الاثنين، 2 سبتمبر 2019

عطـاء بـن أبي رباح..تلميذ بن عباس،، ومفتي الحرم

عطـاء بن أبي ربـاح


"ما رأيتُ أحدًا يريدُ بالعلمِ وجهَ اللهِ عز وجل غير هؤلاء الثلاثة: عطاءٌ... وطاووسٌ... ومُجاهدٌ"

[سَلَمةُ بن كُهيل]


ها نحن أولاءِ في العَشرِ الأخير من شهر||ذي الحِجة|| سنة سبع وتسعين للهجرة ... وهذا البيت العتيق يموج بالوافدين على الله من كل فج.

مشاةً ورُكبـانــًا

وشيوخـًا وشبانـًا، ورجالًا ونساءً.

فيهم الأسود والأبيض، والعربي والعجمي، والسيد والمسود...

لقد قدموا جميعًا على ملكِ الناسِ مخبتين مُلبين، راجين مؤملِين.

وهذا سليمان بن عبد الملك خليفة المسلمين، وأعظم ملوك الأرض يطوف بالبيت العتيق حاسر الرأسِ حافي القدمين ليس عليه إلا إزارٌ ورداءٌ...

شأنه في ذلك كشأن بقية رعاياه من إخوته في الله.

،‘‘،

وكان من خلفه ولداه.

وهما غلامان كطلعة البدرِ بهاءً ورُواءً، وكأكمام الورد نضارةً وطيبًا.

وما أنِ انتهى من طوافه حتى مال على رجلٍ من خاصته وقال:

أين صاحبكم؟

فقال: إنه هناك قائمٌ يصلي... وأشار إلى الناحية الغربية من المسجد الحرام.

فاتجه الخليفة ومن ورائه ولداه إلى حيثُ أُشير إليه ...

وهَمَّ رجال الحاشية بأن يتبعوا الخليفة لفسحوا له الطريق، ويدفعوا عنه أذى الزحام، فثَنَاهم عن ذلك وقال:

هذا مقامٌ يستوي فيه الملوك والسوقة... ولا يفضلُ فيه أحدٌ أحدًا إلا بالقبول والتقوى ... ورُب أشعث أغبر قدِم على الله فتقبله الله بما لم يتقبل به الملوك.




ثم مضى نحو الرجل فوجده ما يزال داخلًا في صلاته، غارقًا في ركوعه وسجوده.

والناس جلوسٌ وراءه، وعن يمينه وشماله ... فجلس حيث انتهى به المجلس ... وأجلس معه ولديه ...

وطفق الفتيان [القرشيان] يتأملان ذلك الرجل الذي قصده أمير المؤمنين، وجلس مع عامة الناس ينتظر فراغه من صلاته.

فإذا هو شيخٌ [حبشيٌ]، أسود البشرة، مفلفل الشعر، أفطس الأنف، إذا جلس بدا كالغراب الأسود.

ولما انتهى الرجل من صلاته؛ مال بشقه على الجهة التي فيها الخليفة فحياه سليمان بن عبد الملك فردّ التحية بمثلها.

وهنا أقبل عليه الخليفة، وجعل يسأله عن مناسك الحج منسكًا منسكًا وهو يفيض بالإجابة عن كل مسألة...

ويفصل القول فيها تفصيلًا لا يدعُ سبيلًا لمستزيد...

ويُسند كل قولٍ يقوله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

،‘‘،

ولما انتهى الخليفة من مساءلته جزاه خيرًا، وقال لولديه:

قوما، فقاما... ومضى الثلاثة نحو المسعى.

وفيما هم في طريقهم إلى السعي بين الصفا والمروة؛ سمع الفتَيَان المنادين ينادون: يا معشر المسلمين...

لا يفتي الناسَ في هذا المقام إلا [عطـاء بن أبي ربـاح]...

فإن لم يوجد فعبد الله بن أبي نَجيح.

فالتفت أحد الغلامين لأبيه وقال:

كيف يأمر عامل أمير المؤمنين الناس بألا يستفتوا أحدًا غير عطاء بن أبي رباح وصاحبه... ثم جئنا نحن نستفتي هذا الرجل الذي لم يأبه للخليفه، ولم يوفه حقه من التعظيم!!

فقال سليمان لولده:

هذا الذي رأيتَه يا بني ورأيت ذلنا بين يديه هو عطاء بن أبي رباح؛

صاحب الفتيا في المسجد الحرام، ووارث [عبد الله بن عباس] في هذا المنصب الكبير.

ثم أردف يقول: يا بني ... تعلموا العلم ... فبالعلم يشرُف الوضيع... وينْبُه الخامل... ويعلو الأرقاء على مراتب الملوك...




لم يكن سليمان بن عبد الملك مبالغًا فيما قاله لابنه في شأن العلم.

فقد كان عطاء بن أبي رباح في صغره عبدًا مملوكًا لامرأة من أهل مكة.

غير أن الله عز وجل أكرم الغلام الحبشي بأن وضع قدميه منذ نعومة أظفاره في طريق العلم، فقسّم أوقاته أقسامًا ثلاثة:

قسم جعله لسيدته؛ يخدمها فيه أحسن ما تكون الخدمة، ويؤدي لها حقوقها عليه أكمل ما تؤدَى الحقوق.

وقسم جعله لربه؛ يفرغ فيه لعبادته أصفى ما تكون العبادة وأخلصها لله تعالى.

وقسم جعله لطلب العلم؛ حيث أقبل على من بقي حيًا من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطفق ينهل من مناهلهم الصافية.

فأخذ عن أبي هريرة، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وغيرهم من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، حتى امتلأ صدره علمًا وفقهًا ورواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

،‘‘،

ولما رأت السيدة المكية أن غلامها قد باع نفسه لله... ووقف حياته على طلب العلم... تخلت عن حقها فيه وأعتقت رقبته تقربا لله عز وجل؛ لعل الله ينفه به الإسلام والمسلمين.

ومنذ ذلك اليوم اتخذ عطاء بن أبي رباح البيت الحرام مقاما له... فجعله داره التي يأوي إليها ... ومدرسته التي يتعلم فيها... ومصلاه الذي يتقرب فيه لله بالتقوى والطاعة.

حتى قال المؤرخون: كان المسجد فراش عطاء بن أبي رباح نحوًا من عشرين عامًا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

زياد علي

زياد علي محمد