الاثنين، 2 سبتمبر 2019

عطـاء بـن أبي رباح..تلميذ بن عباس،، ومفتي الحرم

عطـاء بن أبي ربـاح


"ما رأيتُ أحدًا يريدُ بالعلمِ وجهَ اللهِ عز وجل غير هؤلاء الثلاثة: عطاءٌ... وطاووسٌ... ومُجاهدٌ"

[سَلَمةُ بن كُهيل]


ها نحن أولاءِ في العَشرِ الأخير من شهر||ذي الحِجة|| سنة سبع وتسعين للهجرة ... وهذا البيت العتيق يموج بالوافدين على الله من كل فج.

مشاةً ورُكبـانــًا

وشيوخـًا وشبانـًا، ورجالًا ونساءً.

فيهم الأسود والأبيض، والعربي والعجمي، والسيد والمسود...

لقد قدموا جميعًا على ملكِ الناسِ مخبتين مُلبين، راجين مؤملِين.

وهذا سليمان بن عبد الملك خليفة المسلمين، وأعظم ملوك الأرض يطوف بالبيت العتيق حاسر الرأسِ حافي القدمين ليس عليه إلا إزارٌ ورداءٌ...

شأنه في ذلك كشأن بقية رعاياه من إخوته في الله.

،‘‘،

وكان من خلفه ولداه.

وهما غلامان كطلعة البدرِ بهاءً ورُواءً، وكأكمام الورد نضارةً وطيبًا.

وما أنِ انتهى من طوافه حتى مال على رجلٍ من خاصته وقال:

أين صاحبكم؟

فقال: إنه هناك قائمٌ يصلي... وأشار إلى الناحية الغربية من المسجد الحرام.

فاتجه الخليفة ومن ورائه ولداه إلى حيثُ أُشير إليه ...

وهَمَّ رجال الحاشية بأن يتبعوا الخليفة لفسحوا له الطريق، ويدفعوا عنه أذى الزحام، فثَنَاهم عن ذلك وقال:

هذا مقامٌ يستوي فيه الملوك والسوقة... ولا يفضلُ فيه أحدٌ أحدًا إلا بالقبول والتقوى ... ورُب أشعث أغبر قدِم على الله فتقبله الله بما لم يتقبل به الملوك.




ثم مضى نحو الرجل فوجده ما يزال داخلًا في صلاته، غارقًا في ركوعه وسجوده.

والناس جلوسٌ وراءه، وعن يمينه وشماله ... فجلس حيث انتهى به المجلس ... وأجلس معه ولديه ...

وطفق الفتيان [القرشيان] يتأملان ذلك الرجل الذي قصده أمير المؤمنين، وجلس مع عامة الناس ينتظر فراغه من صلاته.

فإذا هو شيخٌ [حبشيٌ]، أسود البشرة، مفلفل الشعر، أفطس الأنف، إذا جلس بدا كالغراب الأسود.

ولما انتهى الرجل من صلاته؛ مال بشقه على الجهة التي فيها الخليفة فحياه سليمان بن عبد الملك فردّ التحية بمثلها.

وهنا أقبل عليه الخليفة، وجعل يسأله عن مناسك الحج منسكًا منسكًا وهو يفيض بالإجابة عن كل مسألة...

ويفصل القول فيها تفصيلًا لا يدعُ سبيلًا لمستزيد...

ويُسند كل قولٍ يقوله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

،‘‘،

ولما انتهى الخليفة من مساءلته جزاه خيرًا، وقال لولديه:

قوما، فقاما... ومضى الثلاثة نحو المسعى.

وفيما هم في طريقهم إلى السعي بين الصفا والمروة؛ سمع الفتَيَان المنادين ينادون: يا معشر المسلمين...

لا يفتي الناسَ في هذا المقام إلا [عطـاء بن أبي ربـاح]...

فإن لم يوجد فعبد الله بن أبي نَجيح.

فالتفت أحد الغلامين لأبيه وقال:

كيف يأمر عامل أمير المؤمنين الناس بألا يستفتوا أحدًا غير عطاء بن أبي رباح وصاحبه... ثم جئنا نحن نستفتي هذا الرجل الذي لم يأبه للخليفه، ولم يوفه حقه من التعظيم!!

فقال سليمان لولده:

هذا الذي رأيتَه يا بني ورأيت ذلنا بين يديه هو عطاء بن أبي رباح؛

صاحب الفتيا في المسجد الحرام، ووارث [عبد الله بن عباس] في هذا المنصب الكبير.

ثم أردف يقول: يا بني ... تعلموا العلم ... فبالعلم يشرُف الوضيع... وينْبُه الخامل... ويعلو الأرقاء على مراتب الملوك...




لم يكن سليمان بن عبد الملك مبالغًا فيما قاله لابنه في شأن العلم.

فقد كان عطاء بن أبي رباح في صغره عبدًا مملوكًا لامرأة من أهل مكة.

غير أن الله عز وجل أكرم الغلام الحبشي بأن وضع قدميه منذ نعومة أظفاره في طريق العلم، فقسّم أوقاته أقسامًا ثلاثة:

قسم جعله لسيدته؛ يخدمها فيه أحسن ما تكون الخدمة، ويؤدي لها حقوقها عليه أكمل ما تؤدَى الحقوق.

وقسم جعله لربه؛ يفرغ فيه لعبادته أصفى ما تكون العبادة وأخلصها لله تعالى.

وقسم جعله لطلب العلم؛ حيث أقبل على من بقي حيًا من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطفق ينهل من مناهلهم الصافية.

فأخذ عن أبي هريرة، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وغيرهم من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، حتى امتلأ صدره علمًا وفقهًا ورواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

،‘‘،

ولما رأت السيدة المكية أن غلامها قد باع نفسه لله... ووقف حياته على طلب العلم... تخلت عن حقها فيه وأعتقت رقبته تقربا لله عز وجل؛ لعل الله ينفه به الإسلام والمسلمين.

ومنذ ذلك اليوم اتخذ عطاء بن أبي رباح البيت الحرام مقاما له... فجعله داره التي يأوي إليها ... ومدرسته التي يتعلم فيها... ومصلاه الذي يتقرب فيه لله بالتقوى والطاعة.

حتى قال المؤرخون: كان المسجد فراش عطاء بن أبي رباح نحوًا من عشرين عامًا.

الصحابية ' الشفاء بنت عبد الله ' رضي الله عنها

الشفاء بنت عبد الله
رضي الله عنها

الشفاء بنت عبد الله بن عبد شمس بن خلف بن شداد بن عبد الله بن قرط بن
رزاح بن عـدي بن كعب القرشية العدوية ، أسلمت قبل الهجرة ، وهي من
المهاجرات الأوَّل ، وبايعت الرسـول -صلى الله عليه وسلم- ، وكانت من
عقلاء النساء وفضلائهن


فراش النبي
كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يزورها ، ويَقيْلُ عندها في بيتها ، وكانت قد اتخذت له فراشاً ، وإزاراً ينام فيه ، فلم يزل ذلك عندَ ولدها حتى أخذه منهم مروان بن الحكم


الرُّقْيَةَ
كانت الشفاء ترقي بالجاهلية ، فقدمت بعد هجرتها الى الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقالت :( يا رسول الله إني قد كنت أرقي برقىً في الجاهلية فقد أردت أن أعرضها عليك ؟) فقال :( فاعرضيها ) فعرضتها عليه وكانت ترقي من النملة فقال لها الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( علّمي حَفْصَة رُقْيَةَ النملة ، كما علمتها الكتابة ) وأقطعها الرسول -صلى الله عليه وسلم- دارَها عند الحكاكين بالمدينة فنزلتها مع ابنها سليمان ، وكان عمر يقدِّمها في الرأي ، ويرعاها ويفضّلها

سلسلة مواقف ايمانية للصحابة ...ابو بكر الصديق و الدفاع عن النبي العدد4

إِنَ الحَمدَ لله نَحْمَدَه وُنَسْتعِينَ بهْ ونَسْتغفرَه ، ونَعوُذُ بالله مِنْ شِروُر أنْفْسِنا ومِن سَيئاتِ أعْمَالِنا ،

مَنْ يُهدِه الله فلا مُضِل لَه ، ومَنْ يُضلِل فَلا هَادى له ، وأشهَدُ أنَ لا إله إلا الله وَحْده لا شريك له ،

 وأشهد أن مُحَمَداً عَبدُه وَرَسُوُله .. اللهم صَلِّ وسَلِم وبَارِك عَلى عَبدِك ورَسُولك مُحَمَد وعَلى آله وصَحْبِه أجْمَعينْ ،

ومَنْ تَبِعَهُمْ بإحْسَان إلى يَوُمِ الدِينْ وسَلِم تسْليمَاً كَثيراً ..

روى عروة بن الزبير قال: سأَلت عبد اللّه بن عمرو بن العاص قلت: أَخبرني بأَشد شيءٍ رأَيتَه صنعه المشركون برسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، قال: أَقبل عقبة بن أَبي مُعَيْط، ورسولُ الله صَلَّى الله عليه وسلم يصلي عند الكعبة، فلوى ثوبه في عُنُقِه فخنقه خنقًا شديدًا، فأَقبل أَبو بكر، فأَخذ مَنْكِبَه فدفعه عن رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، ثم قال أَبو بكر: يا قوم، أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يقولَ رَبِّي اللّهُ وَقَدْ جَاءَكمْ بالبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُم.
وروت أسماء بنت أبي بكر أنهم قالوا لها:‏ ما أشدَّ ما رأيت المشركين بلغوا من رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم؟ فقالت:‏ كان المشركون قعودًا في المسجد الحرام، فتذاكرُوا رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، وما يقول في آلهتهم، فبينما هم كذلك، إذ دخل رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم المسجد، فقاموا إليه، وكانوا إذا سألوه عن شيء صدّقهم، فقالوا:‏‏ ألستَ تقول في آلهتنا كذا وكذا؟ قال:‏‏ ‏"بَلَى‏"،‏ قال: فتشبَّثُوا به بأجمعهم، فأتى الصريخ إلى أبي بكر، فقيل له‏:‏ أدرك صاحبَك‏، فخرج أبو بكر حتى دخل المسجد، فوجد رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم والنَّاسُ مجتمعون عليه، فقال:‏ ويلكم، أتقتلون رجلًا أنْ يقولَ ربِّيَ الله، وَقَدْ جاءكم بالبيِّنات من ربكم؟ قال:‏ فلهوا عن رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، وأقبلوا على أَبي بكر يضربونه،‏ قالت:‏ فرجع إلينا، فجعل لا يمس شيئًا من غدائره إلا جاء معه وهو يقول:‏ تباركت يا ذا الجلال والإكرام‏(*).
روى البَرَاءِ بن عازِب قال: اشترى أَبو بكر من عازب سَرْجًا بثلاثة عشر درهمًا، قال: فقال أَبو بكر لعازب: مُرِ البراءَ فَليحمله إِلى منزلي، فقال: لا، حتى تُحَدِّثنا كيف صنعـت حيث خرج رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، وأَنت معه، قال: فقال أَبو بكر: خرجنا فأَدْلَجْنا فأَحيينا يومنا وليلتنا، حتى أَظهرنا وقام قائم الظهيرة، فضربت ببصري: هل أَرى ظلًا نأوي إِليه؟ فإِذا أَنا بصخرة، فأَهويتُ إِليها فإِذا بقية ظلها، فسويته لرسول الله صَلَّى الله عليه وسلم وفرشت له فَرْوَةً، وقلت: اضطجع يا رسول الله فاضطجع، ثم خرجت أَنظر هل أَرى أَحدًا من الطلب؟ فإِذا أَنا براعي غنم، فقلت: لمن أَنت، فقال: لرجل من قريش، فسماه فعرفتُهُ، فقلت: هل في غنمك من لبن؟ قال: نعم، قلت: هل أَنت حالبٌ لي؟ قال: نعم، فأَمرتُهُ فاعتقل شاة منها، ثم أَمرته فنفض ضَرْعها، ثم أَمرته فنفض كفيه من الغُبَار، ومعي إِداوة على فمها خرقة، فحلب لي كُثْبَـة من اللبن، فصببت على القدح، حتى برد أَسفله، ثم أَتيت رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم فوافيتُهُ وقد استيقظ، فقلت: اشرب يا رسول الله، فشَرِبَ حتى رضيتُ، ثم قلت: هل آن الرحيل؟ قال: فارتحلنا، والقوم يطلبوننـا، فلم يدركنا أَحد منهم إِلا سُراقة بن مالك بن جُعْشُم على فرس له، فقلت: يا رسول الله، هذا الطَلَبُ قد لَحِقنا؟ قـال: {لَا تَحْزَنْ إِنَّ الْلَّهَ مَعَنَا} حتى إِذا دنا منا فكان بيننا وبينه قدر رُمح أَو رمحين ــ أَو قال: رمحين أَو ثلاثة ـــ قال قلت: يا رسول الله، هذا الطَّلَب قد لحقنا وبْكيتُ، قال: "لم تبكي؟" قال قلتُ: والله، ما على نفسي أَبكي، ولكني أَبكي عليك. قال: فدعا عليه رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم فقال: "الْلُّهُمَّ اكْفِنَاهُ بِمَا شِئْتَ"، فساخَتْ فرسهُ إِلى بطنها في أَرض صَلْد، ووثب عنها وقال: يا محمد، قد علمتُ أَن هذا عَمَلُك، فادع الله أَن ينجيني مما أَنا فيه، فوالله لأعَمِّيَنَّ عَلَى مَنْ وَرَائي من الطَّلَب، وهذه كِنَانتي فَخُذْ منها سهمًا، فإِنك ستمر على إِبلي وغنمي في موضع كذا وكذا، فَخُذْ منها حاجتك، فقال رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم: "لاَ حَاجَةَ لِي فِيْهَا"، قال: ودعا له رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، فَأُطْلِقَ ورجع إِلى أَصحابه، ومضى رسولُ الله صَلَّى الله عليه وسلم وأَنا معه، حتى قدمنا المدينة، فتلقاه الناس في الطريق وعلى الأَجَاجِير واشتدَّ الخَدَمُ والصِّبْيَانُ في الطريق يقولون: الله أَكبر، جاءَ رسول الله، جاءَ محمد، قال: وتنازع القوم أَيُّهم ينزل عليه؟ قال: فقال رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم: "أَنزلُ الليلة على بني النجار، أَخوالِ عبد المطلب؛ أَكرمهم بذلك". قال: وقال البراءُ: أَول من قَدِم علينا من المهاجرين ثم مُصْعَبُ بن عُمَيْر، أَخو بني عبد الدار، ثم قَدِم علينا ابن أُم مَكْتُوم الأَعمى، أَخو بني فهر، ثم قدم علينا عمرُ بن الخطاب في عشرين راكبًا، فقلنا: ما فعل رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم؟ قال: هو على أَثَرِي. ثم قَدِم رسولُ الله صَلَّى الله عليه وسلم وأَبو بكر معه، قال البَرَاءَ: ولم يَقْدَم رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم حتى قرأت سُوَرًا من المُفَصَّل ـــ قال إِسرائيل: وكان البراءُ من الأَنصار من بني حارثة.

إبراهيم بن يزيد بن الأسود النخعي

بسم الله الرحمن الرحيم

إبراهيم بن يزيد بن الأسود النخعي:
يُكنى أبا عمران، وكان أعْورًا، وروى محمّد بن عبد الله الأنصاري، وروى ابن عون قال: رأيتُ على إبراهيم ملحفة حمراء قد ذهب عينها ــ يعني: صقالها، وروى مغيرة، عن إبراهيم أنّه أرخى العمامة من ورائه، وقال الأعمش: رأيتُ في يد إبراهيم خاتمًا من حديد في شماله، وكان نقش خاتم إبراهيم: ذُباب لله ونحن له، وروى وكيع بن الجرّاح، عن مُحِلّ قال: رأيتُ إبراهيم يصلّي في مُسْتَقة لا يُخْرج يديه، وروى سفيان، عن يزيد بن أبي زياد قال: رأيتُ إبراهيم يلبس قلنسوة ثعالب، وفي رواية: رأيتُ على إبراهيم كُمّة ثعالب.
وروى الحسن بن صالح، عن أبي الهَيْثَم القَصَّاب قال: رأيتُ على إبراهيم قلنسوة من طيالسة في مقدّمها جلد ثعلب، وفي رواية يزيد بن أبي زياد قال: رأيتُ على إبراهيم قُلَيْسِيَة ثعالب، وقال: مُحِلّ رأيتُ على إبراهيم مُسْتَقَة فِراءٍ، وسألته عن الفِراء فقال: دِباغها طهورها، وقال: رأيتُ على إبراهيم النخعي ملحفة حمراء، ودخلتُ عليه بيته فرأيت ثيابًا حُمْرًا والحِجَالُ حمر، وفي رواية سلَمة بن كُهيل قال: ما رأيتُ إبراهيم في صيف قطّ إلاّ وعليه ملحفة حمراء وإزار أصفر، وقال سليمان بن يسير: رأيتُ لإبراهيم مُلاءَتين صفراوين يخرج فيهما إلى المسجد الجامع ويجمّع فيهما، وحمراء يصلّي بنا فيها ها هنا.
وقال حَنَش بن الحارث: رأيتُ على إبراهيم قميصًا صَفيقًا وثوبين قد صُبغا بشيء من زعفران، وقال مُحِلّ: رأيتُ على إبراهيم ملحفة قد كانت مرّة حمراء قد غُسلت، وقال أُكَيل: ما رأيتُ إبراهيم في صيف قطّ إلا عليه ملحفة حمراء وإزار أصفر، وَسُئِلَ عبد الله بن عون: رأيتَ على إبراهيم معصفَرة؟ قال: نعم إن شاء الله ليس لها عين ولا صقال، وقال محلّ: رأيتُ على إبراهيم ملحفة متوشّحًا بها، وعليه طيلسانٌ متفضّلٌ به، وهو يصلّي وهو إمام، وروى إسرائيل، عن منصور أنّه رأى على إبراهيم طيلسانًا مدبّجًا، وروى سفيان، عن شيخٍ من النّخَع قال: رأيتُ إبراهيم يفتتح الصلاة في الشتاء في كسائه.
وقال شعبة: أَمّنا الحكم في قميص، قلنا: الكبر يحملك على هذا؟ قال: إذا كان صفيقًا فليس به بأس، كان إبراهيم يؤمّنا في قميص وملحفة، وعن أبي قيس عبد الرحمن بن ثَرْوان الأوْدي قال: سألتُ علقمة، وإبراهيم عنده كأنّه حَزَوّرٌ، وكان إبراهيم إذا أخذ النّاس منامهم لبس حُلّة طرائف وتطيّب ثم لا يبرح مسجده حتى يُصْبح أو ما شاء الله من ذلك، فإذا أصبح نزع تلك ولبس غيرها، وعن أبي الهَيْثَم قال: أوصى إليّ إبراهيم، وكان لامرأته الأولى عنده شيء، فأمرني أن أعطيه وَرَثَتَها، فقلت له: ألم تُخبرني أنّها وهبته لك؟ قال: إنّها وهبته لي وهي مريضة، فأمرني أن أدفعه إلى ورثتها فدفعته إليهم، وروى ميمون بن مِهْران قال: لقيتُ إبراهيم فقلُت: ما هذا المراء الذي بلغني عنك، وقال الأعمش: قلتُ لإبراهيم: آتيك فأعرض عليك؟ قال: إنّي لأكره أن أقول لشيء كذا وهو كذا.
وكان إبراهيم وعطاء لا يتكلّمان حتى يُسْألا، وعن أبي المِنْجاب البصري أنّ رجلًا كان يأتي إبراهيم النّخَعي فيتعلّم منه فيسمع قومًا يذكرون أمر عليّ وعثمان فقال: أنا أتعلّم من هذا الرجل وأرى الناس مختلفين في أمر عليّ وعثمان، فسأل إبراهيم النّخَعي عن ذلك فقال: ما أنا بِسَبَئِيٍّ ولا مُرِجئ، وقال رجل لإبراهيم: عليّ أحبّ إليّ من أبي بكر وعمر، فقال له إبراهيم: أما إنّ عليًّا لو سمع كلامك لأوجع ظهرك، إذا كنتم تُجالسوننا بهذا فلا تُجالسونا، وقال إبراهيم: عليّ أحَبّ إليّ من عثمان، ولأنْ أخِرّ من السماء أحبّ إليّ من أن أتناول عثمان بسوء، وروى الأعمش، عن إبراهيم قال: كان إذا قام سلّم، فإن سألناه عن شيء أعاد السلامَ فيختم به، وقالت هُنيْدة امرأة إبراهيم أنّ إبراهيم كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، وروى أبو مسكين قال: كان إبراهيم يُعْجِبُه أن يكون في بيته تمر، فإذا دخل عليه داخل ولم يكن عنده شيء قال: قَرّبوا لنا تمرًا، وإن جاء سائل أعطاه تمرًا.
وروى الحسن بن عمرو أنّ إبراهيم كان يجلس عن العيدين والجمعة وهو خائف، وقال فُضيل: استأذنتُ لحمّاد على إبراهيم وهو مُسْتَخْفٍ في بيْتِ أبي مَعْشَر، وروى حَكيم بن جُبير، عن إبراهيم قال: ما بها عريف إلا كافر، وروى ابن عون قال: كنّا عند إبراهيم فجاء رجل فقال: يا أبا عمران ادْعُ الله أن يشفيني، فرأيتُ أنّه كرهه كراهيةً شديدة حتى رأيتُنا عرفنا كراهية ذلك في وجهه، أو حتى عرفتُ كراهية ذلك في وجهه، ثمّ قال: جاء رجل إلى حُذيفة فقال ادْعُ الله أن يغفر لي، قال: لا غفر الله لك، قال: فتنحَى الرجل ناحية فجلس، فلمّا كان بعد ذلك، قال: أدخلك الله مدخل حُذيفة، أقد رضيت الآن؟ قال: ويأتي أحدكم الرجلَ كأنّه قد أحصى شأنه، كأنّه كأنّه، فذكر إبراهيم السنّة فرَغّبَ فيها وذكر ما أحدث الناسُ فكرهه وقال فيه، وروى ابن عون قال: كان إبراهيم يأتي السلطان فيسألهم الجوائز، وروى منصور وإبراهيم بن مهاجر أو أحدهما أنّ إبراهيم خرج إلى ابن الأشتر فأجازه فقبل، وروى العلاء بن زُهير الأزدي قال: قدم إبراهيم على أبي وهو على حُلْوان فحمله على برذون وكساه أثوابًا وأعطاه ألف درهم فقبله.
وروى الأعمش قال: أهدى نُعيم بن أبي هند إلى إبراهيم دَنـًّا من طِلاء فقبله فوجده شديد الحلاوة فطبخه وجعله نبيذًا، وقال: ما رأيتُ إبراهيم يحسّن صوته ولا يرجّع، وكان إذا أراد أن يضرب خادمه قال: احمد الله لأضربنك، فيدعو بالسوط ثمّ يقول: ابْسُط، فيضربه ضربة كذاك، وروى فُضيل بن عمرو، عن إبراهيم قال: كانوا يقولون إذا بلغ الرجل أربعين سنة على خُلْق لم يتغيْر عنه حتى يموت، وكان يقال لصاحب الأربعين احتفظْ بنفسك.
وروى الحسن بن عمرو أنّ فَرْقَدًا السّبَخي أبصر عند إبراهيم رجلًا قد حلّ زِرّه ورجلًا مضفورًا شعره فقال فرقد: يا أبا عمران ألا تَنْهى هذا عن حل أزراره وهذا عن ضَفْر شعره؟ فقال إبراهيم: ما أدري أجفاء بني أسد غلب عليك أو غِلَظ بني تميم، أمّا هذا فوجد الحرّ فحلّ زرّه وأمّا هذا فيُرْخي شعرَه إذا أراد أن يُصلّي إن شاء الله، وروى الحسن بن عمرو قال: قال فرقد: يا أبا عمران أصبحتُ وأنا مهتمّ لضريبتي وهي ستّة دراهم وقد هلّ الهلال وليست عندي فدعوتُ، فبينا أنا أمشي على شطّ الفُرات إذا أنا بسِتّة دراهم فأخذتها فوزنتها فإذا هي ستّة لا تزيد ولا تنقص، فقال: تصدّقْ بها فإنّها ليست لك، وروى فُضيل بن عمرو قال: قال إبراهيم كان يُكْرَه للرجل إذا رُزق في شيء أن يَرْغب عنه، وقال الأعمش: ربّما رأيتُ مع إبراهيم الشيء يحمله يقول: إني لأرجو فيه الأجر، يعني في حمله، وروى منصور، عن إبراهيم، ومجاهد أنّهما كرها الجَماجم.
وقال مغيرة: سمعتُ صوت جلاجل في بيت إبراهيم، وكان إبراهيم يُسْأل كيف أصبحتَ أو أصبحتم؟ قال: {بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ}[سورة آل عمران: 171]، وقال إبراهيم: ما قرأتُ هذه الآية قطّ إلاّ ذكرتُ الماء البارد: {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ}[سورة سـبأ: 54] وقال الأعمش: ربّما رأيتُ إبراهيم يصلّي ثمّ يأتينا فيمكث ساعةً من النهار كأنّه مريض، وروى أبو مَعْشَر، عن إبراهيم قال: لو كنتُ مُسْتحِلاًّ قتالَ أحَدٍ من أهل القبلة لاستحللتُ قتالَ هؤلاء الخَشَبيّة، وقال رأيتُ إبراهيم يوم الجمعة مُعْرِضًا عن الإمام، قال: وكان إذا لم يسمع الخطبة سبّح، وروى حمّاد بن أبي سليمان أنّ النّخَعي مرّ بقوم فلم يسلّم عليهم، فأنكر القوم ذلك، فرجع عليهم، فقال بعضهم: يا أبا عمران مررتَ بنا ولم تسلمّ علينا، قال: إني رأيتكم مشاغيل فكرهتُ أن أُوثِمكم.
وقال منصور: ذكرتُ لإبراهيم لَعْنَ الحجّاج أو بعض الجبابرة فقال: أليس الله يقول: {أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ}[سورة هود:18]، وروى سُفيان، عن زيد شيخ يكون في محارب قال: سمعتُ إبراهيم يسبّ الحجّاج، وقال: كفى به عمًى أن يعمى الرجلُ عن أمر الحجّاج، وقال الشيباني: ذُكر أنّ إبراهيم التيمي بُعث إلى الخوارج يدعوهم، فقال له إبراهيم النخعي: إلى من تدعوهم؟ إلى الحجّاج؟ وروى أبو حنيفة، عن حمّاد قال: بشّرتُ إبراهيم بموت الحجّاج فسجد، وقال حمّاد: ما كنتُ أرى أنّ أحدًا يبكي من الفرح حتى رأيتُ إبراهيم يبكي من الفرح.
وقال العوّام بن حَوْشَب: كان مكتب إبراهيم براذان، وكان على تلك الناحية أَبِي حَوْشَب بن يزيد الشيباني، قال فاستأذنه الجندُ إلى عيالهم فأذن لهم وأجلهم أجلًا وقال: من غاب أكثر من الأجل ضربتُه لكلّ يوم سوطًا، قال: فقلتُ لإبراهيم: أقِمْ أنت ما شئتً فليس عليك مكروهٌ، فأقام بعد الأجل عشرين يومًا، وعرض أبي الناسَ وقد وقّع على اسم كلّ رجل منهم ما غاب فجعل يضربهم حتى دعا إبراهيم فإذا هو قد غاب عشرين يومًا بعد الأجل، فأمر به، فقمنا إليه ونحن عشرة إخوة، فقال لنا: من كانت أمّه حُرّة فهي طالق ومن كانت أمّه أمة فهي حرّة إن لم تجلسوا وَلا تكلّموا حتى أُنْفِذ فيه أمري كما أنفذتُه في غيره، فجلسنا حتى ضربه عشرين سوطًا.
وروى وكيع بن الجرّاح، عن مُحِلّ قال: رأيتُ إبراهيم يصلّي في مُسْتَقة لا يُخْرج يديه، وقال محمّد بن سيرين يومًا: إني لأحسب إبراهيم الذي تذكرون فتًى كان يجالسنا فيما أعلم عند مسروق كأنّه ليس معنا وهو معنا، وقال ابن عون: وصفتُ إبراهيم لمحمد بن سيرين فقال: لعلّه ذلك الفتى الأعور الذي كان يجالسنا عند علقمة هو في القوم كأنّه ليس فيهم، وقال إبراهيم: ما كتبتُ شيئًا قطّ، وقال منصور: لأن أكون كتبتُ أحبّ إليّ من كذا وكذا، وقال عبد الملك بن أبي سليمان: رأيتُ سعيد بن جُبير يُسْتَفْتى فيقول: أتسْتفتوني وفيكم إبراهيم، وروى سفيان، عن أبيه قال: ربّما سمعتُ إبراهيم يعجب يقول: احْتِيجَ إليّ احْتِيجَ إليّ! وروى الأعمش قال: كنّا نأتي شَقيقًا ونأتي ذا ونأتي ذا ولا نرى أنّ عند إبراهيم شيئًا.
وقال الأعمش: ما ذكرتُ لإبراهيم حديثًا قطّ إلاّ زادني فيه، وقال زُبيد: ما سألتُ إبراهيم عن شيء قطّ إلا عرفتُ فيه الكراهية، وقال مُغيرة: كنّا نهاب إبراهيم هيبة الأمير، وروى مالك بن مِغْوَل، عن طلحة قال: ما بالكوفة أعجب إليّ من إبراهيم وخَيْثَمَة، وقال فُضيل: قلتُ لإبراهيم إني أجيئك وقد جمعتُ مسائل فكأنمّا تخلّسها الله منّي، وأراك تكره الكتاب، فقال: إنّه قلّ ما كتب إنسانٌ كتابًا إلاّ اتّكل عليه، وقلّ ما طلب إنسان علْمًا إلاّ آتاه الله منه ما يكفيه.
وروى أبو مَعْشَر، عن إبراهيم أنّه كان يدخل على بعض أزواج النبي صَلَّى الله عليه وسلم وهي عائشة فيرى عليهنّ ثيابًا حُمْرًا، فقال أيّوب لأبي معشر: وكيف كان يدخل عليهنّ؟ قال: كان يحجّ مع عمّه وخاله علقمة والأسود قبل أن يحتلم قال: وكان بينهم وبين عائشة إخاء وودّ، وعن زُبيد قال: سألتُ إبراهيم عن مسألة فقال: ما وجدتَ فيما بيني وبينك أحدًا تسأله غيري؟ وكان إبراهيم يحدّث بالحديث بالمعاني، وروى الحسن بن عبيد الله قال: قلتُ لإبراهيم ألا تحدّثنا؟ فقال: تريد أن أكون مثل فلان؟ ائتِ مسجد الحيّ فإن جاء إنسانٌ يسأل عن شيء فستسمعه، وروى الأعمش قال: قلتُ لإبراهيم: إذا حدّثتَني عن عبد الله فأسْنِدْ، قال: إذا قلتُ قال عبد الله فقد سمعتُه مِنْ غَيْرِ واحدٍ من أصحابه، وإذا قلتُ حدّثني فلان فحدّثني فلان.
وقال أبو هاشم: قلتُ لإبراهيم يا أبا عمران أما بلغك حديث عن النبيّ صَلَّى الله عليه وسلم تُحدّثنا؟ قال: بلى ولكن أقول قال عُمر، وقال عبد الله، وقال علقمة، وقال الأسود أجِدُ ذاك أهْوَنَ عليّ، وروى عبد الله بن عون قال: دخلتُ على إبراهيم قال: فدخل عليه حمّاد، قال: فجعل يسأله ومعه أطراف فقال: ما هذا؟ قال: إنّما هي أطراف، قال: ألم أنْهَكَ عن هذا؟ وروى عاصم قال: كان أبو وائل إذا جاءه إنسان يستفتيه قال له: اذهبْ فسلْ أبا رَزين ثمّ ائْتِني فأخبرْني ما ردّ عليك، وكان أبو رزين معه في الدار، وكان أيضًا إذا سُئل يقول: ائْتِ إبراهيم فسَلْه ثمّ ائْتِني فأخْبرْني ما قال لك.
وروى مغيرة، عن إبراهيم أنّه كره أن يستند إلى السارية، وقال أبو قيس: رأيتُ إبراهيم غُلامًا محلوقًا يُمْسِك لعلقمة بالركاب يوم الجمعة، وقال أبو بكر بن عيّاش: سألتُ الأعمش: كم كان يجتمع عند إبراهيم؟ قال: أربعة خمسة، قال أبو بكر: وما رأيتُ عند حبيب عشرة وما رأيت اثنين يسألانه، وقال الأعمش: قال لي خَيْثَمَة تذهبُ أنت وإبراهيم فتجلسون في المسجد الأعظم فيجلس إليكم العريف والشّرَطي، فذكرتُه لإبراهيم فقال: نجلس في المسجد فيجلس إلينا العَريف والشّرَطي أحبّ من أن نعتزل فيرمينا الناسُ برَأي يَهْوي، وروى الحسن بن عمرو قال: قال إبراهيم: ما خاصمتُ رجلًا قطّ، وقال ابن عون: جلستُ إلى إبراهيم النّخَعي فذكر المُرْجِئَة فقال فيهم قولًا غيره أحسنُ منه، وروى الحارث العُكْلي، عن إبراهيم قال: إيّاكم وأهلَ هذا الرأي المُحْدَث ــ يعني المُرْجئة ــ وروى مُحِل يروي عن إبراهيم قال: الإرْجاء بِدْعة، وقال مُحِلّ: كان رجل يجالس إبراهيم يقال له: محمد، فبلغ إبراهيم أنّه يتكلّم في الإرجاء فقال له إبراهيم: لا تجالسنا.
وروى مسلم الأعور، عن إبراهيم قال: تركوا هذا الدّين أرقّ من الثوب السابري، وقال مُحِلّ: قلتُ لإبراهيم إنّهم يقولون لنا مؤمنون أنتم؟ قال: إذا سألوكم فقولوا: {آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ}[سورة البقرة: 136] إلى آخر الآية، وروى حكيم بن جبير، عن إبراهيم قال: لأنا على هذه الأمّة من المرجئة أخْوَفُ عليهم من عُدّتهم من الأزارقة، وروى غالب أبو الهُذيل أنّه كان عند إبراهيم فدخل عليه قوم من المُرْجئة، قال: فكلّموه فغضب، وقال: إن كان هذا كلامكم فلا تدخلوا عليّ، وروى أبو حمزة، عن إبراهيم قال: لو أنّ أصحاب محمّد صَلَّى الله عليه وسلم لم يمسحوا إلاّ على ظُفُر ما غسلتُه التماس الفضل، وحسبنا من إزراء على قوم أن نسأل عن فقههم ونخالف أمرَهم، وقال الأعمش: ذُكر عند إبراهيم المرجئةُ فقال: والله إنّهم أبغض إليّ من أهل الكتاب.
وروى مُغيرة عن إبراهيم قال: من رغب عن المسح فقد رغب عن السّنّة ولا أعلم ذلك إلاّ من الشيطان، قال فُضيل: يعني تركه المسح، وروى مغيرة، عن إبراهيم قال: مَن رغب عن المسح فقد رغب عن سُنّة النبيّ صَلَّى الله عليه وسلم، وروى يحيَى بن سعيد قال: لم يكن إبراهيم مع ابن الأشعث، وروى أبي الهيثم قال: دخلتُ على إبراهيم وهو مريض فبكى فقلت: ما يُبكيك يا أبا عمران؟ فقال: ما أبكي جَزَعًا على الدنيا ولكن ابنتيّ هاتين، قال: فجئتُ من الغد فإذا هو قد مات، وإذا امرأته قد أخرجته من البيت إلى الصّفّة وهي تبكيه، وروى ابن عون قال: لمّا توفي إبراهيم أتينا منزله فقلنا: بأيّ شيء أوْصى؟ قالوا: أوصى أن لا تجعلوا في قبري لَبِنًا عَرْزَميًّا والحدوا لي لحدًا ولا تُتْبِعوني بنار، وروى أبو الهيثم، عن إبراهيم أنّه أوصى قال: إذا كنتم أربعة فلا تُؤذِنُوا بي أحدًا، وروى ابن عون قال: دفنّا إبراهيم ليلًا ونحن خائفون، وعنه قال: أتيتُ الشعبيّ بعد موت إبراهيم فقال لي: أكنتَ فيمن شهد دفنَ إبراهيم؟ فالتويتُ عليه فقال: واللهِ ما ترك بعده مثله، قلتُ: بالكوفة؟ قال: لا بالكوفة ولا بالبصرة ولا بالشأم ولا بكذا ولا بكذا، زاد محمّد بن عبد الله: ولا بالحجاز، وقال ابن أبْجَر: أخبرتُ الشعبيّ بموت إبراهيم فقال: احمد الله أما إنّه لم يخلّف خلفه مثله، قال: وهو ميّتًا أفْقَهُ منه حيًّا.
وقال أحمد بن عبد الله بن يونس: سمعتُ أبا بكر بن عيّاش يقول: أتى على إبراهيم النخعي نحو الخمسين، وقال محمّد بن سعد: وقال غيره: وأجمعوا على أنّه توفّي في سنة ستٍّ وتسعين في خلافة الوليد بن عبد الملك بالكوفة، وهو ابن تسعٍ وأربعين سنة لم يستكمل الخمسين، وكان يحيَى بن سعيد القطّان يقول: مات إبراهيم وهو ابن نيّفٍ وخمسين سنة، وقال أبو نُعيم: سألتُ ابن بنت إبراهيم عن موته فقال: بعد الحجّاج بأشهر أربعة أو خمسة، قال أبو نُعيم: كأنّه مات أوّل سنة ستٍّ وتسعين.

فَضَائِلُ أَمْ الْمُؤْمِنِينَ خديجة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

 وبعد:



فهذه مقتطفات من سيرة أم المؤمنين زوجة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،

 ولدت قبل عام الفيل بخمس عشرة سنة، وكانت من أوسط قريش نسباً، وأعظمهم شرفاً،

 حتى إذا بلغت عُرفت بالطاهرة لتركها ما كانت تفعله نساء الجاهلية، وكانت تاجرة ذات شرف ومال،

 وقد تزوجها النبي - صلى الله عليه وسلم - وعمرها أربعون سنة، وسنه خمس وعشرون سنة،

 ولم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت لفضلها ومكانتها عنده فإنها كانت نعم القرين،

 وقد ولدت له القاسم وبه كان يُكنى ثم زينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة، وعبد الله، وكان يُلقب بالطيب والطاهر،

 ومات بنوه كلهم في صغرهم، أما البنات فأدركن الإسلام فأسلمن، وهاجرن، إلا أن الوفاة أدركتهن

 في حياته سوى فاطمة، فقد ماتت بعده بأشهر، وهي أول من آمن به وصدقه قبل كل أحد،

وثبَّتت جأشه، ومضت به إلى ابن عمها ورقة، وقد أمره الله أن يبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب.



إنها أم المؤمنين خديجة بنت خويلد بن أسد القرشية الأسدية، وهي من أفضل نساء الأمة،

 قال الذهبي- رحمه الله -: "كانت عاقلة جليلة دينة مصونة كريمة من أهل الجنة، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم -

 يُثني عليها ويفضلها على سائر أمهات المؤمنين، ويبالغ في تعظيمها،

حتى إن عائشة كانت تقول: "ما غرت من امرأة ما غرت من خديجة من كثرة ذكر - النبي - صلى الله عليه وسلم - لها" [1].

روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: أَتَى جِبرِيلُ النبي - صلى الله عليه وسلم -

 فَقَالَ: "يَا رَسُول الله: هَذِهِ خديجة قَدْ أَتَتْ، مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ،

 فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا، وَمِنِّي، وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ" [2].

 والقصب: لؤلؤ مجوف واسع كالقصر المنيف، والصخب: اختلاط الأصوات، والنصب: التعب.




قال السهيلي:

"وإنما بشرها ببيت في الجنة من قصب - يعني قصب اللؤلؤ - لأنها حازت قصب السبق إلى الإيمان،

لا صخب فيه ولا نصب؛ لأنها لم ترفع صوتها على النبي - صلى الله عليه وسلم -

ولم تتعبه يوماً من الدهر، فلم تصخب عليه يوماً ولا آذته أبداً" [3].




قال ابن إسحاق:

"تتابعت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المصائب بهلاك أبي طالب وخديجة،

وكانت خديجة وزيرة صدق، أبوها يجتمع مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في جده الرابع قُصي بن كلاب،

 وأمها تجتمع مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في جده الثامن لؤي بن غالب، وكانت ذات مال،

 فعرضت على النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يخرج في مالها إلى الشام، فخرج مع مولاها ميسرة،

 فلما قدم باعت خديجة ما جاء به فأضعف، فرغبت فيه، فعرضت نفسها عليه، فتزوجها وأصدقها عشرين بكرة" [4] [5].

ومن مواقفها العظيمة - رضي الله عنهما -: ما رواه البخاري في صحيحه من حديث عائشة- رضي الله عنهما -

 قالت: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ،

فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ،.... ثم قال في آخر الحديث: فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -

يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخَلَ عَلَى خديجة بِنْتِ خُوَيْلِدٍ فَقَالَ: "زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي"، فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ،

 فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ: "لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي" فَقَالَتْ: كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا،

 إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ،

 فَانْطَلَقَتْ بِهِ خديجة حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ،

 وَكَانَ امْرَأً قَدْ تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِيَّ فَيَكْتُبُ مِنَ الْإِنْجِيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ

مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: يَا ابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ،

 فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - خَبَرَ مَا رَأَى،

 فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللهُ عَلَى مُوسَى، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ،

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟"، قَالَ: نَعَمْ لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ،

وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا، ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ وَفَتَرَ الْوَحْيُ [6].



ومن مواقفها العظيمة أنها شاركت النبي - صلى الله عليه وسلم - في السراء والضراء،

 ودخلت معه في حصار الشِّعب الذين اشتد عليهم فيه الجوع والعطش حتى ذكر بعض أهل العلم أنهم أكلوا

 أوراق الشجر، وفي السنة التي خرجوا فيها من الشِّعب توفيت خديجة.

وكانت- رضي الله عنهما - من أفضل نساء الأمة، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما

من حديث عبدالله بن جعفر- رضي الله عنه - قال: سمعت علياً بالكوفة وهو يقول:

 سمعت رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم  - يقول: " خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ وَخَيْرُ نِسَائِهَا خديجة " [7].

ومن حب النبي - صلى الله عليه وسلم - لخديجة ووفائه لها، ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما

من حديث عائشة- رضي الله عنهما - قالت: مَا غِرْتُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَاءِ النبي - صلى الله عليه وسلم -

 مَا غِرْتُ عَلَى خديجة وَمَا رَأَيْتُهَا، وَلَكِنْ كَانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - يُكْثِرُ ذِكْرَهَا،

 وَرُبَّمَا ذَبَحَ الشَّاةَ ثُمَّ يُقَطِّعُهَا أَعْضَاءً، ثُمَّ يَبْعَثُهَا فِي صَدَائِقِ خَدِيجَةَ، فَرُبَّمَا قُلْتُ لَهُ:

 كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الدُّنْيَا امْرَأَةٌ إِلَّا خديجة، فَيَقُولُ: "إِنَّهَا كَانَتْ وَكَانَتْ وَكَانَ لِي مِنْهَا وَلَدٌ" [8].

وفي رواية في الصحيح: "إِنِّي قَدْ رُزِقْتُ حُبَّهَا" [9].



وفي الصحيحين من حديث عائشة- رضي الله عنهما - قالت: اسْتَأْذَنَتْ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ أُخْتُ خديجة

عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَعَرَفَ اسْتِئْذَانَ خديجة فَارْتَاعَ، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ هَالَةَ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ"،

 فَغِرْتُ فَقُلْتُ: مَا تَذْكُرُ مِنْ عَجُوزٍ مِنْ عَجَائِزِ قُرَيْشٍ حَمْرَاءَ الشِّدْقَيْنِ [10]، هَلَكَتْ فِي الدَّهْرِ،

فأَبْدَلَكَ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا [11]. وفي رواية: "مَا أَبدَلَنِي اللَّهُ خَيراً مِنهَا، قَد آمَنَت بِي إِذ كَفَرَ بِي النَّاسُ،

وَصَدَّقَتنِي إِذ كَذَّبَنِي النَّاسُ، وَوَاسَتنِي بِمَالِهَا إِذ حَرَمَنِي النَّاسُ، وَرَزَقَنِي اللَّهُ وَلَدَهَا إِذ حَرَمَنِي أَولَادُ النِّسَاءِ" [12].

وكانت وفاتها بعد بعثة النبي - صلى اللَّهُ عليه وسلم - بعشر سنين في شهر رمضان، وقيل: بثمان،

 وقيل: بسبع، فأقامت معه خمساً وعشرين سنة، ودُفنت بالحجون [13]، ويُذكر بالسير عام الحزن،

 لشدة حزن النبي - صلى اللَّهُ عليه وسلم -

على فراق زوجته الوفية خديجة، رضي الله عن أم المؤمنين خديجة، وجزاها عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.


والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.




[1] سير أعلام النبلاء (2/110).

[2] برقم 3820 وصحيح مسلم برقم 2432.

[3] البداية والنهاية لابن كثير (4/317).

[4] الفتي من الإبل، والأنثى يطلق عليها بكرة.

[5] سيرة ابن هشام (1/236)، (2/26) بتصرف.

[6] برقم 3 وصحيح مسلم برقم 160.

[7] برقم 3432 وصحيح مسلم برقم 2430.

[8] برقم 3818 وصحيح مسلم برقم 2434 بقطعة ليست هنا.

[9] صحيح مسلم برقم 2435.

[10] حمراء الشدقين: قال السندي: حمراء الشدق: أي سقطت أسنانها لكبر سنها حتى ظهرت

 الحمرة في شدقها، وهذا كناية عن كونها عجوزة نقلًا عن مسند الإمام أحمد (41/358).

[11] صحيح البخاري برقم 3821 وصحيح مسلم برقم 2437.

[12] مسند الإمام أحمد (41/356) برقم 24864 وقال محققوه حديث صحيح.

[13] الحجون: جبل بأعلى مكة عنده مدافن أهلها. معجم البلدان (5/123).

العلّامة الشيخ سي عطية مسعودي مفتي اولاد نايل

هو الشيخ الكامل و الإمام العارف الفاضل عطية ابن مصطفى مسعودي الإدريسي الحسني ( نسبة إلى إدريس الأكبر و إلي الحسن السبط ) ابن على بن أبي طالب كرم الله وجهه و هو من قبيلة أولاد نائل .

ولد بالبادية قرب زاوية الجلالية على مشارف مدينة الجلفة سنة 1900 م ، من أسرة كريمة عريقة في المجد، و نشأ نشأة صالحة في عائلته بين أبيه و إخوته.

ختم القرآن الكريم و حفظه و عمره لا يتجاوز تسع سنوات على يد أخيه الأكبر العلامة سي الهادي، أستاذ الزاوية المذكورة، وأخذ عنه بعض المبادئ في العلوم الدينية ثم إنتقل إلىزاوية الشيخ عبد القادر بن مصطفى طاهري مؤسس زاوية الزنينة (الإدريسية حاليا) و درس عنده علم التوحيد و الفقه .



اتصل به الشيخ نعيم النعيمي و لزمه سبع سنوات كانت كلها دراسة و بحثا في علوم الشريعة الإسلامية و قد كانت فترة ذهبية للتزود بالمعرفة .

سياحنه

دفعته رغبته في طلب العلم إلى السفر إلى مختلف جهات القطر الجزائري حيث درس في زوايا بلاد القبائل وقرر الذهاب إلى جامع الزيتونة بيد أن ظروف الحرب منعته من ذلك .

ثم عاد إلى العاصمة و درس عند العلامة عبد الحليم بن سماية مفتي العاصمة في العشرينيات ( أحد تلاميذ الشيخ محمد عبده) الذي كان يتجوّل يوميا بين أحياء العاصمة ممتطيا فرسه لإلقاء دروس في فنون مختلفة على الطلاب في مساجد العاصمة، فكان الشيخ عطية مسعودي من بين أولائك الطلبة الذين يحضرون تلك الدروس.

مكث أكثر من سبع سنوات عند عائلة سيدي محي الدين أولاد الباي حيث كان يذكرها دائما بكرم الضيافة و حسن الرعاية ، و انتقل إلى زاوية الشيخ عبد القادر الحمامي و درس بها . و اجتمع بالعالم الأصولي الشيخ بن اشيط

أثناء رجوعه إلى مدينة الجلفة توقف بالبليدة ليحضر دروس الشيخ الفقيه سيدي محمد بن جلول حيث تعلم منه الكثير .



تولّى التدريس بالمدرسة الحرة الوحيدة بمدينة الجلفة التابعة لجمعية العلماء المسلمين بتاريخ افتتاحها سنة 1943م، و حضر له بعض الدروس الشيخ عبد الحميد ابن باديس، و قد أُعجب الشيخ الإمام أيّما إعجاب بأدب و ذكاء أستاذنا حيث التمس منه أن يقترح له عنوان المحاضرة التي يريد إلقاءها على مسامع الجمهور الحاضر ، فاقترح أستاذنا على الشيخ الإمام قول الله تبارك و تعالى "واعتصموا بحبل الله جميعا و لا تفرّقوا" فقال له الشيخ بن باديس : بورك في اختيارك لهذه الآية الكريمة.

عين إمام خطيبا بالمسجد الكبير بالجلفة و أسند له بعض المجاهدين في جيش التحرير الإفتاء و القضاء بين الناس في تلك الفترة ( إبان الثورة التحريرية ) و استمر في القضاء حتى الفترة الانتقالية لتشكيلة الحكومة .

مراسلاته

كانت له اتصالات و مراسلات مستمرة مع شيوخ الزوايا و العلماء منهم من لحق بالرفيق الأعلى و منهم من ينعم بالصحة و هؤلاء منهم :الشيخ سيدي المختار بن علي حسني بوشندوقة الحمدي الذي كان قاضيا بمدينة البيض، و الشيخ بلكبير بأدرار و الشيخ بيوض ( شيخ المذهب الإباضي ) و الشيخ عبد القادر عثماني بزاوية طولقة و شيخ زاوية الهامل و الشيخ الطاهر العبيدي (الذي أجاز الشيخ سي عطية لما زار مدينة الجلفة) و شيوخ الزاوية التيجانية و الشيخ الصالح ابن عتيق و ابن أشبط و الشيخ الرابحي مفتي مدينة البليدة و الشيخ الزبير بالبليدة أيضا و الشيخ سي أحمد الخطابي و بعض علماء باكستان و الأزهر الشريف و العراق .

وقد استشهد به الشيخ محمد الغزالي رحمه الله في عدة محاضرات .

توفي أسبغ الله عليه رضاه يوم الأربعاء بعد صلاة الفجر لسنة 1989 م يوم 27 من شهر سبتمبر ، و ترك وراءه مكتبته الخاصة و التي تحتوي أكثر من ألف عنوان، ومن عينات شعره ديوانه قصيدة "الأخبار المذاعة في أشراط الساعة" و كذا "القصيدة المزدوجة" في علم الكلام أي فن التوحيد، و قصيدة "نصيحة الشباب و حلية الآداب " التي تحوي نصائح عالية و توجيهات غالية... وبعض المؤلفات التي ستطبع مستقبلا منها : - باقات من الشعر - مجموعة أحاديث نبوية و بعض المخطوطات - فتاوى شرعية في فقه المالكية 

الشيخ العلامة محمد بن عبدالعزيز بن سليمان آل ناصر العجاجي (الحميدي)

الشيخ العلامة محمد بن عبدالعزيز بن سليمان آل ناصر العجاجي (الحميدي)

 صورة

هو أبو عبدالله، محمد بن عبدالعزيز بن سليمان بن ناصر بن سليمان العجاجي. ولد في بريدة بالقصيم عام 1309هـ، ويذكر الشيخ عبدالله بن محمد العجاجي أن والده ولد عام 1312هـ، وأخواله من أسرة آل عرفج ببريدة، وهم من آل أبو عليّان، من بني تميم.

وقد درس القرآن الكريم وتعلم مبادئ الكتابة والقراءة، ثم شرع في طلب العلم بجد ونشاط، فحفظ مختصر المقنع، وألفية ابن مالك، وكتاب التوحيد، كما جلس لتتلمذ فأخذ عن مشايخ بريدة: الشيخ عبدالله بن محمد بن سليم، وأخيه الشيخ عمر بن محمد بن سليم. ويعد الشيخ محمد من الطبقة الأولى من تلامذة هذين الشيخين، وكانوا يقدمونه ويحترمونه، وقد أدرك قدراً كبيراً من العلم في شبيبته، وفاق أقرانه، ولذا حاز في مطلع عمره الإكرام والتقدير من مشايخه وزملائه، وصاروا يرجعون إليه فيما يشكل عليهم.

وكان –رحمه الله- ربعة أبيض اللون مشرباً بحمره، كث اللحية، ويعلو وجهه البهاء والنور وله سمت حسن، وسيرته حسنة، ومعاملته جميلة لمحاسن أخلاقه ولين عريكته، أضف إلى ذلك عقلاً وأدباً. قال الشيخ ابن عبيد " كان مقبولا عند الناس، وألفه طلاب العلم وأهل الدين، وفاق الأقران، وسبق أبناء الزمان، وأقر بفضله القاصي والدان،....، وكان محبوباً عند الناس يألفونه ويعظمونه ومن أسرة كبيرة في القصيم"، وكان يلقب بالحميدي تحبباً، ومن زملاءه عبدالرحمن بن عبيد.

   ولـمّا رأى آل سليم عقله وعلمه ووقاره أشاروا على الملك عبدالعزيز أن يستفاد من علمه، فبعثه معلما ومرشداً عند زعيم قبيلة مطير فيصل الدويشفي بلدة الأرطاوية، فأدّى واجبه فيها، وكان يتناوب السفر هو والشيخ عمر آل سليم إلى الأرطاوية موطن الأمير فيصل الدويش برغبة وتكليف من الملك عبدالعزيز رحمه الله، فكان – رحمه الله - يقضي ويدرس في الأرطاوية التي كانت تضم الآلاف من قبيلة مطير إبان ازدهارها بهم، وقد رافق فيصل الدويش إلى المدينة المنورة عندما حاصرت الجيوش السعودية جيش الترك هناك حتى استولى الملك عبدالعزيز عليها، ومن قصصه في الأرطاوية ما رواه ابن عبيد: "حكم الشيخ محمد بن عبدالعزيز العجاجي على رجل من قبيلة مطير شج رأس رجل من قبيلة حرب موضحة بخمس من الإبل، فجعل الدويش يتغطرس ويستهزئ بقوله إذاً فليشجه ثانية وثالثة حتى يكون له ذود يا حرب!". ثم طلب منه الملك عبدالعزيز –رحمه الله- أن يتولى القضاء في الحجاز، فاعتذر تورعاً، وطلب منه أن يعفيه من القضاء، فاستجاب الملك لذلك.

وقد جلس –رحمه الله- للتدريس والإفتاء، فأخذ عنه كثير من زملائه وأقرانه وعدد كبير من طلبة العلم في بريدة، ومنهم: الشيخ عبدالمحسن بن عبيد، والشيخ علي بن عبدالعزيز العجاجي، والشيخ صالح بن عبدالعزيز العجاجي، والشيخ عثمان بن أحمد بن بشر، والشيخ وايل الطريقي، كما أن له طلبة وتلاميذ كثيرون في الأرطاوية، رغم أنه توفي – رحمه الله - وله من العمر خمس وثلاثون سنة.

يقول بعض معاصري الشيخ محمد العجاجي، ومنهم الشيخ صالح بن عبدالعزيز العثيمين، والشيخ صالح العمري عن علمه ومكانته: "إنه من الطبقة الأولى من تلاميذ الشيخين عبدالله بن سليم وعمر بن سليم، وهو أشهر تلامذتهما في وقته، وصار من العلماء الكبار ، فكان يرجع إليه أقرانه ومن يكبره سنا. ومن مكانته عند الشيخ عمر بن سليم أنه ينيبه بالقيام بالتدريس عنه إذا سافر، ولا يتخلف من الطلاب أحد لما يرون عنده من الفائدة" .

وقد تولى الشيخ محمد إمامة الناس في مسجد المشيقح القديم في بريدة فترة من الزمن. وكان –رحمه الله- يملك عدداً من المخطوطات، منها: مخطوطة موجودة في مكتبة بريدة العامة: وهي بعنوان " المنتفي في الأحكام الشرعية" في الحديث، ملكها بالشراء الشرعي الشيخ محمد بن عبدالعزيز العجاجي عام 1340هـ، من صالح بن عبدالله الزغيبي.

تزوج الشيخ محمد العجاجي لطيفة الجربوع (من سنجارة، من شمّر، من طيء)، وترك من الأولاد الشيخ عبدالله، والشيخ عبدالرحمن، وابنتين هما: حصة ونورة. وقد أصيب الشيخ بداء السل، ولازمه طويلاً، مع ألم أثر في أصبع يده من آثار لدغة حية حتى سقط أصبعه –عوضه الله خيراً- حتى توفي – رحمه الله - في 13/10/1344هـ.

وقد حزن الناس لوفاته، وفجعت الأمة بموته، ورثاه العلماء وأهل العلم والأعيان، وكان شيخاه الشيخ عبدالله بن محمد بن سليم، والشيخ عمر بن سليم أشد الناس حزناً عليه حتى من والده وإخوانه.

وممن رثوه صديقه وزميله الشيخ عثمان بن بشر حفيد المؤرخ المشهور بقصيدة تنبئ عن التألم على صديقه والحزن عليه، ونوردها رغم ما فيها من كسور وضرورات شعرية أثرت على جودة القصيدة:



إلى الله أشكو وأبتهل بدعائيا         وأطلب رب العرش يحسن عزائيا

لقد جاءنا خطب ملم وفادح              ورزء كبير من عظيم الدواهيــا

أتاني كتاب من حبيب ومشفق            يعزي بموت الحبيب المصافيا

وأعني به الشيخ الحميدي أخا الحجا      تقياً نقياً طاهر العرض زاكيا

أديباً أريباً خائفأ متواضعاً                   فمن مثله فينا وأين المساويا

يحب ذوي التقى ويبغض ذا الردى         لقد كان كهفاً للهداية داعيا

يقضي بتدريس العلوم نهاره            وبالليل في بحث الفنون مساميا

لقد كان للإخوان ركناً وموئلاً        وغيظاً لأهل الزيغ من كل طاغيا

سقى قبره مولاي وابل رحمة              وهتان عفو مع رضا متواليا

وأسكنه في جنة الخلد منزلاً           وبوأه في الفردوس ما كان عاليا

واحسرتي والوعتي وامصيبتي         على فقد أهل العلم من كل هاديا

فموت رعاة الشرع في الدين ثلمة              ونقص على كل البرية آتيـا

على العلم فليبكي ذوو الدين والهدى    فلا رغبة في حضرها والبواديا

فحق لعيني أن تريق دموعها          على السادة الأمجاد أهل المعاليا

لقد قل أهل العلم في كل بلدة            وقل بها الطلاب والجهل فاشيا

وقد صار اقبال الورى واحتيالهم       على هذه االدنيا فيا عظم مابيا

ويا أيها الإخوان صبراً على الذي     يقدره الرحمن من كل ماضيا

فذي سنة المولى الكريم بخلقه     قضاءٌ من الرحمن والكل فانيا

فيا رب يا مولاي يا مالك الورى     ويا خير مرجوٍ لكشف الدواهيا

تمتعنا بأشياخنا أنجم الهدى          يفيدون أهل الجهل من كل غاويا

فولاهمُ ما كان في العيش لذة          ولم نعرف الحق ولا كيف نأتيا

ولولاهمُ في الأرض مادت بأهلها          ولكنهم كانوا لها كالرواسيا

ولولاهمُ كانت ظلاماً بأهلها                ولكنهم مثل النجوم الدراريا

ولولاهم ما كان في الأرض مسلم      فيا ويح من كان حيران ساهيا

فكم جاهل أحيوه بالعلم والهدى      وكم قمعوا من مشرك كان طاغيا

جزاهم إله الناس خيراً ورحمةً       وأسكنهم الفردوس أعلى العلاليا

ويارب وفق للسداد إمامنا                 إمام همام فائق الصيت عاليا

ويارب تبقيه على الدين والتقى       على سنة المعصوم أفضل هاديا

ينفذ أحكام الشريعة في الورى    ويحمي حمى الإسلام من كل باغيا

ويجمع شمل المسلمين بعدله          ويدأب في قمع الخبيث المعاديا

فإنك يا رب على الكل قادر                   وأمرك قهار لكل مناويا

واستغفر الله العظيم لزلتي               وذنبي وما يجني علي لسانيا

وصل على خير البرية أحمد             نبي الهدى من قام لله داعيا

وآل وأصحاب ومن كان تابعاً          طريقهم يا رب فاقبل دعائيا



رحم الله الشيخ محمد العجاجي وغفر له وأسكنه فسيح جناته.

زياد علي

زياد علي محمد