الاثنين، 2 سبتمبر 2019

ناصر بن علي بن ناصر القطامي

لاســم :

ناصر بن علي بن ناصر القطامي
من مواليد مدينة الرياض


المؤهلات العلمية:



- بكالوريوس دراسات إسلامية .
- يدرس حالياً بمرحلة الماجستير ( تخصص دراسات قرآنية )

الحالة الإجتماعية :



متزوج ولديه ولد وبنت .

الأعمال والعضويات :
- رئيس مجلس إدارة مجموعة آيات للقرآن الكريم.
- عضو الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه .
- عضو الجمعية العلمية السعودية للدراسات الدعوية .


المشاركات التطوعية :
- رأس إدارة تنمية الموارد بمركز الدائري الشمالي التابع للجمعية الخيرية للتحفيظ القرآن الكريم بالرياض.
- شارك في اختبار طلاب مراكز تحفيظ القرآن الكريم بالجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بالرياض .
- أشرف ودرّس في حلقات تحفيظ القرآن الكريم أكثر من 11 عاماً .
- بدأ حفظ القرآن صغيراً في المدارس النظامية لتحفيظ القرآن الكريم التابعة لوزارة التربية والتعليم بالمملكة العربية السعودية وحلق تحفيظ القرآن الخيرية،


- مجاز ببعض القراءات وبعض الروايات التي قرأها على عدد من كبار المقرئين في العالم الإسلامي ومنهم :
فضيلة الشيخ المقرئ / بكري الطرابيشي   - الحاصل على أعلى سند في العالم الإسلامي
فضيلة الشيخ المقرئ /محمد أيوب        - إمام المسجد النبوي سابقاً
فضيلة الشيخ المقرئ / محمود سكر        - مقرئ القراءات العشر
فضيلة الشيخ المقرئ / عبد القيوم حاجي حسين       - مقرئ القراءات العشر
فضيلة الشيخ المقرئ / عادل بن سالم الكلباني       - المقرئ المعروف

طلب العلم الشرعي على يد كل من :



العلامة الشيخ د/ عبدالله بن عبدالرحمن بن جبرين    - منذ عام 1417هـ
معالي الشيخ/ عبدالكريم بن عبدالله الخضير - عضو هيئة كبار العلماء في السعودية .
معالي الشيخ / محمد بن حسن آل الشيخ    - عضو هيئة كبار العلماء في السعودية .
معالي الشيخ د/ سعد بن ناصر الشثري    - عضو هيئة كبار العلماء في السعودية .
فضيلة الشيخ / عبدالعزيز بن إبراهيم القاسم    - القاضي بالمحكمة العامة بالرياض .
فضيلة الشيخ /عبدالمحسن بن عبدالله الزامل    - المرشد الديني بالأمن العام.
فضيلة الشيخ د/ عبدالله بن ناصر السلمي    - الأستاذ المشارك بالمعهد العالي للقضاء
فضيلة الشيخ د/ عبدالعزيز بن محمد السدحان    - الأستاذ بكلية التقنية بالرياض .
فضيلة الشيخ د/ سعد بن عبدالله الحميد     - الأستاذ بجامعة الملك سعود .
فضيلة الشيخ د/ عبدالعزيز بن عبدالله الراجحي    - الأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود.
- وحضر بعض مجالس سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز رحمه الله مفتي عام المملكة العربية السعودية سابقاً.
- بدأ إمامته للمساجد وهو في الرابعة عشر من عمره

ومن المساجد التي تولى إمامتها :



- مسجد السلام بحي شبرا
- مسجد القريني بحي شبرا
- مسجد الفارس بحي شبرا
- مسجد الرشود بحي سلطانة
- مسجد العريفي بحي الدريهمية
- جامع العريفي بحي المنصورة
- جامع القاضي بحي التعاون

الإصدارات :



صدر له أكثر من عشرون إصداراً صوتياً .
- له أكثر من 8 رسائل تحت الطبع .

المشاركات الإعلامية :



شارك في العديد من وسائل الإعلام الفضائية:
- التلفزيون السعودي
- قناة الإخبارية
- قناة دبي
- قناة سماء بي
- تلفزيون مملكة البحرين
- قناة المجد
- قناة الرسالة
- قناة العفاسي
- قناة الوطن
- قناة حياتنا
- قناة دليل
- قناة روائع
- قناة مكة
- قناة أوطان
وله بعض المشاركات في الاذاعات المحلية والخليجية والعربية:
- إذاعة القرآن الكريم بالمملكة العربية السعودية
- إذاعة القرآن بمملكة البحرين
- إذاعة نور دبي
- إذاعة أبو ظبي للقرآن الكريم
- إذاعة القرآن الكريم برأس الخيمة
- إذاعة حياة بالأردن
وبعض الصحف المحلية والخليجية:
- الصحف السعودية:
- جريدة الرياض
- جريدة الجزيرة
- جريدة الوطن
- جريدة عكاظ
- جريدة الاقتصادية
- جريدة اليوم
- جريدة شمس.
الصحف الخليجية:
- جريدة الوطن بمملكة البحرين
- جريدة الوطن بدولة الكويت
- جريدة الراية بدولة قطر
- جريدة الشرق بدولة قطر
- جريدة الخليج بدولة الإمارات العربية المتحدة
- جريدة الاتحاد بدولة الإمارات العربية المتحدة

البرامج الدعوية :



- ألقى العديد من الخطب والمحاضرات والكلمات داخل وخارج المملكة العربية السعودية .
- استضافته كلاً من دولة الكويت ودولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين ودولة قطر ومملكة الأردن خلال شهر رمضان لإمامة المصلين لصلاة التراويح والقيام ببعض الجولات الدعوية بدعوة من وزارات الأوقاف والشؤون الإسلامية بتلك الدول . 

الإمام شعبة - رحمه الله

• شعبة: هو أبو بكر شُعبَة بن عيَّاش بن سالم الأسدي النهشلي الكوفي، الإمام الكبير، أحد الأعلام، مولى واصل الأحدب،

اختُلف في اسمه على عشرة أقوال؛ أصحها قولان: أبو بكر، وهو كُنيَته، وما رواه أبو هشام الرفاعي

وحسين بن عبدالأول أنهما سألاه عن اسمه، فقال: شعبة، وكان - رحمه الله - حناطًا.



مولده وطلبه للعلم

وُلِدَ - رحمه  الله - سنة خمس وتسعين، وقرأ القرآن على عاصم ثلاث مرات، قال يحيى بن آدم: قال لي أبو بكر: تعلَّمتُ من عاصم القرآن

 كما يتعلَّم الصبي من المعلِّم، فلقي مني شدة، فما أُحسِن غير قراءته، وهذا الذي أخبرتُك به إنما تعلَّمته من عاصم تعلمًا.

وروى يحيى أيضًا عنه قال: تعلمتُ من عاصم خمسًا خمسًا، ولم أتعلم من غيره، ولا قرأت على غيره، واختلفتُ إليه نحوًا من ثلاث سنين

في الحر والشتاء والأمطار، وأخذ - رحمه  الله - القراءة عرضًا على عاصم ثلاث مرات، وعن عطاء بن السائب، وأسلم المنقري،

وعمِّر - رحمه  الله - دهرًا طويلاً، إلا أنه قطع الإقراء قبل موته بسبع سنين، وقيل بأكثر.



زهده وعبادته وثناء العلماء عليه:

قال عنه الذهبي: وكان سيدًا إمامًا، حجَّة، كثير العلم والعمل، منقطع القرين،

 وعن عبد الله النخعي ويحيى بن مَعِين قالا: لم يُفرَش لأبي بكر بن عياش

 فراش خمسين سنة، وذلك كناية عن قيامه الليل كله صلاة وقراءة واستغفارًا، فرحمه  الله ورضي عنه.

ورُوِي من غير وجه عن أبي بكر بن عيَّاش أنه مكث أربعين سنة أو نحوها يختم القرآن في كل يوم وليلة،

 وقال يزيد بن هارون: كان أبو بكر خَيِّرًا، لم يضع جنبه إلى الأرض أربعين سنة.








ورعه:

جاء في معرفة القراء الكبار (1/137) عن يحيى بن سعيد قال: "زاملتُ أبا بكر بن عياش إلى مكة، فما رأيتُ أورعَ منه،

 ولقد أهدى له رجلٌ من أهل الكوفة رُطبًا، فبلغه أنه من بستان أخذ من خالد بن سلمة المخزومي، فأتى آل خالد فاستحلَّهم، وتصدَّق بثمنه".

 كراماته:

قال يحيى الحماني: حدثني أبو بكر بن عيَّاش قال: جئت ليلة إلى زمزم، فاستقيتُ منه دلوًا عسلاً ولبنًا، فهذه كرامة لهذا الإمام العظيم.

 عقيدته:

كان - رحمه  الله- إمامًا كبيرًا، عالمًا عاملاً، حجَّة، وكان يقول عن نفسه: أنا نصف الإسلام،  الله أكبر! وكان من كبار أئمة أهل السنة،

على منهج وعقيدة الإمام المبجل أحمد بن حنبل - رحمه  الله - فقد قال أبو داود: حدثنا حمزة بن سعيد المروزي

- وكان ثقة - قال: سألت أبا بكر بن عياش: وقد بلغك ما كان من أمر ابن عُلَية في القرآن؟! قال: ويلك!

 من زعم أن القرآن مخلوق، فهو عندنا كافر زنديق، عدو  الله، لا نجالسه ولا نكلِّمه!

ومن خلال اعتقادِه - رحمه الله - في الصحابة، استنبط من كتابِ الله مشروعية خلافة الصدِّيق - رضي  الله عنه -

عن رسول  الله - صلى الله عليه وسلم - في قيادة الأمة؛ فقد جاء في غاية النهاية (1/327) عن أبي هشام الرفاعي قال: سمعت أبا بكر

 - ابن عياش - يقول: أبو بكر الصدِّيق - رضي  الله عنه - خليفة رسول  الله- صلى الله عليه وسلم - في القرآن؛ لأن  الله - تعالى -

 يقول: ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴾

 [الحشر: 8]، فمَن سماه صادقًا فليس يكذب، هم قالوا: يا خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم.

قال ابن المبارك: ما رأيت أحدًا أسرع إلى السنَّة من أبي بكر بن عيَّاش.



 من كلامه:

جاء في معرفة القراء الكبار (1/137): قال أبو بكر بن عياش: "أدنى نفع السكوت: السلامة، وكفى بها عافية، وأدنى ضرر المنطق: الشهرة،

وكفى بها بليَّة، وقال: الدخول في العلم سهل، والخروج منه إلى الله شديد".



مَن أخذ القراءة عنه:

أخذ القراءة عنه عرضًا: أبو يوسف يعقوب بن خليفة الأعشى - عبدالرحمن بن أبي حماد - عروة بن محمد الأسدي

 - يحيى بن محمد العليمي - سهل بن شعيب، قال الداني: "ولا يُعلم أحد عرض عليه القرآن غير هؤلاء الخمسة".

 وروى عنه الحروف سماعًا من غير عرض: إسحاق بن عيسى - إسحاق بن يوسف الأزرق - أحمد بن جبير - علي بن حمزة الكسائي،

 وروى عنه أبو داود الطيالسي، وأحمد بن حنبل، وخلق كثير.



 وفاته:

 عن يحيى الحماني قال: لما حضرتْ أبا بكر بن عياش الوفاةُ بكت أخته، فقال لها: ما يبكيك؟! انظري إلى تلك الزاوية،

 فقد ختمت فيها ثمانية عشر ألف ختمة، وتُوُفِّي - رحمه الله - في جمادى الأولى سنة ثلاث وتسعين ومائة (193هـ)

 عن عمر بلغ 98 سنة، فرحمه الله ورضي عنه.

فتشبَّهوا إن لم تكونوا مثلَهم إن التشبُّه بالكرامِ فلاحُ

ابن محرز الوهراني (... - 575 هـ )

هذه سلسة مقالات تحت عنوان: (أسماءٌ منسيّةٌ في صَفَحَاتِ التّارِيخِ المَطْوِيّة) أحاول فيها أن أجمع شذرات من تراجم رجال ونساء تركوا بصماتهم جليّة، فلم نجدهم الآن إلا على صفحات التاريخ سيرا وتراجم منسيّة... وأستهل هذه الأسماء على بركة الله بالترجمة لشخصية جزائرية عاشت في القرن السادس للهجرة، منسيّة مغمورة، رغم أنها من أهم الشخصيات التي يمكن الرجوع إلى إبداعاتها أثناء دراسة الأدب العربي القديم بالمغرب الإسلامي عُموما وبالجزائر على وجه الخُصوص.



هذا الأدب سواء المنظوم منه أو المنثور لا زال في أغلبه لم ينل ما يستحقه من عناية الباحثين، فلا نعدو الحقيقة إذا قلنا أن هذا الجانب من الأدب العربي قد لقي من الإهمال الشيء الكثير، وكأنه أريد لهذا الأدب أن يظل طيّ النسيان غائبا عن أذهان القُرّاء، بعيدا عن رُفوف المكتبات، على الرغم من وجود تجارب إبداعية جديرة بالدراسة، مما يحفزنا على النهوض بتراثنا الذي يُعبّر عن شخصية أمتنا، و لن يتم ذلك إلا بإظهاره إلى نور الحياة العلمية  تحقيقا ودراسة.



حياته:

هو أبو عبد الله بن محمد بن محرز الوَهْرَانيّ - بفتح الواو وسكون الهاء وفتح الراء وبعد الألف نون - أديب جزائري، عاش في القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي)، المظان التي رجعنا إليها [1]سكتت عن تدوين تاريخ محدد لولادته، إذ تذهب بعضها [2]إلى أنه ولد على الأرجح في عهد الدولة المرابطية في بداية القرن السادس الهجري، بمدينة وهران[3]إحدى مدن الجزائر، وصفها محمد الزياني بقوله: «وهي مدينة من مدن المغرب الأوسط بساحل البحر الرومي عظيمة ذات مساحة وفخامة جسيمة وبساتين وأشجار ومياه عذبة وأطيار وحبوب عديدة...»[4]، ولقد شبّ بهذه المدينة وعاش بها عدد لا يستهان به من رجال الفكر والثقافة والأدب، ممن ذاع صيتهم وانتشرت سيرتهم عبر مختلف مراحل الحضارة الإسلامية[5].



لقد عاش الوهراني بموطنه الأصلي تحت سلطة الدولة المُرابطية (التي تأسست بالمغرب على يد يوسف بن تاشفين، وقد تمكن المرابطون من حكم المغرب الأقصى وشطرا من المغرب الأوسط من سنة 524 هـ /  1130 م إلى سنة 668 هـ /  1269 م)[6]، ثم شهد الوهراني سقوط هذه الدولة واستيلاء الموحدين على عرشها (بإعلان المهدي بن تومرت لإمامته ورياسته سنة 515 هـ وقد استطاع الموحدون أن يبسطوا نفوذهم على دول المغرب العربي جميعا وشطر من الأندلس، فوحدوها تحت سلطانهم، حتى سقوط حاضرتها مراكش العام 668 هـ)[7].



في هذا الظرف السياسي تعلم الوهراني ودرس مختلف العلوم الإسلامية واللّغوية، لكننا لا ندري إن كان قد تنقل عبر حواضر المغرب الإسلامي للتتلمذ على يد المشايخ أم أنه اكتفى بالدراسة في وهران، نظرا لكون المصادر التي ترجمت له لم تتحدث عن ذلك، كما أن آثاره التي خلّفها لم تُشر إلى ذلك أيضا.



ويبدو أن ابن محرز الوهراني كان يسمو إلى المعالي لقدرته على الإنشاء والكتابة الديوانية، لكنه لم يجد سبيلا إليها بموطنه الأصلي وهران ولا في بلدان المغرب الإسلامي الأخرى خلال عهد الموحدين، رغم أنهم «اهتموا بالشعر والشعراء وجعلوهم أصحاب رسالة اجتماعية ودينية لا يمكن الإخلال بها»[8]، على أن تكون دفاعا عن كيان دولتهم ونشر مذهبها، وقياسا على هذا فقد استُبعدت الأغراض التي لا تخدم المذهب، والغالب أن الوهراني لم يتفق هذا التوجه السياسي وهَواه، فعزم على التوجه إلى المشرق العربي الإسلامي، فقصد القاهرة بالديار المصرية على عهد الدولة الفاطمية، لأن القاهرة آنذاك كانت تنافس بغداد وقرطبة في العلم واجتلاب العلماء والأدباء، فقد اعتبرت خزانة الكتب بها مفخرة العصر إذ «بلغت جملة ما في الخزانة من الكتب نحو مليون وستمائة ألف – وقيل مليونين – في الفقه والنحو واللغة والحديث والتاريخ وسيرة الملوك والنجامة والروحانيات والكيمياء»[9]، كما كان الأدب شعره ونثره منتعشا أيما انتعاش في تلك الفترة «وقوي فيها قوة لم تعتدها مصر قبل هذه الدولة»[10].



بالديار المصرية، شهد الوهراني سقوط الدولة الفاطمية بموت العاضد سنة 597 هـ [11]، وقيام الدولة الأيوبية، وكان الأدب من جملة ما اهتم به الأيوبيون فانتعش على أيامها، وتبوأ فيه الأدباء مكانة مميزة في بلاط الحُكم، فوقف الوهراني على وجود فطاحل الكتاب والبلغاء، ومن أبرزهم القاضي الفاضل (- 596 هـ) والعماد الأصبهاني الكاتب (- 597 هـ) وغيرهم من رجال الفكر.



طمح الوهراني إلى الالتحاق بديوان الإنشاء (الذي كان يحتل المرتبة الثانية من حيث الأهمية في العصر الأيوبي بعد ديوان الحبس، وكان القاضي الفاضل على رأسه في ولاية صلاح الدين الأيوبي)[12]، لكن حِيل بين الوهراني وبين ذلك، حينها علم أنه لن يتمكن من منافستهم ومناهاتهم، وإلى هذا أشار ابن خلكان في ترجمته للوهراني بقوله «علم من نفسه أنه ليس من طبقتهم ولا تتفق سلعته مع وجودهم فعدل عن طريق الجِدّ وسلك طريق الهزل»[13]ثم استقر رأي الوهراني على مغادرة مصر.



إلى هنا سكتت التراجم التي أرّخت للوهراني عن سفراته لبلدان أخرى، حتى ( اتخذ من دمشق دارا وكان قد استوطنها على أيام صلاح الدين الأيوبي، ليستقر أخيرا في قرية على باب دمشق في الغوطة تُدعى داريّا، عُيّن خطيبا في مسجدها لضمان مورد عيشه من جهة، وتجنبا لسلاطة لسانه وسخريته اللاذعة من جهة أخرى، حتى توفي بها سنة خمس وسبعين وخمسمائة للهجرة (575 هـ) الموافق لسنة ألف ومائة وتسعة وسبعين للميلاد (1179م)، ودُفن أبو عبد الله بن محمد بن محرز الوَهْرَانيّ - رحمه الله – على باب تربة الشيخ الداراني )[14].



أدبه:

لقد خلف ابن محرز الوهراني منامات ومقامات ورسائل جمعها وحقّقها كلها ووضعها تحت عنوان "منامات الوهراني ومقاماته ورسائله"، كل من الأستاذين إبراهيم شعلان ومحمد نغش، مع مراجعة لعبد العزيز الأهواني العام 1968م، وقد اعتمد المحققان في إصدار آثار الوهراني على خمس نسخ[15]، ونشير هنا، أن صلاح الدين المنجد سبق له أن نشر نُسخة رقعة على لسان جامع دمشق من مُؤلف الوهراني اعتمادا على نسخة برنستون فقط[16].



وعند تصفحنا لعمل الوهراني نجده مؤلفا من منامات ومقامات ورسائل تختلف من حيث الطول والقصر، وقد بلغ عدد النصوص التي يحتوي عليها الكتاب زهاء أربعة وأربعين نصا بين منام ومقامة ورسالة.



فأما المنامات فثلاثة ينتقل من خلالها الوهراني بخياله إلى العالم الأخروي تارة وعالم الجن والشياطين تارة أخرى، ويسعى إلى لقاء صلاح الدين الأيوبي في الدنيا نفسها لأنه كان حيّا يومئذ، وأهم هذه المنامات وأطولها "المنام الكبير"[17]، الذي تصور فيه الوهراني أنه بُعث إلى يوم المحشر والتقى هناك بالعلماء والفقهاء والشعراء والوزراء والمتصوفين وغيرهم، تحاور مع بعضهم، ووصف أحوال آخرين، ويبلغ حجم المنام الكبير ثلاثة وخمسين صفحة من الكتاب المجموع.



ومنام الوهراني منثور في أغلبه، تتخلله أبيات شعرية من نظم الوهراني حينا ولغيره أحيانا أخرى، وعنه يقول ابن خلكان: «وَلَوْ لَمْ يَكنْ لَهُ فِيهَا إلاّ المنامُ الكَبير لَكَفَاهُ، فإنّه أتَى فيهِ بِكُلّ حَلاوَة، وَلَولا طُوله لَذكَرْتُهُ»[18].



وأما المقامات فرصيد الوهراني منها ثلاثة، كتب الأولى في بغداد[19] والثانية في صقلية[20]والثالثة [21]في شمس الخلافة[22]، فأما مقامته البغدادية فحاول الوهراني من خلالها سرد بعض المسائل السياسية المتعلقة بمجال الحُكم والحُكّام، كتحدثه عن سيرة عبد المؤمن بن علي وآل أيوب، أما مقامته الثانية في شمس الخلافة فتُدرج ضمن إطار النقد الاجتماعي، إذ أزاح الستار عن ظاهرة الإخلال بالقيم الدينية والاجتماعية القويمة، والمتمثلة في ادّعاء الكثير من الناس التفقّه في الدين من غير عِلم، وقد جعل الوهراني من شمس الخلافة رمزا حيا لهذا النوع من الناس، بينما حاول في مقامته الثالثة والمسماة " المقامة الصقلية " مدح بعض الرجال في أحد المجالس.



وأخيرا أخرج الوهراني نماذج متنوعة من الرسائل ذات الموضوعات المختلفة والتي بلغت زهاء ثلاثة وثلاثين رسالة، أنطق فيها الجماد والحيوان، ففي رسالة كتبها على لسان جامع دمشق، جعل من هذا الأخير لسان حال مساجد دمشق وما حولها، ومشاهد ومدافن الأنبياء والمرسلين، فاجتمعت المساجد، ولجأت إلى أميرها جامع بني أمية، لترى ما هي فاعلة بعد ما مسّها من ضياع.



وكتب الوهراني على لسان بغلته[23]إلى الأمير "عز الدين موسك"  تخبر البغلة فيها الأمير بحالها، بعدما أشرفت على الهلاك، لما تقاسيه وتعانيه عند مالكها من مواصلة الصيام، وقلّة الشعير والقضيم رغم ما يملكه سيّدها من مال كثير.



كما أنطق الوهراني المئذنة[24]، فكتب على لسانها خُطبة على لسان قاضي القضاة، يطلب فيها من السامعين شكر الله تعالى على تشريف دولة أئمتهم من بني العباس بالقاضي "أبو القاسم عبد الله بن درباس"، ووصفه بأفضل الشيم.



وللوهراني رسالة في الطير[25]، ذكر فيها محاسن كل ذي جناح وفضله على الإنسان والطبيعة، أما بقية الرسائل[26]فموجهة للأمراء والقُضاة وأولي الأمر آنذاك، والأدباء والشعراء، فيها الكثير من التهكم بأشخاصهم.



وعن منامات الوهراني ومقاماته ورسائله يقول عبد العزيز الأهواني أثناء تقديمه  لهذا العمل الأدبي بعد تحقيقه: «هذه المجموعة من النصوص تمتَاز في تَاريخ النّثر الفنيّ في الأدب العَربي بميزاتٍ ترفعها إلى مقامٍ عالٍ (...) وأسلُوبه يُضيف للنثر العربي ثروة ويفتح للدّارسين آفاقا»[27]، ويمكن لنا بهذا الوصف وبعد متابعتنا لمنامات الوهراني ومقاماته ورسائله أن نتبين الكثير من الميزات التي إن أخذت الأهمية التي تستحقها، كانت بحق موضوعا بحثيا متميزا يزيد من وعينا بتراثنا الأدبي وتمسكا به.


الخطيبة المفوهة أسماء بنت يزيد

صحابية متميّزة ضربت مثالاً رائعاً في الإيمان والصبر والعلم.. إنّها الصحابية الجليلة أسماء بنت يزيد

بن السكن الأنصارية رضي الله عنها وافدة النساء إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم.







نسَبها:

يعرِّفنا الحافظ الإمام ابن حجر العسقلاني بهذه الصحابية الكريمة في كتابه ((الإصابة في تمييز الصحابة))؛

فيقول: هي أسماء بنت يزيد بن السكن بن رافع بن امرئ القيس الأنصارية الأسدية ثم الأشهلية.


ومن الجدير بالذكر أن نسَب أسماء بنت يزيد رضي الله عنها يلتقي مع نسَب الصحابي سعد بن معاذ رضي الله عنه

 في جدّهما امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل.

 

إسلامها:

أسلمت أسماء على يد مصعب الخير أو مصعب بن عمير، كما ذكر ابن سعد صاحب الطبقات

 عن عمرو بن قتادة رضي الله عنه

 قال: أول من بايع النبي صلى الله عليه وسلم أم سعد بن معاذ كبشة بنت رافع، وأسماء بنت يزيد ابن السكن،

وحواء بنت يزيد بن السكن. وكانت أسماء رضوان الله عليها تعتـز بهذا السبق إلى المبايعة

فتقول: ((أنا أول من بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم)).



أهم ملامح شخصيتها:

فصاحتها وبيانها:

اشتهرت أسماء بفصاحتها وسميت

 بـ"خطيبة النساء"، يروي المؤرخ ابن الأثير في كتابه "أُسد الغابة": أتت أسماء النبي صلى الله عليه وسلم،

وهو بين أصحابه فقالت: بأبي وأمي أنت يا رسول الله، أنا وافدة النساء إليك، إن الله بعثك إلى الرجال والنساء كافة فآمنا بك.

وإنّا معشر النساء محصوراتٌ مقصوراتٌ قواعدُ بيوتكم ومَقضى شهواتكم وحاملات أولادكم، وإنكم معشر الرجال

 فُضِّلتم علينا بالجُمَع والجماعات وعيادة المرضى وشهود

الجنائز والحج بعد الحج، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله، وإنّ الرجل إذا خرج حاجّاً أو معتمراً أو مجاهداً

 حفظنا لكم أموالكم وغزلنا أثوابكم وربينا لكم أولادكم. أفما نشارككم في هذا الأجر والخير؟.. فالتفت

النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه

بوجهه كلِّه ثم قال: ((هل سمعتم مقالة امرأة قَط أحسن من مساءلتها في أمر دينها من هذه؟)) فقالوا: يا رسول الله،

 ما ظننا أن امرأة تهتدي إلى مثل هذا. فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إليها فقال: ((افهمي، أيتها المرأة، وأَعْلِمي مَن خلفك من

 النساء أنّ حُسْنَ تبعُّلِ المرأة لزوجها وطلَبها مرضاته واتباعَها موافقته يَعْدِل ذلك كلّه)). فانصرفت المرأة وهي تهلّل.


قوة إيمانها:


نشأت أسماء في أسرة عُرف أفرادها بالتضحية والجهاد.. أبوها هو يزيد بن السكن بن رافع الأنصاري

 الذي استُشهد يوم أُحد، وفي تلك المعركة أثخنت الجراح زياد بن السكن عم أسماء،

فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: أَدنوه مني..

 فوسده

 قدمه فمات شهيداً وخدّه على قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما استُشهد في المعركة

ذاتها أخوها عامر بن يزيد بن السكن الذي جعل جسده

 تُرساً يدافع به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فنال الشهادة في سبيل الله. ومن عجيب إيمانها

وصبرها أنه لما بلغها استشهادهم خرجت تنظر إلى سلامة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قادم من أُحد... وعندما رأته

 سالماً قالت:كل مصيبة بعدك جلل (أي هينة)..




جهادها:

كما شهدتْ أسماء غزوة الخندق وغزوة خيبر، وخرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الحديبية،

 وبايعت بيعة الرضوان. وفي السنة الثالثة عشرة للهجرة خرجت رضي الله عنها إلى بلاد الشام حيث شاركت في معركة اليرموك

 في الشام، وكانت تشارك مع النساء بسِقاية الجرحى وتضميدهم، وفي ضرب

مَن يَفِرّ من المعركة من جنود الإسلام، ومن قصص شجاعتها أنها اقتلعت

عمود الخيمة وراحت تضرب به رؤوس الروم حتى قتلت يومها تسعة من جنودهم..



روايتها للحديث:

روت فيما يذكر 81 حديثًا، وروى عن أسماء ثلة من أَجِلاّء التابعين، كما روى أصحاب السنن

 الأربعة:أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه، والبخاري في الأدب المفرد.


وفي أسماء نزلت آية حكم عِدّة المطلقات. فقد أخرج أبو داود والبيهقي في سننه عن أسماء

بنت يزيد قالت:طُلقت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن للمطلقة عدة،

فنزل قول الله تعالى: ﴿ والمطلقات يتربصن بأنفسهنّ ثلاثة قروء ﴾ [البقرة:



مهارة التزيين :

كانت لها دراية بزينة النساء؛ فلقد زينت أم المؤمنين عائشة بنت

 أبي بكر رضي الله عنها يوم زفافها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفاتها :

ذكرها بعض المؤرخين في وفيات سنة 69هـ في خلافة عبد الملك بن مروان. رضي الله عن الصحابية

الجليلة أسماء بنت يزيد خطيبة النساء ورسولتهنّ (أي مبعوثتهن) إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأرضاها..

المحدّث محمد حسين البتالوي (ت1338)

هو الشيخ الإمام العلامة المجتهد المحدّث المناظر أبو سعيد محمد حسين بن عبد الرحيم (أو: رحيم بخش) بن ذوق محمد البَتَالَوي اللاهوري الهندي، وكان أحد أسلافه من طائفة كايسة الهندوكية، فأسلم.

ذكره العلامة المحدّث شمس الحق العظيم آبادي في مقدمة غاية المقصود (1/59) ضمن أجلة تلاميذ نذير حسين، وقال: «الفاضل الشهير في المشرقين، المولوي أبو سعيد محمد حسين اللاهوري».

ووصفه العلامة عبد الحي الحسني في نزهة الخواطر (8/450) بالشيخ الفاضل، وأنه أحد كبار العلماء.

وقال (451): «كان مولده في السابع عشر من محرم سنة ست وخمسين ومائتين وألف، اشتغل بالعلم أياماً في بلاده، ثم سافر إلى دهلي، وعليكره، ولكهنو، وغيرها من البلاد، وقرأ على المفتي صدر الدين الدهلوي، والعلامة نور الحسن الكاندهلوي، وعلى غيرهما من العلماء، ثم لازم السيد نذير حسين المحدث، وقرأ عليه الموطأ والمشكاة والصحاح الستة، وصحبه مدة، ثم رجع إلى بلدته، واشتغل بالتصنيف والتدريس والتذكير، وشرع في إلقاء التفسير بكرة كل يوم في المسجد على طريقة شيخه نذير حسين، حتى اشتهر ذكره وظهر فضله، فأنشأ مجلة شهرية سماها إشاعة السنة، وكان يبحث فيها عن مذاهب المبتدعة، ويرد على السيد أحمد بن المتقي الدهلوي، وكذلك يرد على مرزا غلام أحمد القادياني.. الخ»، وذكر أنه كان شديد النكير على المقلدة، ثم خفّ ذلك آخر حياته.

وقال أيضا (451-452): «وأما ما كان عليه من المعتقد والعمل فهو على ما قال في بعض الرسائل: إن معتقده معتقد السلف الصالح مما ورد به الأخبار وجاء في صحاح الأخبار، ولا يخرج عما عليه أهل السنة والجماعة، ومذهبه في الفروع مذهب أهل الحديث المتمسكين بظواهر النصوص، وأما شغله في غالب الأوقات فهو عرض أقاويل العلماء على النصوص الصحيحة، فقبول ما يوافقها ورد ما يخالفها، وكتب هذه المباحث على هوامش متون الصحاح.

كما علق أشياء على كتاب الصلاة والمغازي والتفسير من صحيح البخاري، والنصف الأول من المشكاة، وكثيراً ما أفرد المسائل في رسائل سماها باسم، أو تركها بلا عَلَم ورَسْم! فمن المسمَّيات بالأسماء: البرهان الساطع، المشروع في ذكر الاقتداء بالمخالفين في الفروع، ومنح الباري في ترجيح[1] صحيح البخاري، والبيان في رد البرهان (في مبحث الاجتهاد والتقليد)، وهداية الرب لإباحة الضب، والاقتصاد في بيان الاعتقاد (في صفات الباري جلَّ مجدُه)، والاقتصاد في حكم الشهادة والميلاد، والمفاتيح في بحث التراويح، وكشف الأستار عن وجه الإظهار.

وأما ما لم يُسمّ باسم ولم يعلم بعلم فهو أكثر من أن يُذكر.

مات سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة وألف».

وقال شيخنا عبد الرحمن الفريوائي في كتابه جهود مخلصة (137-138): «من أجل تلامذة السيد نذير حسين، وأحد نوابغ عصره، قضى حياته في الدفاع عن الإسلام وإحياء السنة والسلفية، وهو أول من تنبه لفتنة القاديانية، وعكف على ردها وإبطالها، وكانت لمجلته: «إشاعة السنة» مواقف محمودة في إحياء حركة السنة والسلفية..» الخ.

وأحال في ترجمته -سوى نزهة الخواطر- على جريدة أهل الحديث في أمرتسر (18/41-42، 1921م)، وتذكرة علماء حال.

وقال محمد عطاء الله حنيف الفوجياني في مقدمة إتحاف النبيه (45) معدداً كبار تلاميذ نذير حسين: ومنهم الفاضل المحقق محمد حسين البتالوي اللاهوري (المتوفى سنة 1338)، صاحب التصانيف الممتعة الكثيرة بالأردية.

ونقل محمد أشرف سندهو في البشرى بسعادة الدارين عددة أماكن فيها تقديم السيد نذير حسين لتلميذه البتالوي، منها (ص60) أنه استقبله في محطة القطار أول مقدمه عليه، وحمل أمتعته وهو لا يعرفه، ومنها قول البتالوي (68): كان شيخنا ميان صاحب يشرفني بملاقاته وزيارته في أكثر الأوقات في الزمان الذي أقرأ عليه الحديث، فيقدم شيخنا في بيتي فيجلس تواضعا على الأرض بعيدا من الفراش، فأقول له: اجلس على الفراش، فقال لي: لا ينبغي للفقراء أن يجلسوا على مجالس الأغنياء. ا هـ.

ونقل (110) أن البتالوي كان له دور مهم في كشف افتراءات المتعصبة الذين سعوا بأهل الحديث عند المحتلين الإنجليز.

ومما يتصل بمناظرات المترجم ما قاله قال الشيخ ناصر السنة إحسان إلهي ظهير رحمه الله في مقال بمجلة حضارة الإسلام (عدد10 السنة 5) ضمن كلامه عن هجوم ملل الكفر وطعنها على الإسلام في الهند، من هنادك وبوذيين ونصارى وسيخ وقاديانية وبهائية: «فرأت الدنيا؛ ورأى المخالفون والمعاندون؛ أن الخائض في معركة البحث والجدال والمناظرات والمناقشات: إما الشيخ محمد حسين البتالوي، وإما رجل إلهي (كما سماه الشيخ رشيد رضا في مجلته المنار) الشيخ ثناء الله الأمرتسري، ومرة الشيخ الكبير إبراهيم السيالكوتي، وهم ثلاثة من قواد حركة أهل الحديث في الهند، فهزموا جيوش الكفار، وكسروا قواتهم وطاقاتهم، فكان كل واحد منهم مستعداً في أي مكان وفي أي زمان أن يدافع عن الملة الحنيفية البيضاء، وهكذا حين جاء المناظر النصراني، أو القادياني، أو البوذي، وغيرهم، هاجماً على الإسلام ومنازلاً المسلمين: أسرع كل واحد منهم قائلاً:
فدعوا نَزالِ فكنت أول نازل
فعلام أركبه إذا لم أنزل

وسرعان ما عاد المهاجمون خائبين خاسرين».

وأخبرنا شيخنا ثناء الله المدني وغيره أن المترجم من شدة ما ضيّق الخناق على الزنديق مرزا غلام القادياني اضطره أن يصم المترجم بأنه الدجال الوارد في الأحاديث لينفر الناس منه!

هذا؛ وقد تخرج على المترجم عدد من كبار العلماء، من أشهرهم العلامة عبد الحق بن عبد الواحد الهاشمي رحمه الله، وقد أفردتُه بترجمة واسعة[2]، وبالله التوفيق.

وأظلمت الشرقية برحيل بوابة العلم فيها الشيخ سلطان العويد رحمه الله تعالى

فضيلة الشيخ سلطان بن حمد العويد
رحمه الله رحمة واسعة
إمام وخطيب جامع فيصل بن تركي بالدمام ـ الجلوية


الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على قائدِ الغُرِّ الـمُحجَّلين، نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصَحْبه ومَن تبعه بإحسانٍ إلى يوم الدِّين..
فإنَّ الله سبحانه وتعالى يصطفي مِن عباده مَن هُم أهلاً للعلم وحـَمْله، يحملونه ويُحمِّلونه، وإذا أتبعتَ نظرك في تاريخ رجالات هذه الأمة؛ ظفرتَ بعلماءٍ أحيا الله سبحانه بهم سِيَر سلفنا الصالح؛ فجدَّدوا معالِـم الدِّين، وأرْسَو رايات الـمُصلِحين، حتى غَدَو مشاعل علم، ومصابيح دُجى في الليل البهيم.
وإذا رأيتَ سيرة العلماء الرَّبانيين، ثم رأيتَ النَّهل مِن معين آثارهم المكين، رأيت نُبوغاً عِلْميَّاً، وعبقرية مأمولة، ونَعِمتَ بالرُّقيِّ في مدارج الرَّبانية في شتى ميادينها.
وصَدق الإمام محمد الخضر حسين رحمه الله، إذ يقول : «ومن مُهيِّئات النُّبوغ : قراءة مؤلَّفات النابغين في العلم بعد الاطلاع على دراسة الكتب التي تسوق المسائل مجرَّدة من أدلتها، غير منيَّة بالغوص على أسرارها، وإنما يُرجى منه النُّبوغ متى وُضِعت تحت نظره كُتبٌ يرى مؤلِّفيها كيف يستمدُّون آراءهم من الأصول العالية، ولا يُوردون مسألة إلَّا بعد أن يُعزِّزوها بالدليل .
ومن مهيئات النُّبوغ : مطالعة تراجم النَّابغين المحرَّرة بأقلام تشرح نواحي نبوغهم، وتصف آثاره، نحو : مؤلفاتهم المنقطعة النظير، ثم ما يخصُّه بهم عظماء الإسلام من تقدير وتمجيد»( )
وبعد ..
ترعرعتُ منذ صغري قبل عقدين من الزمن، وأنا طالبٌ في المرحلة الابتدائية في مجالس العلم والإيمان في ذلك الجامع؛ جامع فيصل بن تركي بالدمام، وانطلقتُ من مكتبته المباركة، فتى طموحاً يافعاً، وقد حرص على تربيتنا واستقامتنا ثُلَّة من الأساتذة الفضلاء والـمُربِّين النبلاء، جزاهم الله كلَّ خير نظير ما قدَّموه لنا في التربية والإيمان والدعوة.
أمَّا الجامع فالأضواء كانت فيه خافته، والساحات مهجورة، وجماعتُه في الصلاة بين صف أو صفين، ومرافقُه خاوية على عروشها.. بل حتى صلاة الجمعة، كان الجامع لا يمتلأ!!
وهكذا تمضي السُّنون والجامع على هذا الحال، من عدم الاهتمام، وإن شئت فقل من انعدام رسالته المجيدة، التي قد كانت في زمن الرَّعيل الأول مَهْداً للانطلاقة الكبرى في ربوع الدنيا.
وفي طليعة يوم، إذ بذاك الرُّكام من الغبار على سجاده يزول، ومرافقه من مكان الوضوء ومواضع الخلاء التي كانت مستودعاً للنفايات والكتابات على جدرانه وأبوابه تُمحى، ثم ما أن تلبث حتى ترى أن ساحاته الخارجية تُنظف، ويُعتنى بها، ما الذي حصل؟
وأيُّ شيء هذا الذي يُنعش المسجد من جديد؟
أضاءت جنباته في كل مكان، وبدا وكأنَّ الجامع المألوف غير مألوف! سبحان الله، ما الأمر، حتى إذا حان موعد صلاة، فإذا بذاك الشيخ طويل القامة، أبيض اللون، يؤمُّ المصلين، ويكبر، فما تسمع إلَّا صوتاً ندياً، وترتيلاً أخَّاذاً يأخذ بلُباب القوم.
فكان ذاك الإمام الشيخ سلطان العويد شآبيب رحمة الله تعالى عليه، قدم للجامع، بإشراقة وجهه الـمُنوَّر بنور من الله، فأضفى بنوره نوراً للجامع، ثم للحيِّ، وثم للمنطقة بكاملها.
وهكذا العلماء الرَّبانين، حيثما نزلوا واستوطنوا، يبارك الله تعالى بهم، فيُشَعْشِع النُّور بعلمهم وفضلهم وبركتهم، وحينها أجدك تذكر معي بصدق مقولة الإمام أحمد رحمه الله حين قال : «الحمد لله الذي جعل في كلِّ زمان فترةٍ من الرسل بقايا من أهل العلم، يَدْعُون مَن ضلَّ إلى الهدى، ويَصْبِرون منهم على الأذى، يُحيُون بكتاب الله الموتى، ويُبصِّرُون بنور الله أهل العَمَى، فكم مِن قتيل لإبليس قد أَحْيَوهُ، وكم من ضالٍ تائهٍ قد هَدوْهُ، فما أحسن أثرهم على الناس ..» ( )
وتجد بحقٍّ قولة الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله، يوم قال : «ولولا ضمان الله بحفظ دينه، وتكفُّله بأن يُقيم له مَن يُجدِّد أعلامه، ويحيي منه ما أماته الـمُبطِلون، ويُنعش ما أخمله الجاهلون؛ لـهُدِّمت أركانه، وتداعى بنيانه، ولكنَّ الله ذو فضل على العالمين»( ).
وتُبصر بيقين معي ما قال الشيخ العلَّامة بكر أبو زيد رحمه الله يوم قال: «فما مِن عصر إلَّا ويقوم فيه في كلِّ ناحية وصِقْع رجالٌ ما ساروا مَسيراً ولا قالوا مَقِيلاً إلَّا كانوا مع الدِّيانة الإسلامية حيث كانت منازلها، وساروا معها حيث كانت رَكائبها ، يدلُّون مَن ضلَّ إلى الهدى، ويكشفون طُرق الغيِّ والرَّدى، فقضوا على الموامرات في مَهْدها بكبت كلِّ نَزْعةٍ وكسر كلِّ قوة، وفـلِّ جموع الضلالة؛ إحياء للسُّنن وإماتة للبدع وحراسة لمواريث الإسلام، والذبّ عن قضاياه، فبدت محجَّة الإسلام نقيَّة خالصة مِن شوائب التقليد والوثنية والطائفية»( )
لقد أفاء الله على الشيخ أنْ زاده بسطة في العلم والجسم، فقام بزكاة علمه خير قيام، وبدأت رسالة المسجد المباركة تعود من جديد، فجدَّد الله به معالمه، وأرسى معارفه، وغدت خُطب جامعه كعبة للطالبين، ومَنْهلاً للمفيدين، ثم ما لبث أنْ شُرِّعت أبواب العلم على يديه، و فُتِّحت كتب العلماء بين يديه، وقصده البعيد قبل القريب، والتزم دروسه الموافق والمخالف، فنفع الله به، وبارك بعلمه وعمله.
أقبل على الناس بالعلم والفِكْر والأخلاق والدعوة الحسنة، فأقبلوا عليه عطاشاً يَرِدُون حياضه الغنية بالإيمان والأعمال الصالحة والدلالة المتزنة الرصينة للهداية الربانية.
فمن منَّا لم ينتفع من خطبه الرَّنانة النافعة، والتي كانت سرعان ما تنتهي صلاة الجمعة إلَّا وتجد خُطبَه مسجلة وقبل العصر تُباع هنا وهناك في التسجيلات الإسلامية؟
ومن منَّا لم يكن يطرب سمعُه، ويترنَّم فؤاده من جميل تلاواته المباركة الخاشعة؟
أين الذين كانوا يُواظبون للصلاة معه لسماع كلماته ودروسه ووقفاته، لله ما أجمل تلك الكلمات في عصر كل رمضان، يتنقَّل بك من فائدة علمية، إلى وقفات إيمانية، ونحو إشراقات في كتاب الله ندية.
ولله كم هي لطائفه في التراويح ما بين قصة لطيفة، وموقف ظريف طريف، وفائدة تربوية، وحرقة دعوية، أو عَبرات وعِبرات من جميل تلك التلاوات.
أين طلبة العلم الذين كانوا ينشطون لحضور دروسه القديمة في التفسير «التسهيل لعلوم التنزيل» لابن جزي، وفي العقيدة «معارج القبول» للحكمي، والحديث «جامع العلوم والحكم» لابن رجب، وفي الفقه «منار السبيل» لابن ضويان.
كم كان فيها من عزيز الفوائد، وجميل الفرائد، يسير معك في العلم رُتْبة رتبة، ويعطيك بقدر ما تحتاجه أنتَ لا بما يعرفه هو، مما يجعلك تُوقن أنَّ العالـم الرَّباني : الذي يُربِّي الناس على صغار العلم قبل كباره.
وأين أولئك الذين كانوا يتسابقون يومياً لصلاة العشاء في جامعه ـ ولو تباعدت أمكنتهم ـ؛ لجميل حديثه الشيِّق والغني بالعلم والمعرفة.
آه يا شيخنا مَن لتلك المجالس بعدك ؟
لعَمْرُك ما الرَّزية فَقْد مال *** ولا شاة تموتُ ولا بعيرُ
ولكنَّ الرزيةَ فَقْدُ شخص *** يموت بموته خَلْقٌ كثيرُ
نعم لقد أحيا الله بالشيخ رحمه الله أموراً كثيرة، وجدَّد وغيَّر أحوالاً نافعة وصالحة وفيرة، فانتفع به كثيرٌ من الناس، وكان محلَّ قبول عند الجمع الغفير منهم، وقد كان مِن أبرز ما عُرف عن نشاط شيخنا رحمه الله تعالى وتميزه في سنيِّه تلك العامرة بالعلم والإيمان والعمل : الخطابة الفريدة، والتعليم النافع، والدعوة الصادقة.
ففي الخطابة: كان خطيباً من الطراز الفريد، ينتقي مواضيعه بإحكام ودقَّة، ويعالج مشكلات مجتمعه بمنهج فريد، تشعُر فيها باللَّهجة الصادقة، والحرقة على الإسلام والمسلمين.
وفي خُطبه: يجمع لك الآيات الكريمات، والأحاديث الصحيحات، والأشعار الرائقات، و الأمثال النافعات، فينتفع منه العالم، والمتعلِّم، بل والعامي، ويُعطي كلَّاً حاجته ومسألته من الغذاء الإيماني والتربوي، بأسلوب سهل ممتع، وفي زمن قصير، لكنَّه قد حوَى الكثير.
كان رحمه الله مميزاً في طرح الجديد، بأسلوب القصة الهادفة، والقدوة الحسنة، والمعالجة الشرعية لقضايا الناس العملية.
ومما لاحظته بنفسي : احترامه لعقول الناس ومستمعيه، فمن رُزِق لساناً وبياناً مثل الشيخ رحمه الله، بإمكانه أن يخطب عشرات الخطب بتحضير بضع ساعات قليلة، ولكنه مع ذلك، كان يجتهد في تحرير خطبه، وتدوين عناصرها.
ومما أفادني ذلك منه رحمه الله: أن كان ثمة ترتيب لزيارة الشيخ عصر الجمعة، وكنت أعلم بسفر الشيخ رحمه الله، وجعلت علامة الوصول وتأكيد الموعد خطبة الشيخ، فلما رأيتُ أن الخطيب غير الشيخ علمتُ أن الشيخ لم يزل في سفره، وقلت لا موعد اليوم، فلما كان بعد العصر، فإذا بالشيخ يتصل، وخطر لي أن الشيخ يتصل للاعتذار عن الموعد، فأحببتُ عدم إحواجه لذلك، فلما كرر الشيخ أحببت الجواب فإذا به قد عاد من سفره في صباحاً ! وينتظر الموعد، فكنت في موقف لا أحسد عليه من سوء تقديري، فلما ذهبتُ للشيخ رحمه الله، وأخبرني بوصوله مبكراً، سألته عن عدم الخطبة، وأنه لم يستطع ذلك، قال بما معناه: تعلم أني أستطيع، ولكن يجب أن تحترم عقول الحاضرين، وتقدِّر ذلك ممن يأتي من مكان بعيد، فمن المعيب أن تعيد عليه ما قد علمه وطرح عليه!
فانتفعتُ بذلك والله كثيراً، ولتجد صدق هذه الفائدة في حياة الشيخ، قلِّب النظر في كثير من خطبائنا اليوم تجد القليل إلا من رحم الله من هم على هذا الحس الدَّعوي وأمانة الكلمة، ولذا باتت فائدة خطب الجمعة عندنا ضعيفة إلا من رحم الله، وقليل ما هم.
والشيخ المعلم : رزقه الله العلم النَّافع، والاطلاع الواسع؛ فأحسن نشره بين الناس، ومنَّ الله عليه مِن الهيبة والعلم والفضل ما الله به عليم، صدَق مع الله في العلم؛ فصدق الله معه ففتح له قلوب الناس بالمحبة والإقبال.
كان حريصاً على العلم بحُسْن الفهم، وإصلاح العمل، والاجتهاد فيه بإخلاص وصدق مع الله، ومرة استنصحته في مسالك العلم فنصحني نصيحة أجد نفعها إلى يومي هذا والله.
ثم بعد أيام اتصل بي يخبرني بأنَّ ورقة لي عند المؤذن الشيخ يوسف جزاه الله خيراً لي، فذهبتُ إليه، فإذا هي كلمات رائقة في العلم والطلب، قيَّدها بخطه الجميل، احتفظ بها إلى يومي هذا في مكتبتي بالدمام، علق في ذهني منها ولا أنساه أبدا، من قصيدة أبي إسحاق الإلبيري في نصحه لولده:
فَلوْ قَدْ ذُقتَ مِنْ حَلْواهُ طَعْما * * لَآثـَرْتَ التَّعَـلُّمَ وَاجتَهَدْتَـا

وَلَـمْ يَشغَلْكَ عَنهُ هَوىً مُطاعٌ * * وَلا دُنْيَــا بِزُخرُفِها فُتِنْـتَا

وَلا أَلْـهاكَ عَنهُ أَنيـقُ رَوْضٍ * * وَلا دُنْيَــا بِزِيْنَتِهَا كَلِفْتَا

فَقُوتُ الـرُّوحِ أَرواحُ الـمعَانِي * * وَلَيسَ بِأَنْ طَعِمْتَ وَلا شَرِبْتَا

فـواظِـبْهُ وَخُـذْ بِالجِدِّ فيهِ * * فَإنْ أَعطاكـَهُ اللهُ انْتَفَـعْتَا

ووضع خطاً تحت البيت الأخير، وكتب لي تحته:
«فمن صدَق الله في ذلك، بلَّغه الله منزلة عليَّة، ورزقه الذِّكر الحسن، وبقدر إخلاصك وجدِّك واجتهادك تترق في ذلك» ومن جميل أثر تلك الكلمة عليَّ، نشرتُ بعضاً منها في مجلة في أحد المراكز الصيفية ــ التجارية «مجلة الصفوة» وقد استمرت هذه النصيحة معي في حياتي بحمد الله، ووالله كلما ذكرتُها انتفعتُ بها، وقد كانت حافزاً لي للوصول إلى «ورقة علمية» لا تقدم كثيراً ولا تغني البتة عن مجالس العلماء وثني الركب، وهي (د. ) والواقع المرير اليوم يصدق ذلك في كثرة من نالها وهم أوهن من بيت العنكبوت، والله المستعان.
نعم لقد كان الشيخ رحمه الله يحب العلم، ويهتم بالعلم، ويعتني كثيراً بأثر العلم في حياة الفرد والمجتمع، ويحذر كثيراً من العلم الذي يكون وبالاً عليك يوم القيامة.
وذات يوم استشرته مرة في القراءة على أحد مَن رُزق علماً بلغ به منصباً عالياً؛ فقال لي ناصحاً : لن تنتفع منه، ثم قال: ولقراءتك واجتهادك بمفردك خير لك منه، ثم أبان لي ذلك بما سرني كثيراً ، ووجدت صدقه مع الأيام والليالي ممن كان يذكر في مجالسه أنه تلميذ لذاك، وهو قليل البضاعة جداً، ولا أثر عليه في القراءة عليه، فحمدت الله لتلك المشورة التي اختصرت عليَّ كثيراً من الوقت والجهد.
والشيخ الداعية المخلص : أمَّا عن الدعوة فحدِّث ولا حرج، له نصيب وافر جداً في ذلك، وحيثما حلَّ وارتحل في كثير من البلاد الإسلامية وغيرها، ينشط للدعوة إلى الله تعالى، والعبرةُ بالإخلاص والهم، لا بالكثرة والكم.
فقليلٌ بإخلاص خيرٌ من كثير دون ذلك، فكيف لو كان كثيراً وكثيراً ومع الإخلاص لله تعالى، والبعد عن الثناء والذكر الجميل ، نحسبه والله تعالى حسيبه.
وهذا الباب عند الشيخ كبير وجليل، وستذكر الأيام عِظَم هذا الباب عند الشيخ رحمه الله ممن كان رفيقاً له في سفره أو في عمله مما شاهد وخبر الكثير مما غاب عنَّا .
إن الحديث عن الشيخ يطول، وكيف لا يطول والشيخ كان ملء السمع والبصر علماً وعملاً وخلقاً وتربية وربانية، مع تواضع ولين جانب وبذل للمعروف وخدمة للعلم وأهله، غير أني في ختام هذه الشجون التي تذكرني وتسليني بالشيخ رحمه الله تعالى ، ومن واقع ما كان يربطني بشيخنا رحمه من العلاقة الطيبة، والتواصل المبارك بحمد الله، كانت لي معه رفع الله قدره وبرَّد ضجيعه مواقف خالدة ومؤثرة في نفسي، أسوق منها على عجل بعضها، تسلية لنفسي و نزولاً لرغبة إخواني :
الموقف الأول : كان شيخنا رحمه الله كثيراً ما يذكر في دروسه وكلماته الطيبة، العناية بالقراءة عند الأشياخ وأهمية ذلك، لكبير منفعتها. وذات يوم عرضتُ عليه ذلك فاعتذر لانشغاله، وكان العرض سريعاً لم يكن فيه أخذٌ ورد.
وذات مرة بعد إحدى الكلمات بعد العشاء، وجدتُ فرصة للدخول على الشيخ في جلسة علمية خاصة، فذهبتُ إليه وهو جالس في محرابه ـــ عادته لاستقبال الأسئلة والإخوان ـــ وجلستُ أمامه رحمه الله رحمة واسعة، فقلت له وكنت أريد إثارة شيء من الغضب عنده وإعلامه بتركي دروسه، وقلت له: شيخنا أنا قرَّرتُ عدم حضور دروسكم، وسأترك مجالس العلم والطلب، وسأنظر ما أنشغل به من الأعمال، وبدأت وكأني مُنزعجاً من الأمر! فلتطَّف معي وقال بهدوء مع ابتسامه: طيب ليش زعلان ؟ فأخبرته : تقولون لنا اذهبوا إلى المشايخ واطلبوا العلم عندهم واحرصوا على القراءة عليهم، وإذا أتينا إليكم ما قبلتونا، إذن لا حاجة للطلب والعلم، وكنت أقول هذا والله حقيقة بحرقة، فقال لي : يا محمد فعلاً أنا ما عندي وقت، والْتَزم هذه الدُّروس ــــ يعني دروسه ـــــ واجتهد فيها ففيها خيرٌ وبركة بحول الله، فأبيتُ، ثم ألححتُ عليه رغبتي للقراءة عليه في «كتاب التوحيد» لابن عبد الوهاب رحمه الله، واقترحتُ على أن يكون فجراً، فإنْ وجد حرصاً أتممنا الأمر وإلَّا فلا، فرضي رضي الله عنه وأسكنه فسيح جناته، وقد كان كريماً جداً، لطيفاً متواضعاً، وبعد قراءة ما يقرب من ثُلث الكتاب، غبتُ مرةً، حتى إذا رآني قبيل درس الدكتور عبد الله المطرودي بعد المغرب في الفقه، فإذا به يقول بعد أن ذهبتُ وسلَّمت عليه: وقد تبسَّم، وين الحرص محمد؟ فضحكتُ، وابتسم، وقال تعال غداً نتابع، حتى نُنهي الكتاب.
فأتممتُ بحمد الله تعالى الكتاب، وانتفعتُ به كثيراً، وفتح لي بعض ما أُغلق عليَّ، وأبان ما أَشكَل عندي، وكانت له عناية خاصة بتوضيح مقصد الترجمة بمضامين الباب، وربط المسائل بمقاصدها، تمنيت والله لو طالت تلك الجلسات، ولكن الحمد لله أن وفِّقت لذلك.
الموقف الثاني: كنتُ في زيارة لمكتبة ابن الجوزي أدور بين جنبات أرففها، وأجمع من هنا وهناك بعض الكتب، وأضعها على طاولة البائع، وأعود لاقتناص كتاب وهكذا، وإذا بالشيخ رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، يدخل المكتبة ويتوجَّه نحو الإدارة، فلما خرج منها كنت قريباً منها سلَّمت عليه، فسألني هل وجدتَ كتباً طيبة جديدة تُشترى، فذكرتُ له بعضها، ثم افترقنا، فذهب وبقيتُ بعده مدَّة، فلما أردت الخروج، وأنهيت الشراء فإذا بالبائع يقول لي: هذه ثمنها دُفع! فقلت : لم أدفع بعد؟ فقال: «الشيخ سلطان دفعها وخلاص، ابسط يا عم» فعجبتُ للأمر كثيراً، وقلت له ممازحاً أكيد تمزح، ولكن وجدت الرجل بهلجته يقول : «يا مولانا الله يكرمك والله الشيخ قال لا يدفع ريالاً واحداً وحسابها عندي».
فانظر كيف يتعامل هذا الشيخ العالم مع أحد صغار تلاميذه، شآبيب رحمة الله عليه.
بقي أن تعرف أنَّ قيمة تلك الكتب التي شريتها جاوزت أربع مئة ريال، فاستحييتُ لذلك، وحاولت أن أُخفِّف منها غير أنَّ البائع قال : الشيخ قال يأخذ ما يريد، ولا تُرجع شيئاً هو يريده.
فلما عدتُ إلى منزلي قيدتُ على كل هذه الكتب:
( هدية من شيخنا سلطان العويد جزاه الله خيراً )
فبالله عليكم كيف تجدون وَجْد مَن فقد شيخاً كهذا العالم عليه؟
رحمك الله شيخنا الغالي وجمعنا وإياك مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.
الموقف الثالث : وصلني نبأ وفاة سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله ظهر يوم الخميس في المسجد الذي كنت أصلي فيه إماماً، وحِرْتُ كيف السبيل إلى السفر نحو مكة لحضور الجنازة، وكان في يوم الخميس لنا عادة في الخروج للبر مع نشاط مكتبتنا المباركة، إلى ما بعد العشاء، فعزمتُ حين نلتقي بالإخوة أن أحاول طرق موضوع السفر ممن ينشط لذلك، غير أني لم أظفر إلَّا بصاحبي الأثير «عبد العزيز» أسعده الله، وبعد العودة ليلاً، قررتُ وصاحبي الخروج للمطار في ليلة الجمعة بساعة متأخرة، لعلَّنا نجد رحلة مُتَّجهة إلى جدة، فما إنْ وصلنا بالمطار حتى رأيناه مزدحماً بالناس، ولكن للأسف لا طائرات، والرحلة الوحيدة تُجهَزُّ للإقلاع، فأصابتنا خيبة أمل أنا وصاحبي، وبتنا نُفكِّر لو ذهبنا بالسيارة هل نتمكَّن من الوصول قبل الصلاة أو لا؟ والذي كان يزيد مِن لوعتنا أن نرى بعض المشايخ وطلبة العلم يَمُرُّون أمامنا وقد حجزوا مسبقاً للسفر، فنتحرَّق أكثر وأكثر، حتى رآنا شيخنا أسكنه الله فسيح جناته، فأتي إلينا وسلَّم علينا، وقال: هل أنتم مسافرون؟ فقلنا: لم نجد حجز، فقال تعالوا معي، وسرنا معه في مكان غير مكان الحجز المعروف، وقابلنا أحد الإخوة أظن اسمه عبد الرحمن، وقال له: يا عبد الرحمن احجز للشباب، فوالله مباشرة بادر الأخ وحجز لنا، دون أي كلمة، ولا نعرف كيف صار الأمر، وقال أسرعوا للبوابة قبل أن تغلق، ركضنا مسرعين جداً نحوها، وسرنا على أقدامنا للطائرة بسرعة مع الموظف المسؤول، وكنَّا أخر مَن صعدها، وما صدقنا إلا حين أقلعت الطائرة، فجزاه الله خير الجزاء على ذلك.
وأيضاً لك أن تعرف عن هذا الشيخ المفضال أننا لم ندفع فلساً واحداً قيمة هذه التذاكر.
فبالله عليكم، أيُّ رجل كان هذا الشيخ المبارك، وقد رآنا جمعٌ من أهل العلم ممن نعرفهم ويعرفوننا في المطار، إلا أنَّ الحق جلَّ في عليائه أجرى هذا الخير على يد هذا العالم .
وجاء يوم الجنازة، وخيَّم الحزن على ربوع الشرقية، وأُسدل الظلام على أحياء الدمام، برحيل بوابة العلم فيها، تلك البوابة التي كانت وضَّاءة نيِّرة بهذا العالم، يفزع إليه أصحاب السؤلات والحاجات للدخول من خلالها لمقاصدهم ومآربهم، مما يجريه الله على يد الشيخ رحمه الله.
رحمك الله أيها الشيخ الأصيل، ومنبع الخير النبيل، كانت جنازتك مشهودة وموعودة، ولسان حال الكثير يقول ما قاله الإمام أحمد يا أبا أحمد : بيننا وبينكم يوم الجنائز؟
رحمك الله في الأولين والآخرين، وما بقي إلَّا أنْ أختم ببعض ما يُبشر بالخير لشيخنا رحمه الله رحمة واسعة، فوالله ما على مثل الشيخ من حسرة وأسف إلا أُنس مجالسته والانتفاع من علمه، والظنُّ أنَّ ما عند الله خير له وأبقى.
ومما نحسن الظن بربنا أنها دلائل خير وبشرى للشيخ رحمه الله، وما هذه البشارات إلا شهادة تُؤدَّى، وستكتب شهادتهم ويسألون، فمِمَّا ورَد في صحاح الأحاديث :
1.الشهادة بالثناء الحسن للمُتوفَّى : يصدِّقه حديث أنس بن مالك رضي الله عنه يقول : مرُّوا بجنازة، فأثنوا عليها خيراً، فقال النبِيُّ ^ : «وَجَبَتْ» ثمَّ مرُّوا بأخرى فأثنوا عليها شرَّاً، فقال: «وجبت».
فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ما وجبت؟ قال: «هذا أثنيتم عليه خيراً؛ فوجبت له الجنَّة، وهذا أثنيتم عليه شرَّاً، فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض»( )
2.شفاعة المصلين لاسيَّما أهلُ التوحيد للمُتوفَّى: ويدل لهذه الشفاعة أحاديث :
- حديث عائشة رضي الله عنهما، عن النبيِّ ^ قال: «ما من مَيِّت يُصلِّي عليه أمةٌ من المسلمين يبلغون مئة، كلُّهم يشفعون له إلا شُفِّعوا فيه» ( )
- وحديث ابن عباس رضي الله عنهما يقول: سمعت رسول الله ^ : «ما من رجل مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلاً، لا يشركون بالله شيئاً إلَّا شَفَعهم الله فيه»( )
- وحديث مالك بن هُبيرة قال : قال رسول الله ^ : «من صلَّى عليه ثلاثةُ صُفوفٍ فقد أَوْجبَ» ( ) أي : الجنة .
وقد كانت هذه الثلاثة متحققة من فضل الله تعالى على شيخنا رحمه الله، فقد كانت الجنازة حافلة مشهودة، شهدها كثيرٌ من أهل العلم والفضل والتلاميذ وامتدَّت الصُّفوف في الطُّرقات، وقد تزاحم الناس على حمل نَعْشه، والسير في جنازته، وبات من الصعب جداً الوصول للمقبرة أو الوصول إليها، وما خرج المشيعون إلا مع صلاة المغرب من المقبرة، جزاهم الله خيراً
3. والختم على عمل صالح : وقد تَرْجم ابنُ حبَّان في «الصَّحيح» فقال : ذِكْر الإخبار بأنَّ مَن وُفِّق للعمل الصالح قبل موته كان ممن أُريد به الخير، وساق حديث أنس بن مالك، أنَّ النبي ^ قال: « إذا أراد الله بعبدٍ خيراً يستعمله» قيل : كيف يستعمله يا رسول الله ؟ قال : «يُوفِّقه لعمل صالح قبل الموت»( )
ثُمَّ تَرْجم ثانيةً فقال : ذِكْر الإخبار بأنَّ فَتْح الله على المسلم العمل الصالح في آخر عمره من علامة إرادته جلَّ وعلا له الخير، وساق حديث عمرو بن الْـحَمِق الخزاعي قال : قال رسول الله ^: « إذا أراد الله بعبد خيرا عَسَلَهُ قبل موته» قيل : وما عسلُه قبل موته ؟ قال : «يُفتح له عمل صالح بين يدي موته حتى يَرْضى عنه»( )
ثم ترجم ثالثة فقال : ذِكْر البيان بأنَّ العمل الصالح الذي يُفتح للمرء قبل موته من السَّبب الذي يُلْقِي الله جلَّ وعلا محبَّته في قلوب أهله وجيرانه به، وساق حديث عَمْرو بن الْـحَمِق الخزاعي قال : قال رسول الله ^: « إذا أراد الله بعبد خيرا عَسله قبل موته» قيل : وما عسلُه ؟ قال : «يُفتح له عمل صالح بين يدي موته حتى يَرْضى عنه»( )
وحسبك أن الشيخ كان قد عاد من المدينة المنورة، بعد جملة من الطاعات والأعمال الصالحة، نحسبه كذلك والله حسيبه.
هذه إلماعةٌ عاجلة بخواطر عابرة مع وعن هذا العالم الرَّباني، وهي بعضٌ من بعضٍ ممَّا تميَّز به، فهكذا كان، وهكذا فلنكن، ولعل ممن هم أقرب وأخير وأفضل مني من يسطر الكثير عن الشيخ رحمه الله وحياته وعلمه وفضله ومكانته، حتى تنتفع الأمة، ويكون في ذلك بعض وفاء للشيخ رحمه الله تعالى .
فاللَّهُمَّ اغفر لشيخنا ومُعلِّمنا ذنبه، واستُر عيبه، وضَعْ عنه وِزْره، وأرفع له ذِكْره، واجعل له لسان صِدْقٍ في الآخرين، واجمعنا به مع النَّبيين والصِّديقين والشهداء والصالحين، وحَسُن أولئك رفيقاً. اللهم آمين ، اللهم آمين، اللهم آمين.
إذا ما مات ذو عِلْمٍ وتقوى * * فقد ثَلُمت من الإسلام ثُلْمة
وموتُ الحاكم العَدْل الُمولَّى * * بحكم الشَّرْع مَنقصةٌ ونِقْمة
وموتُ العابد القَوَّام ليلاً * * يُناجي ربَّه في كلِّ ظُلْمة
وموت فتى كثيرُ الجود محضٌ * * فإنَّ بقائه خيرٌ ونِعْمة
وموتُ الفارس الضِّرْغام هدمٌ * * فكم شَهِدت له في الحرب عَزْمة
فحسبك خمسة يبكى عليهم * * وباقي الناس تخفيفٌ ورحمة
وباقي الناس هم همجٌ رعاع * * وفي إيجادهم لله حكمة

الرشيد هارون أبو جعفر الرشيد

الرشيد هارون أبو جعفر الرشيد
هارون أبو جعفر بن المهدى محمد بن المنصور عبدالله بن محمد بن على ابن عبدالله بن العباس استخلف بعهد من أبيه عند موت أخيه الهادى ليلة السبت لأربع عشرة بقيت من ربيع الأول سنة سبعين ومائة قال الصولى هذه الليلة ولد له فيها عبدالله المأمون ولم يكن في سائر الزمان ليلة مات فيها خليفة وقام خليفة وولد خليفة إلا هذه الليلة وكان يكنى ابا موسى فتكنى بأبى جعفر حدث عن أبيه وعن جده ومبارك بن فضالة وروى عنه ابنه المأمون وغيره وكان من أمير الخلفاء واجل ملوك الدنيا وكان كثير الغزو والحج كما قال فيه أبو المعالى الكلابى فمن يطلب لقاءك أو يردهفبالحرمين أو أقصى الثغور ففى أرض العدو على طمروفي ارض الترفه فوق كور مولده بالرى حين كان أبوه أميرا عليها وعلى خراسان في سنة ثمان وأربعين ومائة وأمه أم ولد تسمى الخيزران وهى أم الهادى وفيها يقول مروان ابن أبى حفصة يا خيزران هناك ثم هناكأمسى يسوس العالمين ابناك وكان أبيض طويلا جميلا مليحا فصيحا له نظر في العلم والأدب وكان يصلى في خلافته في كل يوم مائة ركعة إلى أن مات لا يتركها إلا لعلة ويتصدق من صلب ماله كل يوم بألف درهم وكان يحب العلم وأهله ويعظم حرمات الإسلام ويبغض المراء في الدين والكلام في معارضة النص وبلغه عن بشر المريسى القول بخلق القرآن فقال لئن ظفرت به لأضربن عنقه وكان يبكى على نفسه وعلى إسرافه وذنوبه سيما إذا وعظ وكان يحب المديح ويجيز عليه الأموالة الجزيلة وله شعر دخل عليه مرة ابن السماك الواعظ فبالغ باحترامه فقال له ابن السماك تواضعك في شرفك أشرف من شرفك ثم وعظه فأبكاه وكان يأتي بنفسه الى بيت الفضيل بن عياض هارون فقال فضيل الناس يكرهون هذا وما في الأرض أعز على منه لو قال عبدالرزاق كنت مع الفضيل بمكة فمر مات لرأيت أمورا عظاما قال أبو معاوية الضرير ما ذكرت النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين يدى الرشيد إلا قال صلى الله على سيدى وحدثه بحديثه صلى الله عليه وآله وسلم ووددت أنى أقاتل في سبيل الله فأقتل ثم أحى فأقتل فبكى حتى انتحب وحدثته يوما حديثا أحتج آدم وموسى وعنده رجل من وجوه قريش فقال القرشى فأين لقيه فغضب الرشيد وقال النصع والسيف زنديق يطعن في حديث النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال أبو معاوية فما زلت اسكنه وأقول يا أمير المؤمنين كانت منه نادرة حتى سكن وعن أبى معاوية أيضا قال أكلت مع الرشيد يوما ثم صب على يدى رجل لا أعرفه ثم قال الرشيد تدري من يصب عليك قلت لا قال أنا إجلالا للعلم وقال منصور بن عمار ما رأيت اغزر دمعا عند الذكر من ثلاثة الفضيل بن عياض والرشيد وآخر وقال عبيد الله القواريرى لما لقى الرشيد الفضيل قال له يا حسن الوجه أنت المسئول عن هذه الأمة حدثنا ليث عن مجاهد وتقطعت بهم الأسباب قال الوصلة التى كانت بينهم في الدنيا فجعل هارون يبكى ويشهق ومن محاسنه انه لما بلغه موت ابن المبارك جلس للعزاء وأمر الأعيان ان يعزوه في ابن المبارك قال نفطويه كان الرشيد يقتفى آثار جده أبى جعفر إلا في الحرص فإنه لم ير خليفة قبله أعطى منه أعطى مرة سفيان بن عيينة مائة ألف وأجاز إسحاق الموصلى مرة بمائتى ألف وأجاز مروان بن أبى حفصة مرة على قصيدة خمسة ألآف دينار وخلعة وفرسا من مراكبه وعشرة من رقيق الروم وقال الأصمعى قال لى الرشيد يا أصمعى ما أغفلك عنا وأجفاك لنا قلت يا أمير المؤمنين ما لاقتنى بلاد بعدك حتى أتيتك فسكت فلما تفرق الناس قال ما لاقتنى قلت كفاك كف ما تليق درهماجودا وأخرى تعطى بالسيف الدما فقال أحسنت وهكذا فكن وقرنا في الملا وعلمنا في الخلا وأمر لى بخمسة آلاف دينار وفي مروج المسعودى قال رام الرشيد ان يوصل ما بين بحر الروم وبحر القلزم مما يلى الفرما فقال له يحيى بن خالد البرمكى كان يختطف الروم الناس من المسجد الحرام وتدخل مراكبهم إلى الحجاز فتركه وقال الجاحظ اجتمع للرشيد ما لم يجتمع لغيره وزراؤه البرامكة وقاضيه ابو يوسف رحمه الله وشاعره مروان بن أبى حفصة ونديمه العباس بن محمد عم ابيه وحاجبه الفضل بن الربيع أنبه الناس واعظمهم ومغنيه ابراهيم الموصلى وزوجته زبيدة وقال غيره كانت أيام الرشيد كلها خير كأنها من حسنها أعراس وقال الذهبى أخبار الرشيد يطول شرحها ومحاسنه جمة وله اخبار في اللهو واللذات المحظورة والغناء سامحه الله مات في ايامه من الأعلام مالك بن أنس والليث بن سعد وابو يوسف صاحب أبى حنيفة والقاسم بن معن ومسلم بن خالد الزنجى ونوح الجامع والحافظ أبو عوانة اليشكرى وأبراهيم بن سعد الزهرى وابو اسحاق الفزارى وابراهيم بن ابى يحيى شيخ الشافعى واسد الكوفى من كبار اصحاب ابى حنيفة وإسماعيل بن عياش وبشر بن المفضل وجرير ابن عبدالحميد وزياد البكائى وسليم المقرىء صاحب حمزة وسيبويه إمام العربية وضيغم الزاهد وعبدالله العمرى الزاهد وعبدالله بن المبارك وعبدالله بن ادريس الكوفى وعبدالعزيز بن ابى حازم والدراوردى والكسائى شيخ القراء والنحاة ومحمد بن الحسن صاحب أبى حنيفة كلاهما في يوم وعلى بن مسهر وغنجار وعيسى بن يونس السبيعي والفضيل ابن عياض وابن السماك الواعظ ومروان بن ابى حفصة الشاعر والمعافى ابن عمران الموصلى ومعتمر بن سليمان والمفضل بن فضالة قاضى مصر وموسى بن ربيعة أبو الحكم المصرى احد الأولياء والنعمان بن عبدالسلام الأصبهانى وهشيم ويحيى بن ابى زائدة ويزيد بن زريع ويونس ابن حبيب النحوى ويعقوب بن عبدالرحمن قارىء المدينة وصعصعةابن سلام عالم الأندلس احد أصحاب مالك وعبدالرحمن بن القاسم اكبر أصحاب مالك والعباس بن الحنف الشاعر المشهور وأبو بكر ابن عياش المقرىء ويوسف بن الماجشون وخلائق آخرون كبار ومن الحوادث في أيامه في سنة خمس وسبعين افترى عبدالله بن مصعب الزبيرى على يحيى بن عبدالله بن حسن العلوى انه طلب إليه أن يخرج معه على الرشيد فباهله يحيى بحضرة الرشيد وشبك يده في يده وقال قل اللهم إن كنت تعلم أن يحيىلم يدعنى إلى الخلاف والخروج على أمير المؤمنين هذا فكلنى إلى حولى وقوتى واسحتنى بعذاب من عندك آمين رب العالمين فتلجلج الزبير وقالها ثم قال يحيى مثل ذلك وقاما فمات الزبيرى ليومه وفي سنة ست وسبعين فتحت مدينة دبسة على يد الأمير عبدالرحمن بن عبدالملك بن صالح العباسى وفي سنة تسع وسبعين اعتمر الرشيد في رمضان ودام على إحرامه إلى أن حج ومشى من مكة إلى عرفات وفي سنة ثمانين كانت الزلزلة العظمى وسقط منها رأس منارة الإسكندرية وفي سنة إحدى وثمانين فتح حصن الصفصاف عنوة وهو الفاتح له وفي سنة ثلاث وثمانين خرج الخزر على ارمينية فأوقعوا بأهل الإسلام وسفكوا وسبوا أزيد من مائة ألف نسمة وجرى على الإسلام امر عظيم لم يسمع قبله مثله وفي سنة سبع وثمانين اتاه كتاب من ملك الروم نقفور بنقض الهدنة التى كانت عقدت بين المسلمين وبين الملكة رينى ملكة الروم وصورة الكتاب من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب أما بعد فإن الملكة التى كانت قبلى اقامتك مقام الرخ وأقامت نفسها مقام البيذق فحملت إليك من اموالها أحمالا وذلك لضعف النساء وحمقهن فإذا قرأت كتابى فأردد ما حصل قبلك من أموالها وإلا فالسيف بيننا وبينك فلما قرأ الرشيد الكتاب استشاط غضبا حتى تمكن أحد ان ينظر إلى وجهه دون أن يخاطبه وتفرق جلساؤه من الخوف واستعجم الرأى على الوزير فدعا الرشيد بدواة وكتب على ظهر كتابه بسم الله الرحمن الرحيم من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة والجواب ما تراه لا ما تسمعه ثم سار ليومه فلم يزل حتى نازل مدينة هرقل وكانت غزوة مشهورة وفتحا مبينا فطلب نقفور الموادعة والتزم بخراج يحمله كل سنة فأجيب فلما رجع الرشيد إلى الرقة نقض الكلب العهد لإياسه من كرة الرشيد في البرد فلم يجترىء احد أن يبلغ الرشيد نقضه بل قال عبدالله بن يوسف التيمى نقض الذى أعطيته نقفورفعليه دائرة البوار تدور أبشر أمير المؤمنين فإنهغنم أتاك به الإله كبير وقال أبو العتاهية أبياتا وعرضت على الرشيد فقال أوقد فعلها فكر راجعا في مشقة شديدة حتى أناخ بفنائه فلم يبرح حتى بلغ مراده وحاز جهاده وفي ذلك يقول ابو العتاهية ألا نادت هرقل بالخرابمن الملك الموفق للصواب غدا هارون يرعد بالمناياويبرق بالمذكرة القضاب ورايات يحل النصر فيهاتمر كأنها قطع السحاب وفي سنة تسع وثمانين فادى الروم حتى لم يبق بممالكهم في الأسر مسلم وفي سنة تسعين فتح هرقل وبث جيوشه بأرض الروم فافتتح شراحيل ابن معن بن زائدة حصن الصقالبة وافتتح يزيد بن مخلد ملقونية وسار حميد ابن معيوف إلى قبرس فهدم وحرق وسبى من أهلها ستة عشر الفا وفي سنة اثنتين وتسعين توجه الرشيد نحو خراسان فذكر محمد بن الصباح الطبرى أن أباه شيع الرشيد إلى النهروان فجعل يحادثه في الطريق إلى ان قال يا صباح لا أحسبك ترانى بعدها فقلت بل يردك الله سالما ثم قال ولا احسبك تدرى ما أجد فقلت لا والله فقال تعال حتى أريك وانحرف عن الطريق واوما إلى الخواص فتنحوا ثم قال امانة الله يا صباح أن تكتم على وكشف عن بطنه فإذا عصابة حرير حوالى بطنه فقال هذه علة أكتمها الناس كلهم ولكل واحد من ولدى على رقيب فمسرور رقيب المأمون وجبريل بن يختيشوع رقيب الأمين ونسيت الثالث ما منهم أحد إلا ويحصى انفاسى ويعد أيامى ويستطيل دهرى فإن اردت أن تعرف ذلك فالساعة ادعو ببرذون فيجيئون به اعجف ليزيد في علتى ثم دعا ببرذون فجاءوا به كما وصف فنظر إلى ثم ركبه وودعنى وسار إلى جرجان ثم رحل منها في صفر سنة ثلاث وتسعين وهو عليل إلى طوس فلم يزل بها إلى أن مات وكان الرشيد بايع بولاية العهد لابنه محمد في سنة خمس وسبعين ولقبه الأمين وله يومئذ خمس سنين لحرص امه زبيدة على ذلك قال الذهبي فكان هذا أول وهن جرى في دولة الاسلام من حيث الإمامة ثم بايع لابنه عبدالله من بعد الأمين في سنة اثنتين وثمانين ولقبه المأمون وولاه ممالك خراسان بأسرها ثم بايع لابنه القاسم من بعد الأخوين في سنة ست وثمانين ولقبه المؤتمن وولاه الجزيرة والثغور وهو صبى فلما قسم الدنيا بين هؤلاء الثلاثة قال بعض العقلاء لقد ألقى بأسهم بينهم وغائلة ذلك تضر بالرعية وقالت الشعراء في البيعة المدائح ثم إنه علق نسخة البيعة في البيت العتيق وفى ذلك يقول إبراهيم الموصلى خير الأمور مغبةوأحق امر بالتمام أمر قضى احكامه الرحمنفي البيت الحرام وقال عبدالملك بن صالح في ذلك حب الخليفة حب لا يدين له عاصى الإله وشار يلقح الفتنا الله قلد هارونا سياسته لما اصطفاه فأحيا الدين والسننا وقلد الأرض هارون لرأفته بن أمينا ومأمونا ومؤتمنا قال بعضهم وقد زوى الرشيد الخلافة عن ولده المعتصم لكونه أميا فساقها الله إليه وجعل الخلفاء بعده كلهم من ذريته ولم يجعل من نسل غيره من أولاد الرشيد خليفة وقال سلم الخاسر في العهد للأمين قل للمنازل بالكثيب الأعفر اسقيت غادية السحاب الممطر قد بايع الثقلان مهدى الهدىلمحمد بن زبيدة بنة جعفر قد وفق الله الخليفة إد بنى بيت الخلافة للهجان الأزهر فهو الخليفة عن ابيه وجدهشهدا عليه بمنظر وبمخبر فحشت زبيده فاه جوهر باعه بعشرين الف دينار

زياد علي

زياد علي محمد