مصطفى السباعي الداعية الرائد والعالم المجاهد رحمه الله
حياته:
وُلِد في مدينة حِمص وسط سورية عام (1334هـ/ 1915م)، في أسرةٍ كريمةٍ عُرفت بالعلم والصلاح
على مدى قرون من الزمن, أنهى دراستَه الأولية والثانوية الشرعية في حمص عام (1930م)،
وكان الأولَ على زملائه، ومن المتفوقين طول دراسته, فقد حفظ القرآن وهو صبي, وتلقى ألوان العلوم
الشرعية والعربية على يد والده عالِم حمص وخطيبها, وعلى أيدي علماء حمص الذين كانوا يفدون إلى بيت أبيه،
وكان يحضر مجالسهم، ويختزن ما يسمع ويرى في نفسه, فقد كان شديدَ التأثر بتلك المجالس
وبأولئك العلماء الذين كانوا يَحدَبُون عليه، ويهتمون به، ويعطونه المسائل العلمية والأدبية والاجتماعية والسياسية,
الأمر الذي جعله أكبر من سنِّه، فقد كان يعي ما يدور حوله من القضايا، خاصة ما يتعلق منها بالعقيدة والدين، والوطن والأمة.
اعتُقل وهو في السادسةَ عشرَ من عمره، وهو يحرض الناس ضد الاستعمار الفرنسي، وفي عام (1933م)
سافر إلى مصر، والتحق بالأزهر، وانتسب إلى قسم الفقه، ونال الإجازة من كلية أصول الدين بتفوق,
كان السباعي قوة جبارة، وكان وهو ابن اثني عشر عامًا يقرأ مجلة "الفتح" القاهرية ويراسل صاحبَها
محب الدين خطيب، وعندما صار في القاهرة بادر بالاتصال بعلمائها وأدبائها ورجالها،
وكان فيمَن سعى إليه صاحبُ الفتح، الكاتب الأديب الثائر، والإمام حسن البنا، وتعرَّف على دعوة الإخوان المسلمين
وانتسب إليها، وصار من أبرز أعضائها؛ الأمر الذي جعل الإنكليز المحتلين يعتقلونه في عام (1934م)،
وعندما أفرجوا عنه كان قد شُحن في المعتقل بوَقود جديد, فأعاد الإنكليز اعتقالَه
بتهمة تأليف جمعية سرية لتأييد ثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق.
وبعد الإفراج عنه وعودته إلى مدينته حمص، قاد المظاهرات الحاشدة، وخطب في المتظاهرين وحرضهم
على الثورة المسلحة, وبعد انقطاعه عن الدراسة لم يقعد في بيته عاطلاً عن العمل؛ بل باشر التدريس،
وفي عام (1944م) درَّس مادتي اللغة العربية والتربية الإسلامية في ثانويات حمص,
ثم انتقل إلى دمشق فأسس مع لفيف من إخوانه المربِّين المعهدَ العربي الإسلامي, وكان السباعي أول مدير له.
كان السباعي طاقة متفجرة يعمل في أكثر من ميدان من ميادين الحياة الاجتماعية، فأسس عدة جمعيات
خيرية وإسلامية, أسس في مدينة حمص (الرابطة الدينية)، و(جمعية شباب محمد - صلى الله عليه وسلم)، و(جمعية الشبان المسلمين).
بعد عودته من مصر أسهم مع عدد من إخوانه في تأسيس جماعة الإخوان المسلمين في سورية عام (1945م)،
وكان أولَ مراقب عام لها, وفي العام نفسه قاد الثورة المسلحة على الاستعمار في مدينته حمص,
وقاد المظاهرات الصاخبة فيها، وقد تم الجلاء في 17/ 4/ 1946م.
وفي عام (1949م) خاض السباعي الانتخابات عن مدينة دمشق, ونال أكثر الأصوات مع
أنه ليس دمشقيًّا، وكان أحد الأعضاء البارزين في الجمعية التأسيسية.
وفي السنة نفسها (1949م) نال شهادة الدكتوراه من الأزهر، على رسالته المهمة "السنة ومكانتها في
التشريع الإسلامي"، دافع فيها عن السنة النبوية دفاعًا مجيدًا، قلَّ نظيرُه في كل ما كُتِب في الدفاع عنها ومدافعة
خصومها وأعدائها، وفي عام (1950م) عُيِّن مدرسًا في كلية الحقوق في الجامعة السورية لمادتي
الأحوال الشخصية والشريعة, ثم صار رئيسًا لقسم الفقه الإسلامي ومذاهبه في الكلية.
في عام 1955م أسَّس كلية الشريعة بجامعة دمشق, وكان صاحب مشروع موسوعة الفقه الإسلامي،
الذي ناضل كثيرًا من أجله، وبذل من حُرِّ وقته ما لا يعرفه إلا الله- سبحانه - وكان رئيسًا لها.
وفي العام نفسه أوفدته الجامعةُ السورية في رحلة علمية إلى ديار الغرب؛ لزيارة جامعاتها
والاطِّلاع على مناهج الدراسات الإسلامية فيها, فزار تركيا وإيطاليا وبريطانيا، وأيرلندا وبلجيكيا وهولنده،
والنرويج والسويد وفنلندا، وألمانيا والنمسا وسويسرا وفرنسا, وقد أكسبتْه هذه الرحلات والرحلات
الأخرى التي قام بها عام 1957م إلى موسكو - أكسبتْه عمقًا واتساعًا وشمولاً، وخبرات علمية وتربوية، وحكمة عملية ونظرية.
وبعد عودته من رحلته العلمية من الاتحاد السوفيتي عام 1957م - هجم عليه المرضُ هجمة عنيفة,
وشُلَّ أكثر من نصفه الأيسر، وأثَّر على حركته؛ ولكنه لم يقعد عن ممارسة نشاطه العلمي والدعوي؛
بل كانت فترة مرضه من أبركِ الأوقات، فقد تفرغ للعلم، وأتحف المكتبة الإسلامية بمجموعة غنية من الكتب والمحاضرات.
صفاته وشمائله:
كان - رحمه الله – طويلاً، جميل الخلقة، متناسبَ الأعضاء, خفيفَ اللحية، أشقرَ البَشَرة والشعر,
بسَّام المُحيَّا، مهيبَ الطلعة، دائب الحركة مع وقار لا يفارقه في سائر أحواله, عذْبَ الحديث،
ودَمِثَ الأخلاق، فيه فكاهة محببة، في خفة دم، ورشاقة أسلوب، وكان عفيف اللسان واليد,
منفتحًا على الآخرين, وكان يثق بإخوانه ولا يتهمهم في نيَّاتهم, وكان يواجه المشكلات بحزم وعزم,
وكان قارئًا نهمًا، يقرأ في الدين والأدب، والسياسة والاجتماع، ويحرص على قراءة ما تطلعه المطابع
من كتب مترجمة عن الغرب والشرق، أدبًا وسياسةً وفلسفة, وبهذا أفاد من علوم الغرب وأدبه،
قرأها ونخَلَها، فأخذ المفيد منها، وترك الضار، ونبَّه إلى المفيد والضار؛ ليجنب أبناء أمته العثرات.
العوامل الإيجابية المؤثرة في تكوينه النفسي والفكري:
1- والده الشيخ حسن السباعي:
من أسرة عريقة في العلم والفضل والوجاهة، كان خطيب الجامع الكبير بحمص, وكان فقيهًا في الفقه الحنفي،
ومطلعًا على المذاهب الأخرى، وكان خطيبًا مفوهًا، ومحدثًا مؤثِّرًا، وعالمًا عاملاً، ومحبًّا لفعل الخيرات
وإسداء النصح للمسلمين, وإصلاح ما بينهم من خصومات ومشاحنات, وكان مجاهدًا،
ناضلَ الفرنسيين والمستعمرين بلسانه وماله وفتاواه، مطلعًا على ما يجري
في سورية خاصةً، وفي الوطن العربي والعالم الإسلامي عامةً.
وكان الفتى قرةَ عين أبيه، الذي رأى فيه مخايلَ النبوغ، وأنه سيكون في قابل الأيام عالمًا وخطيبًا،
ووجيهًا في الدنيا والآخرة، فأولاه عنايةً خاصة، وحبَّبه في العلم، وعلَّمه القرآن العظيم تلاوةً وحفظًا،
وصحبه معه إلى مجالس العلماء؛ ليصقل نفسه، ويربي عقله, ودرَّبه على الخطابة وهو فتًى
قبل أن يتجاوز سن الطفولة, مما سهل عليه فيما بعدُ هذه المهمةُ،
وتعوَّد لسانه على ذلاقة اللغة العربية، واستَوسَقتْ له مَلَكةُ الفصاحة ارتجالاً.
2- تعليمه:
كان السباعي يتلقى العلم من جهتين: جهة أبيه، الذي علَّمه القرآن العظيم تلاوةً وتجويدًا، وحفظًا وفهمًا,
كما علَّمه مبادئ النحو والصرف والبلاغة والفقه والحديث, وصحِبَه إلى مجالس العلماء؛
ليحضر تلك الحلقاتِ العلميةَ، ويتشربَ حبَّ العلم والعلماء من خلال تحاور أولئك العلماء الربانيين
بعضهم مع بعض, فعَبَّ من علومهم الشيءَ الكثير, ونهل من أخلاقهم، وتعلَّم منهم الصبر على
المدارسة من أجل الفهم والاستنباط، وعرف منهم أن ثمة سُبُلاً أخرى للتحصيل العلمي،
وبناء الشخصية السوية؛ كالمطالعة الحرة، ومعايشة الكتاب في المكتبات الخاصة والعامة.
إضافة إلى ذلك تعليمه الأزهري، ومصاحبته العلماء الأحرار الأكابر في مصر،
بالإضافة إلى الثورات المحلية ضد الاستعمار الفرنسي، وأكثرها إسلامية، دعا إليها المجاهدون
في الغوطة وجبل الزاوية والحفة، حيث طرق سمعَه أسماءُ كـ(القسَّام والخرَّاط وهنانو)،
أولئك الذين ضحوا بالمال، والجهد والراحة، والدم الحر؛ من أجل طرد الاستعمار،
فكان لهذا أثرُه العميق في نفس الفتى السباعي.
وفوق كل ذلك تعرُّفه إلى الإمام حسن البنا ومدرسته الإخوانية، الجامعة لسائر مقومات
الحياة والنهوض والانبعاث الإسلامي في مجالات الحياة كافة، تربيةً وتعليمًا, وفي النضال الوطني,
وفي الجهاد في سائر الساحات العربية والإسلامية، وفي الثورة على كافة أنواع التخلف في المجتمعات
الإسلامية والعربية, وفي مقارعة الاستعمار الإنكليزي, الذي كان سببَ ما نزل بأمتنا من
مصائبَ وكوارثَ، هذه الخصال مجتمعة كوَّنت نفسية السباعي، ودفعت بدفة حياته إلى التغيير الإيجابي في نهضة بلاده وأمته.
السباعي خطيبًا:
لم يَعرِف عالَمُ الخطابة في العصور الحديثة أخطبَ من الدكتور مصطفى السباعي, ولا أبلغَ بلاغة،
ولا أفصح فصاحةً, ولا أشدَّ تأثيرًا منه في سامعيه، فكانت له يد بيضاء في السمو بها إلى مرتقًى
سامقٍ لم تَبلُغْه من قبل، ولم تَشهده بعدُ, وأفاد مِن براعته مَن جاء بعده، وحاول تقليده، أو الخبَّ في مسالكه؛ ولكنه لم يبلغ شأوه.
كان السباعي الخطيب المصقع، يبث في الناس - كل الناس - روحَ الحرية والكرامة، واستقلال الشخصية،
والعزة النفسية، بما أوتي من فصاحة، لا يبعد بها عن مألوفهم، ولا يتناءى عما عرَفوه،
فلم يعلُ على مداركهم، إلا ليرتفع شيئًا فشيئًا، فأحبوه وعشقوا خطاباته التي تصعد بهم في مدارج
الخيال والذكريات، ثم تعُود بهم إلى واقعهم المعيش، فتهزهم هزًّا بجزالة ألفاظها، وجمال عباراتها،
وجلال معانيها، التي كانت تدغدغ مراكز الشموخ والكرامة في نفوسهم، فما كانت لفظةُ
الكرامة لتغيبَ عن خطبة من خطبه الشماء، وكذلك كل معنى شريف من معاني الحرية والشهامة،
والإخوة والحب، والجرأة والإقدام، والشجاعة والكرم، وسائر مبادئ الإسلام، وتعاليمه، وقيمه الأصيلة.
وكان يأسر سامعيه بأسلوبه الفذ، الذي كان يستخدم ألوان الفصاحة والبلاغة دونما تكلُّف،
فقد كان يستهويهم بترفه في فنون القول، ويثير مشاعرَهم وهو يتنقل بهم من التقرير إلى الاستفهام،
ومن التهكم إلى السخرية المهذبة، إلى التعجب، ومن الجد إلى الدُّعابة التي تصب في بؤرة الشعور،
وتخدم الموضوع الذي هيأ له نفسه، وحشد له ما حشد من ألوان التأثير على المشاعر والأحاسيس،
فلا يصيب جماهيرَ المستمعين سأمٌ أو ملل، مشدودين بصوته العذب إلى السمت الساحر،
وإلى المعاني التي لم يسمعوها من قبل، في الصورة التي يعرضها هذا الخطيب، الذي يشعل في القلوب
حرائقَ، بما يسرد من حقائقَ بلهجة صادقة، ونبرة رائقة، واتِّزان وسمو يملأ النفوسَ نحو الهدف
الذي يرمي إليه الخطيب، فتقنع العقول، وترتاح القلوب، فلا تحيد له رماية عن مرماهم.
كان السباعي يرتجل خُطبَه، فتعجب لهذا الارتجال الذي يأتي مسددًا في أسلوبه ومعانيه،
وفي إصابة الهدف في نفوس مستمعيه، ودون أن تقع له على هفوةٍ لفظية، فقد كان قمة في التجويد،
وفي اللغة وعلومها، فلا ينبو عن سمعك بخطأ لغوي، أو نحوي، أو صرفي، أو بلاغي،
ولا تتجافى جنوب عقلك وقلبك عن معنًى مبتذل، أو غايةٍ غير نبيلة.
كان يرتجل خطبه وأنت تظن أنه أتعب نفسَه في التحضير لموضوعه، واختيار ألفاظه وعباراته،
والتنقيب عن أفكاره ومعانيه، وقد يكون الموضوع ابن لحظته، لم يُعِدَّ له ولم يَستعدَّ،
ولكنه وُضع في موقف مرتهن، فبادر إلى فك الرهان بما آتاه الله من فصاحة اللسان، وحصافة العقل،
وذكاء القلب، وجمال السمت، وجلال النفس، وعذوبة الصوت، وأسر موسيقاه،
وحضور البديهة التي تحتوي ما قد يَجِدُّ على الموقف.
كان السباعي يخطب الساعة والساعتين، والساعات الثلاث والأربع، يتدفق الكلام الحلو من الفم الحلو
في سائر أحواله، حتى وهو يرغي ويزبد كداعية حرب نزال، هم في البرلمان وهو يحاول
إقناع زملائه النواب، وهو يخطب في جماهير المتظاهرين، وهو يخطب الجمعة، وهو يَرُدُّ على
السياسيين، وهو يرد على المفكرين المنحرفين، الكلمات القوية، والمعاني الراسخة، وحركات اليد،
والقبضة الحديدية التي تُرافق تلك الكلماتِ والمعانيَ، والصرخة الأبيَّة الحرة، والنبرة التي تأتي
عالية حينًا، وحينًا حيِيَّة، كانت من بعض مقومات خطاباته، وعناصر نجاحه فيها.
أبو الفقراء والمساكين:
كان السباعي بمثابة الأب الحاني لسائر الفقراء والمساكين، والمحتاجين والمُعوِزين، والعجزة والأيتام والأرامل،
ومَن يشبههم من أبناء المجتمع السوري، قد أهمته أمورُهم، وشغلتْه قضاياهم في وقت مبكر
من حياته الخصبة، المليئة بجلائل الأعمال، فقد حارب سائرَ أشكال الظلم الاجتماعي،
وحاول إصلاح الخلل في الأوضاع الاجتماعية الجائرة، فعمِل على القضاء على البطالة السافرة والمقنَّعة،
وعلى معالجة مشكلة غلاء المعيشة، وارتفاع الأسعار، ومحدودية الدخل، وغلاء الإيجارات،
وقانون الإيجار، ومكافحة الجهل، والجوع والبؤس، والمرض والأمية، فأنشأ المدارس الليلية للفقراء،
وخصص يومًا للفقراء كل عام، وأنشأ لجانًا لجمع التبرعات والإعانات وتوزيعها على المحتاجين،
وشكل لجنة دائمة لذلك، أطلق عليها اسم (اللجنة التعاونية)، وكان حربًا على سائر أشكال التخلف
في الريف والأحياء الفقيرة في المدن، وقد أنشأ عدة لجان لذلك: كاللجنة الثقافية، ولجنة مكافحة الأمية،
واللجنة العمالية، واللجنة الطلابية، واللجنة الطبية، والجمعيات الخيرية، وتبنَّى مفهوم
اشتراكية الإسلام منذ عام 1949م، عندما كان عضوًا في الجمعية التأسيسية، التي صاغت الدستور السوري عام 1950م.
وكان يرى أن تنهض الدولة بكفالة هؤلاء، وإن لم تكفِ مواردُها، فلها أن تصادر ما هو ضروري
ولازم للحياة الكريمة، وفي مجتمعاتها التي ينبغي أن يتصف بالكفاية والعدل، ويوفر الحرية
والكرامة لسائر المواطنين, وعلى الدولة أن تقضي على كل الأسباب التي تحُول دون ذلك،
وعليها أن تقضي على الاحتكارات، والربا والقمار، وسائر أشكال الظلم والفساد الإداري.
في الصحافة:
لا نستطيع أن نبعد السباعي عن مملكة الصحافة؛ لأنه كاتبٌ رصين، ذو أسلوب جزل، وفكر عميق,
فقد باشر السباعي الفتى الكتابةَ في مجلة الفتح القاهرية، وكان صاحبُها الكاتبَ الكبير المجاهد
محب الدين الخطيب، وقد أفسح له صفحاتها ليكتب فيها المقالات الحارَّة ذات الوهج المشتعل،
منذ عام 1933م، 1934م عن فلسطين، وعن مآسي الاستعمار في سورية ولبنان والعراق.
كما نقد كتابي الدكتور أحمد أمين "فجر الإسلام"، و"ضحى الإسلام" في مجلة "الرسالة"،
التي كان يصدرها الزيات عام 1940م، وكانت انتقاداته علمية رصينة، تتناسب مع مجلة "الرسالة"
ذات المقام الرفيع، وكان السباعي طالبًا في الأزهر حينئذٍ، وكان الدكتور أحمد أمين عميدَ كلية الآداب،
وقد دافع فيها السباعي عن السنة وعن قضايا الإسلام والمسلمين.
وفي 22/ 6/ 1946م ظهر العدد الأول من جريدة "المنار"، التي أصدرها السباعي في دمشق؛
لتكون لسان حال جماعة الإخوان المسلمين في سورية، في أربع صفحات، وعرفها بأنها: "
جريدة يومية سياسية تصدر في دمشق"، وكان السباعي صاحب امتيازها، ومدير سياستها،
وكان هو والأستاذ عمر بهاء الدين الأميري يكتبان افتتاحياتها النارية ضد الأنظمة العربية الحاكمة،
وكان حال الدعوة (الحق والقوة والحرية)، تدعو إلى الإصلاح الجذري، وتدافع عن مصالح الشعب،
وترى في وحدة الأمة العربية والإسلامية طريقَ الخلاص للعرب والمسلمين.
في 6/ 2/ 1955م أصدر جريدة "الشهاب" الأسبوعية، وكان المحرر الأول فيها، وهبها الكثير
من وقته وجهده وراحته، ولكنها ما لبثت أن توقفت في 18/ 9/ 1957م؛ بسبب المشاغل
والمتاعب والمرض والأسفار التي تعرض لها السباعي.
وأصدر السباعي مجلة "المسلمون"، التي هاجرت مع صاحبها
ورئيس تحريرها الدكتور سعيد رمضان - رحمه الله - إلى مصر.
ثم أصدر السباعي مجلة "حضارة الإسلام"، وكتب تحت اسمها: "مجلة فكرية شهرية جامعة تصدر
في جامعة دمشق"، سنتها عشرة أعداد, وصدر العدد الأول منها في تموز 1960م،
وكان السباعي يكتب كل افتتاحياتها، إلى جانب مقال رئيس، كما كان يحرر بعض أبوابها الثابتة،
وكان يهتم برسائل القراء ويجيب عليها، ويشجع تلاميذه على الكتابة فيها، ويستكتب كبار
الكُتَّاب من أنحاء العالم الإسلامي، حتى غدت، إلى جانب أختها "المسلمون"
التي هاجرت مع صاحبيها إلى جنيف - أرقى مجلتين فكريتيين إسلاميتين.
نُبَذٌ من أقواله:
* الفن قيثارة الشيطان.
* إسرائيل لا تُعِدُّ لغزونا الراقصات المغنيات والرسامين، ولكنها تعد فرقًا من الفدائيين،
وأساطيل من الجو والبحر، وقذائف للهلاك والتدمير، فهل يفهم المنحلُّون
والمتآمرون والكسالى والوجوديون والمستغربون والمفتونون؟!
* ليس أسهل على نفوس الشباب في أمة حديثة الوعي، من إغرائهم بالشهرة عن طريق
الفن والرقص، وهذا هو سر استجابتهم لإغراء خرافة الفن، واستمتاعهم بلذته.
* وجدتُ الأمم اللاتينية أكثر براعةً في الفن، وأقل تقدُّمًا في العلم، وأسرع هزيمةً في الحرب,
ووجدت الأمم الإسكندينافية والسكسونية أقل براعةً في الفن، وأكثر تقدمًا في العلم، وأشد استعصاءً
على الهزيمة في الحرب، فهل يريد الذين يشجعون فينا الفنَّ على حساب العلم،
أن ننهزم في الحرب، ونتأخر في استكمال وسائل القوة؟!
* لم تهزم أمةٌ أمةً أخرى بالفن؛ لكنما هزمتْها بالقوة، ومن التضليل أن يعتبر الفن من وسائل القوة.
* ليس الفن شرًّا؛ بل منه ما هو خير، ومنه ما هو شر، والشر منه ما يهيج الشر.
* إني أعلن بكل صراحة: أن اشتغال المرأة في السياسة يقف الإسلامُ منه موقفَ النفور الشديد،
إن لم أقل موقفَ التحريم، لا لعدم أهلية المرأة؛ بل للأضرار الاجتماعية
التي تنشأ عنه، وللمخالفة الصريحة للآداب في الإسلام.
* الشباب يصنعون التاريخ بقلوبهم، والعلماء يصنعونه بعقولهم، والحكماء يصنعونه بأرواحهم،
فإذا تعاون القلب والعلم والروح على صنع التاريخ، كان تاريخًا لا ينطفئ نورُه، ولا تخبو ناره، وكذلك صنعنا التاريخ أول مرة.
* اعتقاد الحق - ولو عن تقليد - معرفة، وإنكار الحق - ولو عن تفكير - جهالة.
* هكذا الحياة: نبدأ مغمورين، ثم نصبح مشهورين، ثم نمسي مقبورين،
وبعد ذلك إما أن نكون مسرورين، وإما أن نكون مقهورين.
* اتَّخذْ مِن الفشل سُلمًا للنجاح، ومن الهزيمة طريقًا إلى النصر، ومن المرض فرصةً للعبادة،
ومن الفقر وسيلةً إلى الكفاح، ومن الآلام بابًا إلى الخلود، ومن الظلم حافزًا للتحرر، ومن القيد باعثًا على الانطلاق.
* إذا همَّت نفسُك بمعصية الله، فذكِّرها بنظر الله إليك، فإن لم ترتدع، فذكِّرها بأخلاق الرجال،
فإن لم ترتدع، فذكرها بفضيحة الناس إن شهدوها، فإن لم ترتدع، فاعلم أنك انقلبت حينها إلى حيوان.
سرد لأهم مؤلفاته:
1- "السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي".
2- "المرأة بين الفقه والقانون".
3- "اشتراكية الإسلام".
4- "من روائع حضارتنا".
5- "أخلاقنا الاجتماعية".
6- "دعوة الإسلام واقعية لا خيال".
7- "الإخوان المسلمون في حرب فلسطين".
8- "أحكام الصيام وفلسفته في ضوء القرآن والسنة".
9- "هذا هو الإسلام".
10- "عظماؤنا في التاريخ".
11- "الاستشراق والمستشرقون: مالهم وما عليهم".
12- "السيرة النبوية دروس وعبر".
13- "شرح قانون الأحوال الشخصية".
14- "هكذا علمتني الحياة".
15- "القلائد من فرائد الفوائد".
16- "دروس من دعوة الإخوان المسلمين".
17- "الصراع بين العقل والقلب".
وفاته:
وفي يوم السبت في السابع والعشرين من جمادى الأولى 1384هـ، الموافق لشهر تشرين الأول سنة 1964م
، ترجَّل الفارس المقدام، ورحل الرائد والأب، رحل القائد التاريخي, بكاه إخوانه وتلاميذه
في كل مكان، بكَتْه دمشق وكل سورية، وكانت للقائد العظيم جنازةٌ ما شهدت دمشق
ولا سورية مثلها، رحل القائد والخطيب، والعالم والمفكر، والأديب والمنظِّر، استراح الجسد،
ولكن هيهات لروحه المبثوثة في كتبه وخطبه، وشعره وحكمه، ووصاياه ورسائله - أن تعرف الراحة.
لقد كابد الكثير في عمره القصير، الذي لم يصل إلى الخمسين, ومات الرجل الذي لم يُقعده
المرضُ والشلل عن حمل أعباء الدعوة، ولا عن الجهاد باللسان، ولم يقعده المثبِّطون
والحاسدون والحاقدون من الأقرباء والبُعَداء عن حمل تلك الراية.
رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جنانه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
حياته:
وُلِد في مدينة حِمص وسط سورية عام (1334هـ/ 1915م)، في أسرةٍ كريمةٍ عُرفت بالعلم والصلاح
على مدى قرون من الزمن, أنهى دراستَه الأولية والثانوية الشرعية في حمص عام (1930م)،
وكان الأولَ على زملائه، ومن المتفوقين طول دراسته, فقد حفظ القرآن وهو صبي, وتلقى ألوان العلوم
الشرعية والعربية على يد والده عالِم حمص وخطيبها, وعلى أيدي علماء حمص الذين كانوا يفدون إلى بيت أبيه،
وكان يحضر مجالسهم، ويختزن ما يسمع ويرى في نفسه, فقد كان شديدَ التأثر بتلك المجالس
وبأولئك العلماء الذين كانوا يَحدَبُون عليه، ويهتمون به، ويعطونه المسائل العلمية والأدبية والاجتماعية والسياسية,
الأمر الذي جعله أكبر من سنِّه، فقد كان يعي ما يدور حوله من القضايا، خاصة ما يتعلق منها بالعقيدة والدين، والوطن والأمة.
اعتُقل وهو في السادسةَ عشرَ من عمره، وهو يحرض الناس ضد الاستعمار الفرنسي، وفي عام (1933م)
سافر إلى مصر، والتحق بالأزهر، وانتسب إلى قسم الفقه، ونال الإجازة من كلية أصول الدين بتفوق,
كان السباعي قوة جبارة، وكان وهو ابن اثني عشر عامًا يقرأ مجلة "الفتح" القاهرية ويراسل صاحبَها
محب الدين خطيب، وعندما صار في القاهرة بادر بالاتصال بعلمائها وأدبائها ورجالها،
وكان فيمَن سعى إليه صاحبُ الفتح، الكاتب الأديب الثائر، والإمام حسن البنا، وتعرَّف على دعوة الإخوان المسلمين
وانتسب إليها، وصار من أبرز أعضائها؛ الأمر الذي جعل الإنكليز المحتلين يعتقلونه في عام (1934م)،
وعندما أفرجوا عنه كان قد شُحن في المعتقل بوَقود جديد, فأعاد الإنكليز اعتقالَه
بتهمة تأليف جمعية سرية لتأييد ثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق.
وبعد الإفراج عنه وعودته إلى مدينته حمص، قاد المظاهرات الحاشدة، وخطب في المتظاهرين وحرضهم
على الثورة المسلحة, وبعد انقطاعه عن الدراسة لم يقعد في بيته عاطلاً عن العمل؛ بل باشر التدريس،
وفي عام (1944م) درَّس مادتي اللغة العربية والتربية الإسلامية في ثانويات حمص,
ثم انتقل إلى دمشق فأسس مع لفيف من إخوانه المربِّين المعهدَ العربي الإسلامي, وكان السباعي أول مدير له.
كان السباعي طاقة متفجرة يعمل في أكثر من ميدان من ميادين الحياة الاجتماعية، فأسس عدة جمعيات
خيرية وإسلامية, أسس في مدينة حمص (الرابطة الدينية)، و(جمعية شباب محمد - صلى الله عليه وسلم)، و(جمعية الشبان المسلمين).
بعد عودته من مصر أسهم مع عدد من إخوانه في تأسيس جماعة الإخوان المسلمين في سورية عام (1945م)،
وكان أولَ مراقب عام لها, وفي العام نفسه قاد الثورة المسلحة على الاستعمار في مدينته حمص,
وقاد المظاهرات الصاخبة فيها، وقد تم الجلاء في 17/ 4/ 1946م.
وفي عام (1949م) خاض السباعي الانتخابات عن مدينة دمشق, ونال أكثر الأصوات مع
أنه ليس دمشقيًّا، وكان أحد الأعضاء البارزين في الجمعية التأسيسية.
وفي السنة نفسها (1949م) نال شهادة الدكتوراه من الأزهر، على رسالته المهمة "السنة ومكانتها في
التشريع الإسلامي"، دافع فيها عن السنة النبوية دفاعًا مجيدًا، قلَّ نظيرُه في كل ما كُتِب في الدفاع عنها ومدافعة
خصومها وأعدائها، وفي عام (1950م) عُيِّن مدرسًا في كلية الحقوق في الجامعة السورية لمادتي
الأحوال الشخصية والشريعة, ثم صار رئيسًا لقسم الفقه الإسلامي ومذاهبه في الكلية.
في عام 1955م أسَّس كلية الشريعة بجامعة دمشق, وكان صاحب مشروع موسوعة الفقه الإسلامي،
الذي ناضل كثيرًا من أجله، وبذل من حُرِّ وقته ما لا يعرفه إلا الله- سبحانه - وكان رئيسًا لها.
وفي العام نفسه أوفدته الجامعةُ السورية في رحلة علمية إلى ديار الغرب؛ لزيارة جامعاتها
والاطِّلاع على مناهج الدراسات الإسلامية فيها, فزار تركيا وإيطاليا وبريطانيا، وأيرلندا وبلجيكيا وهولنده،
والنرويج والسويد وفنلندا، وألمانيا والنمسا وسويسرا وفرنسا, وقد أكسبتْه هذه الرحلات والرحلات
الأخرى التي قام بها عام 1957م إلى موسكو - أكسبتْه عمقًا واتساعًا وشمولاً، وخبرات علمية وتربوية، وحكمة عملية ونظرية.
وبعد عودته من رحلته العلمية من الاتحاد السوفيتي عام 1957م - هجم عليه المرضُ هجمة عنيفة,
وشُلَّ أكثر من نصفه الأيسر، وأثَّر على حركته؛ ولكنه لم يقعد عن ممارسة نشاطه العلمي والدعوي؛
بل كانت فترة مرضه من أبركِ الأوقات، فقد تفرغ للعلم، وأتحف المكتبة الإسلامية بمجموعة غنية من الكتب والمحاضرات.
صفاته وشمائله:
كان - رحمه الله – طويلاً، جميل الخلقة، متناسبَ الأعضاء, خفيفَ اللحية، أشقرَ البَشَرة والشعر,
بسَّام المُحيَّا، مهيبَ الطلعة، دائب الحركة مع وقار لا يفارقه في سائر أحواله, عذْبَ الحديث،
ودَمِثَ الأخلاق، فيه فكاهة محببة، في خفة دم، ورشاقة أسلوب، وكان عفيف اللسان واليد,
منفتحًا على الآخرين, وكان يثق بإخوانه ولا يتهمهم في نيَّاتهم, وكان يواجه المشكلات بحزم وعزم,
وكان قارئًا نهمًا، يقرأ في الدين والأدب، والسياسة والاجتماع، ويحرص على قراءة ما تطلعه المطابع
من كتب مترجمة عن الغرب والشرق، أدبًا وسياسةً وفلسفة, وبهذا أفاد من علوم الغرب وأدبه،
قرأها ونخَلَها، فأخذ المفيد منها، وترك الضار، ونبَّه إلى المفيد والضار؛ ليجنب أبناء أمته العثرات.
العوامل الإيجابية المؤثرة في تكوينه النفسي والفكري:
1- والده الشيخ حسن السباعي:
من أسرة عريقة في العلم والفضل والوجاهة، كان خطيب الجامع الكبير بحمص, وكان فقيهًا في الفقه الحنفي،
ومطلعًا على المذاهب الأخرى، وكان خطيبًا مفوهًا، ومحدثًا مؤثِّرًا، وعالمًا عاملاً، ومحبًّا لفعل الخيرات
وإسداء النصح للمسلمين, وإصلاح ما بينهم من خصومات ومشاحنات, وكان مجاهدًا،
ناضلَ الفرنسيين والمستعمرين بلسانه وماله وفتاواه، مطلعًا على ما يجري
في سورية خاصةً، وفي الوطن العربي والعالم الإسلامي عامةً.
وكان الفتى قرةَ عين أبيه، الذي رأى فيه مخايلَ النبوغ، وأنه سيكون في قابل الأيام عالمًا وخطيبًا،
ووجيهًا في الدنيا والآخرة، فأولاه عنايةً خاصة، وحبَّبه في العلم، وعلَّمه القرآن العظيم تلاوةً وحفظًا،
وصحبه معه إلى مجالس العلماء؛ ليصقل نفسه، ويربي عقله, ودرَّبه على الخطابة وهو فتًى
قبل أن يتجاوز سن الطفولة, مما سهل عليه فيما بعدُ هذه المهمةُ،
وتعوَّد لسانه على ذلاقة اللغة العربية، واستَوسَقتْ له مَلَكةُ الفصاحة ارتجالاً.
2- تعليمه:
كان السباعي يتلقى العلم من جهتين: جهة أبيه، الذي علَّمه القرآن العظيم تلاوةً وتجويدًا، وحفظًا وفهمًا,
كما علَّمه مبادئ النحو والصرف والبلاغة والفقه والحديث, وصحِبَه إلى مجالس العلماء؛
ليحضر تلك الحلقاتِ العلميةَ، ويتشربَ حبَّ العلم والعلماء من خلال تحاور أولئك العلماء الربانيين
بعضهم مع بعض, فعَبَّ من علومهم الشيءَ الكثير, ونهل من أخلاقهم، وتعلَّم منهم الصبر على
المدارسة من أجل الفهم والاستنباط، وعرف منهم أن ثمة سُبُلاً أخرى للتحصيل العلمي،
وبناء الشخصية السوية؛ كالمطالعة الحرة، ومعايشة الكتاب في المكتبات الخاصة والعامة.
إضافة إلى ذلك تعليمه الأزهري، ومصاحبته العلماء الأحرار الأكابر في مصر،
بالإضافة إلى الثورات المحلية ضد الاستعمار الفرنسي، وأكثرها إسلامية، دعا إليها المجاهدون
في الغوطة وجبل الزاوية والحفة، حيث طرق سمعَه أسماءُ كـ(القسَّام والخرَّاط وهنانو)،
أولئك الذين ضحوا بالمال، والجهد والراحة، والدم الحر؛ من أجل طرد الاستعمار،
فكان لهذا أثرُه العميق في نفس الفتى السباعي.
وفوق كل ذلك تعرُّفه إلى الإمام حسن البنا ومدرسته الإخوانية، الجامعة لسائر مقومات
الحياة والنهوض والانبعاث الإسلامي في مجالات الحياة كافة، تربيةً وتعليمًا, وفي النضال الوطني,
وفي الجهاد في سائر الساحات العربية والإسلامية، وفي الثورة على كافة أنواع التخلف في المجتمعات
الإسلامية والعربية, وفي مقارعة الاستعمار الإنكليزي, الذي كان سببَ ما نزل بأمتنا من
مصائبَ وكوارثَ، هذه الخصال مجتمعة كوَّنت نفسية السباعي، ودفعت بدفة حياته إلى التغيير الإيجابي في نهضة بلاده وأمته.
السباعي خطيبًا:
لم يَعرِف عالَمُ الخطابة في العصور الحديثة أخطبَ من الدكتور مصطفى السباعي, ولا أبلغَ بلاغة،
ولا أفصح فصاحةً, ولا أشدَّ تأثيرًا منه في سامعيه، فكانت له يد بيضاء في السمو بها إلى مرتقًى
سامقٍ لم تَبلُغْه من قبل، ولم تَشهده بعدُ, وأفاد مِن براعته مَن جاء بعده، وحاول تقليده، أو الخبَّ في مسالكه؛ ولكنه لم يبلغ شأوه.
كان السباعي الخطيب المصقع، يبث في الناس - كل الناس - روحَ الحرية والكرامة، واستقلال الشخصية،
والعزة النفسية، بما أوتي من فصاحة، لا يبعد بها عن مألوفهم، ولا يتناءى عما عرَفوه،
فلم يعلُ على مداركهم، إلا ليرتفع شيئًا فشيئًا، فأحبوه وعشقوا خطاباته التي تصعد بهم في مدارج
الخيال والذكريات، ثم تعُود بهم إلى واقعهم المعيش، فتهزهم هزًّا بجزالة ألفاظها، وجمال عباراتها،
وجلال معانيها، التي كانت تدغدغ مراكز الشموخ والكرامة في نفوسهم، فما كانت لفظةُ
الكرامة لتغيبَ عن خطبة من خطبه الشماء، وكذلك كل معنى شريف من معاني الحرية والشهامة،
والإخوة والحب، والجرأة والإقدام، والشجاعة والكرم، وسائر مبادئ الإسلام، وتعاليمه، وقيمه الأصيلة.
وكان يأسر سامعيه بأسلوبه الفذ، الذي كان يستخدم ألوان الفصاحة والبلاغة دونما تكلُّف،
فقد كان يستهويهم بترفه في فنون القول، ويثير مشاعرَهم وهو يتنقل بهم من التقرير إلى الاستفهام،
ومن التهكم إلى السخرية المهذبة، إلى التعجب، ومن الجد إلى الدُّعابة التي تصب في بؤرة الشعور،
وتخدم الموضوع الذي هيأ له نفسه، وحشد له ما حشد من ألوان التأثير على المشاعر والأحاسيس،
فلا يصيب جماهيرَ المستمعين سأمٌ أو ملل، مشدودين بصوته العذب إلى السمت الساحر،
وإلى المعاني التي لم يسمعوها من قبل، في الصورة التي يعرضها هذا الخطيب، الذي يشعل في القلوب
حرائقَ، بما يسرد من حقائقَ بلهجة صادقة، ونبرة رائقة، واتِّزان وسمو يملأ النفوسَ نحو الهدف
الذي يرمي إليه الخطيب، فتقنع العقول، وترتاح القلوب، فلا تحيد له رماية عن مرماهم.
كان السباعي يرتجل خُطبَه، فتعجب لهذا الارتجال الذي يأتي مسددًا في أسلوبه ومعانيه،
وفي إصابة الهدف في نفوس مستمعيه، ودون أن تقع له على هفوةٍ لفظية، فقد كان قمة في التجويد،
وفي اللغة وعلومها، فلا ينبو عن سمعك بخطأ لغوي، أو نحوي، أو صرفي، أو بلاغي،
ولا تتجافى جنوب عقلك وقلبك عن معنًى مبتذل، أو غايةٍ غير نبيلة.
كان يرتجل خطبه وأنت تظن أنه أتعب نفسَه في التحضير لموضوعه، واختيار ألفاظه وعباراته،
والتنقيب عن أفكاره ومعانيه، وقد يكون الموضوع ابن لحظته، لم يُعِدَّ له ولم يَستعدَّ،
ولكنه وُضع في موقف مرتهن، فبادر إلى فك الرهان بما آتاه الله من فصاحة اللسان، وحصافة العقل،
وذكاء القلب، وجمال السمت، وجلال النفس، وعذوبة الصوت، وأسر موسيقاه،
وحضور البديهة التي تحتوي ما قد يَجِدُّ على الموقف.
كان السباعي يخطب الساعة والساعتين، والساعات الثلاث والأربع، يتدفق الكلام الحلو من الفم الحلو
في سائر أحواله، حتى وهو يرغي ويزبد كداعية حرب نزال، هم في البرلمان وهو يحاول
إقناع زملائه النواب، وهو يخطب في جماهير المتظاهرين، وهو يخطب الجمعة، وهو يَرُدُّ على
السياسيين، وهو يرد على المفكرين المنحرفين، الكلمات القوية، والمعاني الراسخة، وحركات اليد،
والقبضة الحديدية التي تُرافق تلك الكلماتِ والمعانيَ، والصرخة الأبيَّة الحرة، والنبرة التي تأتي
عالية حينًا، وحينًا حيِيَّة، كانت من بعض مقومات خطاباته، وعناصر نجاحه فيها.
أبو الفقراء والمساكين:
كان السباعي بمثابة الأب الحاني لسائر الفقراء والمساكين، والمحتاجين والمُعوِزين، والعجزة والأيتام والأرامل،
ومَن يشبههم من أبناء المجتمع السوري، قد أهمته أمورُهم، وشغلتْه قضاياهم في وقت مبكر
من حياته الخصبة، المليئة بجلائل الأعمال، فقد حارب سائرَ أشكال الظلم الاجتماعي،
وحاول إصلاح الخلل في الأوضاع الاجتماعية الجائرة، فعمِل على القضاء على البطالة السافرة والمقنَّعة،
وعلى معالجة مشكلة غلاء المعيشة، وارتفاع الأسعار، ومحدودية الدخل، وغلاء الإيجارات،
وقانون الإيجار، ومكافحة الجهل، والجوع والبؤس، والمرض والأمية، فأنشأ المدارس الليلية للفقراء،
وخصص يومًا للفقراء كل عام، وأنشأ لجانًا لجمع التبرعات والإعانات وتوزيعها على المحتاجين،
وشكل لجنة دائمة لذلك، أطلق عليها اسم (اللجنة التعاونية)، وكان حربًا على سائر أشكال التخلف
في الريف والأحياء الفقيرة في المدن، وقد أنشأ عدة لجان لذلك: كاللجنة الثقافية، ولجنة مكافحة الأمية،
واللجنة العمالية، واللجنة الطلابية، واللجنة الطبية، والجمعيات الخيرية، وتبنَّى مفهوم
اشتراكية الإسلام منذ عام 1949م، عندما كان عضوًا في الجمعية التأسيسية، التي صاغت الدستور السوري عام 1950م.
وكان يرى أن تنهض الدولة بكفالة هؤلاء، وإن لم تكفِ مواردُها، فلها أن تصادر ما هو ضروري
ولازم للحياة الكريمة، وفي مجتمعاتها التي ينبغي أن يتصف بالكفاية والعدل، ويوفر الحرية
والكرامة لسائر المواطنين, وعلى الدولة أن تقضي على كل الأسباب التي تحُول دون ذلك،
وعليها أن تقضي على الاحتكارات، والربا والقمار، وسائر أشكال الظلم والفساد الإداري.
في الصحافة:
لا نستطيع أن نبعد السباعي عن مملكة الصحافة؛ لأنه كاتبٌ رصين، ذو أسلوب جزل، وفكر عميق,
فقد باشر السباعي الفتى الكتابةَ في مجلة الفتح القاهرية، وكان صاحبُها الكاتبَ الكبير المجاهد
محب الدين الخطيب، وقد أفسح له صفحاتها ليكتب فيها المقالات الحارَّة ذات الوهج المشتعل،
منذ عام 1933م، 1934م عن فلسطين، وعن مآسي الاستعمار في سورية ولبنان والعراق.
كما نقد كتابي الدكتور أحمد أمين "فجر الإسلام"، و"ضحى الإسلام" في مجلة "الرسالة"،
التي كان يصدرها الزيات عام 1940م، وكانت انتقاداته علمية رصينة، تتناسب مع مجلة "الرسالة"
ذات المقام الرفيع، وكان السباعي طالبًا في الأزهر حينئذٍ، وكان الدكتور أحمد أمين عميدَ كلية الآداب،
وقد دافع فيها السباعي عن السنة وعن قضايا الإسلام والمسلمين.
وفي 22/ 6/ 1946م ظهر العدد الأول من جريدة "المنار"، التي أصدرها السباعي في دمشق؛
لتكون لسان حال جماعة الإخوان المسلمين في سورية، في أربع صفحات، وعرفها بأنها: "
جريدة يومية سياسية تصدر في دمشق"، وكان السباعي صاحب امتيازها، ومدير سياستها،
وكان هو والأستاذ عمر بهاء الدين الأميري يكتبان افتتاحياتها النارية ضد الأنظمة العربية الحاكمة،
وكان حال الدعوة (الحق والقوة والحرية)، تدعو إلى الإصلاح الجذري، وتدافع عن مصالح الشعب،
وترى في وحدة الأمة العربية والإسلامية طريقَ الخلاص للعرب والمسلمين.
في 6/ 2/ 1955م أصدر جريدة "الشهاب" الأسبوعية، وكان المحرر الأول فيها، وهبها الكثير
من وقته وجهده وراحته، ولكنها ما لبثت أن توقفت في 18/ 9/ 1957م؛ بسبب المشاغل
والمتاعب والمرض والأسفار التي تعرض لها السباعي.
وأصدر السباعي مجلة "المسلمون"، التي هاجرت مع صاحبها
ورئيس تحريرها الدكتور سعيد رمضان - رحمه الله - إلى مصر.
ثم أصدر السباعي مجلة "حضارة الإسلام"، وكتب تحت اسمها: "مجلة فكرية شهرية جامعة تصدر
في جامعة دمشق"، سنتها عشرة أعداد, وصدر العدد الأول منها في تموز 1960م،
وكان السباعي يكتب كل افتتاحياتها، إلى جانب مقال رئيس، كما كان يحرر بعض أبوابها الثابتة،
وكان يهتم برسائل القراء ويجيب عليها، ويشجع تلاميذه على الكتابة فيها، ويستكتب كبار
الكُتَّاب من أنحاء العالم الإسلامي، حتى غدت، إلى جانب أختها "المسلمون"
التي هاجرت مع صاحبيها إلى جنيف - أرقى مجلتين فكريتيين إسلاميتين.
نُبَذٌ من أقواله:
* الفن قيثارة الشيطان.
* إسرائيل لا تُعِدُّ لغزونا الراقصات المغنيات والرسامين، ولكنها تعد فرقًا من الفدائيين،
وأساطيل من الجو والبحر، وقذائف للهلاك والتدمير، فهل يفهم المنحلُّون
والمتآمرون والكسالى والوجوديون والمستغربون والمفتونون؟!
* ليس أسهل على نفوس الشباب في أمة حديثة الوعي، من إغرائهم بالشهرة عن طريق
الفن والرقص، وهذا هو سر استجابتهم لإغراء خرافة الفن، واستمتاعهم بلذته.
* وجدتُ الأمم اللاتينية أكثر براعةً في الفن، وأقل تقدُّمًا في العلم، وأسرع هزيمةً في الحرب,
ووجدت الأمم الإسكندينافية والسكسونية أقل براعةً في الفن، وأكثر تقدمًا في العلم، وأشد استعصاءً
على الهزيمة في الحرب، فهل يريد الذين يشجعون فينا الفنَّ على حساب العلم،
أن ننهزم في الحرب، ونتأخر في استكمال وسائل القوة؟!
* لم تهزم أمةٌ أمةً أخرى بالفن؛ لكنما هزمتْها بالقوة، ومن التضليل أن يعتبر الفن من وسائل القوة.
* ليس الفن شرًّا؛ بل منه ما هو خير، ومنه ما هو شر، والشر منه ما يهيج الشر.
* إني أعلن بكل صراحة: أن اشتغال المرأة في السياسة يقف الإسلامُ منه موقفَ النفور الشديد،
إن لم أقل موقفَ التحريم، لا لعدم أهلية المرأة؛ بل للأضرار الاجتماعية
التي تنشأ عنه، وللمخالفة الصريحة للآداب في الإسلام.
* الشباب يصنعون التاريخ بقلوبهم، والعلماء يصنعونه بعقولهم، والحكماء يصنعونه بأرواحهم،
فإذا تعاون القلب والعلم والروح على صنع التاريخ، كان تاريخًا لا ينطفئ نورُه، ولا تخبو ناره، وكذلك صنعنا التاريخ أول مرة.
* اعتقاد الحق - ولو عن تقليد - معرفة، وإنكار الحق - ولو عن تفكير - جهالة.
* هكذا الحياة: نبدأ مغمورين، ثم نصبح مشهورين، ثم نمسي مقبورين،
وبعد ذلك إما أن نكون مسرورين، وإما أن نكون مقهورين.
* اتَّخذْ مِن الفشل سُلمًا للنجاح، ومن الهزيمة طريقًا إلى النصر، ومن المرض فرصةً للعبادة،
ومن الفقر وسيلةً إلى الكفاح، ومن الآلام بابًا إلى الخلود، ومن الظلم حافزًا للتحرر، ومن القيد باعثًا على الانطلاق.
* إذا همَّت نفسُك بمعصية الله، فذكِّرها بنظر الله إليك، فإن لم ترتدع، فذكِّرها بأخلاق الرجال،
فإن لم ترتدع، فذكرها بفضيحة الناس إن شهدوها، فإن لم ترتدع، فاعلم أنك انقلبت حينها إلى حيوان.
سرد لأهم مؤلفاته:
1- "السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي".
2- "المرأة بين الفقه والقانون".
3- "اشتراكية الإسلام".
4- "من روائع حضارتنا".
5- "أخلاقنا الاجتماعية".
6- "دعوة الإسلام واقعية لا خيال".
7- "الإخوان المسلمون في حرب فلسطين".
8- "أحكام الصيام وفلسفته في ضوء القرآن والسنة".
9- "هذا هو الإسلام".
10- "عظماؤنا في التاريخ".
11- "الاستشراق والمستشرقون: مالهم وما عليهم".
12- "السيرة النبوية دروس وعبر".
13- "شرح قانون الأحوال الشخصية".
14- "هكذا علمتني الحياة".
15- "القلائد من فرائد الفوائد".
16- "دروس من دعوة الإخوان المسلمين".
17- "الصراع بين العقل والقلب".
وفاته:
وفي يوم السبت في السابع والعشرين من جمادى الأولى 1384هـ، الموافق لشهر تشرين الأول سنة 1964م
، ترجَّل الفارس المقدام، ورحل الرائد والأب، رحل القائد التاريخي, بكاه إخوانه وتلاميذه
في كل مكان، بكَتْه دمشق وكل سورية، وكانت للقائد العظيم جنازةٌ ما شهدت دمشق
ولا سورية مثلها، رحل القائد والخطيب، والعالم والمفكر، والأديب والمنظِّر، استراح الجسد،
ولكن هيهات لروحه المبثوثة في كتبه وخطبه، وشعره وحكمه، ووصاياه ورسائله - أن تعرف الراحة.
لقد كابد الكثير في عمره القصير، الذي لم يصل إلى الخمسين, ومات الرجل الذي لم يُقعده
المرضُ والشلل عن حمل أعباء الدعوة، ولا عن الجهاد باللسان، ولم يقعده المثبِّطون
والحاسدون والحاقدون من الأقرباء والبُعَداء عن حمل تلك الراية.
رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جنانه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق