الكبيرة التي تظهر في المنحوتات والرسومات القديمة على أنها نمور، إلا أنه عند التدقيق في تلك الصور يظهر أنها لبوات بحال كانت تمتلك خصلة من الشعر على ذيلها. فهذه الخصلة مميزة للأسود من بين السنوريات الكبرى جميعها، وعندما يمتلك السنور في الصورة هذه الخصلة ولا يمتلك لبدة فإن هذا يدل على أنها لبوة بالتأكيد على الرغم مما يقول به المحللين المعاصرين. كما أن وجود رقط على جسد تلك السنوريات في الرسوم لا يؤكد أنها نمور، إذ أن الأشبال تمتلك رقطا ورديّة الشكل أيضًا، لذلك فإنه عند محاولة تحديد نوع السنور الممثل في الصور أو المنحوتات يجب دوما التأكد من الذيل فإن كان هناك خصلة شعر على أخره ولم يمتلك الحيوان لبدة نكون بصدد لبوة، وإن لم توجد هذه الخصلة فإنه يكون نمرا.
في العربية الأسد وجمعه أسود وأسد وآسد وآساد والأنثى أسدة ويقال لبؤة ولبوة. وللأسد العديد من الأسماء في اللغة العربية  -قال ابن خالويه: للأسد خمسمائة اسم وصفة- وزاد عليه علي بن قاسم بن جعفر اللغوي مائة وثلاثين اسماً فمن أشهرها: أسامة والبيهس والنآج والجخدب والحارث وحيدرة والدواس والرئبال وزفر والسبع والصعب والضرغام والضيغم والطيثار والعنبس والغضنفر والفرافصة والقسورة وكهمس والليث والمتأنس والمتهيب والهرماس والورد والهزبر، وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى. ومن كناه أبو الأبطال وأبو حمص وأبو الأخياف وأبو الزعفران وأبو شبل وأبو العباس وأبو الحارث. ويأتي اسم سبع من السّباع الذي يعني صاحب القوة.

يُشتق اسم الأسد في معظم اللغات الأوروبية من اسمه اللاتيني "ليو - leo"؛  و"ليون- λέων، الإغريقي. ويُحتمل أيضا أن يكون لأسماء الأسد الأوروبية جذور شرقية من كلمة "لافي، לָבִיא" العبريّة،  ورو المصرية القديمة. كان الأسد أحد أنواع السنوريات العديدة التي أعطاها عالم الحيوان السويدي كارولوس لينيوس اسم الجنس Felis في بادئ الأمر (Felis leo) في مؤلفه من القرن الثامن عشر "النظام البيئي" (باللاتينية: Systema Naturae) قبل أن تُصنّف بدقة أكثر وتُعطى اسم جنس النمور "Panthera - پانثيرا". يُفترض بأن اسم الجنس الحالي للأسد يُشتق من اليونانية "بان، pan" (بمعنى جميع) و"ثير، ther" (بمعنى وحش)، إلا أن هذا قد لا يكون سوى اعتقاد سائد لدى العامّة وليس له أي برهان قاطع. والاحتمال الأقوى لأصل كلمة Panthera هو أنها ذات جذور شرق آسيوية، بمعنى "الحيوان المصفر" أو "الضارب إلى الصفار".

تصنيف النوع وتطوّره
إن أقدم المستحاثات لحيوان شبيه بالأسد تمّ العثور عليها في موقع ليتولي بتنزانيا ويُقدّر عمرها بحوالي 3.5 مليون سنة؛ وقد قال البعض من العلماء أن هذا الأحفور يعود لأسد حقيقي وليس لسلف له. إلا أن تلك المستحاثات ليست محفوظة بصورة جيدة وما يمكن قوله بهذه الحالة أنها تعود لسنوّر شبيه بالأسود. أما أقدم الأحافير الموثقة والمؤكد أنها تعود لأسد في إفريقيا فيقدّر عمرها بمليونيّ سنة أقل من السابقة. إن أقرب السنوريات إلى الأسد هم الأنواع الثلاثة الأخرى من السنوريات الكبرى المنتمية لجنس النمر: الببر، اليغور، والنمر. أظهرت الدراسات الجينية والتشكليّة أن الببر كان أول من انفصل عن السلف المشترك لهذه السنوريات الأربعة، ومنذ 1.9 مليون سنة انفصل اليغور عن المجموعة المتبقية، والتي احتوت على أسلاف الأسد والنمر المعاصرين. ومن ثم إنشق كل من النمر والأسد عن بعضهما منذ حوالي مليون إلى 1.25 مليون سنة.

تطوّرت الأسود الحالية في إفريقيا خلال الفترة الممتدة بين مليون و800,000 سنة قبل أن تنتشر عبر الإقليم القطبي الشامل (المنطقة التي تشمل معظم آسيا عدا الجنوب الشرقي من القارة والهند، بالإضافة أوروبة وأقصى شمال إفريقيا، وأميركا الشمالية). ظهر الأسد في أوروبة لأول مرة منذ 700,000 سنة في منطقة إسرنيا في إيطاليا، وتعرف هذه السلالة البائدة من الأسود باسم الأسد الأحفوري (Panthera leo fossilis). ومن هذه السلالة تحدّر أسد الكهوف اللاحق (سلالة الكهوف، Panthera leo spelaea) الذي ظهر منذ حوالي 300,000 سنة. وخلال أوائل العصر الحديث الأقرب انتشرت الأسود عبر أميركا الشمالية والجنوبية حيث تطوّرت إلى الأسد الأميركي  (السلالة الأميركية، Panthera leo atrox) انقرضت الأسود من شمالي أوراسيا وأميركا عند نهاية العصر الجليدي الأخير، منذ حوالي 10,000 سنة؛  ويُرجّح أن اختفائها حصل بعد أن انقراض حيوانات البليستوسين الضخمة التي كانت تعتمد عليها في غذائها.

السلالات
كان العلماء يصنفون 12 سلالة معاصرة للأسود، أكبرها الأسد البربري الذي قطن شمال إفريقيا. وأهم الاختلافات التي يمكن عن طريقها تمييز سلالة عن أخرى هي الموطن، شكل اللبدة، الحجم، وكثافة انتشارها. إلا أن سهولة تمييز هذه السلالات بهذه الطريقة، التي أبرزت عدد كبير منها وأظهرت عند اللجوء إليها اختلافات بين أفراد من نفس السلالة، جعلتها مثيرة للجدل وخاطئة على الأرجح؛ كما أنها كانت مبنيّة على ملاحظات لأسود أسيرة في حدائق الحيوانات من أصل غير معروف، والتي لعلّها كانت تمتلك مواصفات جسديّة "مذهلة، ولكن غير طبيعية". يعترف علماء الحيوان اليوم بثماني سلالات للأسد فقط،  إلا أن إحداها (أسد رأس الرجاء الصالح، Panthera leo melanochaita) قد يكون مصنّف، خطأ، على أنه سلالة مستقلة. حتى أن السلالات السبعة المتبقية قد تكون مصنفة بشكل غير سليم على أن كل منها يشكل سلالة؛ فتنوع المتقدرات لدى الأسود المعاصرة ضئيل جدًا، مما يعني أن جميع السلالات القاطنة جنوب الصحراء الكبرى يمكن جمعها ضمن سلالة واحدة، تقسّم إلى مجموعتين رئيسيتين على الأرجح: واحدة توجد غربي الشق السوري الأفريقي، والثانية إلى شرقه. تعتبر الأسود الموجودة في منطقة تسافو بشرقي كينيا أقرب جينيّا إلى أسود الترانسفال في جنوب إفريقيا، من أسود سلسلة أبردار في غرب كينيا.

السلالات المعاصرة
يعترف العلماء اليوم بثماني سلالات معاصرة للأسد:
السلالة الآسيوية (P. l. persica)، تُعرف بالأسد الآسيوي، الأسد الفارسي، الأسد الهندي، أو أسد جنوب آسيا. انتشرت هذه السلالة في الماضي عبر العديد من أنحاء آسيا من تركيا، عبر بلاد الشام وبلاد ما بين النهرين، شبه الجزيرة العربية، وصولا إلى باكستان، الهند، وحتى بنغلاديش. إلا أنها انقرضت من جميع هذه المناطق شيئا فشيئا بسبب عيشها في زمر كبيرة ونشاطها النهاري، الأمر الذي جعل من صيدها يسير أكثر من صيد النمور والببور. يعيش اليوم قرابة 300 أسد منها بالقرب من، وفي غابة غير في الهند،  وهناك مشروع لإعادة إدخالها إلى محميّة أخرى في نفس البلد.
السلالة البربرية (P. l. leo)، تُعرف بالأسد البربري أو أسد الأطلس، وهي منقرضة في البرية بسبب الصيد المكثّف الذي تعرضت له، إلا أنه يُحتمل وجود أفراد متبقية منها في الأسر. كانت هذه السلالة إحدى أكبر سلالات الأسد إن لم تكن أكبرها، حيث وردت تقارير تفيد بوصول طول بعض الذكور إلى ما بين 3 و3.5 أمتار (10 - 11.5 أقدام) ووزنها إلى أكثر من 200 كيلوغرام (440 رطلا). امتد موطن هذه السلالة عبر شمال إفريقيا من المغرب حتى مصر. قُتل آخر أسد بربري برّي عام 1922 في المغرب.
السلالة السنغالية (P. l. senegalensis)، تُعرف بالأسد السنغالي أو أسد إفريقيا الغربية، توجد في إفريقيا الغربية، من السنغال حتى نيجيريا.
سلالة شمال شرق الكونغو (P. l. azandica)، تُعرف بأسد شمال شرق الكونغو، توجد في القسم الشمالي الشرقي من الكونغو الديمقراطية
السلالة النوبية (P. l. nubica)، تُعرف بأسد إفريقيا الشرقية أو أسد الماساي، توجد في إفريقيا الشرقية من الحبشة وكينيا، وصولا إلى تنزانيا وموزامبيق.
سلالة كاتنغا (P. l. bleyenberghi)، تُعرف بأسد جنوب غرب إفريقيا أو أسد كاتنغا، توجد في جنوب غرب إفريقيا، ناميبيا، بوتسوانا، أنغولا، كاتنغا (جمهورية الكونغو الديمقراطية)، زامبيا، وزيمبابوي.
سلالة كروغر (P. l. krugeri)، تُعرف بأسد جنوب شرق إفريقيا أو أسد الترانسفال، توجد في منطقة الترانسفال في جنوب شرق إفريقيا، بما فيها منتزه كروغر الوطني.
سلالة رأس الرجاء الصالح (P. l. melanochaita)، تُعرف بأسد رأس الرجاء الصالح، انقرضت في البرية قرابة العام 1860. أظهرت الدراسات الوراثيّة مؤخرا أن هذه الأسود قد لا تكون سلالة مستقلة، ويمكن القول بأنها، على الأرجح، أقصى جمهرات سلالة كروغر قطنا للجنوب.
السلالات البائدة
كان هناك عدد من السلالات الأخرى للأسد في عصور ما قبل التاريخ:
السلالة الأميركية (P. l. atrox)، تُعرف بالأسد الأميركي أو أسد الكهوف الأميركي. كانت هذه الحيوانات وافرة العدد في الأمركيتين، من ألاسكا وصولا إلى البيرو، في العصر الحديث الأقرب إلى أن انقرضت منذ حوالي 10,000 سنة. تعتبر هذه الأسود، كما أسود الكهوف الأوروبية، أنواعا مستقلة في بعض الأحيان، إلا أن دراسات المورثات القديمة أظهرت مؤخرا أنها سلالات للأسد. تعتبر السلالة الأميركية إحدى أكبر سلالات الأسد التي وُجدت يوما، حيث يُقدّر أن طول جسدها تراوح بين 1.6 و2.5 أمتار (5-8 أقدام).
السلالة الأحفورية (P. l. fossilis)، تُعرف بالأسد الأحفوري أو أسد الكهوف الأوروبي لمنتصف أوائل العصر الحديث الأقرب. ازدهرت هذه الأسود منذ حوالي 500,000 سنة؛ وقد تم العثور على مستحثاتها في ألمانيا وإيطاليا.
سلالة الكهوف (P. l. spelaea)، تُعرف بأسد الكهوف، أسد الكهوف الأوروبي، أسد الكهوف الأوراسي، أو أسد الكهوف الأوروبي لأواخر العصر الحديث الأقرب. وُجدت في أوراسيا في الفترة الممتدة بين 300,000 و10,000 سنة. شكل هذه الحيوانات معروف بسبب رسومات الكهوف التي تعود للعصر الحجري القديم، بالإضافة المنحوتات العاجيّة والفخاريّة،  التي تُظهر أنه كان لها آذان ناتئة، ذيول تنتهي بخصل شعر، خطوط جسديّة باهتة شبيهة بخطوط الببر (على الأرجح)، كما برز لبعض الذكور على الأقل لبدة بدائية خفيفة حول أعناقها. يظهر الرسم المقابل عمليّة صيد لهذه الأسود، ولذلك فإن تلك المصوّرة لعلها لبؤات تصطاد لزمرتها باستخدام الأساليب نفسها التي تستخدمها أقرباؤها المعاصرة، وليس هناك من ذكور في الرسم على الأكثر.
سلالة شرق سيبيريا (P. l. vereshchagini)، تُعرف بأسد شرق سيبيريا أو أسد كهوف برنجيا، كانت توجد في ياقوتيا (روسيا) ويوكون في كندا. أظهرت التحليلات التي أجريت على جمجمة هذه الأسود وأفكاكها السفليّة أنها أكبر من أسود الكهوف الأوروبية وأصغر من الأميركية بشكل واضح، من حيث نسب القياس.
سلالات مشكوك بأمرها
السلالة السيلانية (P. l. sinhaleyus)، تُعرف بالأسد السريلانكي أو الأسد السيلاني، تبدو بأنها انقرضت منذ حوالي 39,000 سنة. تُعرف عن طريق سِنَين فقط تم العثور عليهما في موقع بالقرب من بلدة كورويتا، وبناءً على تحليلهما أعلن مكتشفهما الدكتور بول ديرانياغالا هذه السلالة عام 1939.
السلالة الأوروبية (P. l. europaea)، تُعرف بالأسد الأوروبي، وهي على الأرجح نفسها السلالة الآسيوية (Panthera leo persica) أو سلالة الكهوف (Panthera leo spelea)؛ لذا فإن وضعها كسلالة مستقلّة لا يزال غير مؤكد. انقرضت الأسود الأوروبية قرابة العام 100م بسبب اضطهادها من قبل البشر واسغلالها المكثّف في معارض الوحوش وحلبات المصارعة والألعاب. قطنت هذه السلالة البلقان، شبه الجزيرة الإيطالية، جنوب فرنسا، وشبه الجزيرة الأيبيرية. كانت إحدى الطرائد المفضلة للرومان، الإغريق، والمقدونين.
سلالة يونغ (P. l. youngi)، تُعرف بأسد كهوف شمال شرق الصين للعصر الحديث الأقرب، ازدهرت منذ حوالي 350,000 سنة. إن علاقة هذه الحيوانات بسلالات الأسد المعاصرة لا تزال مبهمة، لذا يُحتمل أنها تشكل نوعا مستقلا بذاته يحمل الاسم العلمي Panthera youngi .
السلالة المرقطة (P. l. maculatus)، تُعرف بالماروزي أو الأسد المرقط. يُعتقد أن هذه الحيوانات تشكّل سلالة للأسد، ولكن يُحتمل بأنها كانت بضعة أسود احتفظت بفراء صغرها المرقّط بدلا من فقدانه بشكل طبيعي. وإن كانت المازوري سلالة حقيقية، وليست بأفراد مختلفة اللون فقط، فقد انقرضت منذ عام 1931. ومن الاحتمالات الأخرى لتحديد ماهيّة هذه الحيوانات، أنها هجينة طبيعيّة بين أسد ونمر والذي يُعرف باسم الأسد النمري.
التهجين مع السنوريات الكبيرة
يُعرف بأن تهجين الأسود كان يتم منذ فترةٍ طويلة مع أنواع أخرى من السنوريات الكبيرة، وخاصةً الببور، في حدائق الحيوان الخاصة والعموميّة إلا أن هذا الأمر لم يعد مشجعاً اليوم من أجل الحفاظ على السلالات النقيّة، ولكن لايزال بعض أصحاب حدائق الحيوان في الصين يقومون بهذا الأمر. تتناسل الأسود في العادة مع الببور في الأسر (من السلالتين السيبيريّة والبنغاليّة في الغالب) لتنتج الأسود الببريّة، والببور الأسديّة. كما تم تناسل الأسود مع النمور في الأسر لإنتاج الأسود النمريّة،  ومع اليغور لإنتاج الأسود اليغوريّة. يفترض البعض من العلماء أن الماروزي هو نتاج تهجين طبيعي لأسد ونمر في البرية، وهناك أيضا هجناء لأسود مع سنوريات هجينة بنفسها، فقد تم تهجين أسد ذكر في أحد الأحيان مع لبوة ببرية، ومع أنثى هجينة بين أسد ويغور ونمر (لبوة يغورية نمرية).
الأسد الببري هو نتاج أسد ذكر وببرة  وهو ينمو ليصبح أكبر حجما من كلا الوالدين، وذلك عائد لأسباب بيولوجيّة حيث أن الأسد يطلق هرمونا يحثّ على النموّ في حين تطلق اللبوة هرمونا يكبح النمو فيؤدي ذلك إلى ولادة الشبل بحجم مماثل لحجم والديه، إلا أن هذا الهرمون لا تمتلكه الببرة مما يؤدي إلى نموّ الشبل الهجين بشكل يفوق حجم والديه. تمتلك الأسود الببرية عدة صفات وخصائص مشتركة من كلا الوالدين حيث تكون رمليّة اللون كالأسد ومخططة كالببر، وذكور هذه الحيوانات عقيمة بينما تكون الإناث غالبًا قادرة على الإنجاب. تمتلك الذكور حوالي نسبة 50% كي تنمو لها لبدة، إلا أنه حتى بحال نمت لها فإن حجمها يكون نصف حجم لبدة الأسد الحقيقي، ويبلغ طول هذه الحيوانات ما بين 10 و12 قدما (3 - 3.7 أمتار) في العادة ويمكنها أن تزن ما بين 800 و1000 رطل أو أكثر (360 - 450 كيلوغرام).

أما الببر الأسدي فأقل شهرة، وهو نتاج ببر ذكر ولبوة ، وبما أن الببر الذكر لا يطلق هرمونا يحث على النمو بينما تطلق اللبوة هرمونا يكبحه، فإن هذه الحيوانات غالبًا ما تكون صغيرة الحجم حيث يصل وزنها إلى 150 كيلوغراما (350 رطلا) فقط، أي أنها تكون أصغر من الأسود بحوالي 20%، وكما الأسود الببرية فإنها تمتلك صفات وخصائص مشتركة من كلا الوالدين، وتكون الذكور منها عقيمة.

الوصف الخارجي
الأسد أطول السنوريات جمعيها (عند الكتفين)، وثاني أثقل أعضاء الفصيلة بعد الببر. يمتلك الأسد فك وقوائم قويّة، وأنياب يبلغ طول الواحد منها 8 سنتيمترات (3.1 إنش)، مما يمكنه من الإمساك بطرائد ضخمة تفوقه حجماً. يتراوح لون الأسود من الأصفر اللامع إلى الضارب للصفار، المحمرّ، أو البني المغري القاتم. يكون القسم السفلي من الجسد أبهت من العلوي إجمالا، كما وتكون خصلة الشعر على الذيل سوداء. تولد الأشبال برقط بنية ورديّة على كامل جسدها، شبيهة برقط النمر، وعلى الرغم من أن هذه الرقط تزول عند وصول الأسد بمرحلة لبلوغ، فإنها تحتفظ بالبعض الباهت منها على قوائمها والقسم السفلي من جسدها، وبشكل خاص عند اللبوات. كان المصريون القدماء يصوّرون آلهتهم ذات شكل اللبوة برقطة ورديّة واحدة على أكتافهم.

الأسد هو نوع السنوريات الوحيد الذي يُظهر اختلافا جنسيّا بارزا للعيان بهذا الوضوح:أي أن الإناث والذكور تختلف بهيئتها عن بعضها البعض بشكل شديد الوضوح. كما أن لكل جنس دور محدد يلعبه بداخل الزمرة، فاللبؤة مثلا، وهي الصيّادة في المجموعة العائلية، تفتقد للبدة الذكر الكثيفة المرهقة التي قد تعيق قدرتها على التموّه عندما تحاول التسلل نحو فريستها، كما قد تسبب لها ارتفاعا في درجة حرارة جسدها عند المطاردة. يتراوح لون لبدة الذكر من الأشقر إلى الأسود، وعادةً ما يدكن لونها كلما تقدم الحيوان في السن.
يتراوح وزن الأسود البالغة عادةً بين 150 و250 كيلوغراما (330-550 رطلا) للذكور وبين 120 و182 كيلوغراما (264–400 رطلا) للإناث. تفيد بعض تقارير العالمين نويل وجاكسون أن هناك أسودا وصل وزن الذكور منها إلى 181 كجم والإناث 126 كجم؛ وقد وصل وزن أحد الأسود الذي اصطيد بالقرب من جبل كينيا 272 كجم (600 رطل). يميل حجم الأسود إلى الاختلاف باختلاف البيئة أو المنطقة التي تقطنها، الأمر الذي أدى إلى ظهور فروقات في أوزان الجمهرات المختلفة، فالأسود في أفريقيا الجنوبية مثلا يفوق وزنها وزن نظيرتها في أفريقيا الشرقية بنسبة 5% إجمالا.

يتراوح طول الرأس والجسد بين 170 و250 سنتيمترا (5 أقدام و7 إنشات، 8 أقدام وإنشين) لدى الذكور، وبين 140 و175 سنتيمترا (4 أقدام و7 إنشات، 5 أقدام و9 إنشات) لدى الإناث؛ يبلغ ارتفاع كتف الذكر حوالي 123 سنتيمتر (4 أقدام) والأنثى 107 سنتيمترات (3 أقدام و6 إنشات). يصل طول ذيل الأسد لما بين 90 و105 سنتيمترات (قدمين و11 إنش، 3 أقدام و5 إنشات) بينما يتراوح طول ذيل اللبؤة بين 70 و100 سنتيمتر (قدمين و4 إنشات، 3 أقدام و3 إنشات). كان أطول الأسود التي قيست يوما ذكرا أسود اللبدة، قُتل في جنوبي أنغولا في أكتوبر 1973؛ أما أثقل أسد معروف فكان آكلا للبشر أطلق عليه النار في شرق الترانسفال بجنوب إفريقيا عام 1936، وقد بلغ وزنه 313 كيلوغرام (690 رطلا). تكون الأسود الأسيرة عادةً أكبر من تلك البريّة—وأثقل أسد أسير معروف كان ذكرا عاش في حديقة حيوانات كولشيستر بإنكلترا عام 1970، حيث بلغ وزنه 375 كجم (826 رطلا).

أحد أبرز المظاهر الخارجية التي يتشارك بها كل من الأسود واللبوات، هي خصلة الشعر التي تقع على آخر الذيل. وفي بعض الأسود تخفي هذه الخصلة زائدة عظميّة قاسية، يبلغ طولها 55 ميلّيمتر تقريبا، مشكلة من الأقسام الأخيرة من عظام الذيل الملحومة ببعضها. يُعد الأسد السنور الوحيد الذي يمتلك خصلة من الشعر على ذيله، ولا يزال الهدف من وراء الخصلة والزائدة العظميّة غير معروف حتى الآن، وتكون الخصلة معدومة عند الولادة لكنها تبدأ بالظهور عندما يبلغ الشبل ½5 من الأشهر ومن ثم تصبح بارزة بشكل تام عندما يبلغ 7 شهور.

اللبدة
إن لبدة الأسد، الفريدة بين السنوريات، تميّز هذا النوع عن أي فصيلة أو نوع آخر من الحيوانات. وهي تجعل صاحبها يبدو أكبر حجما، مما يؤمن له عاملا باعثا للخوف في نفس من يواجهه؛ وهذا يساعد الأسد خلال قتاله أو مواجهته لأسود أخرى، أو عند نزاعه مع المنافسة الرئيسية للأسود في إفريقيا وهي الضباع المرقطة. يرتبط وجود اللبدة أو عدمه بالإضافة للونها وحجمها بعدة عوامل هي: صحة العوامل الوراثية، النضوج الجنسي، المناخ، ونسبة إنتاج التستوستيرون؛ والقاعدة هي أنه كلما كانت اللبدة أدكن وأكثف كلما كان الأسد بصحة جيدة. وفي عملية الانتقاء الجنسي عند الأسود، تُفضّل اللبؤات الذكور ذوي اللبدات الدكنة الكثيفة على أولئك الذين يمتلكون اللبدات الباهتة والخفيفة. أظهرت البحوث في تنزانيا أن طول اللبدة يفيد بمدى فوز الذكور المتحالفة مع بعضها بالقتال ضد الذكور الأخرى، فكلما كانت أطول أفاد هذا بأن الذكر أو الذكور المتحالفة ربحت معظم المعارك التي خاضتها، والعكس صحيح، إذ أن اللبدة تحمي عنق الذكر من الإصابات وكلما كان قد أصيب بشكل كبير على تلك المنطقة كلما تساقط المزيد من شعره، وبالتالي فإن الشعر الخفيف للأسد هو علامة لخسارته عدد من النزاعات. قد يمتلك الذكور داكني الشعر حياة تناسلية أطول، كما قد تزيد نسبة بقاء أشبالهم على قيد الحياة، على الرغم من أنهم يعانون من الحر خلال فترات السنة الأكثر حرارة. وفي الزمر التي يسيطر عليها تحالف من ذكرين أو ثلاثة، يُحتمل أن تتودد اللبوات إلى الذكر أو الذكور ذوي اللبدات الكثيفة بشكل أكبر من الذكور الأخرى.
كان العلماء يعتقدون سابقا أن تعريف وتمييز السلالات المختلفة للأسد يمكن أن يتم عن طريق شكلها الخارجي بما فيه اللبدة، حيث كانوا يلجأون إلى علم التشكل لتعريف بعض السلالات مثل الأسد البربري وأسد رأس الرجاء الصالح. إلا أن الأبحاث أظهرت أن العوامل البيئية، مثل حرارة الجو، هي ما يؤثر على لون وحجم اللبدة، فالحرارة في حدائق الحيوان الأميركية والأوروبية مثلا تؤدي إلى نمو لبدات أكبر واسمك لذكور الأسود. وبالتالي فإن هذه الطريقة في تعريف السلالات المتنوعة تعدّ غير فعّآلة، إلا أن السلالة الآسيوية يمكن تعريفها، على الرغم من ذلك، بواسطة لبدتها الضئيلة الأصغر حجما من لبدات الأسود الإفريقية.

تمّ التبليغ أيضا عن أسود عديمة اللبدة في السنغال ومنتزه تسافو الشرقي الوطني في كينيا، كما أن الأسد الأبيض الرئيسي الأول من منطقة تمبافيتي كان أيضا عديم اللبدة. كما أن هناك أسود مقنزعة أو ذات أعراف بسيطة. يمكن العثور على ذكور بدون لبدة إجمالا في جمهرات الأسود التي تناسلت داخليّا بشكل كبير؛ ويؤدي التناسل الداخلي أيضا إلى هبوط في نسبة الخصوبة لدى هذه الحيوانات.

تمتلك الكثير من اللبؤات كشكش على عنقها يمكن رؤيته بحال جلست في أوضاع معينة. وفي بعض الأحيان يظهر هذا في الرسومات والنحوتات الفنية القديمة بشكل خاص، حيث تُفسّر إجمالا، خطأ، على أنها أسود ذكور. يختلف الكشكش عن اللبدة بأنه أقصر على الفك الأسفل ونادرا ما يمكن رؤيته، بينما تمتد اللبدة لما فوق أذنيّ الذكور، وغالبًا ما تعتم على خطها المحيطي الخارجي كليّا.

تظهر الرسومات الكهفيّة لأسد الكهوف الأوروبي المنقرض حيوانات عديمة اللبدة بشكل حصريّ، أو ذات لبدة بسيطة جدًا، مما جعل بعض العلماء يفترضون أنها كانت خفيفة أو عديمة اللبدة بشكل أو بأخر، إلا أنه يُحتمل أن تكون الأسود المرسومة إناثا تصطاد لزمرتها—بما أنها تظهر في مجموعة تطارد فريستها—لذا فإن هذه الرسوم لا يمكن الاعتماد عليها للحكم على أسود الكهوف بأنها امتلكت لبدة أو لم تمتلك. إلا أن الرسومات تقترح أن هذه السلالة المنقرضة كانت تلجأ لنفس التنظيم الاجتماعي وإستراتيجيات الصيد التي تستعملها الأسود المعاصرة.

الأسود البيضاء
الأسد الأبيض ليس بسلالة مستقلة، بل مجرّد شكل فريد ذو حالة وراثيّة تعرف بالبياض أو عدم اللون، مما يجعل لون جلده باهتا بشكل كبير، أكثر من الببر الأبيض حتى؛ وتتشابه هذه الحالة مع حالة الداكنيّة، التي تتولّد عنها النمور السوداء. ولا تعتبر الأسود البيضاء مهقاء، إذ أنها تمتلك أصباغا لونيّة عاديّة في أعينها وجلدها، بينما الحيوان الأمهق لا يمتلك هذا مما يؤدي لولادته بعيون وأنف ورديّ.

تمّت رؤية أفراد من أسود الترانسفال البيضاء (من سلالة كروغر، Panthera leo krugeri) في وحول منتزه كروغر الوطني ومحمية طرائد تمبافاتي الخاصة المجاورة في بعض الأحيان، إلا أن هذه الأسود تعد مألوفة أكثر في الأسر، حيث يقوم مربيها بتزويجها انتقائيّا عن عمد. يعود السبب وراء امتلاك هذه الحيوانات معطفا قشدي اللون إلى أنها تمتلك مورثة غالبة تدحر المورثة التي تحمل اللون المصفر وتبرز بدلا منها. يُزعم أن الأسود البيضاء تُربى في بعض المخيمات بجنوب إفريقيا كي تستخدم في عمليات الصيد المعلب (الصيد بداخل منطقة مسيجة لا يستطيع الحيوان الهرب منها) حيث يدفع بعض الصيادين مبالغ طائلة مقابل احتفاظهم بتذكار صيد فريد كرأس أو جلد أسد أبيض.

لم يكن وجود الأسود البيضاء مؤكدا حتى أواخر القرن العشرين. فلمئات السنين السابقة، كان يُعتقد أن قصة وجودها وكل ما وصل عنها من أخبار ومعلومات ليس سوى أساطير ملفّقة تدور في جنوب إفريقيا، حيث كان يُقال أن الأهاب الأبيض للحيوان يمثل الطيبة في جميع المخلوقات.

وردت أولى التقارير التي تفيد برؤية هذه الحيوانات في أوائل القرن العشرين، واستمرت بالورود بشكل متقطّع نادر لحوالي خمسين سنة، إلى أن عُثر على بطن من الأشبال البيضاء في محمية طرائد تمبافاتي الخاصة عام 1975.

السلوك والخواص الأحيائية
تمضي الأسود معظم وقتها وهي تستريح حيث تقضي حوالي 20 ساعة من اليوم وهي خاملة. وعلى الرغم من أن هذه الحيوانات قد تنشط في أي وقت من اليوم، إلا أن ذروة نشاطها تكون بعد الغسق، حيث تخصص فترة لتختلط مع بعضها، تسوس نفسها، وتتغوّط. كما وتنشط لفترات متقطعة خلال الليل حتى بزوغ الفجر، أي في الفترة التي غالبًا ما تتجه فيها للصيد. تمضي الأسود قرابة ساعتين في النهار وهي تمشي، وحوالي 50 دقيقة وهي تقتات.

التنظيم الاجتماعي
الأسود لواحم مفترسة تُظهر شكلين من التنظيم الاجتماعي. فالبعض منها مقيم، يعيش في مجموعة عائلية تُسمى زمرة، وتتألف الزمرة عادة من قرابة خمس أو ست لبوات مرتبطة ببعضها عن طريق القرابة، بالإضافة لأشبالها من كلا الجنسين، وذكرٍ واحدٍ أو ذكرين يطلق عليهما تعبير التحالف الذكوري، والذين يتزاوجان مع جميع الإناث البالغة (على الرغم من أن هناك بعض الزمر الكبيرة جدًا التي يصل عدد أفرادها إلى 30). يصل عدد الذكور في التحالف إلى اثنين في أكثر الأحيان، إلا أنه قد يزداد حتى 4 ويقل مجددا مع مرور الوقت. تُطرد الأشبال الذكور من زمرتها الأموميّة عندما تصل مرحلة البلوغ.
يُسمّى سلوك الأسود الآخر الارتحال، حيث لا يستقر البعض منها في منطقة معينة، بل يستمر بالتنقل لمسافات شاسعة، إما بمفرده أو بأزواج، بين الفترة والأخرى. تتبع الذكور العازبة ذات القربى هذا السلوك إجمالا، والتي تكون قد طردت من زمرتها الأمومية؛ ويلاحظ أن الأسود قد تغيّر من نمط حياتها فتتحول من مرتحلة إلى مقيمة وبالعكس. تمر جميع الذكور بهذه المرحلة، والبعض منها قد لا يتخطاها بحال لم ينجح بالسيطرة على زمرة جديدة، أما الإناث فإن تحوّلها لنمط الارتحال أصعب عليها من الذكور، فبحال طُردت أنثى من زمرتها فلن تستطيع الانضمام لزمرة أخرى بسهولة، إذ أن جميع الزمر تتكون من إناث ذوات قربى ترفض معظم محاولات أي أنثى أخرى من زمرة مختلفة بالانضمام إليها.

تُسمى المنطقة التي تقطنها زمرة الأسود الحوز أو حوز الزمرة، بينما تُسمى منطقة الأسد المرتحل الموطن أو الإقليم. تبقى الذكور البالغة التي سيطرت على مجموعة من الإناث على حدود الحوز معظم أوقاتها لتدافع عنه ضد الذكور الأخرى، حيث تقوم بجولات واسعة يوميّة عبره وترش بولها على الأشجار والشجيرات لتترك رائحتها كإنذار لأي ذكر دخيل بوجودها في المنطقة. لا يزال سبب تطوّر السلوك الاجتماعي للبؤات—وتفردها به بين جميع أنواع السنوريات الأخرى—موضوع جدل كبير بين العلماء، ويظهر بأن ازدياد نسبة نجاحها في الصيد هي العامل الأبرز والأوضح الذي جعلها تلجأ لأسلوب العيش الجماعي، إلا أن هذا الأمر يصبح أقل من مؤكد عند دراستها عن قرب: فالصيد المنسّق يزيد من نسبة نجاحها في الافتراس، ولكنه يضمن أيضا أن الأفراد التي لم تخرج للصيد لن تستهلك نفس نسبة السعرات الحرارية للفرد كما ستفعل باقي الأسود، مما يعني أن الزمرة لن تضطر للإصطياد مرة أخرى حتى بضعة أيام، ولكن البعض من تلك الأفراد قد يُترك لحراسة الأشبال التي لولا ذلك تبقى بمفردها لفترة طويلة مما يعرضها لخطر الضواري الأخرى، أو يلعب دورا في تربيتها. تُعد صحة وسلامة اللبوات الصيّادة أهم الأسس لبقاء الزمرة، لذا فإن تلك اللبؤات تكون أول من يتقدم للأكل (بحال لم تتواجد الذكور). وتشمل المنافع الأخرى التي يفترضها العلماء: انتقاء القربى (أي أن الأسد قد يُفضل أن يُشارك غذائه مع أسد قريب له بدلا من أسد غريب)، حماية الصغار، الحفاظ على الحوز، وتأمين كل فرد على نفسه ضد الجوع أو الإصابة، أي أن كل فرد من الزمرة يستطيع أن يتأكد من أنه سيحظى بالطعام دوما، وبالعناية بحال أصيب لأن باقي الزمرة تحتاج إليه في كل ما سبق.
تقوم اللبؤات بمعظم الصيد للزمرة، كونها أصغر حجما، أسرع، وأكثر رشاقة من الذكور، ولا تعيقها اللبدة الكبيرة الكثيفة الواضحة للعيان، والتي تسبب ارتفاعا في درجة حرارة الجسد أثناء المطاردة. تتصرف الأسود كوحدة صيد منظمة كي تستطيع التسلل نحو طريدتها والإمساك بها بنجاح، وبحال كانت الذكور بالجوار فإنها تسيطر على الفريسة فورا ما إن تمسك بها اللبوات وتستفرد بها، ويُحتمل بأن تُشارك الذكور الأشبال في طعامها أكثر من الإناث، إلا أنها لا تشارك أي منهما بحال كانت قد أمسكت بتلك الفريسة بمفردها. تقتات الأسود على الطرائد الأصغر حجما في موقع قتلها، وبالتالي فإن الصيادات هي من يتشاركها فقط؛ أما إذا كانت الطريدة كبيرة فإنها تقوم بجرّها إلى حوز الزمرة. تتشارك الأسود مع بعضها بشكل أكبر عند إمساكها بفريسة كبيرة، على الرغم من أن أفراد الزمرة عندئذ يتصرفون بعدائية تجاه بعضهم البعض لأن كل منهم يحاول الحصول على أكبر قدر ممكن من الطعام.

تدافع كل من الذكور والإناث عن الزمرة ضد أي أسود دخيلة أخرى. تقود بعض الأسود نفسها الهجوم ضد الدخلاء باستمرار، بينما يتلكأ البعض في الخلف دوما. تميل الأسود لأن تمتلك أدوارا محددة في الزمرة، فتلك المتلكأة قد تؤمن خدمات مفيدة أخرى للمجموعة مثل حماية الأشبال أو صدّ الهجوم من الوراء. ومن الافتراضات المقابلة أن هناك ما يعود بالنفع على الأسد الذي يقود الهجوم على الدخلاء، وما يبرز ذلك هو رتبة اللبوات بداخل الزمرة، فاللبوة القائدة هي الأعلى مرتبةً. وكذلك الأمر بالنسبة للذكور المسيطرة على الزمرة، إذ عليهم الدفاع عنها ضد الذكور الغريبة كي يتسنّى لهم بالمقابل التزاوج مع الإناث والحفاظ على نسلهم. لا تتحمل الإناث المنتمية لوحدة اجتماعية مستقرة بداخل زمرة أي أنثى غريبة عنها؛ فلا يتغير عدد المنتسبين للمجموعة من اللبؤات إلا بولادة أو موت لبوات جديدات، على الرغم من أن بعض الإناث قد تغادر عائلتها وتصبح مرتحلة. أما الذكور المراهقة من الناحية الأخرى، فتغادر الزمرة عندما تنضج جنسيّا، أي بين سن سنتين وثلاث سنوات.

الحمية والصيد
الأسود حيوانات قويّة تصطاد عادةً في مجموعة منظمة وتختار فريسة واحدة محددة. إلا أنه لا يُعرف عنها قدرتها على التحمّل - فوزن قلب اللبؤة مثلا، يشكل ما نسبته 0.57% فقط من إجمالي وزن جسدها (والذكر حوالي 0.45%)، بينما يقارب وزن قلب الضبع 1% من إجمالي وزن الجسد، وبالتالي فإنه وإن كانت اللبوات قادرة على الوصول إلى سرعة 59 كيلومتر في الساعة (40 ميل في الساعة) فإنها لا تستطيع الحفاظ على هذه السرعة إلا لفترة قصيرة، لذا يجب أن تكون قريبة من طريدتها بما فيه الكفاية قبل أن تهاجم. تستغل الأسود أي عامل من شأنه أن يقلل من احتمال رؤيتها من قبل الطريدة؛ حيث تتم معظم عمليات الصيد بالقرب من مصدر جيّد للتخفي كالأعشاب العالية أو التلال، أو أثناء الليل. تتسلل الأسود نحو ضحيتها حتى تصبح على مقربة 30 متر تقريبا (98 قدم)، وتقوم اللبؤات عادةً بإحاطة القطيع من عدة نواح، وما أن تقترب بما فيه الكفاية حتى تنتقي أقرب أفراد القطيع إليها. يكون الهجوم سريعا وقصيرا؛ حيث تميل إلى إمساك ضحيتها عبر اندفاع سريع نحوها ومن ثم القفز عليها من الخلف. تُقتل الطريدة بواسطة الخنق، مما يسبب لها إقفارا دماغيا أو أزمة قلبية بسبب انقطاع الأكسجين عنها. يمكن أن يقتل الأسد طريدته أيضا عن طريق إطباق فكيه على فمها (مما يسبب لها اختناقا أيضا)، أما الطرائد الصغيرة فقد تُقتل بواسطة ضربة وحيدة من كف الأسد.

تتألف طرائد الأسود من الثدييات الكبيرة إجمالا، وهي تظهر تفضيلا للنو، حمر الزرد، الإمبالا، الجواميس الإفريقية، والخنازير الثؤلولية في إفريقيا، وللنلجاي، الخنازير البرية، والعديد من أنواع الأيائل في الهند، كما كانت تصطاد أنواعا أخرى من الطرائد في موطنها السابق الممتد عبر أوراسيا مثل الأحصنة البرية، البيزون الأوروبي، الأرخص، الأيل الأحمر، وحتى الموظ. تصطاد الأسود حاليّا أنواعا عديدة أخرى من الحيوانات، بناءً على مدى توفرها، وهذا يشمل بشكل رئيسي، الحافريات التي يتراوح وزنها بين 50 و300 كجم (110–660 رطلا) من شاكلة المرامري (الكود)، الثيتل، مها إفريقيا الجنوبية (الجمزبوكة)، والعلند (البُقة). وفي بعض الأحيان قد تمسك بأنواع أصغر حجما مثل غزال طومسون والظبي القفّاز (القوفز)، وهناك البعض من الأسود الذي يقتات بشكل حصري تقريبا على نوع محدد من الفرائس، مثل الأسود القاطنة بالقرب من ساحل صحراء ناميب والتي تفترس فقمات الفراء بشكل مكثّف. تستطيع الأسود التي تصطاد في جماعات أن تمسك بمعظم أنواع الحيوانات التي تقابلها، بما فيها الصحيّة حتى، ولكنها نادرا ما تهاجم الطرائد الضخمة جدًا مثل ذكور الجواميس، أو ذكور الزرافات البالغة بسبب احتمال إصابتها بجراح بالغة في هكذا معركة مما قد يقتلها أو يقعدها.
أظهرت إحصائيات مكثفة جمّعت عن طريق عدد من الدراسات أن الأسود عادةً تقتات على الثدييات التي يتراوح وزنها بين 190 و550 كيلوغراما (420–1210 أرطال). يتصدر النو قائمة طرائد الأسد المفضلة (حيث يُشكل نصف ما تفترسه الأسود تقريبا في السيرنغتي بشرق أفريقيا) يليه حمار الزرد، وتُستبعد عادة معظم أفراس النهر البالغة، وحيدة القرن، الفيلة، والغزلان الصغيرة الحجم، الإمبالا، وغيرها من الظباء الرشيقة. إلا أن الزرافات والجواميس تعتبر من ضمن الطرائد المألوفة في بعض المناطق، كما في منتزه كروغر الوطني حيث تصطاد الأسود الزرائف بشكل منتظم، ومنتزه مانيارا الذي تشكّل الجواميس الإفريقية فيه حوالي 62% من حمية الأسود، بسبب غزارة أعدادها. قد تفترس الزمرة في بعض الأحيان النادرة أفراس النهر البالغة أيضًا، أما وحيدات القرن البالغة فعادةً ما يتم تجنبها. ومن الطرائد التي تقتات عليها الأسود بحال توافرها الخنازير الثؤلولية، على الرغم من أن وزنها يقل عن 190 كجم (420 رطلا)، وفي بعض المناطق تختص هذه السنوريات بصيد نوع محدد من الفرائس؛ كما هي الحال في نهر سافوتي ببوتسوانا، حيث تقتات على الفيلة بشكل مكثّف. وقد أفاد المرشدون في المنطقة أن الأسود دفعها الجوع الشديد إلى مهاجمة الدغافل في بداية الأمر، ثم انتقلت إلى الفيلة المراهقة، وفي بعض الأحيان أمسكت بفيلة بالغة تحت جنح الظلام، أي في الفترة التي يكون فيها نظر الفيلة ضعيفا. تفترس الأسود الماشية المستأنسة كذلك الأمر، ففي الهند تشكّل الأبقار والجواميس المستأنسة جزءًا مهمّا من حميتها، وتعتبر قادرة على قتل ضوار أخرى من شاكلة النمور، الفهود، الضباع، والكلاب البرية، إلا أنها (على العكس من معظم السنوريات الأخرى) نادرا ما تفترس منافسها بعد قتله. تقمم الأسود أيضا جيف الحيوانات التي ماتت لأسباب طبيعية أو قتلها مفترس أخر، وهي تبقى متنبهة للنسور الحائمة في الجو، إذ أنها تفيد بوجود ميتة ما أو حيوان ينازع. تتخم الأسود أنفسها عند الاقتيات حيث قد يأكل الواحد منها 30 كيلوغرام (66 رطل) من اللحم في جلسة واحدة؛ وإن كان غير قادر على التهام الطريدة بأكملها فسوف يستريح لبضعة ساعات قبل أن يعاود الأكل، وفي الأيام الحارّة قد تلجأ الزمرة إلى الظلال لتهضم طعامها، وتترك ذكر واحد أو إثنين للحراسة. تحتاج اللبؤة البالغة إلى 5 كيلوغرامات (11 رطلا) من اللحم يوميّا، بينما يحتاج الذكر إلى 7 كيلوغرامات (15.4 أرطال).

يزيد الصيد الجماعي للبوات من نسبة احتمال إمساكها بطريدة، خصوصا وأنها تصطاد في المساحات المفتوحة مما يمكن الطرائد من رؤيتها من على بعد شاسع؛ ويزيد أسلوب الصيد هذا أيضا من نسبة احتمال إمساكها بإحدى الطرائد الضخمة. ويُمكن العمل الجماعي أيضا الأسود من الدفاع عن طريدتها بشكل أفضل ضد الضواري الكبيرة الأخرى مثل الضباع التي تستدل بسهولة على موقع الاقتيات عن طريق رؤية النسور الحائمة فوقه في السفانا المفتوحة. تقوم اللبؤات بمعظم الصيد للزمرة، وفي صيد نمطيّ، تحتل كل لبوة موقع مفضّل لها بداخل المجموعة، فإمّا تتسلل نحو الطريدة على "جناح" المجموعة ومن ثمّ تهاجمها، أو تتقدم لمسافة قصيرة في وسط المجموعة ومن ثم تهاجم الفريسة الهاربة من اللبؤات الأخرى.
لا تشارك ذكور الأسود المسيطرة على زمرة في الصيد عادةً، إلا عندما تكون الطريدة ضخمة جدًا مثل الزرافة أو الجاموس. أما الذكور العازبة التي لم تسيطر على زمرة خاصة بها بعد فتكون مضطرّة للصيد بنفسها، وقد تمّ رؤية وتوثيق أسود ذكور وهي تصطاد في مجموعة. تُظهر الأشبال سلوك التسلل لأول مرة عندما تبلغ من العمر 3 أشهر، ولكنها لا تشارك في الصيد الفعلي إلا عندما تبلغ حوالي السنة من العمر، وتبدأ بالصيد بفعالية عندما تقارب عامها الثاني.

التناسل ودورة الحياة
تكون معظم اللبؤات قد تناسلت وأنجبت قبل أن تبلغ أربع سنين من العمر، والأسود ليس لها موسم محدد للتزاوج، فقد يتم هذا في أي وقت من السنة، وتُعد الإناث متعددة النزوة. يمتلك الأسد الذكر، كما باقي السنوريات، أشواك خلفيّة الإتجاه على قضيبه، وتحتك هذه الأشواك بجدران رحم الأنثى عندما يقوم الذكر بإخراجه مما قد يحث على الإباضة. قد تتزاوج الأنثى مع أكثر من ذكر عندما تكون في دورتها النزوية؛ وخلال فترة التزاوج، التي قد تمتد لبضعة أيام، يتجامع الزوجان لما بين 20 إلى 50 مرة في اليوم وقد يهملا الاقتيات حتى طيلة هذه الفترة. تتناسل الأسود بشكل جيّد في الأسر.
يبلغ متوسط فترة الحمل حوالي 110 أيام، تضع بعدها الأنثى بطنا يتألف من شبل واحد إلى 4 في مخبأ معزول (قد يكون أجاما كثيفة، غابة قصب، كهف، أو غيره من المواقع الأمنة) بعيدا عن باقي الزمرة في العادة. تصطاد الأم خلال هذه الفترة التي تكون الصغار فيها ضعيفة بمفردها، لكنها تبقى قريبة من الأجام أو الجحر الذي خبأتهم فيه. تولد الأشبال عمياء—ولا تتفتح أعينها حتى بعد أسبوع من الولادة، ويتراوح وزنها بين 1.2 و2.1 كيلوغرام (2.6–4.6 أرطال)، ولا يكون لها أي حول أو قوّة، حيث تبدأ بالزحف بعد يوم أو يومين من الولادة، ولا تمشي قبل أن تبلغ ثلاثة أسابيع. تنقل اللبوة أشبالها إلى جحر جديد عدّة مرات في الشهر، حيث تحملها واحدا واحدا من مؤخرة عنقها، كي تمنع إفاحة رائحتها في موقع واحد مما قد يؤدي إلى جذب انتباه الضواري التي قد تقتلها أو تؤذيها.

لا تعود الأم للاختلاط وأشبالها مع باقي الزمرة إلا حين تبلغ الأشبال ما بين 6 إلى 8 أسابيع، إلا أنه في بعض الأحيان يتم تعريف الزمرة بالصغار في وقت أبكر، وخصوصا أن كانت إناثا أخرى قد أنجبت في ذات الوقت تقريبا. فاللبؤات المنتمية لذات الزمرة تزامن دورتها التناسليّة مع بعضها غالبًا كي تتعاون على تربية وإرضاع الصغار (ما إن تتخطى الأشبال مرحلة العزلة الأوليّة مع والدتها)، التي ترضع بدورها من أي أنثى أو من جميع الإناث المرضعة بداخل الزمرة دون أي تمييز أو تفضيل. وبالإضافة إلى أن تزامن الولادات يؤدي إلى حمايتها بشكل أفضل، فإنها بهذا تكون جميعها بنفس الحجم وبالتالي تكون فرص بقائها متساوية. وبحال أنجبت لبوة بطنا من الأشبال بعد بضعة شهور من لبوة أخرى، فإن الأشبال الكبيرة تهيمن على تلك الصغيرة، كونها أكبر حجما منها، أثناء فترة الاقتيات—وكنتيجة لهذا، فإن الموت جوعا يعدّ سببا مألوفا بين الأشبال الصغيرة أكثر من أشقاؤها الأكبر سنا.
تتعرض الأشبال لعدد من المخاطر أثناء فترة حياتها الأولى، فبالإضافة للموت جوعا، هناك خطر الافتراس من ضوار أخرى من شاكلة بنات آوى، الضباع، النمور، العقبان المحاربة، الأفاعي، وحتى الجواميس بحال التقطت رائحة الأشبال، حيث تتجه عند ذلك إلى الموقع الذي تفوح منه الرائحة والذي تختبئ فيه الصغار وتفعل ما بوسعها كي تسحقها وتقضي عليها، فيما يقوم بعض أفراد القطيع بمطاردة اللبؤة وإبعادها عن المكان. وبالإضافة لذلك، عندما يقوم ذكر أو إثنين بخلع الذكر المسيطر أو تحالف الذكور، والسيطرة على الزمرة بدلا منه، فإنهما يسعيان إلى قتل جميع الأشبال غير البالغة، ولعلّ السبب وراء ذلك هو أن الإناث لا تصبح خصبة ومتقبلة مجددا إلا حينما تنضج أشبالها أو تنفق. وبالإجمال، يموت حوالي 80% من صغار الأسود قبل أن يبلغ السنتين من العمر.

تفتقد الأشبال للجرأة عندما يتم تعريفها بباقي أعضاء الزمرة لأول مرة، ولا تتصرف معها بنفس الأسلوب الذي تتصرفه مع والدتها، إلا أنها سرعان ما تبدأ بالانغماس في حياة الزمرة، فتبدأ باللعب مع بعضها البعض، أو تحاول ذلك مع أحد الأفراد البالغين. تكون اللبؤة ذات الأشبال أكثر تحمّلا لأشبال لبؤة أخرى من تلك التي لا صغار لديها، أماّ تحمّل الذكور للأشبال فيختلف—ففي بعض الأحيان، يكون الذكر صبورا ويسمح للأشبال باللعب بذيله أو لبدته، وفي أحيان أخرى يزمجر عليها أو يضربها كي تبتعد عنه.
تُفطم الأشبال بعد حوالي 6 أو 7 شهور. تصل الذكور لمرحلة النضج الجنسي عندما تبلغ ثلاث سنوات من العمر، وفي عامها الرابع أو الخامس تصبح قادرة على تحدي ذكر مسيطر والإطاحة به ومن ثم الحلول مكانه في زعامة الزمرة. تبدأ الأسود بالهرم والضعف عندما تبلغ ما بين 10 و15 سنة على الأكثر، هذا إذا لم تُصاب أي إصابة بالغة سابقة عندما كانت تحاول الدفاع عن زمرتها (ما إن تُطرد الذكور من زمرتها بفعل تغلّب ذكر أخر عليها فإنها من النادر أن تستطيع السيطرة على زمرة أخرى مجددا). إن قصر أمد سيطرة الذكور على مجموعة خاصة بها يترك بالتالي مجالا ضيقا لذريتها كي تصل لمرحلة النضوج قبل أن يُطاح بأبائها، لذلك فإن كانت قادرة على التناسل بعد سيطرتها على الزمرة مباشرةً فإن هذا يعني أن المزيد من أشبالها سيصل سن البلوغ قبل أن يسيطر ذكر جديد على المجموعة والذي قد يقوم بقتلها جميعا إذا كانت ما تزال غير ناضجة. تحاول اللبوة غالبًا الدفاع عن أشبالها بشراسة ضد الذكر المغتصب، لكن هذه المحاولات نادرا ما تنجح، حيث يقتل الذكر جميع الأشبال البالغة أقل من سنتين. إن اللبؤة أصغر حجما وأخف وزنا من الأسد، لذا فإن التعاون بين ثلاث أو أربع إناث من الزمرة قد ينجح في ردّ الذكر عن الصغار أكثر من قيام لبوة وحيدة بهذا الأمر.

ليست الذكور وحدها من يُطرد من الزمرة لتعيش حياة الارتحال عند بلوغها، على العكس مما يظنه العامّة، فعلى الرغم من أن معظم الإناث تبقى في الزمرة التي ولدت فيها، فإنه حينما تكبر الزمرة كثيرًا يُطرد الجيل الثاني من اللبؤات وتُرغم على تأسيس حوز خاص بها. بالإضافة لذلك، عندما يسيطر ذكر جديد على الزمرة يقوم بطرد جميع الأسود المراهقة بما فيها الذكور والإناث في بعض الأحيان. تعدّ حياة اللبوة المرتحلة شديدة القساوة، فهي نادرا ما تستطيع أن تقوم بتربية أشبالها حتى تصل لسن البلوغ، بدون مساعدة وحماية أفراد أخرى من زمرتها.

تُفيد إحدى الدراسات أن كل من ذكور وإناث الأسود يُظهر سلوكا مثليّا في بعض الأحيان. فذكور الأسود تجول لعدّة أيام مع بعضها وتنشأ خلالها رابطة فيما بينها يتولد عنها سلوك مثليّ يتضمن احتكاك برؤوس بعضها وبعض المداعبة التي تؤدي في النهاية لمحاولة الجماع. أظهرت دراسة أخرى أن نسبة الجماع الذي تحاوله الذكور مع بعضها يصل لحوالي 8%. أما اللبؤات فتظهر سلوكا مثليّا في الأسر بشكل مألوف، ولكنه لم يتم تسجيل هذا السلوك لها في البرية حتى الآن. ويفترض البعض أن ما يدفع الذكور لهذا السلوك هو الكبت الجنسي الذي تتعرض له طيلة فترة بعدها عن الإناث، أي أثناء تجوالها على حدود الحوز للدفاع عنه، بالإضافة للفترة الطويلة التي تتطلبها اللبوة كي تصبح متقبلة جنسيا مجددا، أي بعد سنتين عندما تنضج أشبالها.

الصحة
تُظهر الأدلّة أن معظم الأسود، على الرغم من عدم وجود مفترسات لها، تموت بشكل عنيف بسبب النزاع مع البشر أو غيرها من الأسود، ويصدق هذا القول على الذكور منها بالتحديد، التي يُحتمل أن تحتك بعنف بشكل أكبر من الإناث مع ذكور منافسة، كونها الحارسة الأساسية للزمرة. وعلى الرغم من أن ذكور الأسود قد تصل لسن 15 أو 16 عامًا في البريّة بحال لم يُطح بها أي ذكر أخر، فإن أكثرها لا يعيش أكثر من 10 سنوات، ولهذا السبب فإن متوسط حياة الأسد يكون أقل من ذاك الخاص باللبوة في البريّة بشكل ملحوظ. يمكن للأفراد من كلا الجنسين أن يُصابا بجراح بالغة أو حتى تُقتل عندما تتقاتل زمرتين تتقاطع أحوازها مع بعضها البعض.

تُصاب معظم الأسود بعدد من أنواع القرادات، التي تجتاج الأذنين، العنق، والأربيّة (أصل الفخذ). كما وقد تمّ عزل عدّة عينات بالغة من الديدان الشريطية التابعة لجنس Taenia من أمعاء الكثير من الأسود، حيث كانت قد هضمتها وهي لا تزال بعد يرقانات، عندما اقتاتت على لحم الظباء الغني بها. أصيبت الأسود في فوهة نغورنغورو بوباء نقله ذباب الخيل (Stomoxys calcitrans) عام 1962؛ مما أدى إلى ظهور بقع دمويّة عارية على جسدها، كما وأصيبت بهزال شديد جرّاء هذا المرض، وقد حاولت الأسود أن تتفادى لدغات الذباب عبر تسلّق الأشجار أو اللجوء إلى جحور الضباع ولكن دون جدوى؛ فنفق الكثير منها أو هاجر إلى مناطق أخرى مما أدى إلى انخفاض عدد الجمهرة من 70 إلى 15 فردا فقط، وقد عاد هذا الوباء وتفشّى مؤخرا عام 2001 ولكنه لم يقتل سوى ستة أسود. تكون الأسود معرّضة، في الأسر خصوصا، لعدد من الفيروسات مثل سل الكلاب أو حمى الهررة (CDV)، فيروس نقص مناعة السنوريات (FIV)، والتهاب صفاق السنوريات (FIP). ينتقل سل الكلاب إلى الأسود عبر احتكاكها مع الكلاب المستأنسة وغيره من اللواحم؛ وفي عام 1994 تفشّى هذا المرض في منتزه السيرنغتي الوطني مما أدى بظهور أعراض توافق عصبي عند الأسود مثل الانقباضات، وخلال تلك الفترة نفق العديد من الأسود بسبب الالتهابات الرئوية، والدماغيّة. أما فيروس نقص مناعة السنوريات، الشبيه بفيروس نفص مناعة البشر، فعلى الرغم من أنه لا يؤثر على الأسود بشكل ظاهري، فإنه يعتبر مدعاة للقلق بحسب ما يرى المحافظون على هذه الحيوانات، بسبب أن تأثيره مدمّر للقطط المستأنسة، ويدعوا هؤلاء إلى إجراء فحوصات متواصلة للأسود الأسيرة لمعرفة تأثيره عليها بشكل أدق. يظهر هذا الفيروس بشكل كبير عند الكثير من الجمهرات البريّة، حتى أنه متوطن في البعض منها، إلا أنه غائب تقريبا من الأسود الآسيوية وتلك القاطنة ناميبيا.

التواصل
تتواصل الأسود مع بعضها أثناء فترة الراحة عن طريق عدد من السلوكيات، حيث تُعدّ حركاتها التعبيريّة متطوّرة جدًا. يُعد احتكاك الرأس واللعق الجماعي أبرز التحيّات السلميّة الملموسة، ويمكن مقارنتها بالمسائسة عند الرئيسيات. يظهر أن فرك الرأس بالرأس، أو الخطم على الجبهة، بالإضافة للعنق والوجه على أسد أخر—هو أحد أشكال التحيّة، بما أنه يظهر غالبًا بعد أن يعود أحد الأفراد للاختلاط بباقي الزمرة بعد أن غاب طويلا، أو بعد قتال أو مواجهة. تميل الذكور إلى الاحتكاك بالذكور الأخرى، بينما تحتك الإناث والأشبال بالإناث الأخرى. يحصل اللعق الجماعي غالبًا بالترادف مع فرك الرأس؛ وهو غالبًا ما يكون متبادلا ويبدو أن الفرد الذي يُلعق يُظهر متعةً خلال هذه العملية. تلعق الأسود رؤوس بعضها وأعناقها أكثر الأحيان، ويظهر أنها تقوم بذلك لأجل المنفعة الخاصة، إذ أن الأسد لا يستطيع لعق هذه المناطق بمفرده، فيفعل ذلك لغيره من أعضاء الزمرة التي تردّ له الخدمة.

تمتلك الأسود معرضا واسعا من التعابير الوجهيّة والأوضاع الجسديّة التي تستخدمها للتواصل البصري. كما أن قائمة تعابيرها الصوتيّة كبيرة أيضا؛ فالاختلاف في حدّتها ودرجتها، عوضا عن إصدار إشارات مختلفة منها، يبدو أساسيّا للتواصل. تشمل قائمة أصوات الأسد: الزمجرة، الخرخرة، الفحيح، السعال، المواء، النفخ، والزئير. تميل الأسود لأن تزأر بطريقة مميزة للغاية، حيث تبدأ ببعض الزئير العميق الطويل الذي يليه سلسلة أقصر منه. تزأر الأسود في الليل غالبا؛ حيث ينتقل الصوت عندها على مسافة 8 كيلومترات (5.0 أميال)، ويُستخدم للإعلان عن وجود الحيوان في الموقع الذي يقبع فيه أي ضمن نطاق حوزه، وبتعبير أخر فهو يعتبر كإنذار للأسود والضواري الأخرى. يعتبر زئير الأسد الأعلى درجة بين جميع أنواع السنوريات الكبرى الأخرى.
وقد ورد في أحد الأحاديث النبوية الإسلامية قولا عن زئير الأسود، فقد روى الطبراني وأبو منصور الديلي، والحافظ المنذري، عن عبد الرحمن بن صخر الدوسي الملقب بأبي هريرة، وهو أحد صحابة الرسول محمد بن عبد الله، أنه قال: "أتدرون ما يقول الأسد في زئيره؟"، قالوا: "الله ورسوله أعلم"، قال: "إنه يقول: اللهم لا تسلطني على أحد من أهل المعروف".

العلاقة مع الضواري الأخرى
تعدّ علاقة الأسود بالضباع المرقطة في المناطق التي يتشاطرها كلا النوعين فريدة من حيث تعقيدها وحدّتها، فكل منهما يعتبر مفترسا فوقيّا يقتات على نفس الطرائد التي يقتات عليها النوع الأخر، وبالتالي فهي منافسة مباشرة لبعضها البعض، وكنتيجة لهذا فإن الأسود والضباع غالبًا ما تتقاتل وتسرق فرائس بعضها. وعلى الرغم من أن الفكرة الشائعة لدى الناس هي أن الضباع تعتبر قمّامة منتهزة للفرص، تستفيد من نجاح الأسود في الصيد لتقتات على بقايا ذبائحها، فإن العكس هو غالبًا الصحيح، فطعام الضباع يتألف بمعظمه من طرائد قتلتها بنفسها، بينما تشكّل الجيفة قسما كبيرا من غذاء الأسود، وبحال تنبهت الأخيرة لعملية صيد ناجحة للضباع فستقوم بطردها والاستيلاء على فريستها. ففي فوهة نغورنغورو بتنزانيا مثلا، تفوق جمهرة الضباع عدد جميع الأسود الموجودة، مما أدّى بجعل نسبة كبيرة من غذاء السنوريات تتكون من بقايا صيد الضباع. يتضمن النزاع بين هذين النوعين، على الرغم من كل ذلك، أكثر من مجرّد معارك على مصادر الطعام، فهي تتقاتل أيضا على حدود أحوازها على العكس من معظم الحيوانات الأخرى، فأي حيوان عادةً يقوم بتعليم حدود منطقته كي يمنع أفراد أخرى من نفس النوع والجنس أن تدخل وتنافسه على نفس مصادر الغذاء والإناث (بحال الذكور)، ولا يهتم بالأنواع الأخرى المختلفة التي تشاطرة حوزه، ولكن هذا الأمر لا ينطبق على الأسود والضباع؛ فكل منها يعلّم حدود منطقته ليمنع النوع الأخر من دخولها كما يفعل مع الأفراد الأخرى من بني جنسه. تعتبر ذكور الأسود عدائية جدًا تجاه الضباع، وقد تمّت رؤيتها وهي تصطادها وتفتك بها دون أن تقتات عليها، وبالمقابل فإن الضباع مفترسة رئيسيّة للأشبال، وتقوم بإزعاج اللبؤات ومضايقتها في موقع الصيد، إلا أنها تتفادى الذكور البالغة الصحيّة ولا تحتك معها مهما حصل.

تهيمن الأسود على السنوريات الأصغر حجما، مثل الفهود والنمور، في المناطق التي تتشاطرها معها، كما وتسرق منها طرائدها وتقتل أشبالها وحتى الأفراد البالغة منها بحال سنحت لها الفرصة. تصل نسبة احتمال خسارة الفهد طريدته لصالح الأسود أو ضوار أخرى إلى 50%، كما وتعتبر الأخيرة سببا أساسيّا وراء ارتفاع نسبة وفيات جراء الفهود في أسابيعها الأولى، حيث تصل نسبة ما ينفق منها بسبب الافتراس في هذه الفترة إلى 90%. تتفادى الفهود منافسة الأسود عبر صيدها في أوقات مختلفة من النهار تكون فيها قريبتها الأكبر حجما تستريح عادةً، وأيضا عن طريق تخبئة جرائها في النبات الخفيض الكثيف. تلجأ النمور لنفس الأساليب أيضًا، لكنها تمتلك أفضليّة على الأسود والفهود من ناحية أنها قادرة على البقاء عبر الاقتيات على الطرائد الصغيرة حصريّا مثل الأرانب البرية والطيور، وحتّى الخنافس. أيضًا، فالنمر، على العكس من الفهد، قادر على تسلّق الأشجار ويستخدمها لتخبئة جرائه وطرائده بعيدا عن متناول الأسود، إلا أن اللبوات تكون قادرة في بعض الأحيان على تسلّق الشجرة وإحضار الجيفة. تهيمن الأسود على الكلاب البرية الأفريقية بشكل مماثل، وهي لا تكتفي بأخذ طرائدها فحسب، بل تفترس جرائها والأفراد البالغة منها أيضا (على الرغم منها نادرا ما تستطيع الإمساك بتلك الأخيرة).

يُعتبر تمساح النيل المفترس الوحيد، إلى جانب الإنسان، القادر على قتل أسد بالغ. يخسر كل من الطرفين فريسته أو الجيفة التي يقتات عليها لصالح الطرف الأخر إن كان أصغر منه حجما. يُعرف عن الأسود أنها قادرة على قتل التماسيح بحال كانت تجول على اليابسة، والعكس صحيح، فالتماسيح تقتل أي أسد يدخل المجاري المائية التي تقطنها، والدليل على ذلك هو العثور أحيانا على مخالب بعض الأسود في معدة التماسيح.

الانتشار والمسكن
تتواجد الأسود في أفريقيا بأراضي السفانا العشبيّة ذات أشجار السنط المتناثرة التي تلجأ إلى ظلالها في فترات النهار الأكثر حرّا؛ أما في الهند فمسكنها عبارة عن مزيج من غابات السفانا الجافة وغابات الأشجار القمئية النفضيّة الجافة أيضا. ومنذ فترة قصيرة نسبيّا كان مسكن الأسود يشمل القسم الجنوبي من أوراسيا، أي المنطقة الممتدة من اليونان حتى الهند، ومعظم إفريقيا عدا القسم الأوسط ذي الغابات المطريّة والصحراء الكبرى. ذكر هيرودوتس أن الأسود كانت مألوفة في اليونان قرابة العام 480 قبل الميلاد؛ وقد هاجمت قافلة جمال الملك الفارسي خشايارشا الأول خلال غزوه البلاد. يقول أرسطو أن الأسود أصبحت نادرة في اليونان بحلول عام 300 ق.م. وبحلول عام 100م كانت قد انقرضت نهائيا. استمرت جمهرة صغيرة من الأسود الآسيوية بالتواجد في القوقاز حتى القرن العاشر، وتُعد هذه المنطقة المكان الأخير في أوروبة الذي تواجدت فيه الأسود بشكل بري.

انقرضت الأسود من فلسطين ولبنان بحلول القرون الوسطى، ومن معظم آسيا في القرن الثامن عشر بعد وصول الأسلحة النارية الحديثة. وفي الفترة الممتدة بين أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين كانت الأسود قد اختفت كليّا من شمال إفريقيا والشرق الأوسط.نفق آخر أسد في تركيا وأقصى شمال الهند خلال أواخر القرن التاسع عشر، أما آخر مشاهدة لأسد حيّ في إيران فكانت عام 1941 بين شيراز وجهرم بمحافظة فارس وفي عام 1944 وجدت جيفة آخر لبوة على ضفاف نهر قارون في محافظة محافظة خوزستان، إلا أنه على الرغم من ذلك لا توجد تقارير موثقة من إيران يمكن الاستناد إليها في هذا الموضوع. تعيش السلالة الآسيوية اليوم بداخل وفي المنطقة المحيطة بغابة غير الواقعة في شمال غرب الهند بولاية غوجرات، وتأوي هذه الغابة البالغة مساحتها 1,412 كلم² (558 ميل مربّع) حوالي 300 أسدا تزداد أعدادها ببطء.

كانت الأسود تُعتبر أكثر ثدييات اليابسة الكبرى انتشارا بعد الإنسان حتى أواخر العصر الحديث الأقرب (البليستوسين، منذ حوالي 10,000 سنة)، حيث كانت توجد في معظم أنحاء إفريقيا، الكثير من أنحاء أوراسيا من أوروبا الغربية حتى الهند، وعبر جسر بيرينغ وصولا إلى الأمركيتين، من يوكون حتى البيرو. كانت بعض أقسام هذا الموطن تقطنها سلالات أصبحت اليوم في عداد الحيوانات المنقرضة.

الجمهرة الحالية وحالة الحفظ
تعيش معظم الأسود اليوم في إفريقيا الشرقية والجنوبية، في جمهرات تتراجع أعدادها بشكل سريع، حيث يُقدّر أن نسبة هذا التراجع تراوحت بين 30 إلى 50% على مر العقدين الماضيين. أظهرت إحدى التقديرات الحالية لجمهرة الأسود الأفريقية أن ما بين 16,500 و47,000 أسدا بريّا كان موجودا ما بين عاميّ 2002 و2004، بعد أن بلغت أعدادها حوالي 100,000 فرد في أوائل التسعينات من القرن العشرين، وقرابة 400,000 على الأرجح في الخمسينات. إن سبب تراجع الأعداد لا يزال غير معروفا حتى اليوم، وقد لا يكون قابل للإصلاح حتى، ولكن يعد النزاع مع البشر وفقدان المسكن أبرز المخاطر على هذا النوع حاليّا. إن الجمهرات الحالية غالبًا ما تكون معزولة جغرافيّا عن بعضها البعض، مما قد يؤدي إلى التناسل الداخلي، وبالتالي نقص التنوع الجيني، ولهذا فإن الأسد، كنوع، يُصنف من قبل الاتحاد العالمي للحفاظ على الطبيعة بأنه من الحيوانات المعرضة للانقراض بدرجة دُنيا (مُعرّض في المستقبل للانقراض بحال لم تتخذ الإجراءات اللازمة لإكثاره)، أما السلالة الآسيوية فتعتبر مهددة بالانقراض بدرجة قصوى (يُحتمل انقراضها في المستقبل بحال لم يتم إكثارها). تُعتبر جمهرة الأسود في إفريقيا الغربية معزولة عن تلك الموجودة في أفريقيا الوسطى، حيث يندر احتكاك الأفراد القادرة على التناسل مع بعضها أو لا تحتك على الإطلاق. قُدّر عدد الأفراد البالغة في أفريقيا الغربية عن طريق دراستين مستقلتين بما بين 850 و1,160 أسد (2004/2002)، وهناك خلاف حول حجم أكبر جمهرة فرديّة في تلك المنطقة: فيقدّر البعض أعدادها بين 100 و400 أسد في نظام آرلاي سينغو البيئي في بوركينا فاسو.
تطلّب الحفاظ على الأسود الإفريقية والآسيوية إنشاء وصيانة العديد من المنتزهات القومية ومحميات الطرائد؛ ومن أشهرها منتزه إيتوشا الوطني في ناميبيا، منتزه السرينغتي الوطني في تنزانيا، ومنتزه كروغر الوطني في جنوب أفريقيا. أما خارج هذه المناطق، تؤدي النزاعات بين البشر والأسود بسبب افتراس الأخيرة للماشية إلى قتل تلك الضواري في أكثر الأحيان. تعتبر غابة غير في غرب الهند الموطن الآسيوي الوحيد الذي لا تزال توجد فيه أسود بحالة برية طبيعية، وقد أظهرت إحصائية جرت في إبريل 2006 أن الجمهرة الحالية يبلغ عدد أفرادها 359 أسدا. يُضاف إلى قائمة الأسباب التي تهدد الأسود في إفريقيا بناء المزيد من المساكن البشرية في مناطق الحياة البرية مما يؤدي إلى اختفاء الطرائد مما يضطر بالأسود إلى صيد المواشي، الأمر الذي يُدخلها بنزاع مع الرعاة والمسؤولين عن الحفاظ عن الحيوانات البرية. أطلقت الحكومة الهندية برنامجا يُعرف ببرنامج إعادة إدخال الأسود الآسيوية، وهو يهدف إلى إنشاء جمهرة جديدة مستقلة من الأسود في محمية بالبور كونو بولاية ماديا براديش، ويُعتبر هذا الأمر ضروريا للغاية من أجل الحفاظ على جمهرة آسيوية صحيّة ومتنوعة جينيّا مما يعني ازدياد احتمال بقاء هذه السلالة المهددة في المستقبل.
إن الشعبيّة التي كانت الأسود البربرية تحظى بها في حدائق الحيوانات يمكن الاستفادة منها بأن بعض الأسود المبعثرة في حدائق حيوانات مختلفة قد تكون متحدرة بشكل مباشر من الجمهرة الأصلية الأسيرة. تتضمن الأفراد المرشحة 12 أسدا في منتزه بورت لمبن للحياة البرية في كنت، إنكلترا، متحدرة جميعها من حيوانات كانت ملكا لملك المغرب، وهناك أيضا 11 أسدا أخر في حديقة حيوانات أديس أبابا يُعتقد بأنها ذات أصل بربري، متحدرة من أسود كان يمتلكها الإمبراطور هيلا سيلاسي. أطلقت مؤسسة وايلد لينك إنترناشونال بالتعاون مع جامعة أوكسفورد مشروعا دوليّا أطلق عليه "مشروع الأسد البربري" (بالإنكليزية: Barbary Lion Project) يهدف إلى تعيين الأسود الأسيرة ذات الأصل البربري الصحيح وإكثارها ومن ثم إعادة إدخالها إلى منتزه قومي بجبال الأطلس في المغرب.

بعد اكتشاف تراجع أعداد الأسود في أفريقيا، نُظّم عدد من المشاريع المتناسقة المختصة بالحفاظ على الأسود في محاولة لإيقاف هذا التراجع بشكل جذري. يعتبر الأسد أحد الأنواع المضمونة في خطة بقاء الأنواع، وهي برنامج لإكثار وزيادة حظوظ بعض أنواع الحيوانات في البقاء أطلقه اتحاد حدائق الحيوانات والمعارض المائية الأميركي. بدأ العمل بهذا البرنامج عام 1982 في محاولة لإكثار الأسود الآسيوية المهددة بالانقراض، ولكنه عُلّق بعد أن أكتشف أن جميع الأسود الآسيوية في حدائق الحيوانات الأميركية ليست نقيّة جينيّا، بعد أن هُجّنت مع أسود إفريقية. ابتدأ العمل ببرنامج الأسود الأفريقية عام 1993، بالتركيز على زيادة أعداد السلالات الجنوب إفريقيّة خصوصا، على الرغم من أن هناك صعوبة في تحديد مدى التنوع الجيني لدى الأسود الأسيرة، لأن معظم الأفراد من أصول غير معلومة، مما يجعل من صيانة التنوع الجيني أمرا صعبا.

الأسود أكلة الإنسان
على الرغم من أن الأسود لا تصطاد البشر في الغالب، فإن البعض منها (عادةً ذكور) يبدو بأنه يسعى إلى الإنسان باعتباره طريدة؛ ومن القضايا المشهورة لأكلة الإنسان قضية أكلة البشر في تسافو، حيث قُتل 28 عاملا في بناء خط حديد كينيا - أوغندا على مدى 9 شهور في عام 1898 أثناء إنشائهم لجسر فوق نهر تسافو، وكذلك قضية أكل البشر في مفوي عام 1991، عندما قُتل ستة أشخاص في وادي نهر لوانغوا بزامبيا. كتب كل من الشخصين الذان قتلا تلك الأسود في كل من القضيتين كتبا يفصلان فيها نمط افتراس تلك الحيوانات، وبعد التدقيق في القصتين يظهر أن القضيتين تتشابهان من عدة نواحي: فالأسود في كلا الحادثتين كانت ذكورا يفوق حجمها الحجم الطبيعي لأي أسد، كما كانت عديمة اللبدة وتعاني من تسوّس الأسنان كما يبدو. يرفض جميع الباحثين نظرية العلّة الجسديّة، بما فيها مسألة تسوس الأسنان، بأنها هي الدافع وراء هجوم هذه الضواري على الناس، فقد أظهرت التحاليل التي جرت على أسنان وأفكاك أكلة البشر في المتاحف أنه وعلى الرغم من أن التسوّس قد يكون سببا وراء بعض هذه الأحداث، إلا أن تناقص الفرائس الطبيعية في المناطق التي استصلحها البشر هو على الأرجح السبب الأبرز وراء استهداف الأسود للإنسان. أفاد بعض العلماء أثناء تحليلهما لعينات من أسود تسافو وأكلة البشر عامةً، أن الحيوانات الجريحة أو المريضة قد تكون ميّآلة أكثر لاصطياد الإنسان، لكن هذا السلوك ليس "بغير طبيعي، ولا حتى شاذ بالضرورة"؛ فإن توافرت إقناعات كافية للأسود مثل سهولة الوصول إلى الماشية أو إمكانية الاقتيات على جثة بشرية، فإنها سوف تقتات على البشر عندما تسنح الفرصة. يفيد الكاتبان أن علاقة المفترس بالطريدة هذه برزت بشكل كبير أيضا بين أنواع أخرى من السنوريات المنتمية لجنس النمر ورئيسيات أخرى غير الإنسان عبر الزمن، كما يُظر سجل المستحثات.

تمتّ دراسة ميل الأسود لافتراس الإنسان منهجيّا، ويفيد العلماء الأميركيون والتنزانيون أن افتراس الإنسان في المناطق الريفية من تنزانيا ازداد بشكل كبير من عام 1990 حتى 2005، فقد تم مهاجمة 563 قرويّا على الأقل والتهم الكثير منهم عبر هذه الفترة—وهذا عدد يفوق عدد ضحايا "تسافو" الذين قتلوا منذ حوالي القرن بكثير. وقعت هذه الحوادث بالقرب من منتزه سيلوس الوطني في مقاطعة روفيجي، وفي محافظة ليندي بالقرب من الحدود الموزمبيقيّة. يُعد انتشار البشر وتوسع استيطانهم في الأراضي الحرجية أحد أسباب هذه الهجومات، ويقول العلماء أيضا أن سياسة الحفاظ على الحياة البرية يجب أيضا أن تُشدد أكثر كي تُخفف من هذه الحوادث، لأنها في هذه الحالة لم تفعل شيئا سوى المساهمة بارتفاع نسبة وفيات السكان. تمّ توثيق بعض الحالات في ليندي حيث قامت الأسود بالإمساك ببشر من وسط بعض القرى الكبيرة.
يُفيد الكاتب روبرت ر. فرمب في مؤلفه أكلة البشر في جنة عدن أن اللاجئين الموزمبيقيّين غالبًا ما يعبرون منتزه كروغر الوطني خلال الليل ليدخلوا جنوب إفريقيا فتهاجمهم الأسود أحيانا وتقتات عليهم؛ وقد صرّح المسؤولين في المنتزه أن افتراس الإنسان يُشكل مشكلة كبرى في تلك الأنحاء من البلاد. يعتقد فرمب أن آلاف اللاجئين قتلوا في المنتزه خلال العقود التي تلت إغلاق حدودة بسبب نظام الفصل العنصري، مما دفع بالموزمبيقيّين إلى عبوره بالليل، فحتى حوالي القرن قبل أن يتم إغلاق الحدود، كان الموزمبقيّون يمشون عبر المنتزه خلال النهار دون أن يصيبهم أذىً كبير.

يُقدّر البعض أن أكثر من 200 تنزاني يُقتلون سنويًا على يد الأسود، التماسيح، الفيلة، أفراس النهر، والأفاعي، وتعتبر الأسود مسؤولة عن مقتل 70 شخصا من هؤلاء، كما ويُقال أن هذه الأعداد قد تبلغ ضعف تلك المذكورة في الواقع. يؤمن البعض القليل من المحافظين على الحياة البرية أن جهود الحفظ الغربيّة يجب أن تأخذ بعين الاعتبار هذه الإحصائات ليس فقط من الناحية الأخلاقية المتعلقة بحياة الإنسان، بل أيضا لنجاح جهود الحفاظ على الأسود على المدى البعيد.

قُتل أسد آكل للإنسان على يد كشافي طرائد بجنوبي تنزانيا في إبريل 2004، ويُعتقد بأنه فتك واقتات على 35 شخصا على الأقل في سلسلة من الحوادث غطّت عدة قرى في منطقة دلتا روفيجي الساحليّة. علّق الدكتور رولف د. بالدوس، منسّق برنامج GTZ للحياة البرية، على أن افتراس الأسد للبشر كان يعود لامتلاكه خرّاجا كبيرا تحت أحد أضراسه الذي كان متكسرا في عدّة مناطق، كما وأضاف أن "هذا الأسد كان يعاني ألما مبرحا على الأرجح، وخصوصا عندما كان يمضغ". GTZ هي الوكالة الألمانية للتنمية والتعاون، التي كانت تعمل مع الحكومة التنزانية في مجال الحفاظ على الحياة البرية لحوالي العقدين من الزمن. كما في الحالات الأخرى، كان هذا الأسد ضخما، يفتقد للبدة، ويُعاني من مشكلة بأسنانه.

إن العدد الأكبر لضحايا أكلة الإنسان في إفريقيا لا يعود لأسود تسافو بحسب معظم العلماء، بل إلى أسود أحداث أواخر الثلاثينات وصولا لأواخر أربعينات القرن العشرين في ما كان يُدعى يومها تنجانيقا (تنزانيا حاليا). فقد كانت زمرة بأكملها تقتات بشكل كبير على البشر، إلى أن قام حارس الطرائد والصياد المحترف جورج روشبي بالقضاء على جميع أعضائها، ويُعتقد أن ثلاثة أجيال من هذه الزمرة قتلت واقتاتت على مابين 1,500 إلى 2,000 شخص في المنطقة التي تُعرف اليوم بمقاطعة نيومبي.

في الأسر
تنتشر الأسود بشكل واسع في الأسر، وهي تُعد جزء من مجموعة الحيوانات الغريبة التي تُشكل مركز اهتمام الناس في حدائق الحيوان منذ أواخر القرن الثامن عشر؛ وتشمل هذه المجموعة دائمًا أنواعا من الفقاريات الضخمة التي تضم الفيلة، وحيدات القرن، أفراس النهر، الرئيسيات الكبيرة، وسنوريات كبرى أخرى؛ حيث كانت حدائق الحيوانات تتهافت على تجميع أكبر عدد منها بقدر الإمكان وعرضها. هناك اليوم ما يزيد على 1000 أسد أفريقي و100 أسد آسيوي في حدائق الحيوانات ومنتزهات الحياة البرية حول العالم، على الرغم من أن هذه الأخيرة أصبحت حاليّا أكثر انتقاءً لجهة الحيوانات التي تعرضها. تعتبر الأسود حيوانات ممثلة أو "سفيرة" للحياة البرية حيث يُحتفظ بها لأغراض السياحة، التثقيف، وللحفاظ على نوعها. يمكن للأسود أن تصل لسن 20 سنة في الأسر؛ ومن أحد الأسود المعمّرة، الذكر المقيم في حديقة حيوانات هونولولو بهواي والمسمّى "أبولو" الذي نفق عن عمر 22 سنة في أغسطس 2007، أما شقيقتيه المولودتان عام 1986 فلا تزالا على قيد الحياة. تأخذ برامج إكثار الأسود في حدائق الحيوان بعين الاعتبار فصل سلالات الأسود المختلفة عن بعضها البعض كي لا تتزاوج وتلوّث المورثات المميزة لكل منها، كما وتحاول التخفيف من نسبة التزاوج الداخلي الذي يزداد احتمال حدوثه عند فصل الأفراد المنتمية لسلالات مختلفة عن بعضها.
كان الملوك الآشوريين يحتفظون بالأسود ويكثروها في حدائق قصورهم منذ عام 850 قبل الميلاد، ويُقال بأن الأسكندر الأكبر قُدمت له أسود مروّضة من قبل عشيرة المالهي في شمال الهند، وخلال عهد الإمبراطورية الرومانية كان الأباطرة يحتفظون بالأسود كي تشارك بالألعاب في حلبات المجالدة، ومن الأباطرة المعروفين الذين كانوا يأمرون بالقتل الجماعي لمئات الأسود في بعض الأحيان: لوسيوس كورنيليوس سولا، بومبي، ويوليوس قيصر. أما في الشرق، فكان الأمراء الهنود يروضون الأسود ويُربونها، وقد ذكر ماركو بولو أن قوبلاي خان كان يُبقي أسوده بداخل القصر. ظهرت أولى حدائق الحيوان الأوروبية في القرن الثالث عشر، حيث كانت تُسمّى بالسراي، وكانت مخصصة فقط للعائلات الملكية والنبلاء، واستمر هذا الاسم يُطلق عليها حتى القرن السابع عشر عندما أخذت تُسمّى بمعارض الوحوش التي كانت تعتبر امتدادا لمخزن الغرائب (مخزن كان يُعتبر وكأنه موسوعة، إذ كانت تُجمع فيه أغراض مختلفة متعلقة بعلم الأحياء، الكيمياء، الأثار، إلخ...). انتشرت هذه المعارض من إيطاليا وفرنسا خلال عصر النهضة إلى باقي أنحاء أوروبة، أما في إنكلترا فلم يكن تقليد السراي منتشرا بالشكل الذي كان عليه على البر الرئيسي، لكن وعلى الرغم من ذلك كان يُحتفظ ببعض الأسود في برج لندن بسراي أسسه الملك جون الأول خلال القرن الثالث عشر، وكان يعجّ على الأرجح بحيوانات كانت موجودة في معرض وحوش سابق أسسه الملك هنري الأول عام 1125 في قصره بوودستوك بالقرب من أوكسفورد؛ حيث أفاد أحد المؤرخين بأن عدد من الأسود كان موجودا هناك.

كانت السرايا تعبّر عن مدى سلطة وثروة صاحبها النبيل، والحيوانات من شاكلة السنوريات الكبيرة والفيلة كانت تُمثّل السلطة التي يتمتع بها، ودائمًا ما كانت تُحثّ على قتال بعضها أو حيوانات مستأنسة. بالإضافة لذلك، كانت هذه الأماكن ومعارض الوحوش تمثّل وتظهر سيطرة الإنسان على الطبيعة. وكنتيجة لهذا، فإن هزيمة "أسياد الطبيعة" هذه على يد بقرة عام 1682 كان مدعاة للاستغراب من قبل المتفرجين، كما أدّى هرب فيل من أمام وحيد قرن إلى استهزاء الجمهور بالعرض. أخذت هذه العروض بالاندثار شيئا فشيئا خلال القرن السابع عشر بعد انتشار معارض الوحوش وتخصيصها للعامّة، أما الاحتفاظ بالسنوريات الكبرى كحيوانات أليفة فظل مستمرا حتى القرن التاسع عشر، عندما بدأ الناس بالنظر إليه على أنه تصرّف غريب جدًا.
كان وجود الأسود في برج لندن متقطعا، حيث كان يُجلب المزيد منها فقط عندما تُقدّم هدية أو يطلبها أحد الملوك بنفسه أو زوجته، كما فعلت زوجة الملك هنري السادس مارغريت. تُظهر السجلات أن الحيوانات كان يُحتفظ بها في ظروف سيئة للغاية في ذلك المكان خلال القرن السابع عشر، على العكس من الظروف التي كانت تعيش فيها في فلورنسا خلال الفترة ذاتها. فتح معرض الوحوش في البرج أبوابه للعامة في القرن الثامن عشر؛ وكان سعر الدخول إليه هو جمع ثلاثة بنسات نصفية أو تقديم كلب أو هر لإطعام الأسود، وكان هناك أيضا معرضا منافسا أخر في شارع الستراند استمر بعرض الأسود حتى أوائل القرن التاسع عشر. أقفل معرض البرج أخيرا من قبل الملك وليام الرابع ونُقلت الحيوانات جميعها إلى حديقة حيوانات لندن التي افتتحت بتاريخ 27 أبريل 1828.

إزدهرت تجارة الحياة البرية بالتزامن مع ازدهار التجارة بين المستعمرات الأوروبية والدول الأم في القرن التاسع عشر، وكانت الأسود تُعد من ضمن المنقولات المألوفة رخيصة الثمن، على الرغم من أنه كان يتم مقايضتها بأسعار أكبر من أسعار الببور، لكنها كانت أقل ثمنا من بعض الحيوانات الأخرى الأكبر حجما والتي يصعب نقلها مثل الزرافات وأفراس النهر، وبخسة الثمن كثيرًا عند مقارنتها بحيوانات أخرى نادرة كان يجب الحصول عليها لاستقطاب الجماهير مثل الالباندا. كان يُنظر إلى الأسود، كما باقي الحيوانات الأخرى، على أنها بضائع، أكثر منها مخلوقات طبيعيّة، متدفقة على الدوام لا يُحتمل نضابها، فكانت تُستغل وتُصاد بدون رحمة، وتُتكبد خسائر فادحة في أعدادها أثناء عملية إمساكها ونقلها. أدّى صيد الأسود المستمر إلى انتشار صورة وفكرة صيّاد الأسود البطل بين الناس بشكل واسع لقسم كبير من ذلك القرن، وقد استغل الصيادون مانوية مشهورة وهي أن الحيوانات تُقسّم إلى "شريرة" و"صالحة" كي يضيفوا عنصر الإثارة على مغامراتهم ويظهرون أنفسهم بمظهر الشجعان. وقد أدّى هذا إلى الشك دوما بالسنوريات الكبرى على أنها آكلة للبشر، فأصبحت تمثل "الخوف من الطبيعة الأم والشعور بالرضى للتغلّب عليها".
كان يُحتفظ بالأسود في حديقة حيوانات لندن في أقفاص ضيقة مزدحمة قذرة من جرّاء تراكم برازها وبولها بالإضافة لبقايا طعامها من جهة، ولصعوبة تنظيفها من جهة أخرى حيث أن ذلك كان يتطلب نقلها من قفص لأخر، واستمر الحال هكذا إلى تمّ بناء دار أسود أكبر ذو أقفاص أوسع خلال عقد السبعينات من القرن التاسع عشر. طرأت تغيرات أخرى على معارض الأسود في أوائل القرن العشرين، عندما قام تاجر الحيوانات كارل هاغنبيك بتصميم حظائر تشابه مسكن الأسود الطبيعي، ذات صخور إسمنتيّة، مساحة شاسعة كي تسرح فيها، وخندق يحيط بالحظيرة عوضا عن القضبان، وقد صُممت أولى هذه المعارض لحديقتي حيوانات ملبورن وتارونغا في أستراليا، بالإضافة لبضعة حدائق أخرى في أوروبة. وعلى الرغم من أن تصميم هاغنبيك حظي بالمديح وأصبح شائعا، إلا أن المعارض ذات القضبان بقيت رائجة حتى الستينات من القرن العشرين في الكثير من حدائق الحيوان. أدّى بناء حظائر أكبر، وأقرب شكلا إلى الموئل الطبيعي للأسود في العقود الأخيرة للقرن العشرين، باستخدام الشباك والزجاج غير القابل للكسر للإحاطة بالمعرض، عوضا عن الخنادق، إلى السماح للزوار بالاقتراب من الحيوانات أكثر من أي وقت مضى، حتى أن البعض من المعارض أخذ يضع عرين الأسود على أرض مرتفعة أكثر من الطريق التي يمشي عليها الزوار مثل معرض غابة السنوريات/مطلّ الأسد في حديقة حيوانات مدينة أوكلاهوما. تعيش الأسود اليوم في معارض كبيرة قريبة في شكلها من شكل مسكنها في البريّة؛ حيث يتم اللجوء إلى إرشادات معاصرة يوصى بها لبناء معرضها كي يشابه موئلها بأكبر قدر ممكن ويؤمن لها احتياجاتها الطبيعية، مثل وجود عرائن متفرقة في عدّة مناطق، أماكن مرتفعة مشمسة وظليلة حيث تستطيع الأسود أن تجلس، وما يكفي من الغطاء النباتي الأرضي، بالإضافة لمصدر للمياه ومساحة كافية كي تجول فيها الحيوانات.

كان هناك بعض الحالات التي قام فيها أشخاص بتربية أسد، مثل اللبوة إلسا، التي قام بتربيتها الناشط البيئي الراحل جورج آدمسون وزوجته جوي آدمسون، وطوّرت علاقة وثيقة معهما وبشكل خاص مع الأخيرة. حصدت هذه اللبوة الشهرة في وقت لاحق بعد أن تمّ توثيق حياتها في عدد من الكتب والأفلام.

الأسر والترويض
يُعد أسر الأسود وصيدها من الرياضات النبيلة (أو الرياضات الدموية نسبةً إلى الدم الملكي أو النبيل) وهو يتضمن حثها على قتال حيوانات أخرى، وهي الكلاب في العادة. تظهر الوثائق أن هذه الرياضة كانت موجودة في العصور القديمة واستمرت حتى القرن السابع عشر إلى أن تمّ منعها في فيينا بحلول عام 1800، وفي إنكلترا عام 1825.

يرمز ترويض الأسود إلى فعل استئناس الأخيرة لغرض الترفيه، إما لكونها جزء من سيرك قائم، أو لغرض خاص، كما في حالة الساحرين سيغفريد وروي الذين كانا يستئنسا الأسود والببور لغرض عرضها في عروضهم السحرية. يُستعمل مصطلح ترويض أيضا للتعبير عن فعل تدجين السنوريات الكبرى الأخرى مثل الببور، النمور، وأسود الجبال. ابتدأ ترويض الأسود خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر، وكان الرائدان الأولين في هذا المجال الفرنسي هنري مارتن والأميركي إسحق فان آمبورغ، الذين جالا في عدد من البلدان لعرض مهاراتهما وأساليبهما التي اقتبسها عنهما عدد من المروضين اللاحقين. أدّى فان آمبورغ عرضه أمام الملكة فيكتوريا عام 1838 عندما كان يجول في المملكة المتحدة، أما مارتن فألّف مسرحية إيمائية تدعى "أسود مايسور" (بالفرنسية: Les Lions de Mysore)، وقد استعار آمبورغ هذه الفكرة منه لاحقا. حجبت هذه العروض عروض الفروسية وأصبحت هي أساس عروض السيركات، لكنها لم تلفت انتباه الناس تماما حتى أوائل القرن العشرين عن طريق السينما. أدّى إظهار تفوق الإنسان على الحيوان بهذا الشكل إلى تحقيق هدف مشابه للهدف المنشود الذي كانت ترمي إليه حلبات مصارعة الوحوش في القرون السابقة. يُحتمل أن منصب مروّض الأسود الذي يًعد أيقونيّا اليوم تمّ إسناده لأول مرة للأميركي كلايد بيتي (1903–1965).

تمثيل الأسد في الثقافة الإنسانية
أعتبر الأسد أيقونة للإنسانية منذ آلاف السنين، حيث ظهر كرمز في الكثير من الحضارات الأوروبية، الآسيوية، والأفريقية، وعلى الرغم من تعرّض البشر لهجوم هذه الحيوانات وحتى للافتراس في بعض الأحيان، فقد تمتعت بوصف إيجابي في أكثر الأحيان، فقيل أنها قوية وشرسة لكنها نبيلة على الرغم من ذلك. ومن الأوصاف والألقاب المألوفة للأسود في معظم الحضارات لقب "ملك الأدغال" أو "ملك الغابة"، و"ملك الوحوش"؛ وبالتالي فإن الأسد أعتبر منذ القدم رمزا للملكيّة والمجد، بالإضافة للشجاعة؛ وظهر في العديد من الحكايات للراوي الإغريقي أزوب، التي تعود للقرن السادس قبل الميلاد. ومن التفسيرات المفترضة لاكتساب الأسد هذه السمعة المهيبة على الرغم من انه ليس أكبر اللواحم أو أكثرها شراسة، هو أنه أكبر الحيوانات المفترسة المعروفة للحضارات القديمة التي بنت عليها الحضارات اللاحقة أساساتها، مثل الحضارة المصرية وحضارات بلاد ما بين النهرين وحوض البحر المتوسط، وعلى الرغم من أن بعض هذه الحضارات عرفت ضوار أكبر من الأسود، مثل الببر في إيران والعراق، الدب في اليونان، إلا أن الأسد يبقى أشد تأثيرا بالنفس منها جميعا بسبب مظهره الخارجي (خصوصا الذكر).

يعود أقدم تمثيل للأسد في الحضارة البشرية إلى حوالي 32,000 سنة؛ فقد تمّ العثور على منحوتة عاجيّة لشخص برأس أسد في كهف فوغلهيرد بجبال الألب في جنوبي غرب ألمانيا، وأطلق عليها اسم "الرجل الأسد" في بداية الأمر (بالألمانية: Löwenmensch) قبل تعطى اسم "سيدة الأسد" (بالألمانية: Löwenfrau)، وتُنسب هذه المنحوتة إلى الحضارة الأورينياسيّة (نسبة إلى موقع أورينياك الذي عُثر فيه على أثار من تلك الحقبة). ومن التمثيلات القديمة للأسود أيضًا، الرسوم الكهفيّة مثل تلك التي عُثر عليها في كهفيّ لاسو وشوفيه في فرنسا، ففي الأول وُجد تصوير لأسدين يتزاوجان قدّر وجوده منذ حوالي 15,000 عام، أي خلال العصر الحجري القديم، أما في الثاني فقد عُثر على رسوم لأسود كهوف عام 1994؛ وقد قُدر عمرها بقرابة 32,000 عام، على الرغم من أنه يُحتمل أن تكون من نفس حقبة رسوم لاسو أو من فترة أقرب منها.

مجّد المصريون القدماء اللبؤة (الصيادة الشرسة) وصوروا آلهتهم الحربية بهيئتها، ومن ضمن الآلهة المصرية الممثلة بهيئة الأسد: سخمت، باخت، تفنوت، مسخنت، منحت، مفدت، وأبو الهول؛ ومن هذه الآلهة أيضا أبنائها نفسها مثل ماحس، وبعض الألهة النوبية، وفقا لشهادة المصريين القدماء، كالإله ديدوين.
إن الفحص الدقيق للآلهة الممثلة على هيئة أسود في الكثير من الحضارات القديمة يُظهر أنها لم تُمثّل بهيئة ذكور فقط بل بلبؤات أيضا. يظهر التقدير والأعجاب بالتعاون المنسق الذي تظهره اللبوات خلال الصيد في أثار بشرية تعود لعصور قديمة جدًا، ومن ذلك بوابات الأسود التي رُسم أو نُحت على معظمها أشكالا تعود للبؤات. ومن الأسود المشهورة الأسطورية، الأسد النيمياني، الذي كان رمزا في اليونان القديمة وروما، وقد اعتبر رمزا لمجموعة النجوم التي تشكل برج الأسد، كما وتم ذكره في الميثولوجيا حيث قام هرقل بقتله وارتداء جلده المنيع ليحمي به نفسه.

كان الأسد شعارا لقبيلة يهوذا، وبعد أن تأسست مملكتهم حتى اتخذت من الأسد شعارا لها أيضًا، وقد ذُكر الأسد في الفصل ما قبل الأخير من سفر التكوين عندما كان النبي يعقوب يُبارك أبنه الرابع. وفي إسرائيل حاليا، يظهر الأسد كرمز لمدينة القدس، حيث يبرز على علم المدينة وكشعار لها.
يُعد الأسد رمزا بارزا في كلا الحضارتين البابلية القديمة والحديثة، ويُعرف الأسد البابلي التقليدي، المرسوم والمنحوت على العديد من الجدران الأثرية، باسم أسد بابل الذارع. ويُقال أنه في بابل تمّ إلقاء النبي دانيال المذكور في الكتاب المقدس إلى عرين الأسود وإنقاذه منه لاحقا. خُصصت هذه الرمزيّة لاحقا في العراق لدبابة أسد بابل خلال عهد نظام صدام حسين، وقد اقتبست تقنية الدبابة من إحدى النماذج الروسية.

قيل لعم الرسول محمد بن عبد الله حمزة بن عبد المطلب، الذي كان يُعرف بأنه صيّاد للأسود: أسد الله، ويقال "من نبل الأسد أنه اشتق لحمزة بن عبد المطلب"، وفي الإسلام يُعد الأسد (الضواري بشكل عام) من الحيوانات المحرّم أكلها، كما ذُكر في القرآن الكريم أن ما أكله الأسد يعد أيضا من المحرمات، واستخدم لفظ "سبع" ليدل على هذه الضواري. قال عدد من الأئمة وعلماء الدين المسلمون، مثل الأمام الشافعي وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل وداود والجمهور: "يحرم أكل الأسد لما روى مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كل ذي ناب من السباع فأكله حرام"، بينما قال أخرون مثل الإمام مالك: "يكره أكل كل ذي ناب من السباع ولا يحرم".

يُعد ناراسيما (الرجل الأسد)، وفقا للنصوص البورانيّة الهندوسية، تجسيد أو أفتار لفيشنو يأخذ شكل رجل نصفه أسد، وهو يُعبد من قبل من نذروا أنفسهم له الذين يؤمنون بأنه أنقذ الطفل الذي نذر نفسه إليه، براهلدا، من والده الملك الشيطان الشرير "هيرانياكشيبو"؛ يأخذ الفيشنو شكل شخص نصفه أسد ونصفه الأخر إنسان في حالة ناراسيما، حيث يمتلك خصرا وقسما سفليّا بشريّا، ووجه شبيه بوجه الأسد ومخالب. يُعبد ناراسيما بوصفه "الأسد الإله".
ومن مظاهر تمثيل الأسد الأخرى الاسم الفيداوي الهندي القديم "سينغ" والذي يعني أسد ويعود تاريخه إلى حوالي 2000 سنة في الهند القديمة، والذي كان يطلق أصلا على أفراد الطبقة العسكرية (الراجبوتيون). وبعد ولادة أخوة الخالصة عام 1699 أخذ السيخ باسم "سينغ" وفقا لرغبات الغورو غوربند سينغ. أصبح هناك اليوم قرابة 20 مليون سيخي في العالم يستعملون هذا اللقب كما يفعل الهندوس الراجبوتيون.

تضع الكثير من الدول الآسيوية والأوروبية الأسد على أعلام دولها وتتخذ منه شعارا لها، ومن أبرزها الشعار الوطني للهند. وفي جنوبي شبه القارة الهندية، يُعتبر الأسد الآسيوي رمزا للسينهاليون، المجموعة العرقية الأكبر في سريلانكا؛ يُشتق هذا الاسم من الكلمة الهندو أوروبية سينهالا، التي تعني "شعب الأسد" أو "الشعب ذي دم الأسد". يبرز الأسد الآسيوي حامل السيف كشكل مركزي في علم سريلانكا.

يدخل الأسد الآسيوي ضمن قائمة الحيوانات المألوفة الممثلة في الفن الصيني، وقد استخدمت صورتها لأول مرّة خلال أوخر حقبة الربيع والخريف (القرن الخامس أو السادس قبل الميلاد)، ثم أصبحت أكثر انتشارا خلال عهد سلالة هان (206 ق.م.-220 م.)، عندما أخذ الأباطرة يضعون تماثيل الأسود الحارسة الإمبراطورية أمام مداخل قصورهم كشكل من أشكال الحماية. كانت الأوصاف الصينية الأولى للأسود غير مطابقة لأوصافها الحقيقية بسبب أنها لم تقطن الصين يوما؛ وبعد إدخال الفن البوذي إلى البلاد خلال عهد سلالة تانغ (بعد القرن السادس الميلادي)، أخذ الفنانون يصورون الأسود بدون أجنحة كما في السابق، كما أصبحت أجسادها أثخن وأقصر، وشعر لبدتها أجعد. تُعد رقصة الأسد أحد أشكال الرقص التقليدي في الحضارة الصينية، والتي يقوم الراقصون فيها بارتداء زيّ أسد وتقليد حركاته أثناء عزف موسيقى في الغالب تستخدم فيها آلات الصنوج، الطبول، والأقراص الجرسيّة. تؤدى هذه الرقصات خلال احتفالات رأس السنة الصينية، احتفال قمر أغسطس، وغيرها من الاحتفالات التي تقام في سبيل الحصول على الحظ الجيّد.

تشتق جزيرة سنغافورة اسمها من الكلمتين الملاويتين سينغا (أسد) وبورا (مدينة)، والتي تتحدر بدورها من الكلمات التاميلية-السنسكريتية சிங்க سينغا सिंह سيمها وपुर புர بورا، المماثلة للكلمة اليونانية πόλις بولس. أعطي هذا الاسم للجزيرة، وفقا للنصوص التاريخية، في القرن الرابع عشر من قبل أمير سومطري ملاوي يُدعى "سانغ نيلا أوتاما"، الذي ترجّل على الجزيرة بعد عاصفة رعديّة ورأى حيوانا غريبا على الشاطئ، فأخبره رئيس وزرائه بأنه أسد (أسد آسيوي). أظهرت الدراسات الأخيرة لسنغافورة أن الأسود لم تصل إليها يوما، لذا فإن الحيوان الذي شاهده الأمير كان ببرا على الأرجح.

"أصلان" أو "أرسلان" (بالتركية: Aslan أو Arslān) هو الاسم التركي والمغولي للأسد، وقد استخدم كلقب لعدد من الحكام السلاجقة والعثمانيون، بما فيهم ألب أرسلان وعلي باشا حاكم يانينة (أسد يانينة)، وهو أيضا اسم تركماني/إيراني ولقب لبعض العائلات الدرزية في لبنان وسوريا، الذين يحملون أيضا لقب أمراء منذ عهد الدولة العثمانية، ومنهم الأمير مجيد أرسلان والأمير طلال أرسلان.
كانت كلمة "أسد" تُخلع على العديد من الحكام المحاربين الذين اتصفوا بالشجاعة في العصور الوسطى، مثل ريتشارد الأول ملك إنكلترا، الملقّب ريتشارد قلب الأسد، هاينريش الأسد (بالألمانية: Heinrich der Löwe) دوق سكسونيا، وروبرت الثالث، دوق فنلاندرس الملقب "أسد الفلاندرس"—ولا يزال هذا اللقب كما الأسد يعد أيقونة فلاندرس الوطنية حتى العصر الحالي. ومن المحاربين الشرقين الذين حملوا لقب "أسد" حمزة بن عبد المطلب الذي قيل له "أسد الله" و"أسد الجنة" بعد استشهاده، وكذلك صلاح الدين الأيوبي الذي أطلق عليه عدد من الحكام الصليبين "أسد الشرق". تظهر الأسود كثيرًا على الشعارات القومية والوطنية، إما بصفتها جزء أساسي على الدرع نفسه، أو كدعامة، أما اللبؤات فأكثر ندرة من الأسود في شعارات البلدان. إن اللغة الرسمية في النبالة، المسماة بالتباهي، تستخدم كلمات فرنسية لتصف الصور على دروع الشعارات بدقّة، ومثل هذه الأوصاف كانت تُظهر ما إذا كانت الأسود أو الحيوانات الأخرى المصورة "جامحة"، "rampant" (منتصب على قائمتيه الخلفيتين، باسط للأماميتين) أو "وديعة"، "passant" (يقف على قوائمه الأربع، رافع ليده اليمنى)، فإن كانت تظهر على أنها جاثمة كانت تعتبر وديعة والعكس صحيح. يستخدم الأسد كشعار للعديد من الفرق الرياضية، من الفرق الوطنية لكرة القدم في إنكلترا، اسكتلندا، وسنغافورة، إلى بعض الأندية المشهورة مثل أسود ديترويت (بالإنكليزية: Detroit Lions) من الاتحاد الوطني لكرة القدم الأمريكية، تشيلسي، وأستون فيلا من الدوري الإنكليزي الممتاز، بالإضافة لمجموعة من الأندية الأصغر حول العالم. يضع نادي آستون فيلا أسدا جامحا كشعار له، وكذلك يفعل نادي رينجرز، ودندي يونايتد من الدوري الاسكتلندي الممتاز.
لا يزال الأسد يظهر في الأدب المعاصر، من أصلان المخلّص في الرواية الخيالية الأسد، الساحرة، والخزانة، وجميع الكتب اللاحقة في سلسلة سجلات نارنيا تأليف الكاتب سي. إس. لويس، إلى الأسد الجبان الكوميدي في عالم أوز المذهل. أدّى وصول تقنية السينما في أوائل القرن العشرين إلى الاستمرار باستخدام الأسد كرمز بشري؛ وأحد الأسود الأيقونية المعروفة هو ليو الأسد، جالب حظ استوديوهات ميترو غولدوين ماير (MGM)، الذي لا يزال يُستخدم منذ عشرينات القرن العشرين. وفي ستينات القرن نفسه بزغ نجم أشهر لبوة على الأرجح، ألسا، في فيلم ولدت حرّة (بالإنكليزية: Born Free)، المبني على القصة الحقيقية المنشورة بكتاب يحمل نفس العنوان. استخدم دور الأسد كملك للوحوش في الرسوم المتحركة كذلك الأمر، ابتداءً بمسلسل المنغا الياباني من خمسينات القرن العشرين الذي أطلق أول برنامج رسوم متحركة ملوّن باليابان، كيمبا الأسد الأبيض، الأسد ليوناردو من مسلسل الملك ليوناردو وأتباعه القصار، وصولا إلى فيلم والت ديزني لعام 1994 الأسد الملك، الذي أبرز الأغنية المشهورة "الأسد ينام الليلة" (بالإنكليزية: The Lion Sleeps Tonight) في تسجيل الفيلم الصوتي. تظهر صورة لأسد أيضا على عملة الراند الجنوب أفريقية، من فئة الخمسين.

زياد علي

زياد علي محمد