الخميس، 5 سبتمبر 2019

عمر بن عبد العزيز.. كانت حياته معجزة

::: عمر بن عبد العزيز.. كانت حياته معجزة :::
:::الكـاتب :محمد جمعة الحلبوسي:::

نقف اليوم في رِحاب عَلَمٍ من أعلام المسلمين، وشخصيَّة من الشخصيَّات العظيمة، مع الرجل الذي لم يكن قِمَّةً في الزُّهد فحسب، ولا قِمَّة في العبادة فحسب، ولا قِمَّة في الوَرَع فحسب، وإنما كان قِمَّة في ذلك كلِّه، فكانت حياته قِمَمًا شامخة في كلِّ ذلك، مع الرجل الذي أقبلتْ عليه الدنيا بخيَلِها ورجلها، فأعرض عنها؛ رغبةً في النعيم الْمُقيم في جوار ربِّ العالمين، مع الرجل الذي كانتْ حياته معجزة، الرجل الذي ملأ الأرض عدلاً بعد أن مُلِئَت ظُلمًا وجورًا، إنه عمر بن عبد العزيز - رحمه الله تعالى -.

المسلم الكريم:

عندما تقرأ قَصصَ المهتدين والعابدين تجدُ أنَّ نقطةَ التحوُّل في حياتهم كانت إمَّا بسبب موت قريبٍ، أو فجيعة في عزيز، أو كِبَر في السنِّ، أو مَرض زعزع كيانهم؛ حتى أفاقوا إلى رشدِهم.

لكن عمر بن عبد العزيز كانت نقطةُ التحول في حياته يوم أن فُتِحَتْ زخارف الدنيا كلُّها بين يديه، يأخذ ما يشاء ولا يحاسبه أحدٌ إلا الله، هذه اللحظة التي تضعُف فيها النفوس كانت نقطة الاستفاقة في حياة عمر، فخاف أعظم ما يكون الخوف، وعدل أحسن ما يكون العدل، لقد خاف عمر ولم يكن خوفه إلا من الله، فلم يكن بينه وبين الله أحدٌ من الخَلْق يخشاه.

لذلك عندما وصل نبأُ موتِ الخليفة "عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - إلى إمبراطور الروم الذي كان خَصمًا عنيدًا لدولة الإسلام، بكى بكاءً شديدًا أذهل حاشيته، فسألوه عن ذلك، فأجابهم بكلمات تُعتبر من أصدق وأجمع ما قِيل في تأبين الخليفة أمير المؤمنين - رضي الله عنه - حيث قال: ماتَ والله رجلٌ عادلٌ، ليس لعدله مثيلٌ، وليس ينبغي أنْ يَعجبَ الناس لراهبٍ ترك الدنيا؛ ليعبدَ الله في صومعته، إنما العجبُ لهذا الذي أتته الدنيا حتى أناختْ عند قدمه، فأعرض عنها.

ما رأيكم - أيها الناس - برجل يبكيه أعدى أعدائه؟!

وقال عنه مالك بن دينار - رحمه الله -: الناس يقولون عنِّي: زاهد، وإنما الزاهد عمر بن عبد العزيز الذي أتته الدنيا فتركها.

فتعالَ - أخي المسلم - لنعيش وإيَّاكم مع بعض من مواقف هذا الرجل الذي ضرب فيها أروعَ الأمثلة في العدل، ورَفْعِ الظلم عن الناس، وفي الزهد، والوَرَع، والخوف من الله، وكم نحن اليوم بحاجة إلى سماع مثل هذه الأخبار؛ لعلَّها تكون دافعًا لنا إلى التغيير.

الموقف الأول: أين المسلمون من عمر؟ وأين نساء الأمة من زوجته فاطمة؟

عندما تولَّى "عمر" الخلافة نَظَرَ في بيت مال المسلمين، ثم نظر إلى ما في يده، ثم نظر إلى ما في يد أمراء بني أُميَّة، فماذا فعل يا تُرى؟

بدأ بنفسه، فدعا زوجه فاطمة ابنةَ الخليفة عبد الملك بن مروان، وزوجةَ الخليفة عمر بن عبد العزيز، وأختَ الخلفاء الأربعة: الوليد، وسليمان، ويَزِيد، وهشام، هم خلفاء بحكم الوراثة، فسألها عمر سؤالاً، قال لها: اختاري يا فاطمة، قالت: أيَّ شيءٍ اختار يا أمير المؤمنين؟

قال لها: إما أن تختاري الذهب والجواهر والزُّمُرُّد ومتاع الدنيا، وإما أن تختاري عمر بن عبد العزيز، نَعَمْ، خَيَّرَها عمر بين نفسه وبين ما تملك من زينة زُفَّتْ بها؛ لأنها بنت الخليفة.

فماذا قالت فاطمة؟ هذه السيدة المسلمة التي تربَّت في مدارس الإسلام، ونهلت من مناهل القرآن، قالت بلسان اليقين، ومنطق الحق المبين: والله لا أختار عليك أحدًا يا أمير المؤمنين، هذا ذهبي، وتلك ثياب زفافي المرصَّعة بالماس والزُّمُرُّد، ثم قالت: إلى أين تريد الذهاب بها يا عمر؟ قال: سأذهب بها إلى بيت مال المسلمين؛ لتكون للفقراء والمساكين!.

الله أكبر، هذا هو العدل كله، وهذه هي النزاهة كلُّها، وهذا هو الزُّهد كلُّه، والإخلاص كلُّه.

يا عمر، إلى أين تذهب بجواهرها وذهبها وزينتها وثياب زفافها؟ إلى أين تذهب بهذا كلِّه يا عمر؟ إلى بيت مال المسلمين؛ لتكون للفقراء والمساكين! وإذا بفاطمة تقول بلسان يَقِينها: جعلني الله وإياك - يا عمر - فِداءً لله ورسوله.

وعندما مات عمر، وتولَّى الخلافة بعده "يزيد بن عبدالملك" أخو فاطمة، فقال لها: يا فاطمة، أنا أعلم أنَّ عمر أخَذَ مالك كلَّه، ووضعه في بيت المال، أتأذنين أنْ أعيدَه إليك؟ فقالت له بلسان الحقِّ: ماذا تقول يا يَزِيد؟! أتريد أن آخذَ شيئًا وضعه عمر في بيت مال المسلمين؟! فو الله الذي لا إله إلا هو، لن أعطيه حيًّا وأغضبه ميِّتًا أبدًا، وما غادرتْ بيتها قط بعد عمر، حتى وافتها المنيَّة - رضي الله عنها -.

هكذا كان عمر، وإلى كمْ عمر نحتاج من الرجال في عصرنا هذا؟ وإلى كمْ فاطمة نحتاج من النساء؟

ثم انقلب عمر بعد أن بدأ بنفسه إلى بني أُميَّة، فقطع كلَّ صلاتٍ كانوا يأخذونها وأعطياتٍ كانوا يستلمونها، نظر إلى بيت المال، فإذا اسمه بيت مال المسلمين، ليس بيتَ مال عمر، ولا بيت مال الأمراء، ولكن بيت مال المسلمين.

فكلُّ مال أُخِذَ من بيت مال المسلمين فدُفِع إلى أمير، قام عليه عمر فردَّه من حيث أُخِذ، واستشاط أمراء بني أُميَّة غضبًا، فأرسلوا إليه ابنَه عبد الملك، فقالوا: يا عبد الملك، إما أن تستأذنَ لنا على أبيك، وإما أن تبلِّغه عنَّا، قال: قولوا، قالوا: أخبِره أنَّ مَن كان قبله من الأمراء يعطوننا أعطيات ويصلوننا بصلاتٍ، وأنه قد قطعها عنَّا، مُرْهُ فليردَّها علينا، وأَبْلَغَ عبد الملك أباه المقالةَ، فقال: ارْجِع إليهم، فقل لهم: إن أبي يقول: (إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) [سورة الأنعام:15]، (إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ).

أرأيْتُم كيف حافظ عمر على أموال المسلمين؟ فيا أصحاب الوظائف، يا أيُّها الأُمَنَاء على المسلمين، حافظوا على أموال المسلمين كما تحافظون على أموالكم، وخذوا الدرس والعِبْرة من ابن عبد العزيز، واجعلوا شعاركم: (إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ).

الموقف الآخر: حال بيت عمر:

عاد سيدنا عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - يومًا إلى داره بعد صلاة العِشاء، ولمح بناته الصغار، فسلَّم عليهنَّ كعادته، وبدلاً من أن يسارعْنَ نحوه بالتحيَّة كعادتهنَّ، رُحْنَ يتبادَرْنَ البابَ ويُغَطِّينَ أفْوَاهَهُنَّ بأَكُفِّهِنَّ، فسأل: ما شأنهُنَّ؟ فأُجِيب بأنه لم يكن لديهِنَّ ما يَتَعَشَّيْنَ به سوى عدس وبصل، فَكَرِهْنَ أن يُشَمَّ مِن أفَوَاهِهِنَّ ريحُ البصل، فتحاشَيْنَه لهذا، فبكى أمير المؤمنين، وقال يخاطِبُهُنَّ: "يا بناتي، ما ينفعُكُنَّ أن تَعِشْنَ الألوان والأطايب، ثم يُذهَبُ بأبيكُنَّ إلى النار.

الله أكبر، بنات أمير المؤمنين، لا أقول: أمير العراق، أو أمير مصر، أو أمير الشام، إنما أقول: عمر بن عبد العزيز الذي وصلتْ خيول الدولة في عهده إلى أبواب باريس غربًا، وإلي الصين شرقًا، ولم يكن لدى بناته ما يَتعَشَّيْنَ به سوى "عدس، وبصل".

لنقل على لسان أمير المؤمنين، لنقل لِمَن يملؤون بطونهم بالألوان والأطايب في نفس الوقت الذي تشكو عوائل كاملة الجوع على مقربة منهم، اعقلوا كلمات ابن عبد العزيز، وتخيَّلُوا حال بنات خليفة يَتَعَشَّيْنَ العدس والبصل، وأبوهُنَّ خليفة لأكبر دولة!.

لا نريد منكم أن ترفضوا الأطايب والألوان من الطعام والشراب، ولكن الْتَفِتُوا ولو بالشيء القليل إلى الأرامل والأيتام والمساكين؛ لتربحوا خيرًا عند الله.

بل في يوم من أيام العيد جاءت بناتُ عمر بن عبد العزيز، وقُلْنَ له: يا أمير المؤمنين، العيد غدًا، وليس عندنا ثياب جديدة نَلْبَسُها - بناته يوم العيد لا يَجِدْنَ ثيابًا يَلْبَسْنَها -، فماذا كان ردُّ أمير المؤمنين عليهِنَّ؟ - نظر إليهنَّ، وقال: يا بناتي، ليس العيد من لبس الجديد، إنما العيد لمن خاف يوم الوعيد!.

فقال له وزير ماليته: يا أمير المؤمنين، ما ضرَّ لو صرفنا لك راتبَ شهرٍ مُقَدَّمًا، فنظر إليه عمر نظرةَ غضبٍ، تكاد من شدة غضبها أن تهتكَ حِجاب الشمس، وقال له: ثكلتك أُمُّك، هل اطلعت على علم الغيب، فوجدتني سأعيش يومًا واحدًا بعد الآن، صدقت يا أمير المؤمنين، هل يوجد هذا اليقين عند المسلمين في دنيا اليوم؟، هل يتذكرون قول الله - تعالى -: (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [لقمان: 34].

إذًا ليكنْ يقينُنا كما قال ابن عمر: "إذا أصبحت، فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت، فلا تنتظر الصباح".

الموقف الآخر: تذكر قدرة الله عليك:

كتب عمر - رضي الله عنه - إلى أحد وُلاتِه موعظة، فقال: أمَّا بعد، فإذا دَعَتْكَ قدرتُك على الناس إلى ظلمهم، فاذكر قدرةَ اللهِ عليك في نفاد ما يأتي إليهم، وبقاء ما يُؤْتَى إليك.

واسمعوا إلى هذا الموقف العظيم:

يقتحم ذات يوم رجلٌ من عامة الناس مجلسَ أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، ويتهجَّم على أمير المؤمنين بكلمات تثير غيظ الحليم، فماذا تظنون من عمر أن يفعل؟

والله تحدِّيان رهيبان مخيفان يَعصفان به في وقتٍ واحدٍ؛ التحدي الأوَّل: هو اعتداء من رجل عادي على خليفة، وعلى أمرٍ باطلٍ وليس على حقٍّ، والثاني: مقاومة إغراء الشيطان بالانتقام الآني من أَجْل هيبة الخلافة على أقل تقدير.

ولكن لابن عبد العزيز في هذا الموقف وقفةٌ شامخة؛ لينبِّه المسلمين من خلالها إلى خُلُق الحِلْم، ويذكِّرهم بقوله - تعالى -: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [آل عمران: 134].

قال عمر لهذا الرجل: لعلَّك أردتَ أن يستفزني الشيطان بعزَّة السلطان، فأنال منك اليوم ما تتقاضاه منِّي غدًا عند الله، ولكن قُمْ، عفا الله عنك!.

فأين المسلمون من هذه الأخلاق؟ أنا أدعو المسلمين من خلال هذا الموقف، ليكنْ شعارنا مع من أخطأ وأساء في حقِّنا: قُمْ عفا الله عنك!.

وأختم كلامي بهذا الموقف الرائع:

لما حضرته الوفاة، ذهب بعض الأصحاب ليعودوه، وكان عمر قد ترك من الأولاد خمسة عشر ولدًا، فقالوا له وهو يعالجُ سكرات الموت: ماذا تركت لأولادك يا أمير المؤمنين؟ كم مليارًا في بنوك أوروبا؟ كم مليارًا في بنوك أمريكا؟ ماذا تركت لأولادك الخمسة عشر؟ كم قصرًا؟ كم طيارة؟ كم عمارة؟ كم سيارة؟ كم تركت لأولادك؟ وإذا بأمير المؤمنين يجيب بكلمة واحدة: تركت لهم تقوى الله!.

لا إله إلا الله، كيف يا أمير المؤمنين؟! فيقول أمير المؤمنين: إن كانوا صالحين، فالله يتولَّى الصالحين، وإن كانوا غير ذلك، فلن أترك لهم شيئًا يستعينون به على معصية الله.

وإذا بعمر يصدر الأمر إلى زائريه بالانصراف فورًا؛ ليتركوه وحدَه على فراش الموت، وتدخل عليه فاطمة الوفيَّة، الأمينة، الزاهدة، بنت الخلافة، ولكنها رَمَتِ الدنيا كلَّها وراء ظهرها، تدخل عليه وهو في السكرات، فيقول لها: يا فاطمة، اخرجي الآن؛ فإنني أرى خَلْقًا يزاحمون عليَّ مكاني هذا، أرى خَلْقًا غريبًا ذوي أجنحة لم أرهم قبل الآن، اخرجي يا فاطمة، اخرجي يا فاطمة، آن للغريب أن يرى حماه، آنَ للغريب أن يرى رباه، آن للغريب أن يعودَ إلى دار البقاء، اخرجي يا فاطمة؛ إن هناك أجسامًا نورانيَّة ذوي أجنحة؛ مثني، وثُلاث، ورُباع، اخرجي يا فاطمة، فإن الرُّوح تُزَف؛ لأنها ستصل إلى خالقها الأعظم، ستكون في ضيافة الرحمن؛ (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي) [الفجر: 27 -30].

إن عمر وهو في ساعة الاحتضار كان يرتِّل آيةً واحدة في كتاب الله، ختم بها سِجِلَّ حياته، هذه الآية هي قوله - تعالي -: (تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [القصص: 83].

قال مالك بن دينار - رحمه الله -: لما وَلِيَ عمر، قالت رُعاة الشاة في ذروة الجبال: من هذا الخليفة الصالح الذي قد قام على الناس؟ فقيل لهم: وما علمكم بذلك؟ قالوا: إنا إذا قام على الناس خليفة صالح، كَفَّت الذئاب والأُسْد عن شِيَاتِنا.

وقال حسن القصار - رحمه الله -: كنت أحلب الغنمَ في خلافة عمر، فمررت براعٍ وفي غنمه نحو من ثلاثين ذئبًا حسبتهم كلابًا، ولم أكن رأيتُ الذئابَ من قبل، فقلت: يا راعي، ما ترجو بكل هذه الكلاب؟ فقال: يا بُني، إنها ليست كلابًا، وإنما هي ذئاب، يا بُني، إذا صلح الرأس، فليس على الجسد بأس.

فرحم الله عمر رحمة واسعة، وجزى الله عمر عن الإسلام والمسلمين خيرَ الجزاء، كما نسأله - جل وعلا - أن يجعلَ فَرجَ هذه الأمة بأمثال عمر، اللهم آمين.

أقول قولي هذا، وأستغفرُ الله.

نوح عليه الصلاة والسلام

الخطبة الأولى

أما بعد: فإن على الداعية المسلم أن يقرأ دعوة الرسل لأقوامهم وما لاقاه كل رسول من جراء هذه الدعوة؛ ليقف على الشيء الكثير من أخلاق البشر في بداوتهم وتحضرهم وطباعهم وعاداتهم، لكي يسير في إصلاحه على هدى؛ لأن نفوس المفسدين في كل زمان متقاربة، ووسائلهم في محاربة الحق متشابهة، ومن أجل أن يجد المصلح ما يشدّ عزمه ويُنير قلبه، ويعلم أنَّ الرسل صلوات الله وسلامه عليهم على اتفاقهم في الأصول يُعنون عناية خاصة بالأمراض التي تحيق بأقوامهم.

ونحن اليوم مع أول رسول من رسل الله، مع نوح عليه الصلاة والسلام، فحياته حياة شاقة مريرة، ومحنته مع قومه محنة شديدة أليمة، فقد أقام بينهم قرونًا طويلة، فلم يَرَ إلا آذانًا صمًّا وقلوبًا غلفًا وعقولاً متحجرة، لقد كانت نفوسهم أيْبَس من الصخر، وأفئدتهم أقسى من الحديد، لم ينفعهم نصح أو تذكير، ولم يزجرهم وعيد أو تحذير، كلما ازداد لهم نصحًا ازدادوا له عنادًا، وكلما ذكّرهم بالله زادوا ضلالاً وفسادًا، وظلوا في طريق الضلال سائرين، لا يلتفتون إلى دعوة نوح، ولا يبالون بتحذيره وإنذاره، وقد مكث تسعمائة وخمسين عامًا داعيًا مذكّرًا ناصحًا مع أن عمره أطول من ذلك، أما تلك المدة فهي مدة دعوته، وسلك جميع الطرق الحكيمة معهم لإنقاذهم من الضلال وإبعادهم عن عبادة الأصنام والأوثان، وكانت دعوته لهم ليلاً ونهارًا وسرًا وجهارًا، ومع ذلك لم تَلِنْ قلوبهم.

فلما يئس نوح عليه السلام من إيمان قومه بعد هذه الفترة الطويلة من الزمان أوحى الله سبحانه وتعالى إلى نوح بأنه لن يؤمن من قومه أحد بعد القليل من المؤمنين الذين آمنوا به كما قال تعالى: وَأُوحِىَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ ءامَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ [هود: 36]، عند ذلك التجأ نوح عليه السلام إلى الله بالدعاء على قومه بالهلاك والدمار، فاستجاب الله دعاءه وأعلمه بأنه سيهلكهم بالطوفان فلا يبقى منهم أحد، وأوحى إليه بأن يصنع السفينة ليركب فيها هو وجماعته المؤمنون، ولم يكن لنوح عليه السلام ولا لغيره معرفة بصنع الفلك، ولذلك أوحى الله إليه صنعها وعلمه كيف ينبغي أن تكون عليه السفينة كما قال تعالى:  وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَـٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ[هود: 37]، وإنما أمره تعالى بعدم مراجعته في شأنهم لأن عذابه عز وجل إذا جاء لا يُردّ عن القوم المجرمين، ولعله قد تدركه رقّة عند معاينة العذاب النازل بهم.

وأخذ نوح عليه الصلاة والسلام يصنع السفينة بأمر الله ووحيه، وجعل قومه يمرون عليه فيهزؤون ويسخرون ويقولون له: صِرتَ نجارًا ـ يا نوح ـ بعد أن كنت نبيًا! ويقولون: ماذا تقصد ـ يا نوح ـ بهذه السفينة؟! وأين الماء الذي سيحملها وهي في البر بعيدة عن البحر؟! وجابههم عليه السلام بكلمة قوية كشفت عما ينتظرهم من ذلة وهوان بما كسبت أيديهم في الدنيا، وما ينتظرون في الآخرة من عذاب مقيم كما ورد في القرآن الكريم: قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ  فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ[هود: 38، 39]، والمعنى: إنا واثقون من مصيركم المحزن ونهايتكم الأليمة، ولسوف ترون بأعينكم وتلمسون بأيديكم من منا الذي سيلحقه الخزي والعار والعذاب والدمار في الدنيا، ثم يحلّ عليه بعد ذلك عذاب الآخرة وهو العذاب الدائم الأليم.

ثم جاء أمر الله بإحقاق الحق وإبطال الباطل، ففار التنور، ولعل كلمة التنور وإطلاقها على الأرض من باب التشبيه لها بالفرن على أساس ما يوجد في باطنها من الكتل النارية الملتهبة، والتي نشاهدها عند تصاعد النيران من البراكين والله أعلم، وكان للناس عجبًا أن يتفجر ماء الطوفان من موقد النيران، ولكن كانت هي العلامة التي أوحى الله بها إلى نوح ليعلم أن ساعة القصاص قد حانت، وأن أمر الله قد نفذ في أعداء دينه، فلما ظهرت العلامة ركبوا في السفينة وأرسل الله من السماء مطرًا لم تعهده الأرض قبله ولا بعده كأنّهُ أفواه القِرَب، وأمر الأرض فنبعت من جميع فجاجها وسائر أرجائها كما قال تعالى:  فَدَعَا رَبَّهُ أَنّى مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ  فَفَتَحْنَا أَبْوٰبَ ٱلسَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ  وَفَجَّرْنَا ٱلأرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى ٱلمَاء عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ  وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوٰحٍ وَدُسُرٍ  تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا جَزَاء لّمَن كَانَ كُفِرَ [القمر: 10-14]، وركب نوح في السفينة ومن آمن معه، وكانوا عددًا قليلاً في حدود الأربعين كما ورد في بعض الروايات، وأمره الله بأن يحمل معه في السفينة من كل حيوان وطير ووحش وغيره زوجين اثنين كما قال تعالى: قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ وَمَنْ ءامَنَ وَمَا ءامَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ [هود: 40].

وفي هذا الجوّ الرهيب والوقت العصيب يتطلع نوح إلى ابنه كنعان الذي لم يركب مع إخوته الثلاثة سام وحام ويافث، فيراه قد فرّ إلى جهة لم يكن قد وصلها الماء، فيناديه بعاطفة الأبوة وقلبه الرحيم: يـٰبُنَىَّ ٱرْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ ٱلْكَـٰفِرِينَ[هود: 42]، ولكن الابن الجاحد المعاند لا يلبي دعوة الرحمة والحنان ولا يجيب داعي الإيمان، بل يركب رأسه ويمضي في ركاب الشيطان قائلاً: سَآوِى إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ ٱلْمَاء[هود: 43]، ناسيًا أن هذا ليس سيلاً عاديًا تصدّه التلال وتعصم منه الجبال والمرتفعات، إنما هو أمر الله وقدره النافذ الذي لا عاصم منه إلا رحمته لمن يشاء من عباده، قَالَ لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ [هود: 43]. وهكذا يمضي الولد العاقّ سادرًا في غيّه وضلاله مع الكفار الجاحدين حيث حلت عليهم النقمة وأدركهم الموت، وَقِيلَ بُعْدًا لّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ[هود: 44].

وكان نوح عليه السلام مطمئنًا إلى وعد الله له بالنجاة له ولأهله وللمؤمنين معه، وواثقًا أيضًا بمصير الظالمين ونهايتهم الأليمة، وأيقن حق اليقين أن الله قد استجاب دعاءه،وَقَالَ نُوحٌ رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأرْضِ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ دَيَّارًا  إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُواْ إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا  [نوح: 26، 27]، وحينئذ تذكّر نوح ابنه وتذكّر قول الله له: إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ [العنكبوت: 33]، فظن أن ابنه ممن كتبت لهم النجاة لأنه من أهله، ونسي الشرط الأساسي للنجاة وهو الإيمان بالله، فلجأ إلى الله قائلاً: رَبّ إِنَّ ٱبنِى مِنْ أَهْلِى وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَـٰكِمِينَ[هود: 45]، فعاتبه الله عز وجل حيث قال سبحانه: يـٰنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَـٰلِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنّى أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ [هود: 46]، وعند ذلك تذكر وأناب وطلب من الله المغفرة والرحمة،  قَالَ رَبّ إِنّى أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِى وَتَرْحَمْنِى أَكُن مّنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ[هود: 47].


الخطبة الثانية


الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمدًا عبد الله ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه.

أما بعد: فلقد انتهى الطوفان بعد أن غرق أهل الأرض في زمن نوح عليه السلام، ولم يبقَ إلا من آمن وركب السفينة، وكان انتهاء الطوفان بعد أن أمر الله السماء أن تكف المطر والأرض أن تبتلع الماء الذي غمرها، وأن تعود الحياة كما كانت على ظهر الأرض، وحيث كانت قد وصلت إلى جبل يسمى الجودي، والله أعلم أنه إلى جانب دجلة عند الموصل في العراق، قال تعالى: وَقِيلَ يٰأَرْضُ ٱبْلَعِى مَاءكِ وَيٰسَمَاء أَقْلِعِى وَغِيضَ ٱلْمَاء وَقُضِىَ ٱلأمْرُ وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِىّ وَقِيلَ بُعْدًا لّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ [هود: 44].

وحين استقرت السفينة على الجودي وغاض الماء أمر الله نوحًا ومن معه أن ينزلوا منها بسلام وأمان وبركات من العزيز الرحيم بعد أن مكثوا وبقوا فيها على الماء تطوف بهم مائة وخمسين يومًا كما ورد في بعض الروايات.

وهكذا كانت حياة نوح عليه السلام مع قومه بعد أن مكث وعاش زمنًا وقرونًا طويلة وهو يدعوهم إلى الله، وهي أطول حياة عاشها إنسان والله أعلم، ويُروى عنه أنه سُئل حين حضرته الوفاة: كيف رأيت الدنيا؟ قال: (رأيتها كبيتٍٍ له بابان، دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر). وهكذا ينبغي أن تكون نظرة المؤمنين المخلصين إلى الدنيا الفانية ومتاعها الزائل، وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِىَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ [العنكبوت: 64].

وما أجمله وأروعه من تعقيب إلهي في نهاية قصة نوح عليه السلام مع قومه لتذكير رسول الله  وأتباعه إلى يوم الدين بحقائق ثابتة وسنن لا تتغير ولا تتبدل، وما عليهم إلا أن يصبروا على ما يلاقونه من إعراض وعناد وكفر يتكرر في كل زمان ومكان، وعليهم أن يحتسبوا الأجر ويطلبوه من الله لأن العاقبة للمتقين،قال تعالى: تِلْكَ مِنْ أَنْبَاء ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـٰذَا فَٱصْبِرْ إِنَّ ٱلْعَـٰقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ[هود: 49]. تلك حقيقة حتمية وسنة ثابتة لمن تذَرّعَ وتجمّل بالصبر وكان من عباد الله المتقين، فإن العاقبة والنتائج الطيبة في الدنيا والآخرة هي للمتقين، فَٱصْبِرْ إِنَّ ٱلْعَـٰقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ.

أحمد بن حنبل رحمه الله

:::أحمد بن حنبل رحمه الله:::
:::الكـاتب : عبد اللّه بن عبد العزيز العقيل :::

هو أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني المروزي البغدادي، وشيبان حي من بكر القبيلة المشهورة من قبائل العرب.

ولد في ربيع الأول على المشهور سنة 164 هجرية في بغداد، وكانت أمه قد حملت به في مرو التي كان يقيم فيها أبوه، والمعروف أن أباه مات بعد ولادته عن ثلاثين سنة تقريباً، وأحمد إذ ذاك صغير لا يدرك شيئا بدليل أنه نفى رؤيته لأبيه وجده.

وكان جده قد انتقل إلى خراسان، وكان والياً على سرخس في العهد الأموي، ثم انضم إلى صفوف الدعوة العباسية حتى أوذي في هذا السبيل، ويقال: إنه كان قائداً.

نشأ أحمد - رضي الله عنه - يتيماً، وقامت على تربيته أمه - صفية بنت ميمونة بنت عبد الملك الشيباني - وترك له أبوه بيتاً في بغداد يسكنه، وبيتا آخر يغل غلة ضئيلة، وكان في هذا كشيخه الإمام الشافعي في اليتم والفقر والحاجة وعلو الهمة.

تشابهت نشأة التلميذ والأستاذ، ولكل منهما أم تدفعه إلى التقدم والعلو والزيادة من الخير.

نشأ الإمام أحمد - رضي الله عنه - ببغداد، وتربى فيها تربيته الأولى، وقد كانت بغداد إذ ذاك تموج بالناس الذين اختلفت مشاربهم، وتخالفت مآربهم، وزخرت بأنواع العلوم والمعارف، ففيها القراء والمحدثون والمتصوفة وعلماء اللغة والفلاسفة وغيرهم، فقد كانت حاضرة العالم الإسلامي، وقد توافر فيها ما توافر في حواضر العالم من تنوع المسالك، وتعدد السبل وتنازع المشارب ومختلف العلوم، حتى إذا أتم حفظ القرآن، وعلم اللغة اتجه إلى الديوان ليتمرن على التحرير والكتابة، ولقد قال في ذلك: كنت وأنا غليم أختلف إلى الكتاب، ثم أختلف إلى الديوان، وأنا ابن أربع عشرة سنة، وكان وهو صبي محل ثقة الذين يعرفونه من الرجال والنساء، حتى إنه ليروى أن الرشيد وهو بالرقة مع جنده وكان أولئك الجند يكتبون إلى نسائهم بأحوالهم، فلا يجد النساء غير أحمد يقرأ لهن ما كتب به إليهن، ويكتب لهن الردود ولا يكتب ما يراه منكرا من القول...

شب أحمد على هذا، واستمر في طلب العلم بعزم صادق وجد، وأمه تشجعه على ذلك، وترشده وتدعوه إلى الرفق بنفسه إذا خشيت عليه الإرهاق، وحكى ذلك أحمد عنها فقال: كنت ربما أردت البكور في الحديث فتأخذ أمي بثيابي وتقول: اصبر حتى يؤذن الناس أو حتى يصبحوا، وكان اتجاهه إلى الأخذ عن رجال الحديث.

ويروى أن أول تلقيه كان على القاضي أبي يوسف صاحب أبي حنيفة فقد قال: أول من كتبت عنه الحديث أبو يوسف، وفي تاريخ الحافظ الذهبي قال الخلال: كان أحمد قد كتب كتب الرأي، وحفظها ثم لم يلتفت إليها.

اتجه أحمد إلى كتابة الحديث من سنة 179 حينما كان عمره ست عشرة سنة، واستمر مقيما في بغداد يأخذ عن شيوخ الحديث فيها حتى سنة مائة وست وثمانين، وابتدأ في هذه السنة رحلته إلى البصرة، ثم إلى الحجاز، واليمن وغيرها، واستمر ملازماً لشيخه هشيم بن بشير بن أبي خازم الواسطي حتى سنة وفاته 183.

قال صالح بن أحمد: قال أبي: كتبت عن هشيم سنة 179، ولزمناه إلى سنة ثمانين وإحدى وثمانين واثنين وثمانين وثلاث، ومات في سنة ثلاث وثمانين، كتبنا عنه كتاب الحج نحواً من ألف حديث وبعض التفسير، وكتاب القضاء، وكتبا صغاراً، فقال صالح: يكون ثلاثة آلاف، قال: أكثر، ثم ارتحل في طلب العلم إلى الحجاز وغيره وقد ذكر ابن كثير تفصيل رحلاته الحجازية في تاريخه [البداية والنهاية (10/326)]، وكان من أبرز الشخصيات التي التقى بها الإمام أحمد أثناء رحلاته وفي إقامته، الإمام الشافعي - رضي الله عنه - فقد أخذ عنه، واستفاد منه كثيراً، وكان الشافعي يجله ويقدره ويعول عليه في معرفة صحة الحديث أحيانا، ورشحه الإمام الشافعي عند الرشيد لقضاء اليمن فأبى أحمد، وقال له: جئت إليك لأقتبس منك العلم تأمرني أن أدخل لهم في القضاء، وكان ذلك في آخر حياة الرشيد، ثم رشحه الشافعي مرة ثانية لقضاء اليمن عند الأمين فأبى أحمد وكان ذلك 195 هـ.

ودخل الشافعي يوماً على أحمد بن حنبل، فقال: يا أبا عبد الله كنت اليوم مع أهل العراق في مسألة كذا، فلو كان معي حديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فدفع أحمد إليه ثلاثة أحاديث فقال له: جزاك الله خيراً، وقال الشافعي لأحمد يوماً: أنتم أعلم بالحديث، والرجال، فإذا كان الحديث الصحيح فعلموني إن شاء يكون كوفياً أو شامياً حتى أذهب إليه إذا كان صحيحاً، وهذا من كمال دين الشافعي وعقله حيث سلم هذا العلم لأهله؛ وقال عبد الوهاب الوراق: ما رأيت مثل أحمد بن حنبل، قالوا له: وأي شيء بان لك من علمه وفضله على سائر من رأيت؟ قال: رجل سئل عن ستين ألف مسألة فأجاب فيها بأن قال (أخبرنا) و (حدثنا)، وقال أبو زرعة الرازي:

حفظ أحمد بن حنبل بالمذاكرة على سبعمائة ألف حديث، وفي لفظ آخر قال أبو زرعة الرازي: كان أحمد يحفظ ألف ألف، فقيل له: وما يدريك؟ قال: ذكراته فأخذت عليه الأبواب.

كان الإمام أحمد يقول: فاتني مالك فأخلف الله علي بسفيان بن عيينة؛ وفاتني حماد بن زيد فأخلف الله علي إسماعيل ابن علية.

وكان ملازماً لكتابة الحديث فانشغل بذلك عن كل شيء حتى عن الزواج فلم يتزوج إلا بعد الأربعين. وقيل له: يا أبا عبد الله قد بلغت هذا المبلغ وأنت إمام المسلمين، فقال: مع المحبرة إلى المقبرة، فأنا أطلب العلم إلى أن أدخل القبر.

وقد روى المزني: أن الشافعي قال: ثلاثة من عجائب الزمان: عربي لا يعرب كلمة وهو أبو ثور، وأعجمي لا يخطئ في كلمة وهو الحسن الزعفراني، وصغير كلما قال شيئاً صدقه الكبار وهو أحمد بن حنبل.

وقال الشافعي: خرجت من بغداد ما خلفت بها أحداً أورع، ولا أفقه، ولا أتقى، من أحمد بن حنبل، ولم يزل على ذلك مكباً على الحديث والإفتاء وما فيه نفع المسلمين، والتف حوله أصحابه يأخذون عنه الحديث والفقه وغيرهما، وألف المسند في مدة ستين سنة تقريباً، وكان قد ابتدأ بجمعه في سنة 180 هـ أول ما بدأ بطلب الحديث، وسيأتي الكلام على المسند إن شاء الله - تعالى -، وألف في التفسير، وفي الناسخ والمنسوخ، وفي التاريخ، وفي المقدم والمؤخر في القرآن، وفي جوابات القرآن، وألف المناسك الصغير والكبير، وفي حديث شعبة، وألف كتاب الزهد، وكتاب الرد على الجهمية والزنادقة، وكتاب الصلاة، وكتاب السنة، وكتاب الورع والإيمان، وكتاب العلل والرجال، وكتاب الأشربة، وجزءاً في أصول السنة، وفضائل الصحابة، وله قصائد متناثرة، وأجزاء في بعض الأصول والمسائل، كما نقل عنه مجموعة من المسائل، منها مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود السجستاني صاحب السنن وهي مطبوعة نشرها السيد محمد رشيد رضا بمطبعة المنار وتقع في 328 صفحة. وهي أجوبة على بعض المسائل التي سئل عنها الإمام أحمد في الفقه؛ ومنها مسائل ابنه عبد الله بن أحمد، ومسائل إسحاق بن إبراهيم رواية ابن منصور المروزي وهي مخطوطة وتوجد في المكتبة الظاهرية بدمشق وغير ذلك من مؤلفاته - رضي الله عنه -.

كان في بغداد أيام المأمون تيارات ثقافية متضادة: منها ما كان عليه السلف الصالح من أهل السنة والجماعة الممثل في حلقات أهل الحديث والفقهاء وغيرهم ممن يرجعون إلى النصوص الشرعية. ويثبتون لله ما أثبته لنفسه وما صح عن رسوله - صلى الله عليه وسلم - إثباتا بلا تمثيل وتنزيها بلا تأويل ولا تعطيل ومن أبرز هؤلاء: الإمام أحمد ومحمد بن نوح وأحمد بن نصر الخزاعي وغيرهم. ومنها تيار المعتزلة القائلين بخلق القرآن وتأويل آيات الصفات وغير ذلك مما هو معروف من مذهبهم: كالقول بالعدل والتوحيد والوعد والوعيد والمنزلة بين المنزلتين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وكان الرشيد يقاوم القول بخلق القرآن فلم يجرؤ أحد عليه مدة حياته كما روي عن محمد بن نوح قال: سمعت هارون الرشيد يقول: بلغني أن بشرا المريسي زعم أن القرآن مخلوق، علي إن أظفرني الله به لأقتلنه قتلة ما قتلها أحد قط، فلما مات الرشيد وتولى الأمين أراد المعتزلة حمله على ذلك فأبى.

فلما تولى المأمون الخلافة، وكان يميل إلى المعتزلة ويقربهم وكان أستاذه أبو الهذيل العلاف من زعماء المعتزلة وكذلك قاضيه أحمد بن أبي دؤاد فأشار عليه ابن أبي دؤاد بإظهار القول بخلق القرآن، فأظهر القول بذلك عام 212 هـ. فكان المأمون يناظر من يغشى مجلسه في ذلك ولكنه لم يلزم بذلك أحدا بل ترك الناس أحرارا فيما يذهبون إليه، فلما كان 218 هـ رأى المأمون حمل الناس وخصوصا العلماء والقضاة والمفتين على القول بخلق القرآن الكريم؛ وكان المأمون آنذاك في الرقة فأرسل إلى واليه على بغداد إسحاق بن إبراهيم وهو صاحب الشرطة ببغداد أن يجمع من بحضرته من القضاة ويمتحنهم فيما يقولون ويعتقدون في خلق الله القرآن وإحداثه، ويعلمهم أن أمير المؤمنين غير مستعين في عمله بمن لا يقول بهذا القول وكان ذلك في ربيع الأول من عام 218 هـ.

فثار العلماء حين سمعوا كتاب المأمون إلى نائبه في بغداد وقال واحد منهم: لقيت ثمانمائة شيخ ونيفا وسبعين فما رأيت أحدا يقول بهذه المقالة - يعني خلق القرآن - وقد حبس وعذب وقتل في هذه المحنة خلائق

لا يحصون كثرة كما يراه القارئ المتتبع لتلك الحقبة من التاريخ، وصارت هذه المحنة هي الشغل الشاغل للدولة والناس خاصتهم وعامتهم وأصبحت حديث مجالسهم وأنديتهم وحاضرتهم وباديتهم في العراق وغيره وقام الجدل فيها بين العلماء، ووقع امتحان الأمراء للعلماء والقضاة والفقهاء والمحدثين في مصر والشام وفارس وغيرها حتى تناول الإمام البخاري وشيوخه الأجلة الأفذاذ: يحيى بن معين وعلي بن المديني ويزيد بن هارون وزهير بن حرب وغيرهم من الأئمة المجمع على جلالتهم وإمامتهم في حفظ السنة المطهرة وعلومها.

وأرسل المأمون لصاحب الشرطة في بغداد بأن يوافيه بجواب من امتحن منهم فوافاه بجوابهم وإذا هو يتضمن إنكار هذه المقالة والتشنيع على من قال بها فلم يقتنع المأمون بذلك، فبعث إليه بكتاب ثان يأمره فيه بإشخاص سبعة من المحدثين المشهورين في بغداد أو ثمانية وهم -: محمد بن سعد كاتب الواقدي وأبو مسلم ويحيى بن معين وزهير بن حرب وإسماعيل بن داود وإسماعيل بن أبي مسعود وأحمد بن إبراهيم الدورقي. لكي يمتحنهم وفي مقدمتهم أحمد بن حنبل. إلا أن ابن أبي دؤاد حذف اسم الإمام أحمد من القائمة لمعرفته بصلابته وشدته في هذا الأمر.

ثم أمر المأمون بعد ذلك بحمل الإمام أحمد ومحمد بن نوح إليه في طرسوس فحملا إليه بأغلالهما فأما محمد بن نوح فمات في أثناء الطريق قبل أن يصل. وأما الإمام أحمد ومرافقوه فبلغهم وفاة المأمون قبل وصولهم فعادوا إلى بغداد، وألقي الإمام أحمد في الحبس. ويقال: إن أحمد دعا على المأمون وكانت وفاة المأمون في عام 218.

ثم تولى الخلافة المعتصم، وكان المأمون قد أوصاه بتقريب ابن أبي دؤاد والاستمرار بالقول بخلق القرآن وأخذ الناس بذلك. وكان أحمد في السجن فاستحضره من السجن، وعقد له مجلسا مع ابن أبي دؤاد وغيره؛ وجعلوا يناقشونه في خلق القرآن، وأحمد يستدل عليه بالنصوص الواردة. ويقول لهم: أعطوني دليلا من كتاب الله أو سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وانفض المجلس ذلك اليوم دون شيء، وأمر المعتصم برده إلى السجن. وفي اليوم التالي أحضر من السجن، وعقد المجلس وكان موقفه رائعا جليلا كموقفه في الأمس ورغم المحاولات والمناقشات صمم الإمام أحمد على كلامه، وفشل القوم كفشلهم بالأمس. وانفض الاجتماع، ورد الإمام أحمد إلى السجن، وفي اليوم الثالث أعيد انعقاد المجلس، وأحضر الإمام أحمد من السجن وأعيدت المناقشة. وكان المعتصم عند عقد مجلس المناظرة قد بسط بمجلسه بساطا، ونصب كرسيا جلس عليه وازدحم الناس إذ ذاك كازدحامهم أيام الأعياد، وكان مما دار بينهم أن قال للإمام أحمد: ما تقول في القرآن؟ فقال: كلام الله غير مخلوق قال الله - تعالى -: سورة التوبة الآية 6 وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ.

قال: هل عندك حجة غير هذا؟ قال: نعم قول الله - تعالى -: سورة الرحمن الآية 1 الرَّحْمَنُ سورة الرحمن الآية 2 عَلَّمَ الْقُرْآنَ ولم يقل خلق القرآن، وقال - تعالى -: سورة يس الآية 1 يس سورة يس الآية 2 وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ولم يقل المخلوق، فقال المعتصم: أعيدوه للحبس وتفرقوا، فلما كان من الغد جلس المعتصم مجلسه ذلك. وقال: هاتوا أحمد بن حنبل فاجتمع الناس، وسمعت لهم ضجة ببغداد فلما جيء به، وقف بين يديه والسيوف قد جردت والرماح قد ركزت والأتراس قد نصبت والسياط قد طرحت.

فسأله المعتصم عما يقول بالقرآن. قال: أقول غير مخلوق، وأستدل بقوله - تعالى -: سورة السجدة الآية 13 وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي الآية، قال: فإن يكن القول من الله - تعالى -فإن القرآن كلام الله، وأحضر المعتصم له الفقهاء والقضاة فناظروه بحضرته ثلاثة أيام وهو يناظرهم، ويظهر عليهم بالحجج القاطعة ويقول: أعطوني دليلا من كتاب الله أو كلام رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فقال المعتصم قهرنا أحمد وحلف ليضربنه بالسياط، وأمر الجلادين فأحضروا ولما جيء بالسياط نظر إليها المعتصم فقال: ائتوني بغيرها.

قال أبو عبد الله: ثم صيرت بين العقابين، والعقابان بضم العين خشبتان يوضع بينهما الرجل ليجلد قاله في تاج العروس، فعلق الإمام أحمد بالعقابين، ورفع حتى صار بينه وبين الأرض مقدار قبضة، قال أحمد: وشدت يداي وجيء بكرسي فوضع له - يعني للمعتصم - وابن أبي دؤاد قائم على رأسه والناس أجمعون قيام ممن حضر، فقال لي إنسان ممن شهدني: خذ بنابي الخشبتين بيدك، وشد عليهما فلم أفهم ما قال. قال: فتخلعت يداي لما شددت، ولم أمسك الخشبتين، قال أبو الفضل - يعني ابنه صالحا - ولم يزل أبي - رحمه الله - يتوجع منهما من الرسغ إلى أن توفي، قال أبو عبد الله فقلت: يا أمير المؤمنين إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: صحيح البخاري الديات (6878)، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1676)، سنن الترمذي الديات (1402)، سنن النسائي تحريم الدم (4016)، سنن أبو داود الحدود (4352)، سنن ابن ماجه الحدود (2534)، مسند أحمد بن حنبل (1/382)، سنن الدارمي الحدود (2298). لا يحل دم امرئ مسلم يشهد ألا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث. الحديث. فبم تستحل دمي وأنا لم آت شيئا من هذا. يا أمير المؤمنين اذكر وقوفك بين يدي الله - عز وجل - كوقوفي بين يديك، يا أمير المؤمنين راقب الله، فلما رأى المعتصم ثبوت أبي عبد الله وتصميمه لان فخشي ابن أبي دؤاد من رأفته عليه فقال: يا أمير المؤمنين إن تركته قيل: إنك تركت مذهب المأمون وسخطت قوله، أو أن يقال: غلب خليفتين فهاجه ذلك، وطلب كرسيا جلس عليه، وقام ابن أبي دؤاد وأصحابه على رأسه ثم قال للجلادين: تقدموا وجعل أحدهم يتقدم إلى الإمام أحمد فيضربه سوطين ثم يتنحى ثم يتقدم الآخر فيضربه سوطين، والمعتصم يحرضهم على التشديد في الضرب، ثم قام إليه المعتصم وقال له يا أحمد: علام تقتل نفسك إني والله عليك لشفيق فما تقول؟ فيقول أحمد: أعطوني دليلا من كتاب الله وسنة رسوله حتى أقول به، ثم رجع المعتصم، فجلس فقال للجلاد: تقدم وحرضه على إيجاعه بالضرب ويقول: شدوا قطع الله أيديكم، قال أحمد: فذهب عقلي عند ذلك فلم أفق إلا وقد أفرج عني ثم جيء بي إلى دار إسحاق

ابن إبراهيم فحضرت صلاة الظهر فصليت فقالوا صليت والدم يسيل منك فقلت: قد صلى عمر - رضي الله عنه - وجرحه يثعب دما وكان ذلك في رمضان سنة 218. ثم نقل أحمد إلى بيته واستقر فيه حيث لم يقو على السير فلما برئت جراحه، وقوي جسمه خرج إلى المسجد، وصار يدرس في المسجد ويملي الحديث حتى مات المعتصم.

فلما تولى الواثق منع الإمام أحمد من الاجتماع بالناس وقال: لا تساكني في بلد أنا فيه فأقام الإمام ببغداد مختفيا لا يخرج إلى صلاة ولا غيرها حتى مات الواثق، وذلك مدة خمس سنوات تقريبا.

فلما تولى المتوكل الخلافة سنة 232 بقيت المحنة قائمة خلال عامين من حكمه ثم رفعت سنة 234 وكانت قد بدأت من السنة الأخيرة من خلافة المأمون وهي سنة 218 وانتهت في السنة الثانية أو الثالثة من خلافة المتوكل سنة 234 حيث أوقف المتوكل أخذ الناس بالمحنة. وأصدر إعلانا عاما في كافة أنحاء الدولة نهى فيه عن القول بخلق القرآن، وتهدد من يخوض في ذلك بالقتل فعم الناس الفرح في كل مكان، وأثنوا على سجايا الخليفة ومآثره ونسوا شروره ورذائله، وسمع الدعاء له من كل جانب، وذكر اسمه مع اسمي الخليفتين أبي بكر وعمر وعمر بن عبد العزيز.

وكان المتوكل يكره العلويين، ويسرف في مطاردتهم فجعل المعتزلة يحيكون دسائسهم لدى الخليفة ضد الإمام أحمد، ويتهمونه بالجنوح إلى العلويين، وتتطور المحنة لتأخذ لونا آخر، وتشتد الرقابة على الإمام أحمد وامتدت أعناق أهل الفتنة فاتهموا الإمام أحمد لدى الخليفة أنه يؤوي في بيته أحد العلويين ذوي القدر الخطير ويثور الخليفة فيرسل من فوره إلى بغداد لمفاجأة بيت الإمام أحمد والقبض على العلوي المزعوم، وفي ليلة من الليالي بعد أن نام الناس، وهدأت الحركة وأرخى الليل سدوله على بغداد الهادئة الساكنة سمع أحمد دقا عنيفا على باب داره فقام إلى الباب ففتحه فإذا به أمام رجلين وامرأتين أما الرجلان فهما مظفر حاجب عبد الله بن إسحاق نائب بغداد والآخر ابن الكلبي صاحب البريد. وأما المرأتان فمهمتهما هي مهمة البوليس النسوي في أيامنا هذه. قال مظفر: يقول لك الأمير: إن أمير المؤمنين كتب إليه أن عندك طلبته العلوي، وقال ابن الكلبي: نعم إنك تؤوي في بيتك علويا من أعداء أمير المؤمنين وقد جئنا لأخذه، فقال الإمام أحمد: إني لا أعرف هذا ولا أرى سوى طاعة أمير المؤمنين في العسر واليسر والمنشط والمكره والأثرة. وسكت الإمام قليلا سكتة ذكر فيها حرمانه من المسجد بدون مسوغ، واستأنف يقول: إني أتأسف عن تأخري عن الصلاة وعن حضور الجمعة ودعوة المسلمين، قال ابن الكلبي: قد أمرني أمير المؤمنين أن أحلفك ما عندك طلبته أفتحلف؟ قال أحمد: إن استحلفتني حلفت فأحلفه ابن الكلبي بالله، فحلف وبالطلاق فحلف. وكان نساء الدار والصبيان قد حضروا، وحضر ابنه صالح فقال ابن الكلبي: أريد أن أفتش منزلك ومنزل ابنك صالح، وقام مظفر وابن الكلبي ففتشا البيت وفتشت المرأتان النساء فلم يعثروا على شيء وفتشا بيت صالح، فلم يجدا شيئا وفتشت المرأتان أماكن الحريم وجاءوا بشمعة فأدلوها في البئر، وانصرفوا بعد أن لم يجدوا شيئا.

وتولى ابن الكلبي وصف حال الإمام أحمد للمتوكل من احتباسه عن الجمعة والجماعة بدون مسوغ ومن

صدق لهجته فيما يكن لأمير المؤمنين من السمع والطاعة في المنشط والمكره ومن براءته مما عزاه إليه خصومه، وأذن الله بانكشاف الغمة فجاءه بعد يومين كتاب من علي بن الجهم أن أمير المؤمنين قد صح عنده براءتك مما قذفت به وكان أهل البدع قد مدوا أعناقهم فالحمد لله الذي لم يشمتهم بك.

وأقبلت الخلافة على الإمام تخطب وده وتطلب المؤانسة بقربه والتبرك بدعائه وأخذت الأيام تدبر مولية عن المعتزلة. فمرض ابن أبي دؤاد بالفالج، وجاء بعض أعيان الدولة يتقربون إلى الإمام أحمد بذكر ما نزل بابن أبي دؤاد ويومئون إلى أن كرامة الإمام على الله أوجبت ذلك القصاص فلم يلتفت إليهم الإمام أحمد وصمت ولم يرد، وظهر عليه التبرم بما قالوا. ومضت الأيام في إدبارها على المعتزلة فغضب الخليفة على ابن أبي دؤاد وقبض على أبنائه وصادر أملاكه وأمواله وجواهره، وأخذ ابن أبي دؤاد إلى بغداد بعد أن أشهد عليه ببيع ضياعه فكان يأتي إلى الإمام أحمد من يحمل إليه تلك الأنباء فيكرم نفسه أن تنزل إلى مستوى الشماتة الرخيص بل كان الخليفة نفسه يرسل إليه كأنه يستفتيه فيما يرى من مصير أموال ابن أبي دؤاود فكان يسكت ولا يجيب بشيء وهو موقف جدير أن يلقي على الناس دروسا في عظمة النفس وشدة الإقبال على جلائل الأمور والانصراف عن سفاسفها وتوافهها رحم الله الإمام أحمد لقد كان إماما في كل مكرمة.

ثم أرسل إليه الخليفة المتوكل كتابا يقول فيه: قد صح نقاء ساحتك، وقد أحببت أن آنس بقربك وأتبرك بدعائك وقد وجهت إليك بعشرة آلاف درهم معونة على سفرك وفرح آل أحمد بالعافية تقبل مع السعة والجاه، وحل بالدار نشاط وأنس، ودب فيها بعد الوحشة دبيب الحركة بمن صار يغشاها من رسل الخليفة وكبار رجال الدولة. قال ابنه صالح: لما جاء كتاب المتوكل بالمال ناداني أبي في جوف الليل فقمت إليه فإذا به يبكي فلما رآني قال: ما نمت ليلتي هذه سلمت من هؤلاء حتى إذا كان في آخر عمري بليت بهم.

فلما كان الصباح جاء الحسين البزاز والمشايخ فقال: يا صالح جئني بالميزان وبالدراهم ثم أخذ يزن المال ويقول: وجهوا هذا إلى أبناء المهاجرين وهذا إلى أبناء الأنصار وهذا لفلان ليفرق في ناحيته وهذا لفلان وهكذا حتى فرقها كلها فلما فرقها أحس أنه فرق معها كربته وتنفس الصعداء ونفض الكيس ثم تصدق به.

وكان لا بد لأحمد من تلبية أمر الخليفة لا خضوعا لقوة السلطان بل وفاء لحق السمع والطاعة الذي فرضه الإسلام لأولي الأمر في غير معصية، فخرج من بغداد إلى سامراء ومعه يعقوب المعروف بقوصرة وهو الرسول الذي حضر إليه من لدن الخليفة بالمال والخطاب وخرج معه بعض بنيه وكان يعقوب شديد السرور بنجاح مهمته فقد قبل أحمد بن حنبل أن يخرج معه، وكان يدرك مبلغ السرور الذي سيدخل قلب أمير المؤمنين بذلك.

نزل الإمام بسر من رأى ضيفا على أمير المؤمنين ولم يكن للخليفة من هم بعد أن عرف كل شيء عن أحمد إلا أن يرضيه، وأن لا يحمله علي شيء يكرهه. عرف الخليفة أن أحمد لا يقبل ماله فلم يكن له بد من النزول على رغبته واحترام إرادته ولكن لا بد من أن يصله في قرابته فليكن المال لأهله وبنيه دون أن يعلم وتسلم صالح ابنه بأمر الخليفة عشرة آلاف على الفور مكان التي فرقها أبوه ببغداد على أبناء المهاجرين والأنصار وسواهم.

وعرف رجال القصر لهفة الخليفة وشدة إقباله على أحمد وإكباره له فأقبلوا عليه بمثل ما أقبل سيدهم كل يخطب وده ويبتغي إليه المنزلة ويحاول أن يسره بما يستطيع. أمر الخليفة أن تفرش الدار التي هيئت له بالفرش الوثيرة وأن ترتب له ومن معه من بنيه مائدة شهية واسعة وأمر أن يقطع له ملابس فاخرة: طيلسان وقلنسوة وشارات رسمية من السواد الذي اختارته الدولة العباسية شعارا لها.

ويحضر يحيى بن خالد فيقول: إن الخليفة أمرني أن أصير لك مرتبة في أعلى ويصير ولده المعتز في حجرك تؤدبه بما شئت من أدب القرآن وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وجاء يحيى في اليوم التالي يدعوه أن يركب إلى دار المعتز ويقول في لهجة مهذبة: تركب يا أبا عبد الله فيقول الإمام أحمد: ذاك إليكم وكان يوما مشهودا في القصر ألبسوه هناك الطيلسان وما أمر له به الخليفة من ألوان الثياب والشارات ويقول بعض الخدم: إن الخليفة كان مع أمه مستترين خلف ستار من ستور القصر يرقب في خفاء ما يكون من أحمد، فلما رآه يدخل أخذته خفة وغشيته هزة من الفرح ولمع السرور في عينيه وقال. يا أمه قد أنارت الدار بدخول أحمد.

يقول ابنه صالح: لما عاد أبي من القصر إلى الدار التي أعدت له نزع عنه الثياب التي أنعم بها عليه. وجعل يبكي ويقول: سلمت من هؤلاء منذ ستين سنة حتى إذا كان في آخر عمري بليت بهم، ما أحسبني سلمت من دخولي على هذا الغلام فكيف بالخليفة الذي يجب نصحه من وقت أن تقع عيني عليه إلى أن أخرج من عنده؟ ‌‍! ثم التفت إلى الملابس وقال لابنه: وجه بهذه الثياب إلى بغداد لتباع وحذار أن يشتري أحد منكم شيئا منها. أما الفرش الوثيرة الطرية فقد نحى نفسه عنها، وألقى بنفسه على مضرية خشنة له، ونظر إلى حجرة في جانب الدار فأمر أن يحول إلى ركن منها وأن لا يسرج فيها سراج قط، وأما المائدة فقد عافها فلم يدخل بطنه شيء منها وكانت شهية حافلة.

وأخيرا بلغ الضجر بالإمام أحمد كل مبلغ وبرم بكل شيء وزهد في كل شيء ولم يعد أبغض إليه من أن يلقى رجال الخليفة حتى كان يدعهم مع بنيه في الدهليز، ويقبل على صلاته ما شاء الله، وكان المرض ينزل به فيراه عافية سابغة لما فيه من عافية احتجابه عنهم. اشتكت عينه مرة فلما برئت ضاق ببرئها وقال لولده صالح: ألا تعجب كانت عيني تشتكي فتمكث حينا حتى تبرأ ثم هي في هذه المرة تبرأ في سرعة. والله لقد تمنيت الموت في الأمر الذي كان أيام المعتصم وإني لأتمنى الموت في هذا، إن هذا فتنة الدنيا وكان ذاك فتنة الدين نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

وأما مرضه ووفاته فإنه مرض تسعة أيام قال ابنه عبد الله: سمعت أبي يقول: استكملت سبعا وسبعين سنة فحم من ليلته وهو محموم يتنفس تنفسا شديدا، وقال صالح: وكنت قد عرفت علته وكنت أمرضه إذا اعتل.

وجاء الفتح بن سهل إلى الباب ليعوده فحجبه وأتى ابن علي بن الجعد فحجبه، وكثر الناس فقال لي: أي شيء ترى؟ قلت: تأذن لهم فيدعون لك قال: أستخير الله - تعالى -فأذن لهم فجعلوا يدخلون عليه أفواجا، ويسلمون عليه ويرد عليهم بيده، ويسألونه عن حاله، ويدعون له حتى تمتلئ الدار، ثم يخرجون ويدخل فوج آخر، وكثر الناس، وامتلأ الشارع، وأغلقنا باب الزقاق، وجاء رجل من جيراننا قد خضب فسر به، وقال: إني لأرى الرجل يجيء شيئا من السنة فأفرح به فدخل فجعل يدعو له فيقول أبي: ولجميع المسلمين.

وجاء رجل فقال: تلطف لي بالإذن عليه فإني قد حضرت ضربه يوم الدار، وأريد أن استحله. فقلت له، فأمسك فلم أزل به حتى قال: أدخله فأدخلته فقام بين يديه وجعل يبكي وقال: يا أبا عبد الله أنا كنت ممن حضر ضربك يوم الدار، وقد أتيتك فإن أحببت القصاص فأنا بين يديك وإن رأيت أن تحلني فعلت. قال: على أن لا تعود لمثل ذلك قال: نعم قال: فإني جعلتك في حل فخرج يبكي وبكى من حضر من الناس ثم قال: وجه فاشتر تمرا وكفر عني كفارة يمين فأخبرته بأني قد فعلت قال: الحمد لله. ثم قال اقرأ علي الوصية فقرأتها فأقرها وكنت أنام إلى جنبه فإذا أراد حاجة حركني فأناوله، وجعل يحرك لسانه ولم يئن إلا في الليلة التي توفي فيها، ولم يزل يصلي قائما أمسكه فيركع ويسجد وأرفعه في ركوعه ولم يزل عقله ثابتا.

وتسامع الناس بمرضه وكثروا وسمع السلطان بكثرة الناس فوكل ببابه وباب الزقاق المرابطة وأصحاب الأخبار، ثم أغلق باب الزقاق حتى تعطل بعض الباعة، وحيل بينهم وبين البيع والشراء، وكان الرجل إذا أراد أن يدخل إليه ربما دخل من بعض الدور وربما تسلق، وجاء أصحاب الأخبار فقعدوا على الأبواب وجاءه صاحب ابن طاهر فقال: إن الأمير يقرئك السلام وهو يشتهي أن يراك فقال: هذا مما أكرهه وأمير المؤمنين قد أعفاني مما أكره، وأصحاب الخير يكتبون بخبره إلى العسكر. والبرد تختلف كل يوم وجاء بنو هاشم فدخلوا عليه وجعلوا يبكون، وجاء قوم من القضاة وغيرهم فلم يؤذن لهم فلما كان قبل وفاته بيوم أو يومين قال: ادعوا لي الصبيان بلسان ثقيل فجعلوا ينضمون إليه وجعل يشمهم ويمسح بيده على رؤوسهم وعينه تدمع فقال له رجل: لا تغتم لهم يا أبا عبد الله فأشار بيده فظننا أن معناه إني لم أرد هذا المعنى. وكان يصلي قاعدا ويصلي وهو مضطجع لا يكاد يفتر ويرفع يده في إيماء الركوع واشتدت علته يوم الخميس ووضأته فقال: خلل الأصابع، وثقل ليلة الجمعة فلما كان يوم الجمعة الموافق اثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول عام 241 توفي صدر النهار لساعتين منه فصاح الناس وعلت الأصوات بالبكاء حتى كأن الدنيا قد ارتجت وامتلأت السكك والشوارع وقال صالح: وجه ابن طاهر يعني نائب بغداد بحاجبه مظفر ومعه غلامين معهما مناديل فيها

ثياب وطيب فقلت: أقرئ الأمير السلام وقل له: إن أمير المؤمنين قد كان أعفاه في حياته مما كان يكره، ولا أحب أن أتبعه بعد موته بما كان يكرهه في حياته.

وقد كانت الجارية غزلت له ثوبا عشاريا قوم بثمانية وعشرين درهما ليقطع منه قميصين فقطعنا له لفافتين وأخذ منه فوران لفافة أخرى فأدرجناه في ثلاث لفائف واشترينا له حنوطا وفرغ من غسله وكفناه، وحضر نحو مائة من بني هاشم ونحن نكفنه، وجعلوا يقبلون جبهته حتى رفعناه على السرير، وقال صالح: وجه الأمير ابن طاهر فقال: من يصلي عليه؟ قلت: أنا، فلما صرت إلى الصحراء إذا ابن طاهر واقف فخطا إلينا خطوات وعزانا ووضع السرير فلما انتظرت هنيهة تقدمت وجعلت أسوي صفوف الناس فجاءني ابن طاهر فقبض هذا على يدي ومحمد بن نصر على يدي وقالوا: الأمير. فمانعتهم فنحياني وصلى ولم يعلم الناس بذلك فلما كان من الغد علم الناس فجعلوا يجيئون ويصلون على القبر، ومكث الناس ما شاء الله يأتون فيصلون على القبر فكانت الصفوف من الميدان إلى قنطرة باب القطيعة سوى ما كان في الأطراف والحواري والسطوح والمواضع المتفرقة، ومن كان في السفن في الماء وقد حزر من حضر جنازته فكانوا سبعمائة ألف وقيل: ثمانمائة ألف وقيل: بلغوا ألف ألف وثلاثمائة ألف، وقيل غير ذلك مما يدل على أنهم جمع غفير وكان - رضي الله عنه - يقول في حال صحته: قولوا لأهل البدع: بيننا وبينكم يوم الجنائز.

وقد صنفت في ترجمته مصنفات مستقلة منها: المناقب لأبي الفرج بن الجوزي في مجلد، ومنها لأبي إسماعيل الأنصاري في مجلدين، ومنها لأبي بكر البيهقي في مجلد، ومنها لأبي زهرة مجلد، ومنها لأحمد الدومي في مجلد، وغير ذلك عدا ما في غضون كتب التاريخ والتراجم من ذكر مناقبه وثناء الناس عليه - رحمه الله - وسائر أئمة المسلمين وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

سلسلة مواقف ايمانية للصحابة ...ابو بكر الصديق و الورع العدد6

إِنَ الحَمدَ لله نَحْمَدَه وُنَسْتعِينَ بهْ ونَسْتغفرَه ، ونَعوُذُ بالله مِنْ شِروُر أنْفْسِنا ومِن سَيئاتِ أعْمَالِنا ،

مَنْ يُهدِه الله فلا مُضِل لَه ، ومَنْ يُضلِل فَلا هَادى له ، وأشهَدُ أنَ لا إله إلا الله وَحْده لا شريك له ،

 وأشهد أن مُحَمَداً عَبدُه وَرَسُوُله .. اللهم صَلِّ وسَلِم وبَارِك عَلى عَبدِك ورَسُولك مُحَمَد وعَلى آله وصَحْبِه أجْمَعينْ ،

ومَنْ تَبِعَهُمْ بإحْسَان إلى يَوُمِ الدِينْ وسَلِم تسْليمَاً كَثيراً ..

روت عائشة قالت: لما وليَ أبو بكر قال: قد عَلِمَ قومي أنّ حِرْفَتي لم تكن لتعجِزَ عن مَئُونَةِ أهْلي، وقد شُغِلْتُ بأمْرِ المُسلمين، وسأحْتَرِفُ للمسلمين في مالهم، وسيأكُلُ آلُ أبي بكر من هذا المال.
وروى محمّد بن هلال، عن أبيه، أنّ أبا بكر الصّدّيق كان له بيتُ مال بالسُّنح معروف ليس يَحْرِسُه أحَدٌ، فقيل له: يا خليفة رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم ألا تَجْعَلُ على بيت المال مَنْ يحرسه؟ فقال: لا يُخافُ عليه، قلت: لِمَ؟ قال: عَلَيْهِ قُفْلٌ، قال: وكان يُعطي ما فيه حتّى لا يبقى فيه شيءٌ، فلمّا تَحَوّل أبو بكر إلى المدينة حَوّله فجعل بيتَ ماله في الدّار التي كان فيها، وكان قَدِمَ عليه مالٌ من مَعْدِنِ القَبَليّةِ، ومن معادن جُهينة كثير، وانفتح معدن بني سُليم في خلافة أبي بكر فَقُدِمَ عليه منه بصَدَقَته فكان يوضعُ ذلك في بيت المال، فكان أبو بكر يَقْسِمُه على النّاس نُقَرًا نُقَرًا فيصيب كل مائة إنسان كذا وكذا، وكان يُسَوّي بين النّاس في القَسْم الحُرّ والعَبْد، والذَّكَر والأُنثى، والصغير والكبير فيه سواءٌ، وكان يشتري الإبلَ والخَيلَ والسلاحَ فيَحمِلُ في سبيل الله، واشترى عامًا قطائفَ أتى بها من البادية ففَرقَها في أرامل أهل المدينة في الشتاء، فلمّا توفي أبو بكر ودُفِنَ دعا عمر بن الخطّاب الأمناء ودخلَ بهم بيتَ مال أبي بكر ومعه عبد الرّحمن ابن عوف، وعثمان بن عفّان وغيرهما، ففتحوا بيت المال فلم يجدوا فيه دينارًا ولا درهمًا ووجدوا خَيْشة للمال فَنُفِضَتْ فوجدوا فيها درهمًا فرحّموا على أبي بكر، وكان بالمدينة وَزَّانٌ على عهد رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، وكان يزن ما كان عند أبي بكر من مال، فسُئل الوزّان كم بَلَغَ ذلك المال الذي وَرَدَ على أبي بكر؟ قال: مائتي ألف.
وروى عروة، عن عائشة قالت: لما حضر أبا بكر الوفاة جلس فتشهّد ثمّ قال: أمّا بعدُ يا بُنيّة فإنّ أحَبّ النّاسِ غِنًى إليّ بعدي أنْتِ، وإنّ أعَزّ النّاسِ عليّ فَقرًا بعدي أنْتِ، وإنّي كنتُ نَحَلْتُكِ جدادَ عشرين وسقًا من مالي، فوَدِدْتُ واللهِ أنّكِ حُزْته وأخذته فإنّما هو مال الوارث وهما أخَواكِ وأخْتاكِ، قالت: قلتُ: هذا أخَوَايَ فمَنْ أُخْتايَ؟ قال: ذات بَطْنِ ابنْةِ خارجةَ فإنّي أظُنّها جاريةً.
وروى محمّد بن الأشعث أنّ أبا بكر الصّدّيق لمّا أنْ ثقُل قال لعائشة: إنّه ليس أحدٌ من أهلي أحَبّ إليّ منك، وقد كنتُ أقْطَعْتُكِ أرْضًا بالبحرَين ولا أراك رَزَأتِ منها شيئًا، قالت له: أجَلْ، قال: فإذَا أنا مِتّ فابْعَثي بهذه الجارية، وكانت تُرْضعُ ابْنَه، وهاتَين اللِّقْحَتَين وحالبهما إلى عُمَرَ، وكان يسقي لَبَنَهما جُلساءَه، ولم يكن في يده من المال شَيءٌ، فلمّا مات أبو بكر بعثت عائشة بالغلام واللقحتين والجارية إلى عمر فقال عمر: يرحم الله أبا بكر لقد أتْعَبَ من بعده، فقَبل اللقحتين والغلام وردّ الجارية عليهم.
روت عائشة قالت: لمّا حُضِرَ أبو بكر قلتُ كلمةً من قول حاتم:
لَعمرُكَ ما يُغني الثراءُ عن الفَتى إذا حشرَجتْ يوْمًا وضاقَ بها الصدرُ
فقال: لا تقولي هكذا يا بُنيّة ولكن قولي: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ} [سورة ق: 19]، انْظُروا مُلاءَتَيّ هاتَيْنِ فإذا مِتّ فاغسِلوهما وكفّنوني فيهما فإنّ الحيّ أحوْج إلى الجديد من الميّت.

دعوة أبي الأنبياء إبراهيم عليه الصلاة والسلام (2)

الخطبة الأولى



أما بعد: فلا زال الحديث موصولاً بسابقه عن أبي الأنبياء إبراهيم عليه الصلاة والسلام وعن دعوته لقومه وعن أنواع المحن والابتلاءات التي اعترضته في سبيل الدعوة إلى الله والتي كان معها صابرًا محتسبًا لم يضطرب في إيمانه ودعوته ولم يتزعزع بل كان مثل الجبال الرواسخ الشوامخ، ولقد مرّ بنا كيفية دعوته لأبيه آزر وكيف كان مثالاً للابن البار بأبيه الذي لا يريد له إلا كل خير، وكيف كان أسلوبه في التخاطب مع أبيه وطريقة دعوته ومناصحته إياه، وطريقته في محاولة إقناعه لأبيه بأبسط وأيسر السبل التي تصل إلى قلبه بالحكمة والموعظة الحسنة.

والآن نحن مع موقفه عليه الصلاة والسلام مع الملك الطاغية، فقد نشأ إبراهيم عليه الصلاة والسلام وسط بيئة فاسدة يحكمها ملك طاغية مستبدٌّ برأيه، قيل عن اسمه: النمرود، قبض على زمام الملك في بابل في أرض العراق، وكان أهلها ينعمون برغد العيش وظلال الأمن غير أنهم كانوا يتخبطون في ظلام دامس من الشرك والوثنية؛ ينحتون الأصنام بأيديهم ثم يجعلونها أربابًا من دون الله، ولما رأى النمرود نفسه حاكمًا مطلقًا بين البشر تحيط به قوة الملك والسلطان والقوم حوله يتخبطون في الجهالات أقام نفسه إلهًا ودعا الناس إلى عبادته؛ لأن عبادتهم للأصنام وجهلهم بصفات الإله سوّغت له هذه الدعوة الباطلة، فالأصنام لا تسمع ولا تبصر ولا تملك لهم نفعًا ولا ضرًا، فهو في نظره ونظرهم القاصر وأذهانهم المتبلّدة أحسن وأفضل من تلك الأصنام؛ لأنه ينطق ويفكّر ويدرك ويحسّ ويشعر ويعطيهم الأموال، فقالوا: لِمَ لا يكون إلهًا؟! إذًا هو أولى بالعبادة من تلك الأحجار التي عبدوها واتخذوها آلهة، ونشأ الجميع وشبُّوا وشابوا على تلك الضلالات، وعاشوا حياتهم المتبلدة التي أثّرت في أفكارهم وعقولهم ورسخت وسكنت سويداء قلوبهم ولم يرضوا عنها بديلاً مهما كان الإيضاح والبيان والحجة والبرهان.

نشأ إبراهيم عليه السلام في هذا المحيط الكافر وقد أعطاه الله الرشد والصواب وأعطاه من الحجة والبرهان ما يُسكت ويُخرس به أفواه الكفرة والمعاندين، فهو يحب مقابلة الحجة بالحجة واليقين، والشبهة بالدليل والبرهان، فابتدأ بذلك في نفسه ومع أبيه ومع الجبار المعاند النمرود ومع قومه أجمعين؛ لتقوم الحجة وتتضح مثل الشمس في رابعة النهار.

لقد بدا إبراهيم عليه السلام مفعم القلب بالإيمان بربه، ممتلئًا بالثقة واليقين بوعد الله بالنصر له، موقنًا بما أوحى الله تعالى إليه من أمر الغيب وأمر الإيمان، ويعلم أن الله تعالى هو الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، ولكنه أراد الاطلاع على آيات الله البينات الواضحات على الإحياء والإماتة والبعث والنشور ليحاجّ قومه المعاندين المكابرين الكافرين بشيء رآه ببصره وأدركه بثاقب بصيرته واطمأن له قلبه، رأى ذلك عيانًا أمام ناظريه فازداد إيمانًا واطمئنانًا وقوة في الحجة والبرهان والبيان أمام أولئك القوم العتاة الجبابرة والكفرة. ولم يكن ذلك من قِبَلِ الشك منه في وحدانية الله عز وجل أو في قدرته على الإحياء والإماتة كما يفهمه من قلّ علمه عندما يفهم الآيات على ظاهرها، مع أنه ثبت في الحديث الصحيح عن رسولنا محمد  البيان الشافي لهذا المفهوم الخاطئ حيث هضم من حقّ نفسه عليه الصلاة والسلام تواضعًا منه وإيضاحًا للحق في جهة أبينا إبراهيم عليه السلام لينتفي عنه الشك الوارد في مفهوم الآية القرآنية، وفيه أيضًا الإعلام بأن المسألة من إبراهيم عليه السلام لم تكن من جهة الشك في قدرة الله تعالى، ولكن من قَبِيلِ العلم بالعيان؛ لأن المعاينة تفيد من المعرفة والطمأنينة ما لا يكون في الاستدلال بغير الشيء الواضح للعيان. روى البخاري رحمه الله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله  قال: ((نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي الآية [البقرة: 260 ])).

ولقد أجاب الله عز وجل طلب وسؤال إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فأدرك عليه السلام عجائب قدرة الله عز وجل وأبعد دقائق خلقه وتصويره، واطمأن قلبه وسكن فؤاده وازداد يقينه وإيمانه وخشيته وتقواه وخوفه من الله ذي العزة والجبروت مالك الملك العزيز الحكيم الفعال لما يريد، فأخذ أربعة من الطير كما أمره ربه تبارك وتعالى وضمّها إليه ليتعرف أجزاءها ويتأمل خلقها، ثم ذبحها وجعلها أجزاءً وفرقها أشلاء، وجعل على كل جبل منها جزءًا مختلطًا بغيره من الأجزاء الأخرى من الطيور الأربعة، وبعد ذلك دعاهن إليه كما أمره الله جل جلاله وتعالى سلطانه فأتته سعيًا بإذن الله، وصار كل جزء ينضّم إلى مثله ومكانه، وعادت الأشلاء المتناثرة كل في مكانه، وسرعان ما سرت فيها الحياة ودبت وجاءت إليه مسرعة بقدرة الله عز شأنه وتعالى سلطانه، وإبراهيم عليه السلام يرى آيات الله في الخلق والإبداع، فهو سبحانه إذا أراد أمرًا فإنما يقول له: كن فيكون، قال تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنْ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [ البقرة: 260].

لقد كانت المناظرة بين إبراهيم عليه السلام وبين النمرود مناظرةً مُفْحِمةً للنمرود ومن سار على دربه، مقنعةً لمن يريد طريق الإيمان، مسكتةً لأهل الكفر والطغيان. لقد سأل النمرودُ إبراهيمَ عليه السلام وقال له: من ربك؟ قال: رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ أي: إن الإحياء والإماتة مظهر من مظاهر قدرة الله تعالى لا يقدر عليها إلا هو سبحانه وتعالى، لكن الحماقة وبلادة الفكر جعلت الطاغية يدعي الإحياء والإماتة أنها بيده كما ورد ذلك في الآية الكريمة عن قوله: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ، ودعا حاجبه وقال له: اذهب فأتني برجلين من السجن قد استوجبا القتل، أي: حكم عليهما بالإعدام والموت، فعندما أتى بهما الحاجب أمر الجلاّد أن يضرب عنق أحدهما ويقتله بالسيف، فقتله فمات، وقال النمرود: هذا أمتُّه، وأمر بإطلاق سراح الثاني فأطلق، وقال: هذا أحييته. وهكذا بمنتهى البلادة والغباء والسخافة والحماقة أراد أن يظهر مدّعيًا قدرته على الإحياء والإماتة، ولكن إبراهيم عليه السلام قصم ظهر المكابر المعاند وألجمه لجامًا لم يستطع بعده كلامًا إلا الدهشة والذهول، فقال عليه السلام: إن ربي الذي يحيي ويميت يأتي بالشمس كل يوم من المشرق فأت بها أنت من المغرب إن كنت تستطيع التغيير في نظام هذا الكون العجيب، فعندها انقطع جدل المجادل العنيد وبُهت وذُهِل وبقيت قصته عبرة وعظة للمتعظين.

وهكذا يخفت صوت الباطل ويضمحل ويبقى صوت الحق مدوّيًا شامخًا في الوقت نفسه على مر العصور والأزمان، روي عن زيد بن أسلم قوله: أرسل الله إلى ذلك الملك الجبار بعوضة سلطها عليه، فدخلت في منخره ورأسه وكان يُضرب رأسه بالمرازب والأحذية ليهدأ من شدة الألم، وبقي على تلك الحال حتى هلك، قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [البقرة: 258].




الخطبة الثانية


الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمدًا عبد الله ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله.

أما بعد: فلم أرغب الانتقال عن هذه الآية دون التعريج عليها وإعطائها جزءًا يسيرًا من الحديث حول معناها وما ورد فيها، ولا يُعْتبر ذلك خروجًا عن موضوع إبراهيم عليه السلام وما يتعلق به، بل هذه الآية واقعة بين تلك الآيتين مقرّرة ومرسخة عقيدة التوحيد في قلوب أهل الإيمان الذين أشار الله إليهم في الآية التي سبقت تلك الآيات وورد فيها أكمل البيان وذلك بالربط بين آي القرآن، ومن يتأمل ذلك ويتدبره إلا من أعطاهم الله صفاء الفكر والأذهان وذاقوا حلاوة الإيمان، نسأل الله تعالى من واسع فضله ورحمته أجزل العطاء، وفي الخطبة القادمة إن شاء الله يكون الكلام حول دعوته لقومه وزواجه وعمارة البيت العتيق وعن ابنه الذبيح إسماعيل عليهما السلام.

جاء قبل هذه الأمثلة الثلاثة عن ولاية الله تعالى لعباده المؤمنين وإخراجهم من الظلمات إلى النور وعن الكافرين وأن الطاغوت هو وليهم قوله عز وجل: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة: 257]. وسبق هذه الآية آية الكرسي أعظم آية في القرآن، وبعدها الآية الدالة على عدم الإكراه في الدين بعد أن تبين الرشد من الغي والكفر بالطاغوت والاستمساك بالعروة الوثقى كلمة التوحيد والإخلاص لكي يتحقق الإيمان.

وأعود لذكر شيء موجز عن الآية التي أعقبت تأييد الله وولايته لإبراهيم بالحجة القاطعة حيث نصره على النمرود، فهذه الآية عطف على الآية التي قبلها، وفيها من المشابهة مثل قول الطاغية، ولكن هذا الرجل كان غير الطاغية الذي ادعى الألوهية والربوبية والإحياء والإماتة والرزق وغيرها مما دار في ذهن وتفكير ذلك الذي مرّ على القرية الخاوية، فهذا مُستبعِدٌ مُستنكِرٌ كيفيةَ إحيائها بعد موت أهلها وتهدّم مبانيها غير مُدَّع لنفسه أي شيء، فعندما مرّ على قرية ساقطة سقوفها وجدرانها على عرصاتها وقف متفكرًا فيما آلَ أمرُها إليه بعد العمارة العظيمة وقال: أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا، فاعترف بوجود ووحدانية الله ولم يدّعِ ذلك لنفسه، ولكنه استبعد واستنكر واستغرب الكيفية لإحيائها مرة ثانية ولأهلها لما رأى من اندثارها وشدة خرابها وبُعْدِها عن الْعَوْدِ على ما كانت عليه، فأماته الله عز وجل مائة سنة ثم بعثه بعدما أحيا تلك القرية وأحيا ساكنيها وأراه الآية الكونية الدالة على قدرته عز وجل في حماره وفي نفسه وفي طعامه وشرابه، وجعله آية للناس وعبرة، وقيل بأن الله عز وجل لما بعثه بعد موته كان أول شيء أحياه فيه عينيه لينظر بهما إلى قدرة الله تبارك وتعالى فيه كيف يحيي بدنه، فلما استقل سويًا على قدميه قال الله له بواسطة الملك: كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ، قال ذلك لأنه مات أول النهار ثم بعثه الله آخره، فلما رأى الشمس باقية ظن أنها شمس ذلك اليوم فقال: أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ، قال الله عز وجل: بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ. وهذه آية ثانية في الطعام والشراب حيث كان معه العنب والتين وشراب العصير ولم يتغير من ذلك شيء أو يستحِل طوال تلك السنين العديدة، فلم يُنْتِن أو يَتَعَفَّن أو يخرب أو يستحل أو يتغير أو ينقص منه شيء كما هي العادة. والآية الثالثة حماره الذي أحياه الله عز وجل وهو ينظر إليه، حيث جمع الله عظامه المتناثرة وركّبها وأعادها كما كانت حيث كساها اللحم والعصب والعروق والجلد وبعث فيها الروح، والرجل ينظر قدرة الله عز وجل على الإحياء بعد الإماتة مشاهدة أمام عينيه وقلبه وفكره الذي عرف بها الحياة والموت له ولحماره وعدم تغير طعامه وشرابه، قال تعالى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: 259].

مُحَمَّد خَير رمَضان يُوسُف

 مُحَمَّد خَير رمَضان يُوسُف

الاسم الرُّباعي : محمد خير بن رمضان بن إسماعيل يوسف.

وُلدت في قرية "كري بري" وتعني "تل الجسر" التابعة لناحية تربَ سبي (قبور البيض) القحطانية حاليًّا،

 من منطقة القامشلي – محافظة الحسكة - سورية، عام 1375 هـ، 1955 م،

وفي السنة الخامسة من عمري انتقلنا إلى الناحية المذكورة، وعشت فيها نحو ربع قرن من حياتي الأولى.

حصلت على الشهادة الابتدائية من مدرسة خالد بن الوليد الريفية بالقحطانية عام 1388 هـ، 1968 م.

ثم على الشهادة الإعدادية من إعدادية فايز منصور بالقحطانية عام 1391 هـ، 1971م، ودرست في ثانويتها حتى الثاني الثانوي العلمي.

ثم على الشهادة الثانوية الأدبية من ثانوية عربستان بالقامشلي عام 1394 هـ، 1974 م.

ثم على شهادة الإجازة (ليسانس) من كلية الشريعة بجامعة دمشق عام 1398 هـ، 1978 م بدرجة جيد، وكنت من العشر الأوائل فيها.

ثم على شهادة الماجستير في الإعلام من كلية الدعوة والإعلام بالرياض (تخصص إذاعة وتلفزيون) –

 جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، عام 1405 هـ، بدرجة جيد جدًّا.



• قمت بالتدريس نحو سبع سنوات، في فترات متقطعة، للمراحل الابتدائية والإعدادية

 والثانوية في محافظة الحسكة والعاصمة دمشق بين 1394 – 1401 هـ (1974 – 1981 م).

 • عملت إماماً، ثم إماماً وخطيباً في جامع زين العابدين، بمدينة القامشلي مدة عام ونصف العام،

 بين 1400 – 1401 هـ، وصاحبت أثناءها علماء، وحضرت مجالس عِلم، واستفدت

 من شيخي علوان حقي – رحمه الله تعالى – خاصة، قبل هذه المدَّة وبعدَها. وقرأت "مغني المحتاج"

في الفقه الشافعي على الملا صالح الحرباوي، وقمت بأعمال دعويَّة في بلدتي، وألقيت دروساً.

• حصلت على منحة دراسية من جامعة الإمام عام 1402 هـ لتكملة دراساتي العليا، وأقمت في الرياض منذ ذلك التاريخ.

• عملت مصححاً للغة العربية في جريدة الجزيرة بالرياض (متعاوناً) مدة سنتين، من أوَّل 1402 هـ حتى نهاية 1403 هـ.

• عملت متعاوناً لفترات متقطعة بين 1404 – 1408 هـ في مركز شؤون المكفوفين للشرق الأوسط،

 قارئاً، سجلت أثناءها كتباً إسلامية عديدة، منها صحيحا البخاري ومسلم وسنن الترمذي،

 والمطلوبُ في هذا العمل: الصوتُ الحسن، والأداءُ الجيِّد، واللغةُ السليمة. ولم أكنْ بذاكَ كلِّه.

• ثم عملت في دار الرفاعي للنشر بالرياض، مصححاً مع أعمال إدارية أخرى مدة سنتين 1405 – 1407 هـ.

• عملت محرراً ومصححاً في مجلة "عالم الكتب" السعودية منذ شهر ربيع الأول 1407 هـ

حتى نهاية شهر جمادى الأولى من عام 1412 هـ، متفرغاً ثم متعاوناً. وكنت أقوم بتحرير

 معظَم الأبواب الثابتة فيها، مثل باب "كتب حديثة"، وباب "رسائل جامعية" وباب "الأخبار الثقافية"...

 بل كنت المصحح والمحرر الوحيد فيها طوال تلك المدة، وكانت تحوَّل إليَّ مقالات للنظر فيها ومدى صلاحيتها للنشر.

• عملت محكِّماً في مجلة "التوباد" بالرياض لعدة أشهر عام 1409 هـ.

• ومندوباً لمجلة "المسلم المعاصر" في السعودية من 1407 – 1409 هـ، أزوِّدها بالنشرة المكتبية شهريًّا في تلك المدة.

• عملت في مكتبة الملك فهد الوطنية منذ بداية إنشائها عام 1409 هـ، وتعيَّنتُ مديراً لإدارة الاقتناء



وتنظيم المعلومات من محرَّم 1411 هـ، حتى شهر صفر من عام 1413 هـ، ومحكِّماً

 في كتبٍ قليلةٍ حوِّلت إليَّ، واستقرَّ عملي في إدارة التصنيف والفهرسة مفهرساً ومصنفاً للكتب

ومراجعاً لهما. وأثناء إدارتي للقسم أصدرت نشرة أو مجلة صغيرة بعنوان (الدرَّة)، صدر منها عدة أعداد، وتوقفت باستقالتي من الإدارة.

• صدرت لي بحوث ومقالات قليلة في دوريات عربية مثل "عالم الكتب" و"التوباد" و"العالم الإسلامي"،

 وكتاباتٌ في الشبكة العالمية للمعلومات، ولي موقع شخصي،  وأصدرتُ مجلة إلكترونية

في 15 رمضان 1432هـ بعنوان (مجلة الكتاب الإسلامي)، أقوم بإعدادها وتحريرها.



سلسلة ام المؤمنين عائشة رضي الله عنها (8) السعادة والحياة الزوجية

اقدم لكم سلسلة من 20 خطبة عن ام المؤمنين الطاهرة الصديقة ابنة الصديق
عائشة رضي الله عنها
وهي للشيخ إبراهيم الدويش
أم المؤمنين عائشة(8) السعادة والحياة الزوجية


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وعلى صحابته الكرام الذين اهتدوا بهديه، واقتدوا بسنته، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: ففي خضم هذا الصخب الإعلامي والصراع الفكري حول قضايا المرأة في مجتمعنا نواصل الحديث عن سلسلة سيرة أمنا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، والتي هي بحق أنموذج ومنهج تربوي وعملي للمرأة المسلمة اليوم، لمن كان صادقاً جاداً في نصرة المرأة وحقوقها، فعائشة رضي الله عنها شخصية اجتماعية نسائية فذة جمعت خصالاً كثيرة، حتى أصبحت حياتها مدرسة وأنموذجاً تطبيقياً فهي قدوة ومعلمة للرجال وللأجيال، وبعد سبع خطب مضت قلَّبنا فيها بعضًا من صفحات سيرتها العظرة، كان آخرها تجربتها في السنة الأولى لزواجها المبارك، ونواصل اليوم الحديث عن تجربتها في الحياة الزوجية في بيت النبوة، بيت العلم والحكمة، بيت الإيمان والاستقامة، فقد اكتسبت علماً وتجربة فريدة، من حق كل مسلم ومسلمة أن يسأل عنها وعن ماهية الأسس في فلسفة السعادة الزوجية عند عائشة ضي الله عنها، على أي شيء قامت يا ترى؟ لعلي معاشر الإخوة والأخوات: أُلخص ذلك فيما يلي: أولاً: القناعة والزهد، وكان هذا مدار الخطبة الماضية، فكل عاقل وعاقلة يُدرك تماماً أن القناعة والزهد عنوان الرضا، وأن الرضا هو عنوان السعادة والراحة، وهل خرَّب البيوت اليوم وأزَّمَ النفوس إلا الجشع والتكثر. ثانياً من أسس فلسفة عائشة في السعادة الزوجية: الحب الصادق والمتبادل بين الزوجين، فقد كان كل منهما مظهراً للآخر كل جوانب الرقة والحنان، والمحبة والمودة، وتشهد لذلك مواقف كثيرة حصلت بينهما، كل يحاول فيها إيصال رسالة التقدير والوفاء، وتقديم عربون المودة والمحبة، ومن ذلك ما ورد في الصحيحين عن عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: "لَمَّا أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِتَخْيِيرِ أَزْوَاجِهِ بَدَأَ بِي فَقَالَ: ((إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا فَلاَ عَلَيْكِ أَنْ لاَ تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِى أَبَوَيْكِ)) قَالَتْ: قَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا لِيَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ، قَالَتْ: ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ:{يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا}قَالَتْ: فَقُلْتُ: فِي أَيِّ هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟!! فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ. قَالَتْ: ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلممِثْلَ مَا فَعَلْتُ)). تأملوا معاشر الأزواج هذا الموقف فقد كان صلى الله عليه وسلمهو البادئ بإظهار التقدير والحب والمودة لعائشة قائلاً: ((إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا فَلاَ عَلَيْكِ أَنْ لاَ تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ)) فما كان من عائشة الوفية الذكية إلا أن سارعت قائلة: ((وفِي أَيِّ هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟!!)) وفي رواية: "فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، ولا أؤامر أبوي أبا بكر وأم رومان، فضحك صلى الله عليه وسلم" وفي رواية "ففرح صلى الله عليه وسلم"، ثم اسمعوا العقل والحنكة عندما زادت قائلة: "يا رسول الله وأسألك أن لا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلتُ، لكن الرد جاء سريعاً منه صلى الله عليه وسلم ليقول:((لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها، إن الله لم يبعثني متعنتًا وإنما بعثني معلمًا ميسرًا)). يا له من حوار أسري مفعم بالصراحة والمحبة، وما أروعه من موقف معبر عن الود والاحترام المتبادل، والذي يتمناه الكثير من الأزواج اليوم! وتتلهف له النفوس والبيوت الشقية! بل هي مواقف زوجية حميمية كثيرة تلك التي جرت في بيت عائشة وتحكيها للأمة كلها، فتقول رضي الله عنها: كان صلى الله عليه وسلم يضع رأسه في حجري وأنا حائض فيقرأ القرآن. وكان صلى الله عليه وسلم ليؤتى بالإناء فأشرب منه وأنا حائض، ثم يأخذه فيضع فاه على موضع فيّ، وإن كنت لآخذ العرق فآكل منه ثم يأخذه فيضع فاه على موضع فيَ. وتقول: كنت معه صلى الله عليه وسلم في سفر وأنا جارية فقال لأصحابه: تقدموا فتقدموا، ثم قال لي: تعالي أسابقك. وتقول: طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي هاتين لحرمه حين أحرم، ولحله قبل أن يطوف. وتقول: كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد. وكان صلى الله عليه وسلم يقبلني وهو صائم. ومواقف شتى تحكي فلسفة السعادة الزوجية في بيت عائشة الزوجة الذكية.

عجبت لهذا الحب يسري كأنما هو السحرُ في الأعماق أو أنه أقوى

ويجعل حلوَ العيش مراً إذا نأى حبيبٌ، ومرّ العيش في قربه حُلْوا

هو الحبّ يسمو بالنفوس ويرتقي إذا لم يكن في عرفِ أصحابه لهوا

وفي حديث أم زرع الطويل في الصحيحين وعائشة تحكي قصة إحدى عشرة امرأة في قصة طويلة، كان النبي صلى الله عليه وسلم مصغيًا إليها، ومستمعًا لكلامها دون مقاطعة أو ملل، وفيها أنه صلى الله عليه وسلم قال لعائشة مظهرًا حبه لها: "كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ". يعني في الألفة والوفاء، فقد كان أبو زرع مع أم زرع بهذه الصورة، فبادرته عائشة بذكاء وحب فقالت له: "بأبي أنت وأمي يا رسول الله! بل أنت خير إليَّ من أبي زرع" فأين هذا من ذلك الموقف الذي وإن كان طرفة تحكى إلا أنه يُمثل حال بعض نساء اليوم؛ وهو قول تلك المسكينة التي قال لها زوجها مازحًا متوددًّا إليها: كلما نظرتُ في المرأة وجدتُ نفسي مثل القمر..فهل تُسمين هذا غروراً؟ فأجابته: لا..أسميه عمًى؟! والموقف لا يحتاج لتعليق {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}. ثالثاً من أسس فلسفة عائشة في السعادة الزوجية: الاحترام المتبادل، والتوافق النفسي، والتراضي بينهما، فمن لطائف ما ورد في ذلك ما أخرجه الشيخان عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"إِنِّي لَأَعْلَمُ إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً، وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى"إذاً فليس مستغربًا من أن تغضب المرأة أحيانًا على زوجها أو تعاتبه أو العكس، لما قد يقع من أسباب الاختلاف المعتادة في حياتهما، فقالت عائشة: "وَمِنْ أَيْنَ تَعْرِفُ ذَلِكَ؟ قَالَ:((أَمَّا إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً فَإِنَّكِ تَقُولِينَ: لَا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ، وَإِذَا كُنْتِ غَضْبَى قُلْتِ: لَا وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ)) يا ترى كيف كان رد عائشة؟ اسمعوا وانظروا إلى أدبها وروعتها في إيصال رسالة عتاب، وكيف أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما ملك إلا يتلقاها بكل فرح وسرور،فأجابته بقولها: "أَجَلْ -وَاللَّهِ- يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ" هذا الموقف يؤكد أن الخلاف في وجهات النظر بين الزوجين أمر معتاد، بل هو طبع في البشر، لكن الأهم هو فن إدارة الخلاف، واحتواء المشاكل، بل واستثمارها لتوطيد دعائم العلاقة الزوجية، والزيادة في المحبة، فليس من الحكمة أن يخرج الخلاف عن الحد فتتجرأ المرأة على زوجها شتماً أو تنقصاً أو استهزاءً، فتوغر صدره، وتنفخ فيه نار الغضب لتغدو الحبة قبة، فتكون مشكلة كبيرة وصراعاً عنيفاً يصعب رأبه، أما عائشة رضي الله عنها فحد غضيها هو قولها:" لَا وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ" فأحسنت في الأدب والتعبير حتى في الغضب، فنفست عن نفسها وأخرجت مكنون دواخلها، حتى ما ملك الحبيب إلا أن يُبيّن لها أنه قد بلغته رسالتها، وعرف مقصدها. آهٍ إخوة الإيمان يا له من رقي في المعاملة، ودقة بالغة في مراعاة المشاعر والنفسيات، إنها رسالة عظيمة لحال بعض الأزواج والزوجات وكيفية إدارة الخلاف بينهما، بدل المسارعة لمغادرة البيت والخروج منه عند كل خلاف، فإن الخروج من البيت هدم للحياة الزوجية، ويزيد الطين بلة، والأمر علة، وفوق كل هذا هو مخالفة صريحة لأمر القرآن، ولأجل خطورته نهى الله عزّ وجل أن تَخرج أو تُخرج المطلقة من بيت زوجها فقال: {لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ}فيا لَله ما أشد مخالفة الناس اليوم لهذا النهي الصريح، هذا في المطلقة، فكيف بمن لا تزال زوجة، ولكنها تَخرج أو تُخرج بسبب مشكلة يسيرة؟! أما عائشة رضي الله عنها فقد كانت مبدعة في فن احتواء المشاكل البيتية والزوجية وحسن التعامل معها بواقعية وبشرية، بحسن خلق وأدب في الألفاظ حتى عند الخصومة، وعند الغضب والعتاب؛ فقد كانت رضي الله عنها تملك فناً عجيباً وتميزاً في إيصال رسائل عتاب رقيقة وغير مباشرة بكل ذكاء وفطنة وأدب مع النبي الكريم. رابعاً من أسس فلسفة عائشة في السعادة الزوجية: المبادرة بفتح صفحة جديدة بعد أي مشكلة، وبكل عفوية وانسيابية، وقبولها الاسترضاء، ونسيان ما كان، ويشهد لهذا مواقف كثيرة، منها ما رواه النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ قَالَ : ((جَاءَ أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَسَمِعَ عَائِشَةَ وَهِيَ رَافِعَةٌ صَوْتَهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَذِنَ لَهُ فَدَخَلَ فَقَالَ:يَا ابْنَةَ أُمِّ رُومَانَ! وَتَنَاوَلَهَا،أَتَرْفَعِينَ صَوْتَكِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟! قَالَ: فَحَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ جَعَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ لَهَا يَتَرَضَّاهَا:((أَلَا تَرَيْنَ أَنِّي قَدْ حُلْتُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَكِ؟)) قَالَ: ثُمَّ جَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ فَوَجَدَهُ يُضَاحِكُهَا قَالَ: فَأَذِنَ لَهُ فَدَخَلَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ:يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَشْرِكَانِي فِي سِلْمِكُمَا كَمَا أَشْرَكْتُمَانِي فِي حَرْبِكُمَا)). فرجعَت العلاقةُ مرَّةً أخرى بحسن الملاطفةِ، وحسنِ المداراة بين الزوجِين، رغم رفع صوتها عليه صلى الله عليه وسلم، فما أرق رسول الله صلى الله عليه وسلم! وما أحسن تأتِّي عائشة ولينها وانكسارها لرسول الله صلى الله عليه وسلم! ورضاها بهذه السرعة، وعدم تعقيدها للموقف! بل مسارعتها لفتح صفحة جديدة كأنه لم يحصل شيء! ثم في موقف أبي بكر درس عظيم لأهالي الزوجات، فالكثير منهم مع الأسف تدخلهم سلبي في حياة الزوجين، فبدل أن يساعدوا في حل المشاكل يزيدون الطين بلة، وجل مداخلات أهالي الأزواج سلبية إلا من رحم الله، ولا تساعد في إعادة جو الألفة والمحبة بين الزوجين، وإزالة ما حدث من شحناء وغضب، فليت الأهالي من الطرفين يقتدون بأبي بكر، ويتعلمون منه كيف يكون دورهم إيجابيًّا، فقد أرسل أبو بكر رسالته قوية لابنته عائشة عندما وجدها أنها المخطئة: فقال معاتبًا: " يَا ابْنَةَ أُمِّ رُومَانَ! وَتَنَاوَلَهَا، أَتَرْفَعِينَ صَوْتَكِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟!"فنسبها إلى أمها زجرًا وتأديبًا، وأنها ليست ابنته في هذه الحالة. خامساً من أسس فلسفة عائشة في السعادة الزوجية: تنمية الحب وزيادته باستخدامها كل ما وهبها الله كأي امرأة من رقة وأنوثة وجمال وإغراء، وهو أقوى سلاح تملكه المرأة، وهذا من أبرز ملامح أسس وفلسفة السعادة في الحياة الزوجية لدى عائشة رضي الله عنها، فقد جاء في طبقات ابن سعد أن بكرة بنت عقبة دخلت على عائشة وهي جالسة في معصفرة -أي لباس مزين أو فيه صفرة- فسألتها عن الحناء؟ فقالت: شجرة طيبة وماء طهور، وسألتها عن الحفاء فقالت لها: إن كان لك زوج فاستطعت أن تنزعي مقلتيك فتضعيها له أحسن مما هما فافعلي". ولا شك أن هذا من عظيم فقه عائشة، وأغلى هدية منها لنساء الأمة، فما أروعه من منطق وعقل: "إن كان لك زوج فإن استطعت أن تنزعي مقلتيك- أي عينيك- فتضعيها له أحسن مما هما عليه فافعلي!" أي: لكي تكوني أقرب وأحب إلى زوجك. وفي موقف آخر جاء في بعض الروايات أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وَجَدَ عَلَى صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ فِي شَيْءٍ –أي غضب عليها- فَقَالَتْ صَفِيَّةُ يَا عَائِشَةُ هَلْ لَكِ أَنْ تُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلمعَنِّي وَلَكِ يَوْمِي؟ قَالَتْ:نَعَمْ، فَأَخَذَتْ خِمَارًا لَهَا مَصْبُوغًا بِزَعْفَرَانٍ فَرَشَّتْهُ بِالْمَاءِ لِيَفُوحَ رِيحُهُ، ثُمَّ قَعَدَتْ إِلَى جَنْبِ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلمفَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:((يَا عَائِشَةُ! إِلَيْكِ عَنِّي، إِنَّهُ لَيْسَ يَوْمَكِ)) فَقَالَتْ: ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ، فَأَخْبَرَتْهُ بِالْأَمْرِ،فَرَضِيَ عَنْهَا))، هكذا تصرفت عائشة، وأرضت رسول الأمة، وشفعت لخطأ صفية بحسن تبعلها ورقة تعاملها، فهل من مدكر، وهل من معتبر! فالحياة الزوجية لا تخلو من مشاكل ومكدرات، لكن أيضاً هناك في المقابل مهدئات ومسكنات، هكذا تألقت عائشة بتوظيفها وتفعيلها في أعظم وأسعد بيت عرفته البشرية. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .

زياد علي

زياد علي محمد