الأحد، 25 أغسطس 2019

عبد الملك بن مروان

عبد الملك بن مروان
عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس ابن عبد مناف بن قصي بن كلاب أبو الوليد ولد سنة ست وعشرين بويع بعهد من أبيه في خلافة ابن الزبير فلم تصح خلافته وبقي متغلبا على مصر والشام ثم غلب على العراق وما والاها إلى أن قتل ابن الزبير سنة ثلاث وسبعين فصحت خلافته من يؤمئذ واستوثق له الأمر ففي هذا العام هدم الحجاج الكعبة وأعادها على ما هي عليه الآن ودس على ابن عمر من طعنه بحربة مسمومة فمرض منها ومات وفي سنة أربع وسبعين سار الحجاج إلى المدينة وأخد يتعنت على أهلها ويستخف ببقايا من فيها من صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وختم في أعناقهم وأيديهم يذلهم بذلك كأنس وجابر بن عبد الله وسهل بن سعد الساعدي فإنا لله وإنا إليه راجعون وفي سنة خمس وسبعين حج بالناس عبد الملك الخليفة وسير الحجاج أميرا على العراق وفي سنة سبع وسبعين فتحت هرقلة وهدم عبد العزيز بن مروان جامع مصر وزيد فيه من جهاته الأربع وفي سنة اثنتين وثمانين فتح حصن سنان من ناحيةالمصيصة وكانت غزوة أرمينية وصنهاجة بالمغرب وفي سنة ثلاث وثمانين بنيت مدينة واسط بناها الحجاج وفي سنة أربع وثمانين فتحت المصيصة وأودية من المغرب وفي سنة خمس وثمانين بنيت مدينة أردبيل ومدينة برذعة بناهما عبد العزيز ابن حاتم بن النعمان الباهلي وفي سنة ست وثمانين فتح حصن بولق وحصن الأخرم وفيها كان طاعون الفتيات وسمى بذلك لأنه بدأ في النساء وفيها مات الخليفة عبد الملك في شوال وخلف سبعة عشر ولدا قال أحمد ابن عبد الله العجلي كان عبد الملك أبخر الفم وإنه ولد لستة أشهر وقال ابن سعد كان عابدا زاهدا ناسكا بالمدينة قبل الخلافة وقال يحيى الغساني كان عبد الملك ابن مروان كثيرا ما يجلس إلى أم الدرداء فقالت له مرة بلغني أمير المؤمنين أنك شربت الطلاء بعد النسك والعبادة قال إي والله والدماء قد شربتها وقال نافع لقد رأيت المدينة وما بها شاب أشد تشميرا ولا أفقه ولا أنسك ولا أقرأ لكتاب الله من عبد الملك بن مروان وقال أبو الزناد فقهاء المدينة سعيد ابن المسيب وعبد الملك بن مروان وعروة بن الزبير وقبيصة بن ذؤيب وقال ابن عمر ولد الناس أبناء وولد مروان أبا وقال عبدة بن نسي قيل لابن عمر إنكم معشر أشياخ قريش يوشك أن تنقرضوا فمن نسأل بعدكم فقال إن لمروان أبنا فيها فأسألوه وقال سحيم مولى أبي هريرة رضي الله عنه دخل عبد الملك وهو شاب على أبي هريرة رضي الله عنه فقال أبو هريرة هذا يملك العرب وقال عبيدة بن رياح الغساني قالت أم الدرداء لعبد الملك مازلت أتخيل هذا الأمر فيك منذ رأيتك قال وكيف ذاك قالت ما رأيت أحسن منك محدثا ولا أعلم منك مسمعا وقال الشعبي ما جالست أحدا إلا وجدت لي عليه الفضل إلا عبد الملك بن مروان فإني ما ذكرته حديثا إلا وزادني فيه ولا شعرا إلا وزادني فيه وقال الذهبي سمع عبد الملك من عثمان وأبي هريرة وأبي سعيد وأم سلمة وبريرة وابن عمر ومعاوية روى عنه عروة وخالد بن معدان ورجاء ابن حيوة والزهري ويونس بن ميسرة وربيعة بن يزيد وإسماعيل بن عبيد الله وحريز بن عثمان وطائفة وقال بكر بن عبد الله المزني أسلم يهودي أسمه يوسف وكان قرأ الكتب فمر بدار مروان فقال ويل لأمة محمد من أهل هذه الدار فقلت له إلى متى قال حتى تجيء رايات سود من قبل خراسان وكان صديقا لعبد الملك بن مروان فضرب يوما على منكبه وقال أتق الله في أمة محمد إذا ملكتهم فقال دعني ويحك ما شأني وشأن ذلك فقال أتق الله في أمرهم قال وجهز يزيد جيوش إلى أهل مكة فقال عبد الملك أعوذ بالله أيبعث إلى حرم الله فضرب يوسف منكبه وقيل جيشك إليهم أعظم وقال يحيى الغساني لما نزل مسلم بن عقبة المدينة زرت مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلست إلى جنب عبد الملك فقال لي عبد الملك أمن هذا الجيش أنت قلت نعم قال ثكلتك أمك أتدري إلى من تسير إلى أول مولود ولد في الإسلام وإلى ابن حواري رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإلى ابن ذات النطاقين وإلى من حنكه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أما والله إن جئته نهارا وجدته صائما ولئن جئته ليلا لتجدنه قائما فلو أن أهل الأرض أطبقوا على قتله لأكبهم الله جميعا في النار فلما صارت الخلافة إلى عبد الملك وجهنا مع الحجاج حتى قتلناه وقال ابن أبي عائشة أفضى الأمر إلى عبد الملك والمصحف في حجره فأطبقه وقال هذا آخر العهد بك وقال مالك سمعت يحيى بن سعيد يقول أول من صلى في المسجد ما بين الظهر والعصر عبد الملك بن مروان وفتيان معه كانوا إذا صلى الإمام الظهر قاموا فصلوا إلى العصر فقيل لسعيد بن المسيب لو قمنا فصلينا كما يصلي هؤلاء فقال سعيد بن المسيب ليست العبادة بكثرة الصلاة والصوم وإنما العابدة التفكر في أمر الله والورع عن محارم الله وقال مصعب بن عبد الله أول من سمى في الإسلام عبد الملك عبد الملك ابن مروان وقال يحيى بن بكير سمعت مالكا يقول أول من ضرب الدنانير عبد الملك وكتب عليها القرآن وقال مصعب كتب عبد الملك على الدناينر قل هو الله أحد وفي الوجه الآخر لا إله إلا الله وطوقه بطوق فضة وكتب فيه ضرب بمدينة كذا وكتب خارج الطوق محمد رسول الله أرسله بالهدي ودين الحق وفي الأوائل للعسكري بسنده كان عبد الملك أول من كتب في صدور الطوامير قل هو الله أحد وذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع التاريخ فكتب ملك الروم إنكم أحدثتم في طواميركم شيئا من ذكرنبيكم فاتركوه وإلا أتاكم من دنانيرنا ذكر ما تكرهون فعظم ذلك على عبد الملك فأرسل إلى خالد بن يزيد ابن معاوية فشاوره فقال حرم دنانيرهم واضرب للناس سككا فيها ذكر الله وذكر رسوله ولا تعفهم مما يكرهون في الطوامير فضرب الدنانير للناس سنة خمس وسبعين قال العسكري وأول خليفة بخل عبد الملك وكان يسمى رشح الحجارة لبخله ويكنى أبا الذبان لبخره قال وهو أول من غدر في الإسلام وأول من نهى عن الكلام بحضرة الخلفاء وأول من نهى عن الأمر بالمعروف ثم أخرج بسنده عن ابن الكلبي قال كان مروان بن الحكم ولي العهد عمرو بن سعيد بن العاص بعد ابنه فقتله عبد الملك وكان قتله أول غدر في الإسلام فقال بعضهم يا قوم لا تغلبوا عن رأيكم فلقد جربتم الغدر من أبناء مروانا أمسوا وقد قتلوا عمرا وما رشدوا يدعون غدرا بعهد الله كيسانا ويقتلون الرجال البزل ضاحية لكي يولوا أمور الناس ولدانا تلاعبوا بكتاب الله فاتخذوا هواهم في معاصي الله قرآنا وأخرج بإسناد فيه الكديمي وهو متهم بالكذب وعن ابن جريج عن أبيه قال خطبنا عبد الملك بين مروان بالمدينة بعد قتل الزبير عام حج سنة خمس وسبعين فقال بعد حمد الله والثناء عليه أما بعد فلست بالخليفة المستضعف يعني عثمان ولا الخليفة المداهن يعين معاوية ولا الخليفة المأفون يعني يزيد ألا وإن من كان قبلي من الخلفاء كانوا يأكلون ويطعمون من هذه الأموال ألا وإني لا أداوي أدواء هذه الأمة إلا بالسيف حتى تستقيم لي قناتكم تكلفوننا أعمال المهاجرين ولا تعملون مثل أعمالهم فلن تزدادوا إلا عقوبة حتى يحكم السيف بيننا وبينكم هذا عمرو بن سعيد قرابته قرابته وموضعه موضعه قال برأسه هكذا فقلنا بأسيافنا هكذا ألا وإنا نحمل لكم كل شيء إلا وثوبا على أمير أو نصب راية إلا وإن الجامعة التي جعلتها في عنق عمرو بن سعيد عندي والله لا يفعل أحد فعله إلا جعلتها في عنقه والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه ثم نزل ثم قال العسكري وعبد الملك أول من نقل الديوان من الفارسية إلى العربية وأول من رفع يديه على المنبر قلت فتمت له عشرة أوائل منها خمسة مذمومة وقد أخرج ابن أبي شيبة في المصنف بسنده عن محمد بن سيرين قال أول من أحدث الأذان في الفطر والأضحى بنو مروان فإما أن يكون عبد الملك أو أحدا من أولاده وأخرج عبد الرزاق عن ابن جريج قال أخبرني غير واحد أن أول من كسا الكعبة بالديباج عبد الملك بن مروان وإن من أدرك ذلك من الفقهاء قالوا أصاب ما نعلم لها من كسوة أوفق منه وقال يوسف بن الماجشون كان عبدالملك إذا قعد للحكم قيم على رأسه بالسيوف وقال الأصمعي قيل لعبد الملك يا أمير المؤمنين عجل عليك الشيب فقال وكيف لا وأنا أعرض عقلي على الناس في كل جمعة وقال محمد بن حرب الزيادي قيل لعبد الملك بن مروان من أفضل الناس قال من تواضع عن رفعة وزهد عن قدره وأنصف عن قوة وقال ابن عائشة كان عبد الملك إذا دخل عليه رجل من أفق من الآفاق قال أعفني من أربع وقل بعدها ما شئت لا تكذبني فإن الكذوب لا رأي له ولا تجبني فيما لا أسألك فإن فيما أسألك عنه شغلا ولا تطرني فإني أعلم بنفسي منك ولا تحملني على الرعية فإني إلى الرفق بهم أحوج وقال المدائني لما أيقن عبد الملك بالموت قال والله لوددت أني كنت منذ ولدت إلى يومي هذا حمالا ثم أصنى بنيه بتقوى الله ونهاهم عن الفرقة والإختلاف وقال كونوا بني أم بررة وكونوا في الحرب أحرارا وللمعروف منارا فإن الحرب لم تدن منية قبل وقتها وإن المعروف يبقى أدره وذكره واحلوا في مرارة ولينوا في شدة وكونوا كما قال ابن عبد الأعلى الشيباني إن القداح إذا اجتمعن فرامها بالكسر ذو حنق وبطش باليد عزت فلم تكسر وإن هي بددت فالكسر والتوهين للمتبدد يا وليد اتق الله فيما أخلفك فيه إلى أن قال وانظر الحجاج فأكرمه فإنه هو الذي وطأ لكم المنابر وهو سيفك يا وليد ويدك على من ناوأك فلا تسمعن فيه قول أحد وأنت إليه أحوج منه إليك وادع الناس إذا مت إلى البيعة فمن قال برأسه هكذا فقل بسيفك هكذا وقال غيره لما احتضر عبد الملك دخل عليه ابنه الوليد فتمثل بهذا كم عائد رجلا وليس يعوده إلا ليعلم هل يراه يموت فبكى الوليد فقال ما هذا أنحن حنين الأمة إذا أنا مت فشمر وائتزر والبس جلد النمر وضع سيفك على عاتقك فمن أبدى ذات نفسه لك فاضرب عنقه ومن سكت مات بدائه قلت لو لم يكن من مساوى عبد الملك إلا الحجاج وتوليته إياه على المسلمين وعلى الصحابة رضي الله عنهم يهينهم ويذلهم قتلا وضربا وشتما وحبسا وقد قتل من الصحابة وأكابر التابعين مالا يحصى فضلا عن غيرهم وختم في عنق أنس وغيره من الصحابة ختما يريد بذلك ذلهم فلا رحمة الله ولا عفا عنه ومن شعر عبد الملك لعمري لقد عمرت في الدهر برهة ودانت لي الدنيا بوقع البواتر فأضحى الذي قد كان مما يسرني كلمح مضى في المؤمنات الغواتر فيا ليتيني لم أعن بالملك ساعة ولم أله في لذات عيش نواضر وكنت كذي طمرين عاش ببلغة من الدهر حتى زار ضنك المقابر وفي تاريخ ابن عساكر عن إبراهيم بن عدي قال رأيت عبد الملك بن مروان وقد أتته أمور أربعة في ليلة فما تنكر ولا تغير وجهه قتل عبيد الله بن زياد وقتل حبيش بن دلجة بالحجاز وانتقاض ما كان بينه وبين ملك الروم وخروج عمرو بن سعيد إلى دمشق وفيه عن الأصمعي قال أربعة لم يلحنوا في جد ولا هزل الشعبي وعبد الملك بن مروان والحجاج بن يوسف وابن القرية وأسند السلفي في الطيوريات أن عبد الملك بن مروان خرج يوما فلقيته امرأة فقالت يا أمير المؤمنين قال ما شأنك قالت توفي أخي وترك ستمائة دينار فدفع إلى من ميراثه دينار واحد فقيل هذا حقك فعمى الأمر فيها على عبد الملك فأرسل إلى الشعبي فسأله فقال نعم هذا توفي فترك ابنتين فلهما الثلثان اربعمائة وأما فلها السدس مائة وزوجة فلها الثمن خمس وسبعون واثنى عشر أخا فلهم أربعة وعشرون وبقي لهذه دينار وقال ابن أبي شيبة في المصنف حدثنا أبو سفيان الحميري حدثنا خالد بن محمد القرشي قال قال عبد الملك بن مروان من أراد أن يتخذ جارية للتلذذ فليتخذها بربرية ومن أراد أن يتخذها للولد فليتخذها فارسية ومن أراد أن يتخذها للخدمة فليتخذها رومية وقال أبو عبيدة لما أنشد الأخطل كلمته لعبد الملك التي يقول فيها شمس العداوة حتى يستقاد لهم وأعظم الناس أحلاما إذا قدروا قال خذ بيده يا غلام فأخرجه ثم ألق عليه من الخلع ما يغمره ثم قال إن لكل قوم شاعرا وشاعر بني أمية الأخطل وقال الأصمعي دخل الأخطل على عبد الملك فقال ويحك صف لي السكر قال أوله لذة وآخره صداع وبين ذلك حالة لا أصف لك مبلغها فقال ما مبلغها قال لملكك يا أمير المؤمنين عندها أهون على من شسع نعلي وأنشأ يقول إذا ما تديمي علني ثم علني ثلاث زجاجات لهن هدير خرجت أجر الذيل تيها كأننى عليك أمير المؤمنين أمير قال الثعالبي كان عبد الملك يقول ولدت في رمضان وفطمت في رمضان وختمت القرآن في رمضان وبلغت الحلم في رمضان ووليت في رمضان وأتتني الخلافة في رمضان وأخشى أن أموت في رمضان فلما دخل شوال وأمن مات وممن مات في أيام عبد الملك من الأعلام ابن عمر وأسماء بنت الصديق وأبو سعيد بن المعلى وأبو سعيد الخدري ورافع بن خديج وسلمة بن الأكوع والعرباض بن سارية وجابر بن عبد الله وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب والسائب بن يزيد وأسلم مولى عمر وأبو إدريس الخولاني وشريح القاضي وأبان بن عثمان بن عفان والأعشى الشاعر وأيوب بن القرية الذي يضرب به المثل في الفصاحة وخالد بن يزيد بن معاوية وزر بن حبيش وسنان بن سلمة ابن المحبق وسويد بن غفلة وأبو وائل وطارق بن شهاب ومحمد بن الحنفية وعبد الله بن شداد بن الهاد وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود وعمرو بن حريث وعمرو بن سلمة الجرمي وآخرون

الإمامُ المبارك عبدُ الله بنُ المبارك جامعُ الخيرات

تمهيد



وروى ابنُ عساكر, عن عبدِ الرَّحمن بن مهدي, قال: "ما رأيتُ مثل ابن المبارك, فقال له يحيى بن سعيد القطان: ولا سفيان, ولا شعبة؟ قال: ولا سفيان, ولا شعبة؛ كان ابن المبارك فقيهاً في علمه, حافظاً, زاهداً, عابداً غنياً حجَّاجاً, غزَّاءً, نحوياً, شاعراً, ما رأيت مثله!"



وعن عبد العزيز بن أبي رزمة, قال: لم تكن خصلةٌ من خصال الخير, إلا جُمِعت في عبدالله بن المبارك؛ حياءٌ, وتكرُّم, وحسنُ خلق, وحسنُ صحبة, وحسنُ مجالسة, والزُّهد, والورع, وكلُّ شيء.



اسمه ومولده وصفته



اسمه: عبدالله بن المبارك بن واضح الحنظليُّ التَّميميُّ, مولاهم؛ أبوعبدالله المروزيُّ, الإمام شيخ الإسلام, عالم زمانه, وأميرُ الأتقياء في وقته.



عن العباس بن مصعب، قال: "كانت أمُّ عبدالله بن المبارك خوارزية, وأبوه تركيٌّ, وكان عبداً لرجل من التجار, من همذان من بني حنظلةَ".



عن الحسن قال: "كانت أمُّ ابن المبارك تركيَّة, وكان الشَّبه لهم بيِّناً فيه, وكان ربما خلع قميصه؛ فلا أرى على صدره, وجسده كثير الشَّعر".



مولده: قال أحمد بن حنبل: "وُلد ابن المبارك سنة ثمان عشرة ومائة".



وقال خليفة: "وفيها –يعني ثمان عشرة ومائة– وُلد عبدالله بن المبارك.



وقال بشر بن أبي الأزهر: قال ابن المبارك: "ذاكرني عبدالله بن إدريس السنة؛ فقال: لابن كم أنتَ؟ فقال: إنَّ العجم لا يكادون يحفظون ذلك؛ ولكن أذكر أنِّي لبست السَّواد, وأنا صغير, عندما خرج أبو مسلم, قال: فقال لي: قد ابتُليت بلبس السَّواد, قلت: إنِّي كنت أصغرَ من ذلك, كان أبو مسلم أخذ الناس كلَّهم, بلبس السواد؛ الصِّغار والكبار".



موطنه: مرو؛ وهي من مدن خُراسان.



عن عبد العزيز بن أبي رزمة, قال: "قال لي شُعبة: من أين أنت؟ قال: قلت من أهل مرو, قال: تعرفُ عبدالله بن المبارك, قال: نعم, قال: ما قدِم علينا مثلُه". وفي روايةٍ: "ما قدم علينا من ناحيتكم مثله".



وعن أحمد بن سنان, قال: "بلغني أنَّ ابن المبارك أتى حماد بن زيد, في أول الأمر, قال له: من أين أنت؟ قال: من أهل خراسان, قال: من أيِّ خراسان؟ قال: من مرو, قال: تعرف رجلاً؛ يقال له عبدالله بن المبارك؟ قال: نعم, قال: ما فعل؟ قال: هو الَّذي يُخاطبك, قال: فسلَّم عليه, ورحَّب به".

البطل صلاح الدين الأيوبي

صلاح الدين الأيوبي
المقدمة
هناك مناطق في تاريخنا مظلمة
نشأة البطل صلاح الدين الأيوبي
صلاح الدين يعيد الناس إلى صراط الحق
هكذا كان صلاح الدين
مثل على شجاعته
معركة حطين
معركة فتح بيت المقدس
المعركة لم تنته بحطين وبفتح بيت المقدس
تدخلات أضاعت الثمرة والأمال
عقدت المؤتمرات لحماية إسرائيل ومحاربة الإرهاب
محطة أخرى لإجهاض المقاومة
يراد مرة أخرى إطفاء هذه الانتفاضة
الخاتمة


المقدمة

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خصنا بخير كتاب أنزل وأكرمنا بخير نبي أرسل، وأتم علينا النعمة بأعظم منهاج شرع منهاج الإسلام (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)، وأشهد أن سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا ومعلمنا وقائد دربنا محمد عبد الله ورسوله، أرسله ربه بالهدى ودين الحق، أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح للأمة وجاهد في الله حق جهاده وتركنا على المحجة البيضاء، على الطريقة الواضحة الغرّاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فمن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيما ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبينا، اللهم صل وسلم وبارك على هذا الرسول الكريم، وعلى آله وصحابته وأحينا اللهم على سنته، وأمتنا على ملته واحشرنا في زمرته، مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، أما بعد


هناك مناطق في تاريخنا مظلمة

فيا أيها الأخوة المسلمون، تحدثنا في الجمعة الماضية عن أحد قادة التحرير الإسلامي، قادة الجهاد في سبيل الله، عن البطل الإسلامي الملك العادل المجاهد الزاهد الشجاع الصالح العالم المربي، عن نور الدين محمود الذي كان يلقب بالشهيد وإن لم يستشهد لرغبته في الشهادة في سبيل الله، واليوم أيها الأخوة نتحدث عن قادة آخر، من قادة تحرير الأرض المقدسة، هو أكثر شهرة من نور الدين محمود وإن كان تلميذاً في مدرسة نور الدين محمود، هذا البطل هو صلاح الدين الأيوبي، وهو رجل كردي، ونور الدين محمود رجل تركي، أي أن كليهما لم يكن عربياً إنما عربهما الإسلام، ونفخ فيهما الإسلام من روحه، وجعل كلاً منهما بطلاً من أبطال التاريخ الإسلامي، ما أحوجنا أيها الأخوة إلى أن نتعرف على تاريخنا، إلى أن نستكشف هذا التراث وأن نزيح التراب الذي غطى هذا التاريخ، فأصبح الكثير منا يجهلون هذا التاريخ، هناك مناطق في تاريخنا مظلمة، ينبغي ألا ننكر هذا، وهناك مناطق مضيئة، من المناطق المظلمة حينما أقبل الفرنجة أو الصليبيون من بلاد الغرب والمسلمون في غفلة، والمسلمون في تفرق وتناحر، وأمراءهم خانوا أنفسهم وأمتهم ودينهم، هذه محطات مظلمة في تاريخنا، ولكن الظلام لا يستمر أبداً، هذا الإسلام قادر على أن يهيئ من أبنائه مني جعل الظلام نوراً ومن يجعل بعد الليل فجراً، طبيعة الحياة وطبيعة سنن الله في الكون أن مع العسر يسرا وأن بعد الليل فجرا، وأن أحلك ساعات الليل ظلاماً وسواداً هي السويعات التي تسبق الفجر، أشد ما تكون حلكة وظلاماً هي هذه الساعات، وفي هذه الحالة يهيئ الله رجالاً يصنعهم على عينه ويربيهم لمهمة ويعدهم لرسالة، كان من هؤلاء نور الدين محمود وصلاح الدين الأيوبي.


نشأة البطل صلاح الدين الأيوبي

صلاح الدين في مدرسة نور الدين، كان أبوه نجم الدين أيوب من رجال نور الدين، من رجال الجهاد، وكان عمه أسد الدين شيركوه من رجال الجهاد عند نور الدين، ونشأ يوسف صلاح الدين، نشأ في هذا المناخ الجهادي وأشرب هذه الروح، أشربها من أبيه وعمه وأشربها من نور الدين محمود، تعلم من نور الدين محمود حسن القيادة وحسن الإدارة والعدل في الناس وحب العدل وإقامة الحق والتعصب للحق، تعلم في هذه المدرسة فلما أتيحت له الفرصة حينما ذهب مع عمه أسد الدين شيركوه في حملة إلى مصر وكانت مصر في ذلك الوقت يحكمها العبيديون الذين يسمون في التاريخ بالفاطميين، والمحققون من العلماء يقولون إنهم لم يكونوا فاطميين، ولم يكونوا أشرافاً وليس لهم صلة بنسب علي ولا بفاطمة ولا بالحسن ولا بالحسين رضي الله عن الجميع، ولكنهم ذهب رئيسهم إلى بلاد المغرب، أماكن بعيدة وادعى أنه شريف وأنه حسيني وأنه منسب، وراجت مقولته عند الناس حتى صارت له أتباع وأنصار واستطاع أن يقيم له دولة امتدت من بلاد المغرب إلى مصر وإلى بلاد الشام أحياناً، وظلت أكثر من مائتي وثمانين عاماً تحكم هذه البلاد، وللأسف حينما جاء الصليبيون تحالف هؤلاء مع الصليبيين، وكانوا على المذهب الإسماعيلي لم يكونوا كالشيعة الجعفرية كالذين نعرفهم في العراق أو في إيران أو في لبنان، بل كانوا على المذهب الإسماعيلي الباطني، ونحن نعلم ما فعله الحاكم وغيره، وكانوا في أيام دولتهم يحاربون السنة ورجال السنة ورجال الحديث وعلماء المسلمين، ويؤيدون كل من سب الصحابة، حتى أنه كان عندهم شعار يقول في مصر (من لعن وسب فله دينار وإردب) من لعن الصحابة وسبهم يأخذ ديناراً من الذهب وإردباً من القمح، حتى اضطر كثير من علماء السنة أن يهجروا مصر إلى بلاد أخرى فراراً من هذه البدع التي أطلت برؤوسها وأصبحت شائعة ولا يستطيع أحداً أن يردها أو يطفئ فتنتها، في هذا الجو جاء صلاح الدين إلى مصر ومكن الله له حتى زال سلطان الفاطميين تماماً أو العبيديين هؤلاء وكان آخرهم ملكاً يسمى العاضد، كما قال ابن كثير، العاضد معناه القاطع، لا يعضد شجرها أي لا يقطع شجرها، فقطع الله به دولتهم وانتهت إلى الأبد.


صلاح الدين يعيد الناس إلى صراط الحق

جاء صلاح الدين وأحيا السنة بعد أن كادت تموت وأقام معالمها وأعاد لعلم السنة وعلماء السنة الحياة تجري في شرايين مصر من جديد وفي كل أنحاء هذه البلاد. بدأ صلاح الدين يعيد الناس إلى صراط الحق، ينفخ فيهم من روح الإيمان ويهيئ الصناع لصناعة السلاح، فلابد للأمة حينما تريد أن تلاقي عدوها من أمرين، أمر مادي وأمر روحي، لابد من هذين العنصرين أن يكتملا معاً، لابد من العنصر المادي، أن تعد لملاقاة أعدائك ما تستطيع من قوة، وهذا ما أمر الله تعالى به (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم)، (ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة) ومن فضل الله تعالى أنه لم يأمر المؤمنين أن يعدوا لأعدائهم مثل ما عندهم من قوة، فقد يكون ذلك في غير مقدورهم، إنما أمروا أن يعدوا لهم ما استطاعوا من قوة، كل ما في استطاعتهم عليهم أن يبذلوه ليعدوا لهم العدة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم "إن الله تعالى يثيب في السهم الواحد ثلاثة، صانعه يحتسب في صنعته الخير، ومنبله (أي الذي يضع السهم في مكان الرمي)، والرامي به" هؤلاء الثلاثة يشتركون في الأجر.


هكذا كان صلاح الدين

أعد صلاح الدين رجاله وهيأ الجو العام للجهاد في سبيل الله، وكان الرجل مشغوفاً بالجهاد، من أراد من الناس أن يتقرب إليه وأن يتحدث له، حدثه عن الجهاد، فإذا حدثه عن الجهاد انشرح صدره وانفرجت أساريره وذهب عنه الهم والتعب والمعاناة، فكان يعشق الجهاد عشقاً، هكذا كان صلاح الدين، وكان رجلاً مصلياً لله، لم يدع الصلاة في جماعة عدة سنين، كان لا يصلي إلا في جماعة حتى أنه إذا أصابه مرض أو إعياء يطلب الإمام في خيمته التي ينزل بها أو في بيته الذي يسكن فيه ليصلي به إماماً وهو مريض، حتى لا يدع الجماعة، وكان رجلاً عادلاً يقيم مجلساً للنظر في مظالم الخلق وفي إنصاف المظلومين كل يوم اثنين ويوم خميس من كل أسبوع ويجتمع وحوله القضاة والعلماء والصالحون ويأتي الناس من كل حدب وصوب، الكبير والصغير، والغني والفقير، والرجل والمرأة، كل من عنده مظلمة يأتي ليشكو إليه مظلمته، فيرفع عنه الظلم ويعيد إليه الحق، ولو كان عند أقرب الناس إليه أو آثر الناس لديه أو أعز الناس عليه، يرغمه على أن يعطي الحق لأهله، وكان رجلاً عفيفاً عن المال الحرام، حتى إنه حينما توفي نظروا في خزانته فلم يجدوا فيها إلا سبعة وأربعين درهماً من الفضة وقطعة ذهبية واحدة، وجدوها في خزانة هذا الرجل الذي فتح الفتوح وغنم الغنائم من الصليبيين في بلاد شتى، فتح نحو مائة مدينة من المدن، ولا شك أنه غنم فيها الكثير وغنم منها الكثير، ولكنه أنفق ذلك كله في الجهاد في سبيل الله وفي تجهيز الجيوش والجنود، فحينما مات لم يجدوا في خزانته إلا هذا المبلغ الضئيل وكان هذا الرجل رجلاً حليماً لا يغضب إذا أسيء إليه، وكم من مرة تناوله بعض الناس بما يغضب أو ربما وقع عليه شيء يحسب الناس أنه سيطير من الغضب ويفزع ولكنه كان حليماً متأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم


مثل على شجاعته

وكان رجلاً شجاعاً لا يهاب الموت، لا يخشى أن يموت بل إنه في وقت من الأوقات ركب البحر وكان كاتبه العماد الأصفهاني يخاف من البحر ولكنه وجد هذا القائد لا يبالي بالبحر وقد هاج فحدثه بما في نفسه أنه خاف فكيف لا تخاف أنت، فقال له : ما هي أشرف الميتات، قال أشرف الميتات الموت في سبيل الله، قال فهذه هي غايتي، غايتي أن أموت أشرف الميتات، لا أموت على فراشي أحسن ما أموت عليه أن أموت في سبيل الله، أن تصيبني ضربة بسيف أو رمية برمح أو طعنة بسهم فأقتل في سبيل الله (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون)، كان يلاقي جيوش الفرنجة أو الصليبيين وهم بعشرات الألوف ولكنه لم يكن يبالي بهذه الكثرة، مؤمناً بقول الله تعالى (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين)،
كان رجلاً سمحاً كريم الخلق

في معركته الفاصلة مع الصليبيين، معركة حطين، هذه المعركة كان الصليبيون أكثر من ستين ألفاً وكان جيش صلاح الدين اثني عشر ألفا من الجنود المجندين غير بعض آلاف من المتطوعة، كان جيش صلاح الدين لا يساوي ربع جيش الصليبيين ولكنه توكل على الله عز وجل وحينما أراد أن يلقاهم عند هذه البلدة، الصغيرة أو القرية الصغيرة التي نعرف اسمها حطين، اجتمع الصليبيون وتصالحوا فيما بينهم، زال الخلاف بينهم، كان بعضهم مختلفين مع بعض، ولكن عندما يجدون العدو القوي ينسون الخلافات، وهذا هو شأن العقلاء من الناس، نسوا الخلافات وتجمعوا بقضهم وقضيضهم أو كما قال ابن كثير في البداية والنهاية، بحدهم وحديدهم وفي مقدمتهم الصليب الكبير، صليب الصلبوت كما يسمونه يحمله منهم عباد الطاغوت وضلال الناسوت كما يقول ابن كثير، اجتمعوا كلهم.
أمير طرابلس وأمراء البلدان الأخرى وكان أشدهم على المسلمين أمير الكرت، حتى أن أمير طرابلس هذا قال له أن المسلمين أشداء فقال له لا أشك أنك تحب المسلمين وتخوفنا من كثرتهم وسترى عند النزال من تكون له العاقبة، هذا رجل فاجر، أمير الكرت هذا، وحينما كانت المعركة فر أمير طرابلس ووقع أمير الكرت أسيراً في يد صلاح الدين، وكان صلاح الدين رجلاً سمحاً كريم الخلق، كان يعامل الناس معاملة حسنة، فأجلس هؤلاء الملوك والأمراء بعضهم عن يمينه وبعضهم عن يساره، كبيرهم أقعده عن يمينه، وأعطاه كأس من اللبن فشرب منه ثم أعطاه لهذا الرجل أمير الكرت، فغضب صلاح الدين وقال له إنما أعطيتك لتشرب ولم آذن تعطيه هذا، ثم دخل خيمة أخرى ودعا بهذا الرجل كان يسمى رياض، وعرض عليه الإسلام ليعفيه من القتل فأبى فقال له إذن ليس لك عندي إلا القتل انتصاراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كان كثير السب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقتله وأرسل برأسه إلى الملوك في الخيمة الكبرى ليروا عاقبة هذا الإنسان الفاجر الذي لا خلق له ولا دين له.


معركة حطين
كانت معركة حطين من معارك التاريخ الحاسمة انتصر فيها المسلمون انتصاراً هائلاً في ذلك اليوم كان صلاح الدين بين قادته وجنوده، يرغبهم في الجهاد في سبيل الله ويكبر فيكبرون وراءه وفي أثناء المعركة أمر أحد العلماء أن يقرأ عليه بعض أحاديث صحيح البخاري، وقال أنا أول من قرأ الحديث بين الصفين، أراد أن يطلب العلم وهو بين الصفين وأن يقرأ أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد الانتصار خطب خطبة عظيمة وقال أيها الناس هذا يوم من أيام الله لا ينبغي فيه البغي ولا الفخر، اسجدوا لله شاكرين وأمرهم أن يلتزموا التقوى وأن يتحروا أمر الله تعالى فيمتثلوه ونهي الله تعالى فيجتنبوه، وكان هذا يوماً من أيام الله حقا، حتى أن بعضهم رأى بعض الفلاحين يأسر نيفاً وثلاثين أسيراً وربطهم في حبل خيمة، بعض الفلاحين المصريين الذين كانوا في الجيش لم يجد شيئاً ليربط الأسرى فربطهم في حبل خيمة، كذا وثلاثين أسيراً، وسيرهم كالأغنام حوله وفدا بعضهم بنعله، لم يكن معه نعل يلبسه فأخذ منه نعله فداء وتركه، يعني كان الواحد لا يساوي نعلاً، هكذا كان هذا اليوم يوماً من أيام الله.


معركة فتح بيت المقدس

بعد ذلك ظل صلاح الدين يفتح البلاد بعد البلاد، يفتح المدن المختلفة، بيروت وصيدا وعكا وعسقلان وغزة ونابلس، كل هذه البلاد صار يفتحها بلداً بلداً، ومن كان فيها من أسرى المسلمين أطلقهم وأكرمهم وهكذا، إلى أن تهيأ صلاح الدين للمعركة الثانية بعد معركة حطين، هذه المعركة هي معركة فتح بيت المقدس، فتح القدس وإنقاذ المسجد الأقصى، لقد عاث الصليبيون فساداً خلال هذه السنين، حينما فتح صلاح الدين عكا أقام فيها صلاة الجمعة وقد حرمت فيها صلاة الجمعة أكثر من سبعين عاماً، لم تصلى فيها جمعة، وهنا أراد أن يفتح بيت المقدس وعلم المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها بنية هذا السلطان العادل أن يفتح بيت المقدس ويحرره من أيدي الصليبيين، فجاءه العلماء والصلحاء والزهاد والأتقياء من كل مكان، يريدون أن ينالوا شرف المشاركة في هذا الجهاد العظيم، القدس، معركة القدس خاصة إنها معركة يهواها كل مسلم، كل مسلم يود أن يكون ممن يحرر القدس، يوم يفتح الباب للجهاد، حينما علم الناس بنية صلاح الدين أنه بعد حطين لابد أن يفتح القدس جاءه الناس من كل مكان، كبار الناس من العلماء والصلحاء من بلاد الإسلام جاءوا لينضموا إلى جيشه وفعلاً حاصر القدس وكان فيها أكثر من ستين ألفاً من المقاتلين الأشداء المدربين، وقد حصنوها تحصيناً بليغاً ولكن الله سبحانه وتعالى قوى قلب صلاح الدين وحاصر هذه المدينة واستطاع أن ينقض جزء من سورها وأن يهدد من كان في داخلها وجاءه قادة هؤلاء الصليبيين يستعطفونه ويطلبون منه الصفح والعفو، هؤلاء الذين دخلوا هذه المدينة فقتلوا سبعين ألفاً من أهلها أو أكثر من ذلك، وسالت الدماء أنهاراً وغاص الناس في الدماء إلى الركب حين دخل الصليبيون القدس الشريف، منذ اثنتي وتسعين عاماً هجرية، ولكن هؤلاء اليوم جاءوا يطلبون العفو والصفح ورفض صلاح الدين في أول الأمر ثم نظر في العاقبة ووجد أن في هذا العفو خيراً وعفا عن هؤلاء على أن يتركوا ويذهبوا إلى مكان أمنهم في صور في لبنان، وكل واحد منهم يدفع 25 ديناراً للرجل وخمسة دنانير للمرأة ودينارين لكل صغير وصغيرة فدية بسيطة معظمها أخذوها من مال المسلمين حينما احتلوا هذه الديار.

ونصر الله عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب الكافرة المغيرة وحده ودخل المسلمون بيت المقدس بعد اثنتين وتسعين سنة، ظل في أيدي الصليبيين، دخلوه في السابع والعشرين من رجب سنة 583 هجرية، دخلوا وكان يوم جمعة ولكنهم لم يصلوا الجمعة في ذلك اليوم لأنهم كانوا مشغولين ولم يسعفهم الوقت ليعدوا المسجد، فالمسجد مليء بالصلبان والقذارة والخنازير ولذلك لم يصلوا إلا في الجمعة التالية، أخذ المسلمون المسجد الأقصى وأصبح في أيديهم، في الجمعة التالية كانت خطبة عظيمة، خطبة التحرير، خطبة الصلاة بعد الحرمان هذه المدة الطويلة.


المعركة لم تنته بحطين وبفتح بيت المقدس

وهكذا أيها الأخوة لابد للحق أن ينتصر ولابد للباطل أن ينكسر (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا) ولكن أحب أن أقول لكم أن المعركة لم تنته بحطين ولم تنتهي بفتح بيت المقدس، فسرعان ما انتقض الصليبيون على صلاح الدين وعادوا إلى عكا بعد أن حررت منهم، جاءوا من البر والبحر ألوف، جاء ملك ألمانيا وكان معه مائة وخمسون ألفا معظمهم ماتوا في الطريق ولم يصل إلا بخمسة آلاف، ثم جاء ملك الإنجليز ريتشارد قلب الأسد، جاءوا لم يستسلموا وظل القتال بقية عمر صلاح الدين ومع أولاده ثم بعد ذلك مع المماليك أيام الظاهر بيبرس البندقداري المملوك الذي حكم مصر والشام، بل ظل ذلك بعده أيضاً أيام القلاونيين، نحن نعرف الملك لويس التاسع الذي كان يسمى القديس لويس، الصليبيون جاءوا في حملات متتالية، ثمان حملات أو تسع حملات بعضها وراء بعض، يحاولون أن يحتلوا هذه البلاد واحتلوها وأقاموا فيها ممالك وإمارات بالفعل ولكن الله هيأ لهم الرجال الذين استطاعوا أن ينتزعوها من أيديهم وهذا هو وعد الله حينما قال (وكان حقاً علينا نصر المؤمنين) النصر للمؤمنين والنصر بالمؤمنين ، كما قال عز وجل (وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم) إنما يتم النصر بالمؤمنين المؤتلفة قلوبهم أما المؤمنون المختلفون الذين يشرق أحدهم ويغرب الآخر ويقاوم أحدهم ويستسلم الآخر فهؤلاء لا ينتصرون إنما النصر للمؤمنين المترابطين المؤتلفين، (هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم)، نسأل الله عز وجل أن يفتح لنا فتحاً مبيناً، وأن يهدينا صراطاً مستقيماً وأن ينصرنا نصراً عزيزاً، اللهم آمين، ادعوا الله تعالى يستجب لكم.


تدخلات أضاعت الثمرة والأمال

الحمد لله، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير، واشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، يسبح له ما في السماوات وما في الأرض له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا ومعلمنا محمداً عبدالله ورسوله البشير النذير والسراج المنير، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه الذين آمنوا به ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه ورضي الله عمن دعا بدعوته واهتدى بسنته وجاهد جهاده إلى يوم الدين، أما بعد،،،

فيا أيها الأخوة المسلمون، في تاريخ الجهاد الفلسطيني محطات كثيرة كان يمكن للأخوة الفلسطينيين أن ينتصروا فيها وأن يجهض المشروع الصهيوني ولكن للأسف حدثت تدخلات مختلفة أضاعت الثمرة والآمال، في سنة 1936 أعلن الفلسطينيون إضراباً عاماً أشبه بحركة عصيان مدني شمل كل المدن والقرى، أغلقت المحلات والمتاجر وكل شيء وظل هذا شهوراً عدة، واحتار الإنجليز الذين كانوا يحكمون فلسطين في ذلك الوقت منتدبين من عصبة الأمم، ليحققوا وعدهم الذي وعد به وزير خارجيتهم المعروف بلفور الذي وعد اليهود بإقامة وطن قومي لهم في فلسطين، احتار الإنجليز ماذا يفعلون أمام هذا الإجماع الذي قل أن يوجد له نظير فاستعانوا على إخماد هذه الوقفة التاريخية بالقادة العرب، وكان الإنجليز يحكمون كثيراً من البلاد العربية، استعانوا بالزعماء العرب ليتوسطوا لدى الأخوة الفلسطينيين ليفكوا هذا الإضراب واستطاع الزعماء العرب أن يؤثروا على الفلسطينيين وأن ينزلوا عند رغبتهم ورأيهم وأن يفكوا هذا الإضراب، وهذا كان في صالح الحركة الصهيونية من غير شك، تنفست الصعداء واستطاع الإنجليز أن يمدوا لها في حبالها ويهيئوا لها السلاح والعتاد حتى أصبح لها شأن بعد ذلك، العصابات الإرهابية المعروفة، هذه محطة.


محطة أخرى لإجهاض المقاومة

ومحطة أخرى كاد المشروع الصهيوني فيها أن يجهض عندما دخلت الجيوش العربية السبعة في سنة 1948 حينما جلا الإنجليز وانتهى مدة انتدابهم ثلاثون عاماً، دخلت الجيوش وعلى رغم ما كان في هذه الجيوش من خلل ومن عيوب وبعضها كان يقودها إنجليز من أمثال كلود باشا وغيره، ولكن كان في هذه الجيوش وطنيون ومسلمون ورجال متحمسون واستطاعوا أن ينزلوا ضربات موجعة بالحركة الصهيونية وبجماعاتها المسلحة، وهنا بعد أن كاد المشروع الصهيوني أن يجهض استعانوا أيضاً بالقادة العرب وكانت الهدنة التاريخية المعروفة باسم هدنة رودس، فرض على الجيوش وعلى المتطوعين أن يلقوا السلاح، بل أخذ المتطوعون من ميدان القتال إلى ميدان الاعتقال، ذهبوا وراء الأسلاك ووراء القبضان معتقلين في جبل الطور، نفذ ذلك النقراشي باشا في مصر وعدد من رؤساء الحكومات العرب في ذلك الوقت.


عقدت المؤتمرات لحماية إسرائيل ومحاربة الإرهاب

ومن قريب منذ سنوات قامت انتفاضة مباركة هائلة زلزلت الكيان الصهيوني، أطفال الحجارة، ثورة المساجد التي انطلقت من غزة انطلاقاً تلقائياً، لم يكن في تخطيط أحد ولكن حدث حادث حرك الناس كما في الانتفاضة الأخيرة، واستمرت السنوات وكان لها صداها، وانتقلت من الحجارة إلى الرصاص وإلى العمليات الاستشهادية داخل القدس الغربية وداخل تل أبيب، وزلزلت الأرض تحت أقدام إسرائيل ولكن سرعان ما عقدت المؤتمرات لحماية إسرائيل ومحاربة الإرهاب، الإرهاب هو أن تدافع عن أرضك وعن عرضك وعن أهلك وعن حرماتك، هذا إرهاب يجب أن تقعد له المؤتمرات، وأوقفت الانتفاضة وأوقفت هذه الحركات.


يراد مرة أخرى إطفاء هذه الانتفاضة

وحينما حدث ما حدث من تدنيس المسجد الأقصى انطلقت الانتفاضة الجديدة، انتفاضة تلقائية، لم يخطط لها أحد ولم يحركها أحد، تحرك تلقائي من أبناء فلسطين غيرة على المسجد الأقصى، وضيقاً بهذه المحادثات والمفاوضات التي طال طريقها ولم يجن الناس من ورائها ثمرة ولم يحصلوا على شيء إلا على السراب الذي يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، انطلقت هذه الانتفاضة التي قدمت المئات من الشهداء والآلاف من الجرحى، الجرحى الذين معظمهم معاقون يعيشون بعاهات في أجسامهم طوال حياتهم، الآن يراد مرة أخرى إطفاء هذه الانتفاضة، إطفاء هذه الشعلة والعودة من جديد إلى دائرة المفاوضات محلك سرك، حلقة مفرغة لا يدرى أين طرفاها، عدنا إلى ما كنا فيها، أوسلو وواي ريفر وكامب ديفد الثانية وشرم الشيخ .. و .. و، عدنا إلى ما كنا، أخشى إذا أوقفت هذه الانتفاضة واحتاج ياسر عرفات وإخوانه إلى انتفاضة جديدة ألا يجدوها، فقد يئس الناس من هذه الانتفاضات التي لا توصل إلى شيء، إلا ضحايا من غير ثمن، ضحايا لا مقابل لها.

إلى متى نظل هكذا أيها الأخوة، إلى متى نظل نسير ونسير كالثور في الساقية والمكان الذي انتهينا إليه هو الذي ابتدأنا منه، ألا نحدد هدفنا، ألا نعرف عدونا، أما آن لنا أن نعرف هذا العدو الذي جربناه طوال تلك السنين، فلم نعرف عنه إلا نكث العهود وإخلاف الوعود وتعدي الحدود وانتهاك الحرمات، والاستهانة بالمقدسات.


الخاتمة

أسأل الله تبارك وتعالى أن ينير طريقنا، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويوفقنا لاجتنابه، اللهم كن لنا ولا تكن علينا، وأعنا ولا تعن علينا، وانصرنا ولا تنصرنا علينا، واهدنا ويسر الهدى إلينا، وانصرنا على من بغى علينا، اللهم إنا نسألك الهدى والتقوى، اللهم لا تهلكنا بما فعل السفهاء منا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا، وارفع مقتك وغضبك عنا، اللهم أكرمنا ولا تهنا وأعطنا ولا تحرمنا، وزدنا ولا تنقصنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وارض عنا وأرضنا، اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك، اللهم عليك باليهود المعتدين المجرمين، اللهم عليك باليهود المعتدين المجرمين، اللهم رد عنا كيدهم، وفل حدهم، وأذهب عن أرضك سلطانهم، ونكس أعلامهم، ولا تجعل لهم سبيل على أحد من عبادك المؤمنين، اللهم أنزل عليهم غضبك وأحل بهم سخطك وأنزل عليك بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم خذهم ومن ناصرهم أو وادهم أو عاونهم أخذ عزيز مقتدر، اللهم انصر أخوتنا المجاهدين في فلسطين، اللهم أيدهم بروح من عندك وأمدهم بملأ من جندك واحرسهم بعينك التي لا تنام واكلأهم في كنفك الذي لا يضام، اللهم افتح لهم فتحاً مبينا، واهدهم سراطاً مستقيماً، وانصرهم نصراً عزيزاً، وأتم عليهم نعمتك، وأنزل في قلوبهم سكينتك وانشر عليهم فضلك ورحمتك، اللهم اجمع كلمة هذه الأمة على الهدى وقلوبها على التقى ونياتها على الجهاد في سبيلك وعزائمها على عمل الخير وخير العمل، اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً سخاء رخاء وسائر بلاد المسلمين، ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، عباد الله، يقول الله تبارك وتعالى (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما)، قبل أن نقيم الصلاة أذكركم بأن هناك أخوة من جمعية قطر الخيرية يجمعون التبرعات من أجل الانتفاضة (وما أنفقتم من خير فهو يخلفه وهو خير الرازقين)، وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون

معاوية بن يزيد

بسم الله الرحمن الرحيم

هو معاوية بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، وأمه أم هاشم بنت أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة، بُويِعَ له بالخلافة بعد موت أبيه، وكان ولي عهده من بعده في الرابع عشر من شهر ربيع الأول سنة أربعٍ وستين، كان شابًا ورعًا تقيًّا، مكث في الخلافة مدة قصيرة اختلف المؤرخون في تحديدها قيل: إنه مكث في الملك أربعين يومًا، وقيل: عشرين يوًما، وقيل: شهرين، وقيل: شهرًا ونصف شهر، وقيل: ثلاثة أشهر وعشرين يومًا، وقيل: أربعة أشهر.

وكان في مدة خلافته مريضًا لم يخرج إلى الناس، وكان الضحاك بن قيس هو الذي يصلي بالناس ويصرف الأمور، ومع أنه أصبح الخليفة الثالث في سلسلة خلفاء بني أمية من الناحية النظرية، إلا أنه لم يباشر عمله كخليفة، حيث كان ضعيفًا عن النهوض بتَبِعات المنصب، وكان صادقًا مع نفسه ومع الناس، فأعلن ذلك صراحة؛ حيث يروي ابن كثير أنه بعد أن صلَّى على أبيه، وتم دفنه، وأقبل عليه الناس وبايعوه بالخلافة نادى في الناس: الصلاة جامعة، وخطب فيهم فكان مما قال:

"أيها الناس، إني قد وليت أمركم وأنا ضعيف عنه، فإن أحببتم تركتها لرجل قوي، كما تركها الصِّدِّيقُ لعمر، وإن شئتم تركتها شورى في ستة كما تركها عمر بن الخطاب، وليس فيكم من هو صالح لذلك، وقد تركتُ أمرَكم فولُّوا عليكم من يصلح لكم. ثم نزل ودخل منزله، فلم يخرج حتى مات رحمه الله تعالى". أراد معاوية بن يزيد أن يقول لهم: إنه لم يجد مثل عمر، ولا مثل أهل الشورى، فترك لهم أمرهم يولون من يشاءون.

وقد جاء ذلك صريحًا في رواية أخرى للخطبة عند ابن الأثير قال فيها: "أما بعد، فإني ضعفت عن أمركم فابتغيت لكم مثل عمر بن الخطاب حين استخلفه أبو بكر فلم أجده، فابتغيت ستة مثل ستة الشورى فلم أجدهم، فأنتم أولى بأمركم فاختاروا له من أحببتم، ثم دخل منزله وتغيَّبَ حتى مات".

واعتُبِرَ هذا الموقفُ منه دليلاً على عدم رضاه عن تحويل الخلافة من الشورى إلى الوراثة؛ فقد رفض أن يعهد لأحد من أهل بيته حينما قالوا له: اعهد إلى أحد من أهل بيتك، فقال: "والله ما ذُقْتُ حلاوة خلافتكم، فكيف أتقلد وزرها وتتعجلون أنتم حلاوتها، وأتعجل مرارتها؟!! اللهم إني بريء منها متخلٍّ عنها".

وقد أعقب ذلك فترة من الفتن والصراع بين الأمويين وابن الزبير، انتهت لصالح الأمويين الذين استطاعوا تدارك الموقف وبايعوا مروان بن الحكم بالخلافة في مؤتمر الجابية في ذي القعدة سنة 64هـ

سلمة بن الأكوع ـ رضي الله عته ـ .

بسم الله الرحمن الرحيم

سلمة بن الأكوع ـ رضي الله عته ـ .




كان سلمة من أمهر الذين يقاتلون مشاة، ويرمون بالنبال والرماح،

وكانت طريقته تشبه طريقة بعض حروب العصابات الكبيرة التي تتبع اليوم.. فكان اذا هاجمه عدوه تقهقر دونه، فاذا أدبر العدو أو وقف يستريح هاجمه في غير هوادة..

وبهذه الطريقة استطاع أن يطارد وحده، القوة التي أغارت على مشارف المدينة بقيادة عيينة بن حصن الفزاري في الغزوة المعروفة بغزو ذي قرد..

خرج في أثرهم وحده، وظل يقاتلهم ويراوغهم، ويبعدهم عن المدينة حتى أدركه الرسول في قوة وافرة من أصحابه.
المشكاة

محمد ناصر الدين بن نوح نجاتي الألباني

محمد ناصر الدين بن نوح نجاتي الألباني

دعا إلى إحياء السنّة ومخالفة البدعة والعودة إلى روح الدين
(1326/1908 _  معاصر )
عالم سلفي محقّق، محدّث أهل الشام، وحامل لواء الحديث فيها، ولد في (أشقودرة) بجمهوريّة ألبانيا، هاجرت أسرته بدينها من موطنها الأصلي بسبب مجازر الشيوعيّين المرعبة إلى دمشق، فنشأ بها وتتلمذ على علمائها، أمثال: الشيخ سعيد البرهاني.
حفظ القرآن في سن مبكّرة، ودرس العلوم الشرعيّة، وعكف على القراءة والبحث في المكتبة الظاهريّة بدمشق، التي وصفت بأنها أغنى المكتبات في الدنيا بالمخطوطات في علوم الحديث، وصنع لها فهرساً، واطّلع على الكتب، والمخطوطات، وأمّهات كتب الحديث، حتى فاق معاصريه في علم الحديث رواية ودراية، وكان يمتهن صناعة الساعات، ويأكل من عمل يده.

الشيخ ناصر الدين الألباني
الشيخ ناصر الدين الألباني
يقول الألباني: فلم أزل أنهل من علمهم وأقتطف من ثمارهم، وبخاصّة أهل الحديث والأثر منهم حتى توفّرت لدي بفضل الله الألوف الكثيرة من متون الأحاديث والآثار وأسانيدها، الأمر الذي ساعدني كل المساعدة على معرفة عللها، وتمييز الصحيح من الضعيف منها، فكان من ذلك تلك المؤلّفات التي دارت عليها سنوات عديدة، وهي تحت البحث والتحقيق والتنقيح، ومنها كانت تلك الأحكام، وذكر في قائمة كتبه أربعة وستين كتاباً.
وكانت له حلقات علمية في دمشق وبعض المدن السوريّة، تضم عدداً من المهتمين بعلوم الحديث، ومذهب السلف، حاول أن ينشر بينهم منهج النقد في علم الحديث، وضرورة التوقّف عن سوق الأحاديث على هنّاتها دون تمحيص أو مراجعة، وتسهيل نوال السنّة النبويّة ومصادرها، محاربة التقليد والتعصّب المذهبي.  هاجر إلى المملكة العربيّة السعوديّة، واشتغل بالتدريس في الجامعة الإسلاميّة بالمدينة المنوّرة، وتولّى عمادة كليّة الحديث فيها، وتحلّق حوله طلبة العلم فيها ينهلون من علمه الغزير.
وكان الألباني قد نشر سلسلة مقالات متتابعة تحت عنوان (الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيّء في الأمّة) في مجلّة التمدن الإسلامي، فلمّا تبيّن لكثير من الفضلاء أهميّة هذه المقالات شجّعوه على الاستمرار في النشر، وحثّوه على نشر تلك الأحاديث في كتاب مفرد عن المجلّة.
خّرج: ( شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي) و(إرواء السبيل تخريج أحاديث منار السبيل) و(غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام للقرضاوي) و(رياض الصالحين للنووي) و(صحيح الترغيب والترهيب) ثلاثة أجزاء، و(صحيح السيرة النبويّة) وخرّج أحاديث زيادة الجامع في(صحيح الجامع الصغير وزيادته) ستة أجزاء، و(ضعيف الجامع الصحيح وزيادته) ستة أجزاء، وحقّق أيضا (صفة الفتوى والمفتي والمستفتي) و(مختصر الشمائل المحمديّة للترمذي) وصنف: (إصلاح المساجد) بالاشتراك مع القاسمي و(تمام المنّة بالتعليق على كتاب فقه السنّة للسيد سابق) و(حجاب المرأة المسلمة) و(آداب الزفاف) و(صفة صلاة النبي (ص)) و(حجّة النبي (ص)) و(حقيقة الصيام) و(أحكام الجنائز).
وألّف بتكليف من مكتب التربية العربي لدول الخليج بالرياض (ضعيف سنن ابن ماجة) ضمن مجموعة (صحيح الكتب الأربعة) ثم (سنن الترمذي) و(سنن النسائي) و(سنن أبي داود) وله (ضعيف الكتب الأربعة.
دعا إلى إحياء السنّة ومخالفة البدعة والعودة إلى روح الدين، وحضّ على استئناف الحياة الإسلاميّة، والالتزام بالإسلام كاملاً وشاملاً، ورأى أن الأولويّة في العمل الإسلامي: إصلاح العقيدة، والعودة إلى سيرة السلف الصالح، وتأجيل المواجهة مع أعداء الإسلام، حتى يفرغ المسلمون من تأسيس العقيدة، رغم اتفاق الدعاة على أن صحة العقيدة شرط في صحة العمل الإسلامي، وغفل رغم نزعته الإصلاحية عن الجانب السياسي، والاجتماعي، والاقتصادي، في زمن كان المسلمون فيه يئنون تحت وطأة الفكر العلماني الذي استولى على السلطة بعد رحيل القوات الأجنبية. 
قال الشيخ علي الطنطاوي أحد معاصريه: أنا أقرّ له بالصدارة في علوم الحديث، وأرجع فيها إليه، وأنكر تفقهه وآراءه التي يخالف فيها جمهور العلماء من الفقهاء.
 وردّ عليه الشيخ عبد الفتاح أبو غدة في كتابه (كلمات في كشف أباطيل وافتراءات) إلا أن الألباني وصف أبو غدّة بالكوثري الصغير، وردّ عليه في مقدّمة تخريج (شرح الطحاويّة).
وردّ عليه أحمد عبد الغفور عطار في (ويلك آمن).
وكتب حبيب الرحمن الأعظمي (الألباني شذوذه وأخطاؤه) وعبد الله الصديق الغماري (القول المقنع في الرد على الألباني المبتدع) ومحمود سعيد ممدوح (تنبيه المسلم إلى تعدّي الألباني على صحيح مسلم) وحسن السقاف (تناقضات الألباني الواضحات فيما وقع له في تصحيح الأحاديث وتضعيفها من أخطاء وغلطات) وللسقاف أيضاً (البشارة والاتحاف فيما بين ابن تيمية والألباني في العقيدة من الاختلاف) و(الشماطيط فيما يهذي به الألباني من مقدّمات من تخبّطات وتخليط) فانبرى له الألباني في (الأنوار الكاشفة).
وصنّف إسماعيل الأنصاري (نقد تعليقات الألباني على شرح الطحاويّة) فغمز فيه الألباني ولمز ؛ واعتبر المنافحون عن الألباني أن المقصود من الحملة عليه الطعن في أحد رموز الدعوة السلفيّة من خلال الطعن في أحد رموزها، وتشويه صورته أمام الناس ومنهم عبد الرزاق الشايجي في كتابه (كلمة حق في الدفاع عن علم الأمة محمد ناصر الدين الألباني) وطارق بن عوض الله  في كتابه (رد الجاني المتعدي على الألباني) وعلي بن حسن الحلبي (كشف المعلم بأباطيل كتاب تنبيه المسلم لمحمود ممدوح) وسمير بن أمين الزهيري المنصوري في (فتح الباري في الذب عن الألباني) و(الرد على إسماعيل الأنصاري) ؛ وانتقد بأنّه أسير من حوله، وأنّه استخدم لضرب جوانب الصواب في الحركات الإسلاميّة، وإسباغه الشرعيّة على الواقع حكومات ومجتمعات، وتحريم العمل التنظيمي ووصفه بالبدعة الجديدة، وصرفه الناس عن العمل الجماعي، وإسقاط حكم الجهاد، ورفعه شعار: أن من حكم الواقع أن تدع حكم الواقع ؛ وطرحه شعار: التصفية والتربية ؛ وانتقاده من يهتم بالأحداث الحياتيّة والسياسيّة بأنّه يتلهّى عن طلب العلم، وتحامله على بعض الشخصيّات ؛ ورغم كل ما أثير حول مصنّفاته العلميّة فقد كان يصحح ويعدّل على مطبوعاته الجديدة، وينصح من ينتقده أن يكون رائده النصح والإرشاد لا الحسد والبغضاء ؛ وفي طبعته الجديدة لكتابه (سلسلة: الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيّء في الأمّة) نبّه الشيخ ناصر الدين الألباني القارئ ألاّ يستغرب تراجعه عن بعض الآراء والأحكام أسوة بالسلف بعد الوقوف على مطبوعات جديدة كانت أصولها في عالم المخطوطات والمصوّرات، بعيدة عن أيدي الباحثين والمحققين.
وقال: ينتقدني بعض الجهلة الأغرار بروز كثير من التصحيحات والتعديلات على بعض ما يطبع من مؤلّفاتي الجديدة، أو ما يعاد طبعه منها كهذا المجلّد الذي بين يديك ـ ويقصد المجلّد الأوّل من سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ـ كهذا السقاف.
ونصح كل من أراد أن يردّ عليه أو على غيره أن يبيّن له ما يكون قد زلّ به قلمه، أو اشتطّ عن الصواب فكره، أن يكون رائده من الردّ النصح والإرشاد، والتواصي بالحق وليس البغضاء والحسد فإنها المستأصلة للدين.
 هاجر إلى الأردن سنة1400/1980 فأقام في عمّان مكرّماً، واستأنف بها رسالته الدعوية، وتحقيقاته العلميّة، والتفّ حوله طلبة العلم حتى وفاته، ودفن بها.
منح جائزة الملك فيصل العالمية في الدراسات الإسلامية لعام 1419/1999.
_____________________________________________________________

(1) ذكريات علي الطنطاوي ج1 ص68. (2) علماء ومفكرون عرفتهم ج1 ص277 محمد المجذوب. (3) كتب حذر منها العلماء  ص 288 مشهور حسن آل سلمان. (4) سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيّء في الأمّة م 1 ص (3 ـ 46) ناصر الدين الألباني. (5) ضعيف سنن ابن ماجة (42 ـ 48) ناصر الدين الألباني.
أعلام الصحوة الإسلاميّة .......................................... تأليف: محمد علي شاهين.

العلامة المحدث محمد بشير السهسواني

المبحث الأول: حياته الشخصية.
اسـمـه، ونسبه:
محمد بشير الدين بن محمد بدر الدين بن صدر الدين العمري الفاروقي السهسواني الهندي، ينتهي نسبه إلى عمر الفاروق.
مـولـده:
ولد الشيخ ببلدة سهسوان، في مديرية بدايون، من مضافات دهلي بالهند.
واختلف في تاريخ مولده:
فقيل: في سنة 1249هـ تقريباً، أوفي السنة التي بعدها.
وقيل: في سنة 1254هـ .
وبعضهم لم يعين تاريخاً فقال: كانت في منتصف القرن الثالث عشر الهجري.
أســرته:
والده هو الحكيم محمد بدر الدين، كان طبيباً حاذقاً، ولسعة نظره وتبحره في العلم أطلق عليه لقب "خان" ، ولما ذاع صيته واشتهر أمره اتخذه بعض الأمراء طبيباً لديه بعطاء شهري قدره مائة ألف ربية.
وقد توفي في حدود سنة 1260هـ، وعمر الشيخ محمد بشير تسع سنوات تقريباً.
وللشيخ محمد بشير ثلاثة من الإخوة وهم: الحكيم خورشيد حسن، وهو أكبر أبناء بدر الدين.
والثاني: الحكيم محمد نذير.
والثالث: الشيخ الفاضل مظهر علي.
وابن عمه هو الشيخ الفاضل نور الحسن بن نياز العمري السهسواني أحد المبرزين في الصناعة الطبية.
أما أولاد الشيخ فهم نذير حسن الذي أكمل دراسته على والده، وزوَّجه الشيخ، لكنه توفي في عنفوان شبابه وعمره آنذاك (17) سنة.
وللشيخ أيضاً بنت واحدة عاشت بعده بمدة.

زياد علي

زياد علي محمد