الاثنين، 2 سبتمبر 2019

أبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه

إِنَّ الْحَمْدَ للهِ ، نَحْمَدُهُ ، وَنَسْتَعِيْنُهُ ، وَنَسْتَغْفِرُهُ ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا ، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا .مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ .وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم ،

أَمَّا بَعْد :








أخوتي و أخَواتي في الله
أتمنى مِنْ الله عز و جل أن تكونوا جميعاً بأفضل حال

 3

:::أبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه :::
:::الكـاتب : يحيى بن موسى الزهراني :::

1- عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أُهيب بن ضَبة بن الحارث بن فِهْر -ويجتمع في النسب مع النبي صلى الله عليه في فهر- بن مالك بن النَّضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان القرشي الفهري المكي.

2- شهد له النبي - صلى الله عليه وسلم - بالجنة:

عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: ((أَبُو بَكْرٍ فِي الْجَنَّةِ، وَعُمَرُ فِي الْجَنَّةِ، وَعُثْمَانُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَلِيٌّ فِي الْجَنَّةِ، وَطَلْحَةُ فِي الْجَنَّةِ، وَالزُّبَيْرُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي الْجَنَّةِ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِى وَقَّاصٍ فِي الْجَنَّةِ، وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ فِي الْجَنَّةِ)) [رواه الترمذي وغيره وصححه الألباني واللفظ لأحمد].

3- مكانته...أمين الأمة:

قدم أهل نجران على النبي- صلى الله عليه وسلم - وطلبوا منه أن يرسل إليهم واحداً، فقال - عليه الصلاة والسلام -: ((لأبعثن -يعني عليكم- أميناً حق أمين))، فتشوف أصحابه رضوان الله عليهم يريدون أن يبعثوا لا لأنهم يحبون الإمارة أو يطمعون فيها، ولكن لينطبق عليهم وصف النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((أميناً حق أمين))، وكان عمر نفسه رضي الله عليه من الذين حرصوا على الإمارة لهذا آنذاك، بل صار -كما قال يتراءى- أي يري نفسه - للنبي - صلى الله عليه وسلم - حرصاً منه - رضي الله عنه - أن يكون أميناً حق أمين، ولكن النبي - صلى الله عليه وسلم - تجاوز جميع الصحابة وقال: ((قم يا أبا عبيدة)).

كما كان لأبي عبيدة مكانة عالية عند عمر فقد قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وهو يجود بأنفاسه: ((لو كان أبو عبيدة بن الجراح حياً لاستخلفته فإن سألني ربي عنه، قلت: استخلفت أمين الله، وأمين رسوله)).

4- لقبه النبي - صلى الله عليه وسلم - بأمين هذه الأمة:

عن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ - رضي الله عنه -، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: ((لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ، وَأَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ)) [متفق عليه].

قَالَ الْحَافِظُ - رحمه الله -: "صِفَةُ الْأَمَانَةِ وَإِنْ كَانَتْ مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ لَكِنَّ السِّيَاقَ يُشْعِرُ بِأَنَّ لَهُ مَزِيدًا فِي ذَلِكَ لَكِنْ خَصَّ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْكِبَارِ بِفَضِيلَةٍ وَوَصَفَهُ بِهَا فَأَشْعَرَ بِقَدْرٍ زَائِدٍ فِيهَا عَلَى غَيْرِهِ كَالْحَيَاءِ لِعُثْمَانَ وَالْقَضَاءَ لِعَلِيٍّ وَنَحْوِ ذَلِكَ" [تحفة الأحوذي].

5- الأمانة أساس الإيمان، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - قَالَ: مَا خَطَبَنَا نَبِيُّ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلاَّ قَالَ: ((لاَ إِيمَانَ لِمَنْ لاَ أَمَانَةَ لَهُ، وَلاَ دِينَ لِمَنْ لاَ عَهْدَ لَهُ)) [رواه أحمد، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم 7179].

6- من أعظم الأمانة، أمانة الدين، فالدين أمانة في عنقك تسأل عنه يوم القيامة، هل أنت أمين في دينك، في تعاملك، في أخلاقك، في أسرتك، في كل حياتك، حياتك كلها أمانة، ولا يعتقد أحد أن الأمانة محصورة في الودائع فقط، فهذا مفهوم قاصر، بل الأمانة تشمل جميع مناحي حياتك:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ، جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُحَدِّثُ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ سَمِعَ مَا قَالَ، فَكَرِهَ مَا قَالَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ لَمْ يَسْمَعْ، حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ قَالَ: ((أَيْنَ أُرَاهُ السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ))؟ قَالَ: هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((فَإِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ))، قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: ((إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ)) [رواه البخاري].

عَنْ أَبَي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: ((إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الأَمَانَةِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا)) [رواه مسلم].

عن شداد بن أوس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((أول ما تفتقدون من دينكم الأمانة)) [رواه الطبراني، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم 2570].

عَنِ بُرَيْدَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: ((مَنْ حَلَفَ بِالأَمَانَةِ فَلَيْسَ مِنَّا)) [رواه أبو داود وصححه الألباني في الصحيحة1/196].

هذا يشبه أن تكون الكراهة فيها من أجل أنه إنما أمر أن يحلف بالله وصفاته وليست الأمانة من صفاته وإنما هي أمر من أمره وفرض من فروضه فنهوا عنه لما في ذلك من التسوية بينها وبين أسماء الله - عز وجل - وصفاته.

7- كان رجلاً نحيفاً، معروق الوجه، خفيف اللحية، طُوالاً، أحنى منعطف نحو الصدر أثرم الثنيتين، ووصف بحسن الخلق، وبالحلم الزائد والتواضع.

أتدرون لماذا كان أثرماً، دعونا نستمع لهذه القصة التي رواها الخليفة الراشد أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -:

يقول أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -: " لما كان يوم أحد، ورمي الرسول - صلى الله عليه وسلم - حتى دخلت في وجنته حلقتان من المغفر، أقبلت أسعى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإنسان قد أقبل من قبل المشرق يطير طيراناً، فقلت: اللهم اجعله طاعة، حتى إذا توافينا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا هو أبو عبيدة بن الجراح قد سبقني، فقال: (أسألك بالله يا أبا بكر أن تتركني فأنزعها من وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) فتركته، فأخذ أبو عبيدة بثنيته إحدى حلقتي المغفر، فنزعها وسقط على الأرض وسقطت ثنيته معه، ثم أخذ الحلقة الأخرى بثنيته الأخرى فسقطت، فكان أبو عبيدة في الناس أثرم) وكانت هذه الثرمة جعلت من ثغره أحسن ثغر.

8- قصة الحوت:

عَنْ جَابِرٍ - رضي الله عنه - قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأَمَّرَ عَلَيْنَا أَبَا عُبَيْدَةَ نَتَلَقَّى عِيراً لِقُرَيْشٍ وَزَوَّدَنَا جِرَاباً مِنْ تَمْرٍ لَمْ يَجِدْ لَنَا غَيْرَهُ فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُعْطِينَا تَمْرَةً تَمْرَةً - قَالَ - فَقُلْتُ كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ بِهَا؟ قَالَ: نَمَصُّهَا كَمَا يَمَصُّ الصَّبِي، ثُمَّ نَشْرَبُ عَلَيْهَا مِنَ الْمَاءِ فَتَكْفِينَا يَوْمَنَا إِلَى اللَّيْلِ، وَكُنَّا نَضْرِبُ بِعِصِيِّنَا الْخَبَطَ ثُمَّ نَبُلُّهُ بِالْمَاءِ فَنَأْكُلُهُ، قَالَ: وَانْطَلَقْنَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ فَرُفِعَ لَنَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ كَهَيْئَةِ الْكَثِيبِ الضَّخْمِ فَأَتَيْنَاهُ فَإِذَا هِي دَابَّةٌ تُدْعَى الْعَنْبَرَ قَالَ: قَالَ: أَبُو عُبَيْدَةَ مَيْتَةٌ ثُمَّ قَالَ: لاَ بَلْ نَحْنُ رُسُلُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَفِى سَبِيلِ اللَّهِ، وَقَدِ اضْطُرِرْتُمْ فَكُلُوا قَالَ: فَأَقَمْنَا عَلَيْهِ شَهْراً وَنَحْنُ ثَلاَثُ مِائَةٍ حَتَّى سَمِنَّا، قَالَ: وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا نَغْتَرِفُ مِنْ وَقْبِ عَيْنِهِ بِالْقِلاَلِ الدُّهْنَ وَنَقْتَطِعُ مِنْهُ الْفِدَرَ كَالثَّوْرِ - أَوْ كَقَدْرِ الثَّوْرِ - فَلَقَدْ أَخَذَ مِنَّا أَبُو عُبَيْدَةَ ثَلاَثَةَ عَشَرَ رَجُلاً فَأَقْعَدَهُمْ فِى وَقْبِ عَيْنِهِ، وَأَخَذَ ضِلَعاً مِنْ أَضْلاَعِهِ فَأَقَامَهَا ثُمَّ رَحَلَ أَعْظَمَ بَعِيرٍ مَعَنَا فَمَرَّ مِنْ تَحْتِهَا، وَتَزَوَّدْنَا مِنْ لَحْمِهِ وَشَائِقَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: ((هُوَ رِزْقٌ أَخْرَجَهُ اللَّهُ لَكُمْ فَهَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ فَتُطْعِمُونَا))؟ قَالَ: فَأَرْسَلْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْهُ فَأَكَلَهُ " [رواه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم].

9- كان من السابقين إلى الإسلام، وكان ممن هاجر إلى الحبشة، وكان ممن جمع القرآن.

10- كان من أحب الناس إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: "قُلْتُ لِعَائِشَةَ - رضي الله عنها - أَيُّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ؟ قَالَتْ: أَبُو بَكْرٍ، قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَتْ: عُمَرُ، قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَتْ: ثُمَّ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: فَسَكَتَتْ" [رواه الترمذي وغيره وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وصححه الألباني].

11- أما غزواته، فقد شهد مع النبي - صلى الله عليه وسلم - جميع المعارك، بدءاً بغزوة بدر، حيث قيل أنه قتل أباه، فنزل فيه قول الله - تعالى -: (لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [المجادلة22].

12- فتح الله على يديه الفتوح، وكان بطلاً مغواراً - رضي الله عنه - وأرضاه.

13- عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ وَرَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ وَغَيْرِهِمَا قَالُوا: لَمَّا بَلَغَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ سَرْغَ حُدِّثَ أَنَّ بِالشَّامِ وَبَاءً شَدِيداً، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ شِدَّةَ الْوَبَاءِ فِي الشَّامِ، فَقُلْتُ: إِنْ أَدْرَكَنِي أَجَلِي وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ حَيٌّ اسْتَخْلَفْتُهُ، فَإِنْ سَأَلَنِي اللَّهُ: لِمَ اسْتَخْلَفْتَهُ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -؟ قُلْتُ: " إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَكَ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: ((إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ أَمِيناً، وَأَمِينِي أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ)) فَأَنْكَرَ الْقَوْمُ ذَلِكَ، وَقَالُوا: مَا بَالُ عُلْيَا قُرَيْشٍ يَعْنُونَ بَنِي فِهْرٍ؟ ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ أَدْرَكَنِي أَجَلِي وَقَدْ تُوُفِّيَ أَبُو عُبَيْدَةَ، اسْتَخْلَفْتُ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، فَإِنْ سَأَلَنِي رَبِّي - عز وجل -: لِمَ اسْتَخْلَفْتَهُ؟ قُلْت: " سَمِعْتُ رَسُولَكَ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: ((إِنَّهُ يُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَ يَدَي الْعُلَمَاءِ نَبْذَةً))، وفي رواية: ((رتوة)) يعني يسبقهم بمد البصر" [رواه أحمد].

14- معركة اليرموك:

في أثناء قيادة خالد -رضي الله عنه- معركة اليرموك التي هزمت فيها الامبراطورية الرومانية توفي أبوبكر الصديق -رضي الله عنه-، وتولى الخلافة بعده عمر -رضي الله عنه-، وقد ولى عمر قيادة جيش اليرموك لأبي عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة وعزل خالد، وصل الخطاب إلى أبى عبيدة فأخفاه حتى انتهت المعركة، ثم أخبر خالداً بالأمر، فسأله خالد: (يرحمك الله أبا عبيدة، ما منعك أن تخبرني حين جاءك الكتاب؟)، فأجاب أبو عبيدة: (إني كرهت أن أكسر عليك حربك، وما سلطان الدنيا نريد، ولا للدنيا نعمل، كلنا في الله أخوة)، وأصبح أبو عبيدة أمير الأمراء بالشام.

15- تواضعه:

ترامى إلى سمعه أحاديث الناس في الشام عنه، وانبهارهم بأمير الأمراء، فجمعهم وخطب فيهم قائلاً: (يا أيها الناس، إني مسلم من قريش، وما منكم من أحد أحمر ولا أسود، يفضلني بتقوى إلا وددت أني في إهابه!!).

وعندما زار أمير المؤمنين عمر الشام سأل عن أخيه، فقالوا له: (من؟) قال: " أبو عبيدة بن الجراح "، وأتى أبو عبيدة وعانقه أمير المؤمنين ثم صحبه إلى داره، فلم يجد فيها من الأثاث شيئاً، إلا سيفه وترسه ورحله، فسأله عمر وهو يبتسم: (ألا اتخذت لنفسك مثلما يصنع الناس؟)، فأجاب أبو عبيدة: (يا أمير المؤمنين، هذا يبلغني المقيل).

16- طاعون عمواس:

حل الطاعون بعمواس وسمي فيما بعد "طاعون عمواس"، وكان أبو عبيدة أمير الجند هناك، فخشي عليه عمر من الطاعون، فكتب إليه يريد أن يخلصه منه قائلا: (إذا وصلك خطابي في المساء فقد عزمت عليك ألا تصبح إلا متوجهاً إلي، وإذا وصلك في الصباح ألا تمسي إلا متوجهاً إلي، فإن لي حاجة إليك، وفَهِمَ أبو عبيدة المؤمن الذكي قصد عمر وأنه يريد أن ينقذه من الطاعون، فكتب إلى عمر - رضي الله عنه – متأدباً معتذراً عن عدم الحضور إليه وقال: (لقد وصلني خطابك يا أمير المؤمنين وعرفت قصدك، وإنما أنا في جند من المسلمين يصيبني ما أصابهم، فحللني من عزمتك يا أمير المؤمنين) ولما وصل الخطاب إلى عمر بكى، فسأله من حوله: (هل مات أبو عبيدة؟) فقال: (كأن قد)، والمعنى: أنه إذا لم يكن قد مات بعد، وإلا فهو صائر إلى الموت لا محالة، إذ لا خلاص من الطاعون.

وكان أبو عبيـدة - رضي الله عنه - في ستة وثلاثيـن ألفاً من الجُند، فلم يبق إلاّ ستـة آلاف رجـل والآخرون ماتوا، ومات أبو عبيـدة - رضي الله عنه - سنة 18 ثماني عشرة للهجرة، في طاعون عمواس، وقيل أن قبره في غور الأردن.

عمار بن ياسر وعن آله

بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته عمار بن ياسر وعن آله سنتحدث عن عمار بن ياسر وعن آله. الذين قال لهم رسول الله :((صبراً آل ياسر, فإن موعدكم الجنة)). وأمه هي أول شهيدة في الإسلام. آل ياسر يا أحبائي هم

الذين عُذِّبوا في الله. تبدأ القصة حين قدم من اليمن إلى مكة المكرمة ياسر والد عمار وكان معه أخواه الحارث ومالك, وكانوا يبحثون عن أخ لهم, فلما لم يعثروا عليه عاد الحارث ومالك, وبقي ياسر. وفي هذه البقعة الطاهرة أحس بالسكينة والراحة,

فقرر أن يكون مقامه بها, والتقى عمار برجل صالح طيب يسمى أبو حذيفة بن المغيرة, فكفله هذا الرجل الطيب وأحب ياسراً لكريم خصاله وزوجه من أمة"جارية" عنده طيبة المنبت تدعى "سمية" فولدت لياسر عماراً, وأعتقه أبو حذيفة, ثم مات أبو

حذيفة .وتمر الأيام ويكبر عمار. ويسمع عمار عن الدين العظيم دين الحق دين الإسلام, وعن الرسول الكريم الذي حمل الرسالة, فأسرع إلى دار ابن أبي الأرقم ليعلن إسلامه ويلقي بمحمد , وبعد أن شرح الله صدره بالإيمان والإسلام عاد يحث الخطى

إلى والده ياسر, ووالدته سمية . . . ودعاها إلى دين الإسلام, فأسلما لله رب العالمين. ولما علمت بنو مخزوم بإسلامهم, وكان عمار مولى بني مخزوم وأمه سمية مولاة بني مخزوم أذاقوهم صنوف العذاب. كانوا يسحبونهم في الشمس المحرقة,

ويلبسونهم درعا من حديد, ويمنعون عنهم الماء, ويعذبونهم عذاباً شديداً. وفي كل يوم تتجدد رحلتهم مع العذاب القاسي, وذات يوم مر عليهم رسول الله فقال لهم:((أبشروا آل ياسر فأن موعدكم الجنة)). هؤلاء هم المسلمون الأوائل الذين نكل بهم

ورأوا صنوفاً من العذاب. قام أبا جهل بقتل سمية أم عمار بطريقة وحشية فكانت أول شهيدة في الإسلام, كذلك استشهد والد عمار "ياسر" من قسوة التعذيب. وظل الكفار يعذبون عماراً حتى اضطروه أن يذكر آلهتهم بخير ويذكر محمداً بسوء, وذهب

عمار إلى رسول الله وهو حزين يشتكي إليه ما حدث وهو خائف أن يكون إسلامه قد مس بما قال, فقال له رسول الرحمة:((أليس قلبك مطمئن بالإيمان؟)). قال عمار:((بلى, يا رسول الله)) فقال :((فإن عادوا فعد)). قيل إن الآية الجليلة نزلت في

عمار بن ياسر .بسم الله الرحمن الرحيم(إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) [ النحل : 106]وظل هذا العذاب بعمار حتى أذن الله لهم بالهجرة. هاجر عمار فاراً بدينه إلى المدينة المنورة, والتف الأنصار حول المهاجرين فأنسوهم ما لا قوه من العذاب

في دين الله , ثم أذن الله لرسوله الكريم بالهجرة إلى المدينة,وأصبح عمار ملازما للرسول . قال رسول الله :((إن الجنة لتشتاق إلى ثلاثة, علي وعمار وسليمان)). سئل عمار يوماً عن الإيمان؟ فقال:((مِن كمال إيمان المرء الإنفاق من الإقتار-من

الفقر والحاجة والقلة- والإنصاف من نفسك, وبذل السلام للعالم)). "رواه البخاري وأحمد" .الاشتراك في الغزواتاشترك عمار في غزوة بدر, وشارك في كل الغزوات حتى انتقل رسول الله إلى الرفيق الأعلى, وكانت حرب الردة. وفي يوم اليمامة كان

يقول للمسلمين:((أمن الجنة تفرون؟, أنا عمار بن ياسر هلموا إليَّ)) وهو يقاتل.عمر يولي عماراً الكوفةوفي خلافة عمر , أرسل عمار بن ياسر أميراً إلى أهل الكوفة, وابن مسعود معلماً ووزيراً, وكتب لهم كتاباً قال فيه:((إنهما من أصحاب رسول

الله , من أهل بدر فاسمعوا لهما وأطيعوا واقتدوا بهما)) .وقتل عما بن ياسر يوم صفين- معركة كانت بين علي بن أبي طالب وبين معاوية - وحمله الإمام علي فوق صدره وصلى عليه والمسلمون معه, ثم دفنه في ثيابه. كان يقول يوم قتله:((اليوم

10 مواقف من حياة العلامة ابن جبرين رحمه الله

أما بعد:

فإن فقد العلماء ثلمة في الإسلام وروعة ولوعة على طلابهم ومحبيهم، وبفقدهم تفقد الأمة حراس حدودها

 ويذهب العلم، يقول عبد اللهَ بن عمرو بن العاص - رضي اللهَ عنه -

سمعت رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ‏يقول:

 (‏إن الله لا يقبض العلم ‏انتزاعا ‏ينتزعه ‏من الناس ولكن يقبض العلم ‏ ‏بقبض ‏ ‏العلماء ..) [رواه الإمام مسلم 4828]،

 فهم الذين تحيا بهم الأمة وينيرون لها الطريق للوصول

إلى الحق والنور المبين، وهم صمام الأمان وسفينة النجاة وسُرُج الأرض،

 يقول الحق تبارك وتعالى: { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا...} الآية [الرعد: 41]،

يقول عبدالله بن عباس رضي الله عنهما: "نقص الأرض بذهاب العلماء والفقهاء والخيرة من الناس.." [تفسير ابن كثير].

ويقول الحسن البصري -رحمه الله -: "يقولون موت العالم ثلمة في الإسلام لا يسدها شيء ما اختلف الليل والنهار".

فقد ودعت الأمة بقية من بقايا السلف ووعاء واسعا من أوعية العلم، ودعنا شيخنا

ووالدنا العالم الرباني عبدالله بن عبدالرحمن بن جبرين في يوم الاثنين 20/7/1430ﻫ الساعة الثانية ظهراً،

 فرحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته وتغمده بواسع رحمته وجعل منزلته مع النبيين والصديقين

 والشهداء والصالحين، فقد بكت العيون وذرفت له الدموع، بكاه الكبير والصغير

 والغني والفقير والرجال والنساء وحق لهم ذلك فإن فقده مصاب عظيم وخطب جلل.

وما الرزية فقد مالٍ ولا شاةٍ تموت  ولا  بعيرُ        ولكن الرزية فقد شيخ يبكي لموته خلق كثيرُ



ولقد عرف عن الشيخ -رحمه الله- الرسوخ العلمي والتنوع في الفنون والتبحر في المعارف

 مع فقاهة النفس وحسن التصور وملكة الاستحضار، مع تواضع جم.

فقد أفنى الشيخ رحمه الله عمره في طلب العلم والدعوة إلى الله والتعليم والتوجيه والإرشاد وإقامة

الدروس وتأليف الكتب والنصح لولاة الأمر ولعامة الناس وخاصتهم، والشيخ -رحمه الله- كان مضرب

المثل في سعة العلم وتنوع المعارف ودقة الفهم وسعة الحفظ في أبواب الفقه

والتفسير والتوحيد والعقائد والأدب والتاريخ وغير ذلك من العلوم.

ولعلي أسجل بعض المواقف التي شهدتها له أو ما روته الرواة عنه:



(1) جبريل وابن جبرين!

كان رحمه الله في صيف كل عام يجوب مناطق المملكة من مدن وقرى لنشر العلم والتوحيد والدعوة والإرشاد،

 ذكر أحد الفضلاء أن بعض طلبة العلم ذهبوا إلى إحدى المناطق النائية بالمملكة للدعوة والإرشاد

 والتوعية فوجدوا في بعض القرى كتب ومنشورات علمية، فسألوا أهل هذه القرى عمن

 أوصل لكم هذه الكتب، فقالوا: شيخ كبير يقال له (جبريل)! وتبين بعد ذلك أنهم يقصدون

 الشيخ ابن جبرين -رحمه الله- فعلمه لم يقتصر على من حوله من طلابه وأحبابه. وللشيخ -رحمه الله-

جهود عظيمة لا يتسع بسطها في هذه الأسطر في مجال التعليم وإلقاء الدروس والدعوة إلى الله وقضاء

حوائج الناس من دعم مادي ومعنوي وبذله للشفاعات وأعمال البر والصدقة وحضور للمحافل وعيادة المرضى وغير ذلك.



(2) تواضعه:

وأذكر للشيخ -رحمه الله- موقفاً لطيفاً في هذا الباب وذلك بعد حضوره لحفل تخريج حفظة كتاب الله بجامع

 علي بن أبي طالب -رضي الله عنه -بحي الشفا بالرياض، وعند قيامه بتسليم الجوائز أتاه أحد صغار

 السن من الطلبة لاستلام جائزته فقام ذلك الطالب بتقبيل يد الشيخ فسارع الشيخ -رحمه الله -إلى تقبيل يد الطالب،

 ثم قبل الطالب يد الشيخ مرة أخرى فعاد الشيخ فقبل يد الطالب مرة أخرى وذلك في حفلٍ غفير أمام الناس.



(3) ومن المواقف أيضا:

 أن الشيخ -رحمه الله -كان جالساً لانتظار الصلاة في أحد المساجد بالرياض

وكان ذلك في رمضان فقام أحد كبار السن من طرف الصف الأول واتجه إلى الشيخ دون أن يشعر

 به فقبل رأس الشيخ -رحمه الله - فما كان من الشيخ إلا أن سارع إلى جذب رأس ذلك المسن وتقبيل رأسه.




(4) ومع سعة علم الشيخ -رحمه الله-

 في فنون العلم وكثرة اطلاعه عليها والحفظ الجم

 في القرآن والسنة والعقيدة واللغة العربية والتاريخ إلا أنه رحمه الله في غاية الاستعداد لتقبل الفائدة

من كل أحد، أذكر أن أحد الدعاة من طلبة العلم كانت له محاضرة في المسجد الذي تقام فيه

دروس الشيخ -رحمه الله - وكان درس الشيخ بعد المغرب - وكان الحضور في العادة متوسط العدد -

ومحاضرة ذلك الداعية بعد صلاة العشاء وقد اكتظ المسجد بالناس لحضور هذه المحاضرة

وعندما بدأ الداعية بإلقاء محاضرته لاحظ أن من بين الحضور جبل وعلمٌ من أعلام الأمة يستمع

 وينصت إليه فما كان من ذلك الداعية إلا أن طأطأ رأسه وغير موضوع محاضرته إلى التحدث

 عن فضل العلماء الربانيين وتواضعهم ولم يطل في محاضرته وبان عليه التأثر ثم ختم المحاضرة

واتجه إلى الشيخ وسلم عليه وقبل رأسه وقد اندهش الناس من هذا الموقف.



(5) دقة ملاحظته!

وأذكر من المواقف في دروس الشيخ -رحمه الله- أنه في بعض دروسه وأثناء قراءة أحد الطلاب يغفو

 الشيخ غفوة يسير وعند الإنتهاء من القراءة يفيق ثم يشرح ويتطرق لما تعرض له الطالب في القراءة!



(6) شهادة ابن عثيمين له:

ذكر أحد طلاب الشيخ أن الشيخ محمد بن عثيمين -رحمه الله- سأله عن دروس الشيخ ابن جبرين وماذا يجد فيها

. فقال: كنت أحضر في بعض الأحيان بدون كتاب أو منشغل الذهن لكني أجد راحة وانشراحا في الصدر

 لو لم أركز في الدرس، فقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- هذا دليل

على حسن نية الشيخ وإخلاصه فرحم الله علماء الأمة رحمة واسعة.



(7) لا يرد أحداً مع كثرة مشاغله وأعماله:

ومع كبر سن الشيخ -رحمه الله- وكثرة انشغاله من إلقاء الدروس والمحاضرات وارتباطاته

مع أهله وطلابه ومحبيه، كان يستقبل الناس في منزله في كل يوم بعد صلاة العصر لقضاء حوائجهم

من إفتاء وشفاعة ومساعدة وإصلاح ذات البين، وكان يعقد للنكاح في منزله رحمه الله، وأذكر مرة كنا

 مع بعض طلبة العلم نقوم بالتنسيق مع بعض المشايخ لزيارتهم ومعنا مجموعة من طلاب حلقات

 تحفيظ القرآن الكريم، فكلما اتصلنا بشيخ يعتذر إما بانشغاله أو لعدم وجوده ونحو ذلك،

فقال أحد الإخوة دعونا نتصل بالشيخ عبدالله بن جبرين -رحمه الله- فقلنا أن هذا أمر مستبعد وذلك لكثرة

ارتباطات ومشاغل الشيخ ، فاتصل أحد الإخوة بمنسق الشيخ وكانت المفاجأة بأن رحب بنا الشيخ وأعطانا

 موعد في اليوم التالي بعد العصر، وعند مجيئنا لمنزله رحمه الله كان مكتظا بالناس في مكتبه،

فأمر بإدخالنا في المجلس وبعد عشر دقائق تقريبا حضر لنا الشيخ وكان لقاء ممتعا معه رحمه الله.




(8) الطالب الذي لم يتمكن من حضور درس الشيخ:

كان رحمه الله محب للخير ونفع الناس ولا يمانع في أي طلب لإقامة بعض الدروس أو القراءة عليه،

 حدثني أحد الإخوة أن أحد طلاب العلم لم يتمكن من حضور دروس الشيخ رحمه الله وقد حاول جاهدا

ولو لحضور درس واحد فلم يتمكن من ذلك وكان حريصا على حضور دروس الشيخ،

 فحدث الشيخ بهذا الأمر فقال له الشيخ: لا بأس بأن تتصل بي في وقت معين وأشرح لك ما تريد،

وكان ذلك في العقيدة الواسطية، فسر هذا الطالب وفرح فرحا شديدا، فرحم الله شيخنا رحمة واسعة.



(9) حرصه على نشر العلم:

كما عرف عن الشيخ -رحمه الله- بذله للخير ومن ذلك تفرغه لطلاب العلم فكانت دروسه تقام

 في الجامع وبعض المساجد القريبة من منزله -رحمه الله- طوال أيام الأسبوع بما فيها الخميس والجمعة،

 كما له دروس لبعض طلابه في منزله -رحمه الله-، وقد أهداه أحد رجال الأعمال منزلا قريبا من

 المسجد الجامع الذي تقام فيه دروس الشيخ رحمه الله ليكون قريبا من الجامع ولقدم منزل الشيخ،

فجعله الشيخ سكنا خاصا لطلاب العلم الذين يفدون إليه من خارج مدينة الرياض،

كما كان رحمه الله في سفره مع طلابه يستغل الطريق في قراءة القرآن وشرح بعض المتون.



(10) حزبه مع القرآن:

وفي إحدى اللقاءات مع الشيخ في السنوات الأخيرة من حياته –رحمه الله- سألناه عن وقته

لقراءة القرآن الكريم، فقال: الله المستعان كنا نختم القرآن كل أسبوع أو أقل والآن بعد أن ضعفت

 الهمة أصبحنا نختم كل أسبوعين. وذكر الشيخ -رحمه الله- أنهم كانوا

 في السابق يختمون القرآن في رمضان في صلاة التراويح كل ثلاث ليالي.

فرحم الله شيخنا رحمة واسعة وجبر الله مصاب الأمة بفقده وبارك فيمن بقي من علماء الأمة وأسأل الله

 أن يجمعنا به ووالدينا وذرياتنا في الفردوس الأعلى من الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء

 والصالحين وأن يحشرنا في زمرة سيد المرسلين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

الشيخ سعيد الجندول رحمه الله

الشيخ سعيد الجندول رحمه الله

هو الشيخ سعيد بن عبدالعزيز الجندول، ولد عام 1341هـ بمدينة ليلى بمحافظة الأفلاج،

تعلم في الكُتّاب ثم رحل إلى الرياض، وتتلمذ على الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم، وعلى سماحة المفتي

 -آنذاك- الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، ثم ذهب إلى مكة لطلب العلم، وهناك أشار

عليه الشيخ محمد بن مانع بالالتحاق بدار التوحيد بالطائف، فتخرج فيها ثم عاد إلى مكة والتحق بكلية الشريعة،

 وبعد تخرجه عُين إمامًا وخطيبًا بالمسجد الحرام، ومديراً للمعهد العلمي السعودي بمكة،

 وتنقل في عدد من الوظائف بالتربية والتعليم، ثم عين نائبًا لرئيس هيئة التأديب، ثم وكيلا لرئيس ديوان المظالم،

 وكان عضوًا في اللجنة العليا للتوعية الإسلامية، واللجنة العليا لرسم السياسة الإعلامية،

 وعضوًا في الندوة العالمية للشباب الإسلامي، وبعد تقاعده أصبح مستشارًا شرعيًّا لوزارة الحج والأوقاف،

 ثم مشرفًا على إنتاج مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، له عدة مؤلفات؛

 منها: الدر النضيد على كتاب التوحيد (شرح وتعليق)، إليكم شباب الأمة، الإسلام في معترك الفكر،

 الجنس الناعم في ظلال الإسلام، دعوة دفاع، ألف كلمة وكلمة، 66 يومًا في 16 دولة مع الدعاة والمدافعين عن دين اللهَ.



توفي

 الشيخ سعيد الجندول رحمه اللهَ في يوم 18- 3- 1429هـ

مصطفى السباعي الداعية الرائد والعالم المجاهد رحمه الله

مصطفى السباعي الداعية الرائد والعالم المجاهد رحمه الله


حياته:

وُلِد في مدينة حِمص وسط سورية عام (1334هـ/ 1915م)، في أسرةٍ كريمةٍ عُرفت بالعلم والصلاح

على مدى قرون من الزمن, أنهى دراستَه الأولية والثانوية الشرعية في حمص عام (1930م)،

وكان الأولَ على زملائه، ومن المتفوقين طول دراسته, فقد حفظ القرآن وهو صبي, وتلقى ألوان العلوم

الشرعية والعربية على يد والده عالِم حمص وخطيبها, وعلى أيدي علماء حمص الذين كانوا يفدون إلى بيت أبيه،

 وكان يحضر مجالسهم، ويختزن ما يسمع ويرى في نفسه, فقد كان شديدَ التأثر بتلك المجالس

وبأولئك العلماء الذين كانوا يَحدَبُون عليه، ويهتمون به، ويعطونه المسائل العلمية والأدبية والاجتماعية والسياسية,

 الأمر الذي جعله أكبر من سنِّه، فقد كان يعي ما يدور حوله من القضايا، خاصة ما يتعلق منها بالعقيدة والدين، والوطن والأمة.

اعتُقل وهو في السادسةَ عشرَ من عمره، وهو يحرض الناس ضد الاستعمار الفرنسي، وفي عام (1933م)

 سافر إلى مصر، والتحق بالأزهر، وانتسب إلى قسم الفقه، ونال الإجازة من كلية أصول الدين بتفوق,

كان السباعي قوة جبارة، وكان وهو ابن اثني عشر عامًا يقرأ مجلة "الفتح" القاهرية ويراسل صاحبَها

محب الدين خطيب، وعندما صار في القاهرة بادر بالاتصال بعلمائها وأدبائها ورجالها،

وكان فيمَن سعى إليه صاحبُ الفتح، الكاتب الأديب الثائر، والإمام حسن البنا، وتعرَّف على دعوة الإخوان المسلمين

 وانتسب إليها، وصار من أبرز أعضائها؛ الأمر الذي جعل الإنكليز المحتلين يعتقلونه في عام (1934م)،

وعندما أفرجوا عنه كان قد شُحن في المعتقل بوَقود جديد, فأعاد الإنكليز اعتقالَه

 بتهمة تأليف جمعية سرية لتأييد ثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق.

وبعد الإفراج عنه وعودته إلى مدينته حمص، قاد المظاهرات الحاشدة، وخطب في المتظاهرين وحرضهم

 على الثورة المسلحة, وبعد انقطاعه عن الدراسة لم يقعد في بيته عاطلاً عن العمل؛ بل باشر التدريس،

 وفي عام (1944م) درَّس مادتي اللغة العربية والتربية الإسلامية في ثانويات حمص,

ثم انتقل إلى دمشق فأسس مع لفيف من إخوانه المربِّين المعهدَ العربي الإسلامي, وكان السباعي أول مدير له.

كان السباعي طاقة متفجرة يعمل في أكثر من ميدان من ميادين الحياة الاجتماعية، فأسس عدة جمعيات

خيرية وإسلامية, أسس في مدينة حمص (الرابطة الدينية)، و(جمعية شباب محمد - صلى الله عليه وسلم)، و(جمعية الشبان المسلمين).

بعد عودته من مصر أسهم مع عدد من إخوانه في تأسيس جماعة الإخوان المسلمين في سورية عام (1945م)،

 وكان أولَ مراقب عام لها, وفي العام نفسه قاد الثورة المسلحة على الاستعمار في مدينته حمص,

وقاد المظاهرات الصاخبة فيها، وقد تم الجلاء في 17/ 4/ 1946م.

وفي عام (1949م) خاض السباعي الانتخابات عن مدينة دمشق, ونال أكثر الأصوات مع

 أنه ليس دمشقيًّا، وكان أحد الأعضاء البارزين في الجمعية التأسيسية.

وفي السنة نفسها (1949م) نال شهادة الدكتوراه من الأزهر، على رسالته المهمة "السنة ومكانتها في

 التشريع الإسلامي"، دافع فيها عن السنة النبوية دفاعًا مجيدًا، قلَّ نظيرُه في كل ما كُتِب في الدفاع عنها ومدافعة

خصومها وأعدائها، وفي عام (1950م) عُيِّن مدرسًا في كلية الحقوق في الجامعة السورية لمادتي

الأحوال الشخصية والشريعة, ثم صار رئيسًا لقسم الفقه الإسلامي ومذاهبه في الكلية.

في عام 1955م أسَّس كلية الشريعة بجامعة دمشق, وكان صاحب مشروع موسوعة الفقه الإسلامي،

الذي ناضل كثيرًا من أجله، وبذل من حُرِّ وقته ما لا يعرفه إلا الله- سبحانه - وكان رئيسًا لها.

وفي العام نفسه أوفدته الجامعةُ السورية في رحلة علمية إلى ديار الغرب؛ لزيارة جامعاتها

والاطِّلاع على مناهج الدراسات الإسلامية فيها, فزار تركيا وإيطاليا وبريطانيا، وأيرلندا وبلجيكيا وهولنده،

 والنرويج والسويد وفنلندا، وألمانيا والنمسا وسويسرا وفرنسا, وقد أكسبتْه هذه الرحلات والرحلات

الأخرى التي قام بها عام 1957م إلى موسكو - أكسبتْه عمقًا واتساعًا وشمولاً، وخبرات علمية وتربوية، وحكمة عملية ونظرية.

وبعد عودته من رحلته العلمية من الاتحاد السوفيتي عام 1957م - هجم عليه المرضُ هجمة عنيفة,

 وشُلَّ أكثر من نصفه الأيسر، وأثَّر على حركته؛ ولكنه لم يقعد عن ممارسة نشاطه العلمي والدعوي؛

بل كانت فترة مرضه من أبركِ الأوقات، فقد تفرغ للعلم، وأتحف المكتبة الإسلامية بمجموعة غنية من الكتب والمحاضرات.



صفاته وشمائله:

كان - رحمه الله – طويلاً، جميل الخلقة، متناسبَ الأعضاء, خفيفَ اللحية، أشقرَ البَشَرة والشعر,

 بسَّام المُحيَّا، مهيبَ الطلعة، دائب الحركة مع وقار لا يفارقه في سائر أحواله, عذْبَ الحديث،

ودَمِثَ الأخلاق، فيه فكاهة محببة، في خفة دم، ورشاقة أسلوب، وكان عفيف اللسان واليد,

منفتحًا على الآخرين, وكان يثق بإخوانه ولا يتهمهم في نيَّاتهم, وكان يواجه المشكلات بحزم وعزم,

 وكان قارئًا نهمًا، يقرأ في الدين والأدب، والسياسة والاجتماع، ويحرص على قراءة ما تطلعه المطابع

 من كتب مترجمة عن الغرب والشرق، أدبًا وسياسةً وفلسفة, وبهذا أفاد من علوم الغرب وأدبه،

قرأها ونخَلَها، فأخذ المفيد منها، وترك الضار، ونبَّه إلى المفيد والضار؛ ليجنب أبناء أمته العثرات.



العوامل الإيجابية المؤثرة في تكوينه النفسي والفكري:

1- والده الشيخ حسن السباعي:

من أسرة عريقة في العلم والفضل والوجاهة، كان خطيب الجامع الكبير بحمص, وكان فقيهًا في الفقه الحنفي،

 ومطلعًا على المذاهب الأخرى، وكان خطيبًا مفوهًا، ومحدثًا مؤثِّرًا، وعالمًا عاملاً، ومحبًّا لفعل الخيرات

وإسداء النصح للمسلمين, وإصلاح ما بينهم من خصومات ومشاحنات, وكان مجاهدًا،

 ناضلَ الفرنسيين والمستعمرين بلسانه وماله وفتاواه، مطلعًا على ما يجري

 في سورية خاصةً، وفي الوطن العربي والعالم الإسلامي عامةً.

وكان الفتى قرةَ عين أبيه، الذي رأى فيه مخايلَ النبوغ، وأنه سيكون في قابل الأيام عالمًا وخطيبًا،

ووجيهًا في الدنيا والآخرة، فأولاه عنايةً خاصة، وحبَّبه في العلم، وعلَّمه القرآن العظيم تلاوةً وحفظًا،

 وصحبه معه إلى مجالس العلماء؛ ليصقل نفسه، ويربي عقله, ودرَّبه على الخطابة وهو فتًى

 قبل أن يتجاوز سن الطفولة, مما سهل عليه فيما بعدُ هذه المهمةُ،

وتعوَّد لسانه على ذلاقة اللغة العربية، واستَوسَقتْ له مَلَكةُ الفصاحة ارتجالاً.



2- تعليمه:

كان السباعي يتلقى العلم من جهتين: جهة أبيه، الذي علَّمه القرآن العظيم تلاوةً وتجويدًا، وحفظًا وفهمًا,

 كما علَّمه مبادئ النحو والصرف والبلاغة والفقه والحديث, وصحِبَه إلى مجالس العلماء؛

 ليحضر تلك الحلقاتِ العلميةَ، ويتشربَ حبَّ العلم والعلماء من خلال تحاور أولئك العلماء الربانيين

بعضهم مع بعض, فعَبَّ من علومهم الشيءَ الكثير, ونهل من أخلاقهم، وتعلَّم منهم الصبر على

 المدارسة من أجل الفهم والاستنباط، وعرف منهم أن ثمة سُبُلاً أخرى للتحصيل العلمي،

وبناء الشخصية السوية؛ كالمطالعة الحرة، ومعايشة الكتاب في المكتبات الخاصة والعامة.

إضافة إلى ذلك تعليمه الأزهري، ومصاحبته العلماء الأحرار الأكابر في مصر،

بالإضافة إلى الثورات المحلية ضد الاستعمار الفرنسي، وأكثرها إسلامية، دعا إليها المجاهدون

في الغوطة وجبل الزاوية والحفة، حيث طرق سمعَه أسماءُ كـ(القسَّام والخرَّاط وهنانو)،

 أولئك الذين ضحوا بالمال، والجهد والراحة، والدم الحر؛ من أجل طرد الاستعمار،

 فكان لهذا أثرُه العميق في نفس الفتى السباعي.

وفوق كل ذلك تعرُّفه إلى الإمام حسن البنا ومدرسته الإخوانية، الجامعة لسائر مقومات

الحياة والنهوض والانبعاث الإسلامي في مجالات الحياة كافة، تربيةً وتعليمًا, وفي النضال الوطني,

 وفي الجهاد في سائر الساحات العربية والإسلامية، وفي الثورة على كافة أنواع التخلف في المجتمعات

 الإسلامية والعربية, وفي مقارعة الاستعمار الإنكليزي, الذي كان سببَ ما نزل بأمتنا من

 مصائبَ وكوارثَ، هذه الخصال مجتمعة كوَّنت نفسية السباعي، ودفعت بدفة حياته إلى التغيير الإيجابي في نهضة بلاده وأمته.



السباعي خطيبًا:

لم يَعرِف عالَمُ الخطابة في العصور الحديثة أخطبَ من الدكتور مصطفى السباعي, ولا أبلغَ بلاغة،

ولا أفصح فصاحةً, ولا أشدَّ تأثيرًا منه في سامعيه، فكانت له يد بيضاء في السمو بها إلى مرتقًى

 سامقٍ لم تَبلُغْه من قبل، ولم تَشهده بعدُ, وأفاد مِن براعته مَن جاء بعده، وحاول تقليده، أو الخبَّ في مسالكه؛ ولكنه لم يبلغ شأوه.

كان السباعي الخطيب المصقع، يبث في الناس - كل الناس - روحَ الحرية والكرامة، واستقلال الشخصية،

 والعزة النفسية، بما أوتي من فصاحة، لا يبعد بها عن مألوفهم، ولا يتناءى عما عرَفوه،

فلم يعلُ على مداركهم، إلا ليرتفع شيئًا فشيئًا، فأحبوه وعشقوا خطاباته التي تصعد بهم في مدارج

 الخيال والذكريات، ثم تعُود بهم إلى واقعهم المعيش، فتهزهم هزًّا بجزالة ألفاظها، وجمال عباراتها،

 وجلال معانيها، التي كانت تدغدغ مراكز الشموخ والكرامة في نفوسهم، فما كانت لفظةُ

الكرامة لتغيبَ عن خطبة من خطبه الشماء، وكذلك كل معنى شريف من معاني الحرية والشهامة،

 والإخوة والحب، والجرأة والإقدام، والشجاعة والكرم، وسائر مبادئ الإسلام، وتعاليمه، وقيمه الأصيلة.

وكان يأسر سامعيه بأسلوبه الفذ، الذي كان يستخدم ألوان الفصاحة والبلاغة دونما تكلُّف،

 فقد كان يستهويهم بترفه في فنون القول، ويثير مشاعرَهم وهو يتنقل بهم من التقرير إلى الاستفهام،

 ومن التهكم إلى السخرية المهذبة، إلى التعجب، ومن الجد إلى الدُّعابة التي تصب في بؤرة الشعور،

 وتخدم الموضوع الذي هيأ له نفسه، وحشد له ما حشد من ألوان التأثير على المشاعر والأحاسيس،

 فلا يصيب جماهيرَ المستمعين سأمٌ أو ملل، مشدودين بصوته العذب إلى السمت الساحر،

 وإلى المعاني التي لم يسمعوها من قبل، في الصورة التي يعرضها هذا الخطيب، الذي يشعل في القلوب

 حرائقَ، بما يسرد من حقائقَ بلهجة صادقة، ونبرة رائقة، واتِّزان وسمو يملأ النفوسَ نحو الهدف

 الذي يرمي إليه الخطيب، فتقنع العقول، وترتاح القلوب، فلا تحيد له رماية عن مرماهم.

كان السباعي يرتجل خُطبَه، فتعجب لهذا الارتجال الذي يأتي مسددًا في أسلوبه ومعانيه،

وفي إصابة الهدف في نفوس مستمعيه، ودون أن تقع له على هفوةٍ لفظية، فقد كان قمة في التجويد،

 وفي اللغة وعلومها، فلا ينبو عن سمعك بخطأ لغوي، أو نحوي، أو صرفي، أو بلاغي،

 ولا تتجافى جنوب عقلك وقلبك عن معنًى مبتذل، أو غايةٍ غير نبيلة.

كان يرتجل خطبه وأنت تظن أنه أتعب نفسَه في التحضير لموضوعه، واختيار ألفاظه وعباراته،

والتنقيب عن أفكاره ومعانيه، وقد يكون الموضوع ابن لحظته، لم يُعِدَّ له ولم يَستعدَّ،

ولكنه وُضع في موقف مرتهن، فبادر إلى فك الرهان بما آتاه الله من فصاحة اللسان، وحصافة العقل،

وذكاء القلب، وجمال السمت، وجلال النفس، وعذوبة الصوت، وأسر موسيقاه،

وحضور البديهة التي تحتوي ما قد يَجِدُّ على الموقف.

كان السباعي يخطب الساعة والساعتين، والساعات الثلاث والأربع، يتدفق الكلام الحلو من الفم الحلو

 في سائر أحواله، حتى وهو يرغي ويزبد كداعية حرب نزال، هم في البرلمان وهو يحاول

 إقناع زملائه النواب، وهو يخطب في جماهير المتظاهرين، وهو يخطب الجمعة، وهو يَرُدُّ على

 السياسيين، وهو يرد على المفكرين المنحرفين، الكلمات القوية، والمعاني الراسخة، وحركات اليد،

والقبضة الحديدية التي تُرافق تلك الكلماتِ والمعانيَ، والصرخة الأبيَّة الحرة، والنبرة التي تأتي

 عالية حينًا، وحينًا حيِيَّة، كانت من بعض مقومات خطاباته، وعناصر نجاحه فيها.



أبو الفقراء والمساكين:

كان السباعي بمثابة الأب الحاني لسائر الفقراء والمساكين، والمحتاجين والمُعوِزين، والعجزة والأيتام والأرامل،

 ومَن يشبههم من أبناء المجتمع السوري، قد أهمته أمورُهم، وشغلتْه قضاياهم في وقت مبكر

من حياته الخصبة، المليئة بجلائل الأعمال، فقد حارب سائرَ أشكال الظلم الاجتماعي،

وحاول إصلاح الخلل في الأوضاع الاجتماعية الجائرة، فعمِل على القضاء على البطالة السافرة والمقنَّعة،

 وعلى معالجة مشكلة غلاء المعيشة، وارتفاع الأسعار، ومحدودية الدخل، وغلاء الإيجارات،

 وقانون الإيجار، ومكافحة الجهل، والجوع والبؤس، والمرض والأمية، فأنشأ المدارس الليلية للفقراء،

 وخصص يومًا للفقراء كل عام، وأنشأ لجانًا لجمع التبرعات والإعانات وتوزيعها على المحتاجين،

 وشكل لجنة دائمة لذلك، أطلق عليها اسم (اللجنة التعاونية)، وكان حربًا على سائر أشكال التخلف

 في الريف والأحياء الفقيرة في المدن، وقد أنشأ عدة لجان لذلك: كاللجنة الثقافية، ولجنة مكافحة الأمية،

 واللجنة العمالية، واللجنة الطلابية، واللجنة الطبية، والجمعيات الخيرية، وتبنَّى مفهوم

 اشتراكية الإسلام منذ عام 1949م، عندما كان عضوًا في الجمعية التأسيسية، التي صاغت الدستور السوري عام 1950م.

وكان يرى أن تنهض الدولة بكفالة هؤلاء، وإن لم تكفِ مواردُها، فلها أن تصادر ما هو ضروري

 ولازم للحياة الكريمة، وفي مجتمعاتها التي ينبغي أن يتصف بالكفاية والعدل، ويوفر الحرية

والكرامة لسائر المواطنين, وعلى الدولة أن تقضي على كل الأسباب التي تحُول دون ذلك،

وعليها أن تقضي على الاحتكارات، والربا والقمار، وسائر أشكال الظلم والفساد الإداري.



في الصحافة:

لا نستطيع أن نبعد السباعي عن مملكة الصحافة؛ لأنه كاتبٌ رصين، ذو أسلوب جزل، وفكر عميق,

 فقد باشر السباعي الفتى الكتابةَ في مجلة الفتح القاهرية، وكان صاحبُها الكاتبَ الكبير المجاهد

 محب الدين الخطيب، وقد أفسح له صفحاتها ليكتب فيها المقالات الحارَّة ذات الوهج المشتعل،

 منذ عام 1933م، 1934م عن فلسطين، وعن مآسي الاستعمار في سورية ولبنان والعراق.

كما نقد كتابي الدكتور أحمد أمين "فجر الإسلام"، و"ضحى الإسلام" في مجلة "الرسالة"،

التي كان يصدرها الزيات عام 1940م، وكانت انتقاداته علمية رصينة، تتناسب مع مجلة "الرسالة"

 ذات المقام الرفيع، وكان السباعي طالبًا في الأزهر حينئذٍ، وكان الدكتور أحمد أمين عميدَ كلية الآداب،

 وقد دافع فيها السباعي عن السنة وعن قضايا الإسلام والمسلمين.

وفي 22/ 6/ 1946م ظهر العدد الأول من جريدة "المنار"، التي أصدرها السباعي في دمشق؛

 لتكون لسان حال جماعة الإخوان المسلمين في سورية، في أربع صفحات، وعرفها بأنها: "

جريدة يومية سياسية تصدر في دمشق"، وكان السباعي صاحب امتيازها، ومدير سياستها،

وكان هو والأستاذ عمر بهاء الدين الأميري يكتبان افتتاحياتها النارية ضد الأنظمة العربية الحاكمة،

 وكان حال الدعوة (الحق والقوة والحرية)، تدعو إلى الإصلاح الجذري، وتدافع عن مصالح الشعب،

 وترى في وحدة الأمة العربية والإسلامية طريقَ الخلاص للعرب والمسلمين.

في 6/ 2/ 1955م أصدر جريدة "الشهاب" الأسبوعية، وكان المحرر الأول فيها، وهبها الكثير

من وقته وجهده وراحته، ولكنها ما لبثت أن توقفت في 18/ 9/ 1957م؛ بسبب المشاغل

والمتاعب والمرض والأسفار التي تعرض لها السباعي.

وأصدر السباعي مجلة "المسلمون"، التي هاجرت مع صاحبها

ورئيس تحريرها الدكتور سعيد رمضان - رحمه الله - إلى مصر.

ثم أصدر السباعي مجلة "حضارة الإسلام"، وكتب تحت اسمها: "مجلة فكرية شهرية جامعة تصدر

 في جامعة دمشق"، سنتها عشرة أعداد, وصدر العدد الأول منها في تموز 1960م،

 وكان السباعي يكتب كل افتتاحياتها، إلى جانب مقال رئيس، كما كان يحرر بعض أبوابها الثابتة،

وكان يهتم برسائل القراء ويجيب عليها، ويشجع تلاميذه على الكتابة فيها، ويستكتب كبار

 الكُتَّاب من أنحاء العالم الإسلامي، حتى غدت، إلى جانب أختها "المسلمون"

 التي هاجرت مع صاحبيها إلى جنيف - أرقى مجلتين فكريتيين إسلاميتين.



نُبَذٌ من أقواله:

* الفن قيثارة الشيطان.

* إسرائيل لا تُعِدُّ لغزونا الراقصات المغنيات والرسامين، ولكنها تعد فرقًا من الفدائيين،

 وأساطيل من الجو والبحر، وقذائف للهلاك والتدمير، فهل يفهم المنحلُّون

والمتآمرون والكسالى والوجوديون والمستغربون والمفتونون؟!

* ليس أسهل على نفوس الشباب في أمة حديثة الوعي، من إغرائهم بالشهرة عن طريق

الفن والرقص، وهذا هو سر استجابتهم لإغراء خرافة الفن، واستمتاعهم بلذته.

* وجدتُ الأمم اللاتينية أكثر براعةً في الفن، وأقل تقدُّمًا في العلم، وأسرع هزيمةً في الحرب,

ووجدت الأمم الإسكندينافية والسكسونية أقل براعةً في الفن، وأكثر تقدمًا في العلم، وأشد استعصاءً

على الهزيمة في الحرب، فهل يريد الذين يشجعون فينا الفنَّ على حساب العلم،

أن ننهزم في الحرب، ونتأخر في استكمال وسائل القوة؟!

* لم تهزم أمةٌ أمةً أخرى بالفن؛ لكنما هزمتْها بالقوة، ومن التضليل أن يعتبر الفن من وسائل القوة.

* ليس الفن شرًّا؛ بل منه ما هو خير، ومنه ما هو شر، والشر منه ما يهيج الشر.

* إني أعلن بكل صراحة: أن اشتغال المرأة في السياسة يقف الإسلامُ منه موقفَ النفور الشديد،

 إن لم أقل موقفَ التحريم، لا لعدم أهلية المرأة؛ بل للأضرار الاجتماعية

التي تنشأ عنه، وللمخالفة الصريحة للآداب في الإسلام.

* الشباب يصنعون التاريخ بقلوبهم، والعلماء يصنعونه بعقولهم، والحكماء يصنعونه بأرواحهم،

 فإذا تعاون القلب والعلم والروح على صنع التاريخ، كان تاريخًا لا ينطفئ نورُه، ولا تخبو ناره، وكذلك صنعنا التاريخ أول مرة.

* اعتقاد الحق - ولو عن تقليد - معرفة، وإنكار الحق - ولو عن تفكير - جهالة.

* هكذا الحياة: نبدأ مغمورين، ثم نصبح مشهورين، ثم نمسي مقبورين،

 وبعد ذلك إما أن نكون مسرورين، وإما أن نكون مقهورين.

* اتَّخذْ مِن الفشل سُلمًا للنجاح، ومن الهزيمة طريقًا إلى النصر، ومن المرض فرصةً للعبادة،

 ومن الفقر وسيلةً إلى الكفاح، ومن الآلام بابًا إلى الخلود، ومن الظلم حافزًا للتحرر، ومن القيد باعثًا على الانطلاق.

* إذا همَّت نفسُك بمعصية الله، فذكِّرها بنظر الله إليك، فإن لم ترتدع، فذكِّرها بأخلاق الرجال،

 فإن لم ترتدع، فذكرها بفضيحة الناس إن شهدوها، فإن لم ترتدع، فاعلم أنك انقلبت حينها إلى حيوان.



سرد لأهم مؤلفاته:

1- "السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي".

2- "المرأة بين الفقه والقانون".

3- "اشتراكية الإسلام".

4- "من روائع حضارتنا".

5- "أخلاقنا الاجتماعية".

6- "دعوة الإسلام واقعية لا خيال".

7- "الإخوان المسلمون في حرب فلسطين".

8- "أحكام الصيام وفلسفته في ضوء القرآن والسنة".

9- "هذا هو الإسلام".

10- "عظماؤنا في التاريخ".

11- "الاستشراق والمستشرقون: مالهم وما عليهم".

12- "السيرة النبوية دروس وعبر".

13- "شرح قانون الأحوال الشخصية".

14- "هكذا علمتني الحياة".

15- "القلائد من فرائد الفوائد".

16- "دروس من دعوة الإخوان المسلمين".

17- "الصراع بين العقل والقلب".



وفاته:

وفي يوم السبت في السابع والعشرين من جمادى الأولى 1384هـ، الموافق لشهر تشرين الأول سنة 1964م

، ترجَّل الفارس المقدام، ورحل الرائد والأب، رحل القائد التاريخي, بكاه إخوانه وتلاميذه

 في كل مكان، بكَتْه دمشق وكل سورية، وكانت للقائد العظيم جنازةٌ ما شهدت دمشق

ولا سورية مثلها، رحل القائد والخطيب، والعالم والمفكر، والأديب والمنظِّر، استراح الجسد،

 ولكن هيهات لروحه المبثوثة في كتبه وخطبه، وشعره وحكمه، ووصاياه ورسائله - أن تعرف الراحة.

لقد كابد الكثير في عمره القصير، الذي لم يصل إلى الخمسين, ومات الرجل الذي لم يُقعده

المرضُ والشلل عن حمل أعباء الدعوة، ولا عن الجهاد باللسان، ولم يقعده المثبِّطون

 والحاسدون والحاقدون من الأقرباء والبُعَداء عن حمل تلك الراية.

رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جنانه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

سِلْسلَةُ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ لَمْ يُتَجَاوَزُوا سِنَّ الأشد ( 5 )

 سِلْسلَةُ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ لَمْ يُتَجَاوَزُوا سِنَّ الأشد ( 5 )

(15 - 40) سنة

ابن السَّرَّاج (000 - 316) = شاباً

• محمد بن السَّرِي بن سهل أبوبكر ابن السَّرَّاج.

 • قال المَرْزباني [1]:

«كان أحدث أصحاب المبرِّد سناً، مع ذكاء وفطنة، وكان المبرد يقربه، فقرأ عليه كتاب سيبويه...

• عوَّل على مسائل الأخفش والكوفيين، وخالف أصول البصريين في مسائل كثيرة..

وكان أحد العلماء المذكورين، وأئمة النحو المشهورين، وإليه انتهت الرياسة في النحو بعد المبرِّد».

• يُقال: ما زال النحو مجنوناً حتى عَقَلَه ابن السّرّاج بأصوله.

• ألف كتباً كثيرة منها: «الأصول الكبير»، و«الجمل»، و«شرح كتاب سيبويه»، و«الموجز»، و«احتجاج القراء».

• لم تطل مدته، ومات شاباً.




ابن نُباتة الخطيب (335 - 374) = 39 سنة

• عبدالرحيم بن محمد بن إسماعيل بن نُباتة [2] الفارقي [3].

 • قال ابن خلكان [4]: «صاحب الخطب المشهورة؛ كان إماماً في علوم الأدب،

ورزق السعادة في خُطبه التي وقع الإجماع على أنه ما عمل مثلها، وفيها دلالة على غزارة علمه وجودة قريحته».اهـ.

 • وأكثر خطبه في الجهاد، ليحث الناس عليه، وكان رجلاً صالحاً.

• قال الذهبي [5]: «خطيب الخطباء، مصنف الخطب المشهورة... ومات في الكهولة».اهـ.

• ديوان خطبه مطبوع.

• مات بعد منام رأى فيه النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يعش بعده إلا مدة يسيرة.



 بديع الزمان الهمذاني (358 - 398) = 40 سنة

• أحمد بن الحسين بن يحيى بن سعيد الهمذاني، أبو الفضل.

• قال أبو شجاع[6]: «كان أحد الفضلاء والفُصحاء، متعصباً لأهل الحديث وال سنة، ما أخرجت همذان بعده مثله، وكان من مفاخر بلدنا».

• وقال الثعالبي[7]:«بديع الزمان، ومعجزة همذان، ونادرة الفلك، وبكر عُطارد، وفرد الدهر،

وغرة العصر، ولم نر نظيره في الذكاء وسرعة الخاطر، وشرف الطبع، وصفاء الذهن... وكان صاحب عجائب وبدائع، فمنها:

• أنه كان ينشد الشعر لم يسمعه قط، وهو أكثر من خمسين بيتاً إلا مرة واحدة، فيحفظها كلها، ويؤديها من أولها إلى آخرها، لا يخرم حرفاً.

• وينظر في الأربعة والخمسة الأوراق، من كتاب لم يعرفه ولم يره نظرة واحدة خفيفة، ثم يهذّها عن ظهر قلبه هذَّا.

• وكنا يُقترح عليه، عمل قصيدة، وإنشاء رسالة، في معنى بديع، وباب غريب، فيفرغ منها في الوقت والساعة.

• وكان ربما كتب الكتاب المقترح عليه، فيبتدئ بآخره، ثم هلم جراً إلى أوله، ويخرجه كأحسن شيء وأملحه...

• إلى عجائب كثيرة لا تُحصى، ولطائف تطول أن تستقصى».اهـ.

• من رسائله: «الماء إذا طال مُكثه، ظهر خُبثُه. وإذا سكن متنه، تحرك نتنه.

 وكذلك الضيف يسمج لقاؤه، إذا طال ثواؤه، ويثقل ظله، إذا انتهى محله. والسلام».



• وانظر ما قيل في سبب موته [8].

 (ومن الطرائف):

أن الحاكم النيسابوري (405هـ)، طلب من «البديع» حفظ جزء

 حديثي في أسبوع كامل، فما استطاع. وذلك لأنه ليس فنه، ولا تخصصه [9].



[1] «إرشاد الأريب» (18/197). وانظر:«المحمدون من الشعراء» (ص343)، للقفطي؛ و«بغية الوعاة» (1/109).

[2] بضم النون، وفتح الباء الموحدة قيده ابن خلكان.

[3] نسبة إلى «ميافارقين». قال السمعاني:«ولكثرة حروفها، وثقلها خففوا هذا النسبة،

وأسقطوا من أولها ذكر (ميا) وقالوا:«الفارقي» ». «الأنساب» (5/424)، (4/334).

[4] «وفيات الأعيان» (3/156).

[5] «العبر» (2/142). وانظر:«شذرات الذهب» (3/83).

[6] «إرشاد الأريب» (2/161 - 202).

[7] «يتيمة الدهر» (4/256 - 301).

[8] «وفيات الأعيان» (1/129). وانظر:«السير» (17/67).

[9] وله قصيدة يمدح بها الصحابة، ويرد على الروافض ونحوهم في «إرشاد الأريب». وتقع في (أربعة وأربعين) بيتاً، فانظرها.

سلسلة أحاديث وآثار عن الصحابة وأسانيدها لا تصح

 الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده .
وبعد، فالحمد لله الذي هدانا لاتباع منهج السلف الصالح، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، ومن ميّزات هذا المنهج عدم قبول الأحاديث والآثار إذا لم تثبت بإسناد صحيح، وكم نسمع من خطباء ووعّاظ هذا العصر من استشهادهم بأحاديث وآثار لم ترد في كتابٍ من كتب الحديث، فهي لا أصل لها، مصداقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلّم عن قرون الخلف : " ثم يفشو الكذب " ، وقول النبي صلى الله عليه وسلّم عند قبض العلماء : " اتخذ الناس رؤوساً جهّالاً "، وسأبدأ بجمع الأحاديث والآثار التي لم نسمعها إلاّ من خطباء ووعّاظ هذا العصر، ولا أصل لها، والله المستعان :

والله أسال أن يوفقنا الى كل خير وأن يرزقنا الأخلاص في القول والعمل ان ولي ذلك والقادر عليه
1.أثر عائشة رضي الله عنها :أنها كانت تعطر النقود بالمسك قبل أن تتصدق بها.لا أصل له وهو مشهور على ألسنة الوعاظ.

زياد علي

زياد علي محمد