الأربعاء، 18 سبتمبر 2019

سعيد بن جبير أعلم التابعين بالتفسير



سعيد بن جبير أعلم التابعين بالتفسير

كان سعيد بن جبير من كبار التابعين، الذين ساروا على سنن الهدى، واقتفوا أثر المصطفى، وباعوا الدنيا طلبًا للأخرى. وقد وثقه أهل العلم كافة، حتى قالوا في وصفه: ثقة إمام حجة على المسلمين .
كان الناس يرونه - منذ نعومة أظفاره - إما عاكفًا على كتاب يتعلم، أو قائمًا في محراب يتعبد، فهو بين طلب العلم والعبادة، إما في حالة تعلم، أو في حالة تعبد .
أخذ سعيد العلم عن طائفة من كبار الصحابة، من أمثال أبي سعيد الخدري ، و أبي موسى الأشعري ، وعبد الله بن عمر ، رضي اللَّه عنهم أجمعين، لكن يبقى عبد الله بن عباس - حبر هذه الأمة - هو المعلم الأول له .
لازم سعيد بن جبير عبد الله بن عباس لزوم الظل لصاحبه، فأخذ عنه القرآن وتفسيره، وتلقى عنه القراءات القرآنية الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأ بها، وتفقّه على يديه في الدين، وتعلم منه علم التأويل، حتى أصبح من المكانة ما جعل بعض معاصريه يقول فيه: مات سعيد بن جبير ، وما على ظهر الأرض أحد من أهل زمانه إلا وهو محتاج إلى علمه .
وعندما كانت إقامته في الكوفة، كان هو المرجع الأول في الفتوى، وعليه المعول في علم التفسير، لدرجة أن ابن عباس رضي الله عنهما كان يحيل إليه من يستفتيه، ويقول لأهل الكوفة إذا ما أتوه ليسألوه عن شيء: أليس فيكم ابن أم الدهماء ؟ يعني سعيد بن جبير - وكان حبشي الأصل - .
وعلى الرغم من مكانته العلمية التي كان يحظى بها، وخاصة معرفته الواسعة بتفسير كتاب الله، إلا أنه - رحمه الله - كان يتورع عن القول في التفسير برأيه - كما هو شأن السلف من الصحابة رضوان الله عليهم - ومما يروى عنه في هذا الشأن: أن رجلاً سأله أن يكتب له تفسيرًا للقرآن، فغضب، وقال له: لأن يسقط شِقِّي، أحب إليَّ من أن أفعل ذلك .

ولأجل ملازمة سعيد ابن جبير لـ ابن عباس رضي الله عنهما، ومكانته العلمية بين التابعين، فقد كانت أقواله مرجعًا أساسًا، ومنهلاً عذبًا لأهل التفسير، يرجعون إليها، ويغترفون من معينها في تفسير كثير من آيات الذكر الحكيم .
وقد وَثَّقَ علماء الجرح والتعديل سعيداً ، وروى عنه أصحاب الكتب الستة وغيرهم من أصحاب الحديث. قال ابن حبان في كتاب ( الثقات ): كان فقيهًا، عابدًا، فاضلاً، ورعًا .
ومما يُروى عن سعيد وتعلقه بالقرآن، ما ذكره أبو نعيم في ( الحلية ) قال: ( كان سعيد بن جبير يختم القرآن فيما بين المغرب والعشاء في شهر رمضان ) وفي رواية ثانية: ( أنه كان يختم القرآن في كل ليلتين ) .
وقد كانت له - رحمه الله - مواقف مشهورة ومآثر مشهودة مع الحجاج ، الذي قتله صبراً في شعبان سنة خمس وتسعين، وهو ابن تسع وأربعين سنة .
سعيد بن جبير الأسدي الوالي مولاهم أبو محمد ويقال أبو عبد الله الكوفي المكي من أكابر أصحاب ابن عباس كان من أئمة الإسلام في التفسير والفقه وأنواع العلوم وكثرة العمل الصالح رحمه الله وقد رأى خلقا من الصحابة وروي عن جماعة منهم وعنه خلق من التابعين يقال إنه كان يقرأ القرآن في الصلاة فيما بين المغرب والعشاء ختمة تامة وكان يقعد في الكعبة لقعدة فيقرأ فيها الختمة وربما قرأها في ركعة في جوف الكعبة وروى عنه أنه ختم القرآن مرتين ونصفا في الصلاة في ليلة في الكعبة وقال سفيان الثوري عن عمرو بن ميمون عن أبيه قال لقد مات سعيد بن جبير وما على وجه الأرض أحد إلا وهو محتاج إلى علمه وكان في جملة من خرج مع ابن الأشعث على الحجاج فلما ظفر الحجاج هرب سعيد إلى أصبهان ثم كان يتردد في كل سنة إلى مكة مرتين مرة للعمرة ومرة للحج وربما دخل الكوفة في بعض الأحيان فحدث بها وكان بخراسان لا يتحدث لأنه كان لا يسأله أحد عن شيء من العلم هناك وكان يقول إن مما يهمني ما عندي من العلم وددت أن الناس أخذوه واستمر في هذا الحال مختفيا من الحجاج قريبا من ثنتى عشرة سنة ثم أرسله خالد القسري من مكة إلى الحجاج وكان من مخاطبته له ما ذكرناه قريبا

مقتل سعيد بن جبير رحمه الله
قال ابن جرير وفي هذه السنة قتل الحجاج بن يوسف سعيد بن جبير وكان سبب ذلك أن الحجاج كان قد جعله على نفقات الجند حين بعثه مع ابن الأشعث إلى قتال رتبيل ملك الترك فلما خلعه ابن الأشعث خلعه معه سعيد بن جبير فلما ظفر الحجاج بابن الأشعث وأصحابه هرب سعيد بن جبير إلى أصبهان فكتب الحجاج إلى نائبها أن يبعثه إليه فلما سمع بذلك سعيد هرب منها ثم كان يعتمر في كل سنة ويحج ثم إنه لجأ إلى مكة فأقام بها إلى أن وليها خالد بن عبد الله القسري فأشار من أشار على سعيد بالهرب منها فقال سعيد والله لقد استحييت من الله مما أفر ولا مفر من قدره وتولى على المدينة عثمان بن حيان بدل عمر بن عبد العزيز فجعل يبعث من بالمدينة من أصحاب ابن الأشعث من العراق إلى الحجاج في القيود فتعلم منه خالد بن الوليد القسري فعين من عنده من مكة سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح ومجاهد بن جبر وعمرو بن دينار وطلق ابن حبيب ويقال إن الحجاج أرسل إلى الوليد يخبره أن بمكة أقواما من أهل الشقاق فبعث خالد بهؤلاء إليه ثم عفا عن عطاء وعمرو بن دينار لأنهما من أهل مكة وبعث بأولئك الثلاثة فأما طلق فمات في الطريق قبل أن يصل واما مجاهد فحبس فما زال في السجن حتى مات الحجاج وأما سعيد ابن جبير فلما أوقف بين يدي الحجاج قال له يا سعيد ألم اشركك في أمانتي ألم أستعملك ألم أفعل ألم أفعل كل ذلك يقول نعم حتى ظن من عنده أنه سيخلى سبيله حتى قال له فما حملك على الخروج علي وخلعت بيعة أمير المؤمنين فقال سعيد إن ابن الأشعث أخذ مني البيعة على ذلك وعزم على فغضب عند ذلك الحجاج غضبا شديدا وانتفخ حتى سقط طرف ردائه عن منكبه وقال له ويحك ألم أقدم مكة فقتلت ابن الزبير وأخذت بيعة أهلها وأخذت بيعتك لأمير المؤمنين عبد الملك قال بلى قال ثم قدمت الكوفة واليا على العراق فجددت لأمير المؤمنين البيعة فأخذت بيعتك له ثانية قال بلى قال فتنكث بيعتين لأمير المؤمنين وتفي بواحدة للحائك ابن الحائك يا حرسى اضرب عنقه قال فضربت عنقه فبدر رأسه عليه لا طئة صغيرة بيضاء
وقد ذكر الواقدي نحو هذا وقال له أما أعطيتك مائة ألف أما فعلت أما فعلت
قال ابن جرير فحدثت عن أبي غسان مالك بن إسماعيل قال سمعت خلف بن خليفة يذكرعن رجل قال لما قتل الحجاج سعيد بن جبير فندر رأسه هلل ثلاثا مرة يفصح بها وفي الثنتين يقول مثل ذلك لا يفصح بها وذكر أبو بكر الباهلي قال سمعت أنس بن أبي شيخ يقول لما أتى الحجاج بسعيد بن جبير قال لعن ابن النصرانية يعني خالد القسري وكان هو الذي أرسل به من مكة أما كنت أعرف مكانه بلى والله والبيت الذي هو فيه بمكة ثم أقبل عليه فقال يا سعيد ما أخرجك على فقال أصلح الله الأمير أنا امرؤ من المسلمين يخطئ مرة ويصيب أخرى فطابت نفس الحجاج وانطلق وجهه ورجا الحجاج أن يتخلص من أمره ثم عاوده في شيء فقال سعيد إنما كانت بيعة في عنقي فغضب عند ذلك الحجاج فكان ما كان من قتله

الصحابي الجليل القعقاع بن عمرو رضي الله عنه

قدم وفد تميم على النبي صلى الله عليه وسلم في السنة التاسعة للهجرة، بعد غزوة (تبوك) فدخلت قبيلة تميم في الإسلام، وكان من بينهم القعقاع بن عمرو التميمي، ولم تكن له مواقف مشهودة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لتأخر إسلامه، ولكنه برز كقائد بارع في سماء المعارك في عهود الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم، واحتاج خالد بن الوليد إلى مدد في معارك الردة في العراق، فكتب إلى الصديق يستمده، فأمده بالقعقاع... وقال: "لا يهزم جيش فيه مثل هذا"
وفي معارك فتح فارس، وبعد أن انهزم الفرس، وطاردهم القعقاع بأمر من سعد بن أبي وقاص'' وأوقع بهم خسائر فادحة، كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى سعد: أي فارس كان أفرس في القادسية؟ فكتب إليه سعد: "إني لم أر مثل القعقاع بن عمرو، حمل في يوم ثلاثين حملة، يقتل في كل حملة بطلاً"
لا يمكن أن يكون هذا التميز والنجاح في إدارة المعارك نابعاً من فراغ، لابد أن يكون وراءه عقلية مفكرة مدبرة، مبتكرة، ووراءه قائد ذو قدرة فائقة على توليد الأفكار حين الاحتياج لها، وهذه السمة واضحة وضوح الشمس في حياة هذا القائد العظيم، وحق ما وصف به الصديق: "لا يهزم جيش فيه مثل هذا".
يوم أغواث: في اليوم الأول من أيام معارك القادسية، كان شديداً على المسلمين، وقتل من الفريقين الكثير، وواجه المسلمون عنصراً جديداً في القتال لم يعهدوه من قبل وهو الفيلة، فجيش الفرس "كله ثمانون ألفاً، وفي رواية كان رستم في مائة ألف وعشرين ألفاً، يتبعها ثمانون ألفاً، وكان معه ثلاثة وثلاثون فيلاً، منها الفيل الأبيض وهو أعظمها وأقدمها. وكانت الفيلة تألفه، بينما كان عدد المسلمين "بين سبعة آلاف وثمانية آلاف"وكان في اليوم الأول من القادسية بعض جيش العراق في الشام لمؤازرة جيش الشام في معركته مع الروم، فلما سمع أمير المؤمنين عمر ببدء معارك القادسية، وما حدث للمسلمين من خسارة في الأرواح، والضيق الشديد أرسل إلى أبي عبيدة بن الجراح: "اصرف جند العراق إلى العراق وأمرهم بالحث إلى سعد بن أبي وقاص"، وكان قائد الجيش العراقي في الشام القعقاع بن عمرو، وهنا تتجلى عبقرية القعقاع، لقد فكر في أمر الجيش الإسلامي في العراق وما أصابهم من الضيق، وانكسار المعنويات بسبب مقتل الكثير منهم، ففكر في ابتكار يعيد للمسلمين معنوياتهم، فقد "وصل العراق في صبيحة اليوم الثاني من أيام القادسية، وهو يوم "أغواث"، وقد عهد إلى أصحابه وهم ألف رجل أن يكونوا جماعات، كل جماعة مؤلفة من عشرة، رجال فكلما بلغت جماعة منهم مدى البصر، سرح في آثارهم جماعة أخرى، ثم تقدم القعقاع مع الجماعة الأولى، وبمجرد وصوله طلب المبارزة مع أحد قادة الفرس وهو بهمن بن جاذويه، فقتله" وجعلت خيل القعقاع ترد جماعات جماعات إلى الليل، فترفع معنويات المقاتلين المسلمين، حتى نسي المسلمون مصيبة اليوم الأول، وهذا يدل على تدبير حكيم من القعقاع، ونجاح فكرته في رفع المعنويات.
الأفيال المقاتلة: لقد فتكت الفيلة بالكثير من المسلمين، وجعلت الخيول تفر خوفاً من هذا المخلوق الكبير التي لم تألفه من قبل، خاصة أن تلك الفيلة كانت مدربة على القتال بخراطيمها وأقدامها، وهو مالم يعهده العرب في معاركهم من قبل كما يتقنه الفرس..
فكر القعقاع بابتكار يعيد الميزان لأرض المعركة، ويدخل عنصراً جديداً في صفوف المسلمين لا يملكه الفرس، كما أن للفرس سلاحاً لا يملكه المسلمون، وهو الفيلة فوجد ضالته بالإبل والتي لا يملكها الفرس.
وأظن أن هذه الفكرة وردت عليه، بسبب رؤيته للخيول وهي تجفل من الفيلة، فقلب الفكرة واستفاد مما رأى، فاتفق مع بعض جنده على صناعة براقع مثقوبة مكان العينين، يلبسوها لرؤوس الإبل، كما يضعون عليها لباساً خاصاً يتدلى على طرفيها بحيث يكون شكلها غير مألوف، ومخيف.
"وأمرهم القعقاع أن يهاجموا بها خيل الفرس، فجفلت خيول الفرس تفر منها وركبتها خيول المسلمين، فلما رأى الناس ذلك فرحوا أشد الفرح، إذ لقي الفرس من هذه الإبل أعظم مما لقي المسلمون من الفيلة في اليوم الأول من أيام القادسية"
هكذا هو القائد الناجح يولد الأفكار الجديدة عندما تحتدم الأمور

الشيخ حسن بن سعد الدين خالد رحمه الله


الشيخ حسن بن سعد الدين خالد 


 ولد في بيروت سنة 1340هـ الموافق سنة 1921م ، بدأ علومه الأولى في مدرسة عمر الفاروق التابعة لجمعيّة المقاصد الخيريّة الإسلاميّة في بيروت . و بعد حصوله على شهادة الدروس الابتدائيّة التحق بالكليّة الشرعيّة في بيروت ( أزهر لبنان حالياً ) ، وبقي فيها إلى أن تخرّج منها سنة 1359هـ الموافق سنة 1940م .

بعد تخرجه من الكليّة المذكورة كلفته المديريّة العامة للأوقاف الإسلاميّة بوظيفة خطيب في بعض مساجد بيروت ، ثم أرسله مفتي الجمهوريّة اللبنانيّة مع بعض زملائه إلى الجامع الأزهر في مصر لمتابعة تخصصه العالي في العلوم الدينيّة ، فالتحق بكلية أصول الدين التي بقي فيها إلى أن تخرج منها حاملاً شهادتها النهائيّة في سنة 1366هـ الموافق 1946م .
ثم على أثر عودته إلى بيروت عُيِّن كاتباً في المحكمة الشرعيّة في بيروت ثم ترقّى إلى درجة رئيس قلم .

وعندما أجرت الحكومة امتحانات لاختيار قضاة لبعض المحاكم الشرعيّة ، اشترك في الامتحانات ونجح ، فعينته الحكومة قاضياً في محكمة عكار الشرعيّة ثم نقل منه في عام 1960 إلى محكمة محافظة جبل لبنان .
وفي أثناء عمله في المحاكم الشرعيّة كان يمارس التدريس لمادتي المنطق و التوجيه في أزهر لبنان وإلقاء خطبة الجمعة في بعض مساجد بيروت ، كما كان يعمل قبل التحاقه بالمحاكم المذكورة .
وعندما استعفى الشيخ محمد علايا من منصب الإفتاء بسبب الشيخوخة تمّ انتخاب الشيخ حسن خالد بالإجماع مفتياً للجمهورية اللبنانية وذلك يوم السبت الحادي والعشرين من شهر كانون الاول عام 1966 ، وهذا المنصب يشغله صاحبه مدى الحياة .

وقد قام المفتي حسن خالد بزيارات كثيرة إلى بلدان العالم وشارك في العديد من المؤتمرات التي كان يدعى اليها من المؤسسات الدينية المحلية والعربية والعالمية
وكان المفتي حسن خالد عضواً دائماً في كل المجلس التأسيسي لرابطة العالم الاسلامي، وعضواً في مجمع البحوث الاسلامية في الازهر الشريف بالقاهرة، وعضواً في المجلس الاعلى للمساجد العالمي، وعضواً في لجنة انقاذ القدس وعضواً في الهيئة الخيرية الاسلامية العالمية في الكويت
وكان المفتي حسن خالد أيضاً رئيساً لمجلس القضاء الشرعي الاعلى، ورئيس "اللقاء الإسلامي" السياسي الذي انبثق إبان الحرب اللبنانية ، وكان مرجعاً لجميع الموظفين الدينيين والإداريين في دوائر الأوقاف الاسلامية ودوائر الإفتاء في لبنان، وقد منحته جامعة الأزهر شهادة الدكتوراه الفخرية في آذار عام 1967، وكان يحمل الوشاح الأكبر للنهضة الأردني من الدرجة الأولى ، ووساماً رفيعاً من رئيس جمهورية تشاد تقديراً لجهوده

مؤلفاته :
كان الشيخ حسن خالد يتمتع بثقافة دينيّة أهلته لها دراساته الأزهريّة ومن خلال هذه الأهليّة قام بتأليف مجموعة من المؤلفات الإسلامية القيمة يربو عددها على ثلاثة عشر كتاباً تعالج الكثير من القضايا الشرعية الإسلامية الهامة ، منها :
- الإسلام والتكامل المادي في المجتمع
- أحكام الأحوال الشخصيّة في الشريعة الإسلامية
- أحاديث رمضان
- الزواج بغير المسلمين
- الشهيد في الإسلام
- مسار الدعوة الإسلامية في لبنان خلال القرن الرابع عشر الهجري
- المسلمون في لبنان والحرب الأهلية
- المواريث في الشريعة الإسلامية بالاشتراك مع عدنان نجا
- موقف الإسلام من الوثنية واليهودية و النصرانية.
- كتاب يتضمن البيانات والتصريحات الصادرة عن دار الفتوى خلال الحرب الأهليّة في لبنان .

وفاته :
هذا وقد استشهد الشيخ حسن خالد يوم الثلاثاء في 11 شوال سنة 1409هـ الموافق 16 مايو سنة 1989م عندما انفجرت بقرب سيارته التي كانت تمر في تلك المنطقة سيارة ملغومة بمواد ناسفة ، وراح ضحيتها 16 شخصاً ، واثنان من حراسه وسجلت القضية وقيدت ضد مجهول! وقد تمّ دفنه بمقبرة الأوزاعي في اليوم التالي لوفاته .
و قد تم عام 1993 م افتتاح مؤسسة تحمل اسمه هي ( مؤسسة الشهيد حسن خالد للتربية والتعليم )
و قد رثاه الشاعر عمر بهاء الدين الأميري بقصيدة جاء فيها :

قتلتموه فسما خــــالداً مبوأ          مقعده في السمـــاء
فعشتم في حومة من الردى هلكى .. وغرقى في الدماء
و ( خالد ) حي قرير لدى خالقه الرحمن في الأصفياء 

( محمد مكين ) علم أعلام المسلمين في الصين

يعتبر الأستاذ محمد مكين من أكبر العلماء المسلمين، وأشهر الأساتذة المستعربين في تاريخ الصين الحديث.

ولد في أسرة من قومية هوي في قرية شاديان بإحدى ضواحي مدينة قجيو في مقاطعة يوننان، والتحق في سن مبكرة بمدرسة تشنغده المتوسطة بكونمينغ عاصمة المقاطعة، ثم رحل عن بلدته إلى قويوان في مقاطعة نينغشيا الواقعة في شمال غربي الصين، حيث تتلمذ على يد إمام ذائع الصيت ليتعلم اللغة العربية، والعلوم الإسلامية.

وفي عام 1929 وصل إلى شانغهاي، أكبر مركز تجاري، وأعظم ميناء بحري على الساحل الجنوبي الشرقي للصين، حيث التحق بدار المعلمين المسلمين بشانغهاي، التي واصل فيها دراسة اللغة العربية والعلوم الإسلامية إضافة إلى اللغة الإنجليزية، حتى أنجز مهمته بتقدير ممتاز في سلوكه وعلمه عام 1931، ثم سافر في ديسمبر نفس العام إلى القاهرة في أول بعثة صينية أوفدها إلى مصر مجمع الدراسات الإسلامية في الصين، حيث درس في جامعة الأزهر أربع سنوات، وحصل بعدها على شهادة الدراسة التمهيدية، ثم انتقل إلى دار المعلمين في القاهرة، وتخرج فيها عام 1939، وفي الفترة ما بين 1939 و1946 انقل بين أماكن متعددة مثل شانغهاي ويوننان يدرس العلوم الإسلامية، ويواصل دراسته في القرآن الكريم وترجمة معانيه.

وفي عام 1946 بدأ عمله أستاذاً ورئيساً لقسم اللغة العربية في كلية اللغات الشرقية في جامعة بكين، وفي عام 1949 اختير عضواً للمجلس الاستشاري السياسي للشعب الصيني، ثم انتخب نائباً بالمؤتمر الوطني لنواب الشعب منذ دورته الأولى حتى دورته الخامسة ابتداء من عام 1954 حتى آخر أيام حياته، وقد كان أحد الدعاة لإنشاء الجمعية الإسلامية الصينية، وعضواً باللجنة الدائمة لهذه الجمعية بعد إنشائها.

كان الأستاذ محمد مكين مجيداً للغتين الصينية والعربية، ومستوعباً ثقافتيهما، ومتقناً للغتين الفارسية والإنجليزية، كان واسع الإطلاع، ضالعاً في العلوم، ودقيقاً في بحثه، وقد أفنى حياته في خدمة قضية البحوث الإسلامية، وتعليم اللغة العربية، وحقق فيها إنجازات فائقة تتبلور في أربع مجالات هي:

 1.  ترجمة الكتب الدينية في سبيل نشر حقيقة الإسلام:

إن العمل الأعظم أهمية وتأثيراً بين القدر الكبير من الكتب الدينية التي ترجمها ونشرها الأستاذ مكين هو الترجمة الكاملة لمعاني لقرآن الكريم، فلقد قضى حياته في دراسة وبحث القرآن الكريم لهدف واحد هو نشر العقيدة الإسلامية، وكان مبلغ غايته هو مساعدة المسلمين الصينيين على تجاوز الحواجز اللغوية حتى يدركوا المعاني الحقيقية للقرآن الكريم، فلما عاد من مصر عام 1939 انكب على ترجمة المصحف الشريف حتى أصدر المجلد الأول الذي يضم النصوص المترجمة من السور وتفاسير الآيات في الأجزاء الثمانية الأولى منه بعد ولادة الصين الشعبية عام 1949، غير أنه لم يستطع أن يواصل أعمال التنقيح وإضافة الملاحظات والتفاسير بأكمله خلال العشرين عام التي تلت ذلك لانشغاله بأعمال تطوير تعليم اللغة العربية، ولأسباب أخرى اكتنفت هذه الفترة، ونتجت عن الاضطرابات الداخلية بالصين التي دامت عشر سنوات، فلم يتيسر له أن يستأنف عمله في ترجمة معاني القرآن الكريم، ولا سيما في إنجاز تنقيح مسودة الترجمة إلا في أواخر أيام حياته.

إن ترجمة الأستاذ مكين لمعاني القرآن الكريم تتميز بما هو أقرب إلى نصوصه من لغة تجمع بين الإيجاز والسلاسة، وأساليب تفيض عراقة وعذوبة، إضافة إلى الدقة والأمانة في أداء المعنى، فلقيت إقبالاً كبيراً، وتقديراً عظيماً من قبل المسلمين الصينيين، بصفتها أكبر ترجمة تأثيراً بين سائر الترجمات الشقيقة على وجه الأرض إلى الآن.

وقد جعل الأستاذ مكين ابتداء من الثلاثينات في القرن العشرين يترجم إلى جانب المصحف الشريف ما يمتاز بالقيم الأكاديمية الرفيعة من أمهات الكتب الدينية مثل ((الرسائل المحمدية في حقيقة الديانة الإسلامية)) للشيخ حسين جسر، و((رسالة التوحيد)) و((الإسلام والنصرانية)) للإمام محمد عبده و((العقائد النفسية)) لسعد الدين الخ.

 2. السعي لتوسيع مجالات دراساته مما جعله رائداً لقضية التبادل الثقافي الصيني العربي في العصر الحديث:

بالرغم من أن جميع المسلمين يعلمون القول المأثور "اطلبوا العلم ولو في الصين"؛ لم يسع التبادل الثقافي الذي كان يجري بين الصين والبلاد العربية على نطاق واسع وبصورة نشيطة إلا أن يتوقف قروناً عديدة بعد أن قطعه الاستعمار الغربي في القرن السادس عشر.

أما الأستاذ مكين الذي حاول أن يوسع مجالات دراساته ومضامين ترجمته، والذي جعلهما من الأنشطة العلمية الثنائية الاتجاه، فقد نقل ((كتاب الحوار)) لكونفوشيوس الحكيم الصيني، و((الأساطير الصينية)) و ((الأمثال والحكم الصينية)) وغيرها من التراث الصيني إلى اللغة العربية، وأصدرها في القاهرة، فزاد بها المكتبات العربية تحفاً نادرة من كنوز الحضارة الصينية.

وفي الوقت نفسه من أجل توسيع معرفة أبناء الشعب الصيني بالثقافة العربية الإسلامية ترجم الأستاذ مكين منذ الثلاثينات كثيراً من المؤلفات الهامة إلى الصينية، وأصدر عدداً كبيراً من المؤلفات والمقالات عما يتعلق بالعلم العربي من التاريخ والعادات التقليدية والدين وللغة والعلوم، مثل: ((جزيرة العرب))، ((نظرة جامعة إلى تاريخ الإسلام في الصين وأحوال المسلمين فيها))، ((مكانة اللغة العربية على الصعيد الدولي سياسياً)).. الخ.

من زاوية التبادل الثقافي الثنائي نرى أن أهمية ترجمات ودراسات الأستاذ مكين لم تتمثل في أنهما تتناولان المجال الديني فحسب، بل في تعديهما هذا المحال، حتى شكلتا امتداداً واستمراراً للتبادل الثقافي الواسع بين الصين والبلدان العربية على مدى التاريخ.

 3. وضع أسس وفتح عصر جديد لتعليم اللغة العربية المعاصرة في الصين:

سبق للصين أن شهدت بعض المدارس الإسلامية لفترة من التاريخ، ورغم ذلك فقد ظل تعليم اللغة العربية في الصين عامة يرتكز على المساجد منذ مئات السنين، وكان من الصعب أن يلبي طلب الدولة في إعداد رجال ذوي مستوى رفيع في هذه اللغة، لأنه ظل يسير على المنهج القديم، ويتبع الطرق المتخلفة، وهذا مما دفع الأستاذ مكين إلى أن يخمر خطة عظيمة منذ أيام شبابه من أجل تغيير هذا الوضع، وهي أن يعمل على تطوير تعليم اللغة العربية ونشرها في الصين.

في عام 1946 حان الوقت ليحقق خطته، وينجز هذه القضية الجليلة، إذ استدعته جامعة بكين وعينته أستاذاً فيها، وشارك بنشاط في تأسيس كلية اللغات الشرقية في الجامعة، وأنشأ فيها قسم اللغة العربية، واقتبس من نظم تعليم اللغة العربية المعاصرة وقواعدها وطبقها في عمليات التدريس وفقاً لأصول اللغة العربية مع مقارنتها بخصائص اللغة الصينية، مما وضع أساساً لتدريس اللغة العربية في الصين، وأدرجها لأول مرة رسمياً في منهج التعليم الصيني العالي.

 4. المشاركة في شؤون الدولة نيابة عن المسلمين ليقدم خدماته الجليلة في سبيل المصلحة العامة في الوحدة والاستقرار:

بعد عام 1949 شهدت الصين تحسناً جذرياً في العلاقات بين القوميات المتعددة، كما دخلت العلاقات بين قوميتي هان وهوي عهداً جيداً غير مسبوق، غير أن الأستاذ مكين باعتباره عالم مسلم ذا تأثير هام، قد بذل مساعي لا غنى عنها من أجل ردم الفجوة الذهنية التي كانت تفصل بين القوميات، وللمساعدة على تنفيذ هذه السياسة بنجاح.

لم يكن الأستاذ مكين برجل سياسي في الصين، غير أنه نظراً للعلم والمعارف الوافرة التي كان تمتع بها، والصدى الواقعي الذي أثاره، والمواقف الوطنية التي أبداها منذ أيام شبابه، قوبل بالترحاب من قبل أبناء القوميات المختلفة، واعتمد بصفته شخصية دينية بارزة وغير حزبية مندوباً لدى أعلى أجهزة الدولة مشورة وتشريعاً، وقلد مناصب عديدة في المؤسسات الأكاديمية ابتداء من عام 1949 حتى آخر يوم من حياته، مما أثبت مكانته كعلم من أعلام الثقافة.

أئمة الإسلام .. سراج للأنام


• رفَض أبو حنيفة النعمان منصبَ القضاء، فأمر أبو جعفر المنصور بسجْنِه وجلْده!.

• اتَّخذ الشافعي حلقةً له في المسجد الحرام، وفي جامع عمرو أطلق لتلاميذه حريةَ التفكير.

• سار أحمد بن حنبل مِن بغداد إلى الشام وصنعاء ومكَّةْ سيرًا على الأقدام.

• تمسَّك ابنُ حزْم بالمذهب الظاهِري، ولصراحته تآمَرُوا عليه وأحْرقوا كتُبَه.

• دعا ابنُ تيمية أهل الشام لطرْد التتار فطردوهم، وتتلمَذ عليه الإمام محمد بن عبدالوهاب، ومحمَّد بن سعود.

************

مِن سماحة الدِّين الإسلامي الحنيف أنَّه لا يعتبر في النَّسَب للمسلِم أيَّ مكانة أو منزلة، ولا البلد الذي ينتمي المسلم إليه، وإنما المكانة والمنزلة التي يَعتبرُها هي التقوى، ومظهرها الخشية مِن الله، والعمل بمبادئ الدِّين الحنيف؛ (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)[الحجرات: 13].

التقوى والعمل الصالح يمنحانِ الإنسانَ العلم والمعرفة؛ لذا اختار الله مِن عباده أئمةً وضَع علمَه فيهم، فكانوا القُدوةَ والسراج المنير للعالمين، هؤلاء الأئمة الكِبار هم الذين فسَّروا لنا ما غمُض من الدِّين، ووضعوا الآراءَ السليمة للمسائل الكبيرة، وشرَحوا لنا العقائد والعبادات؛ ليسهلَ علينا معرفة ما ينبغي معرفتُه من العبادات، ومعرفة حدود الله - سبحانه وتعالى -.

أبو حنيفة.. أفقه أهل الأرض:

كان الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن النعمان بن المرزبان - رضي الله عنه - القدوةَ لمَن جاء بعده من الأئمة والعلماء، وُلِد في الكوفة سَنَةَ ثمانين هجرية، وعاش فيها جُلَّ سنوات عمره بيْن علماء الحديث والفقه، والفلسفة والعقائد، وغيرها، والده كان تاجرَ حرير، فورث عنه مِهنته، ولذِكائه الشديد نجَح في تجارته، ورَبِح الكثير، وكان يُكثِر من قراءة القرآن الكريم وحفظه، حتى إنَّه ختمه في رمضان ستِّين مرة!.

وحضَر حلقاتِ أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - وروايتها وبرَّز فيها، ثم اتَّجه إلى الفِقه، فأخذ من مشايخَ كثيرين، وها هو يقول: "كنت في معدِن العلم والفقه فجالستُ أهله، ولزمتُ فقيهًا من فقهائهم"، وكان الشيخ حمَّادُ بن أبي سليمان أشهرَ مَن عرفتْه الكوفة وعرَفه العراق، هو أهم شيوخه، وكان هو في الثانية والعشرين مِن عمره، وراح يجوب البلادَ المجاورة؛ ليتعمقَ في العلم حتى بلغ الأربعين، وأصبح قادرًا على التدريس والفتوى، ولما مات شيخُه حمَّاد أخَذَ مكانه وتفوَّق.

ومِن بين من تعلَّم على يدهم: الإمام مالك بن أنس، وزيد بن علي بن زين العابدين، وجعفر الصادق، وغيرهم.

كان أبو حنيفة أولَ مَن دوَّن علم الفقه، وتبع نهجَه كلُّ من جاء بعده من أئمَّة، وعلماء وفقهاء، وهذا مِصداق لحديث المصطفى - صلى الله عليه وسلم -: ((إنَّ الله - تعالى - لا يَقبِض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، وإنما ينتزعه بموْت العلماء)).

بدأ في كُتبه التي أملاها علي تلاميذه وراجَعها معهم بالطهارة، التي مِن أهمها المياه التي يتطهَّر المسلِم بها، والوضوء والغسل والتيمُّم، والصلاة وشروط الدخول فيها، وأنواعها، والزكاة والصيام، والمعاملات، والحدود والمواريث، وكان لتلميذه أبي يوسف أكبرُ فضْل في تثبيت أصولِ مذهب أبي حنيفة كلها.

أخَذ أبو حنيفة عمَّن قابلهم من التابعين الذين رَوَوا الأحاديث عمَّن سبقوهم، والْتقوا بهم من كبار التابعين والصحابة، وكان أولَ مَن استنبط من الأحاديث، وشَهِد له أئمة كبار - كالأعمش وابن معين، وابن المديني ويزيد بن هارون - بالحِفْظ ومعرفة الحديث، والوثوق به، وأثنَوا عليه كثيرًا، واعتنَى الحافظ أبو محمد الحارثي بحديثه، فجمعه في مجلد ورتَّبه على شيوخه، وكذلك فعَل الحافظ ابن الحسن بن المظفر.

كان - رحمه الله - شديدَ الدفاع عن حُرمات الله أن تؤتى، شديدَ الورع، لا ينطق في دِين الله إلا بعِلْم، يحب أن يُطاع الله - سبحانه وتعالى - ولا يُعصى، ويومًا أرسل إليه الخليفة العبَّاسي أبو جعفر المنصور يعرِض عليه تولِّي منصب القضاء، فاستخار الله ولم يطمئنَّ قلبُه، فأبى المنصب، وأمعن في الرفض، فأمر الخليفة بضربه مائةَ سوط وأن يُسجن، ولمَّا نصحه المقرَّبون بالتراجع أمر له بدفْع ثلاثين ألف درهم تَرضيةً له، وأخرجه من السجن.

ومن جديدٍ رَفَض الإمام الأموالَ، فأمر بسجنه من جديد، فنُصح بالإفراج عنه فورًا وحدَّد إقامته، ومنعه من الاختلاط بالناس، حتى زاد عليه المرضُ واقترب مِن النهاية حتى تُوفي وهو ابن السبعين، فلما بلغ الخبر للخليفة المنصور قال: "مَن يعذرني منك حيًّا وميتًا؟! وصلَّى عليه أكثرُ من خمسين ألف مسلم ستَّ مرات.

مالك بن أنس.. إمام الأئمة:

وفي بلدة "ذي المروة" على بُعْد... من المدينة المنورة، وُلِد مالك بن أبي عامر سنة 93 هجرية في بيت متوسِّط، كان أبوه مقعدًا يصنع النِّبال، حَرَصتْ أمُّه على توجيهه إلى تعلُّم الفقه، فبعثتْ به إلى حلقة العلم لربيعةَ بن أبي عبدالرحمن، أعلم علماء المدينة آنذاك وأسخاهم.

ولزم مالكٌ الإمام نافعًا مولَى عبدالله بن عمر، وكان ضريرًا، ودرَس على ابن هرمز عبدالله بن زَيد، وللزهري فضْل عظيم في تنشئة مالك، وفي تكوين فِكْره حتى إنَّه رَوى عنه في "الموطَّأ" اثنين وثلاثين ومائة حديث.

ومِن أساتذته محمَّد بن المنكدر زعيم الفقهاء علمًا ونُبلاً، وكان سيِّدًا في القراءة، عابدًا زاهدًا، شارَك في تعليمه العلمَ، وهذَّبه على هَدْي مَن سبقه من الأئمَّة السابقين.

كان مالك سريعَ الحفظ، كثيرَ التدوين، أذن له سبعون شيخًا من شيوخ مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - فصار شيخًا من شيوخ المسجد النبوي، وأصبح جديرًا بتعليم الفِقه، وإلْقاء حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -.

وكان يَلْتقي بتلاميذه ويُلقي عليهم دروسَه وهو جالس بين القبر والمِنْبر، ويقرأ حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((ما بيْن بيتي ومِنبري روضةٌ مِن رياض الجنة)).

وضع الإمام مالك بن أنس عِدَّة كتب، منها: "النجوم وحساب دوران الزمان ومنازل القمر"، و"التفسير لغريب القرآن"، و"رسالة إلى ابن وهب - في التوحيد"، ولعلَّ أشهر ما ألَّف وكتَب الإمامُ مالك هو كتاب "الموطَّأ" - أي الميسّر المسهل، وهو أصحُّ كتاب بعدَ كتاب الله وقد جمع حديثَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأقوال الصحابة وأقوال التابعين، ممَّا أجمع عليه أهلُ المدينة المنورة، لم يخرجْ عنها، وهو الأول في التأليف في الفِقه والحديث معًا.

كان مالكٌ جريئًا لا يَخْشَى في الله لومةَ لائم، وقد ذَكَره العلماء والمحدِّثون بالفضل والتقدير، ولقِيَ وجه ربه الكريم سنة 179 هـ، وكان قد أوصى قُبَيل وفاته أن يُكفَّن في ثياب بيض، وأن يُصلَّى عليه بموضع الجنائز، وصلَّى عليه إمامًا عبدُالله بن محمَّد بن إبراهيم الهاشمي أمير المدينة، وصلَّى عليه كلُّ مَن علم بموته من أهل المدينة وزائريها، ودُفِن - رضي الله عنه - في البقيع.

كان مذهبُ الإمام مالك في مقدِّمة الفقه الإسلامي، ونشأ مذهبُه بالمدينة المنورة، ثم انتشر في الحِجاز، وغلب عليها زمنًا طويلاً، إلى أن جاء المذهب الحنبليُّ فحلَّ محلَّه إلى الآن.

الشافعي.. صاحب "الأم":

كان أبوه إدريس بن العبَّاس بن عثمان بن شافِع يعيش بأرْض الحجاز، فهو عربي يَنتمي إلى قريش، ويجتمع نسبُه مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في جدِّه عبد مناف، تزوَّج من فاطمة الأزدية مِن قبائل اليمن الذين يعيشون في الحِجاز، صحِب إدريس زوجتَه فاطمة إلى قرية غزَّة بفلسطين، حيث كان المسلمون يرابطون لحراسةِ الثغْر في مدينة عسقلان، ولمَّا ولدت زوجته سمَّى مولوده محمدًا، وكانوا يُنادونه باسم "الشافعي"، في شهر رجب سنة 150 هجرية، وتُوفِّي إدريس وابنه طفل رضيع، فحملته أمُّه إلى مكة بجوار الحرَم في حي "شعب" الخيف، وذاق مرارةَ الفقر والحِرْمان، إلا مِن مساعدة ذوي قرابته من قريش، وحفِظ القرآن وهو ابن سبع سنين، وحَفِظ الكثيرَ من الشِّعر، وعقد العزمَ على الذَّهاب إلى المسجد الحرام؛ ليستمع إلى العلماء، فتتلمذ على سُفيانَ بن عيينة ومسلِم بن خالد الزَّنجيِّ وغيرهما.

وأمام ذكائه ونبوغه برز فقيهًا نابغة، ومفسرًا بارعًا، خبيرًا بالعربية، كان الشافعي - رضي الله عنه - يحبُّ التنقُّلَ في البلاد، يطلب العلم على يدِ العلماء، ويستمع إلى الأدباء، ويرى مقامَ النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحبيه أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - ويرى كتاب الموطَّأ الذي جمعَه الإمام مالك بن أنس مِن حديث رسول الله، واشتهر بيْن المسلمين.

أحبَّه مالك وضيَّفه عنده ثمانية أشهر، يُلازمه في البيت وفي المسجد، وبعدَ انتهاء مالك من قراءة "الموطَّأ" يُعطيه للشافعي ليمليَه عليهم وهم يكتبونه، فعرَفه الناس، وعلَتْ منزلتُه، وازداد فهمًا ومتانةً، وحَفِظ أحاديثَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في المدينة.

كان الشافعيُّ يعلم أنَّ الإمام أبا حنيفة - رضي الله عنه - بالعراق، وأنه توفِّي تاركًا عالِمَين هما: أبو يوسف ومحمد بن الحسن، وغيرهما، وفي الكوفة تعرَّف الشافعي إليهما، واستضافه أبو الحسن في بيتِه، ومنها انتقل إلى بعض بلاد العراق وبلاد فارس وما حولها مِن بلاد العجم، وبعد عامَيْن كاملين عاد إلى المدينة قاصدًا المسجدَ النبوي سنة 174 هـ، وحضر درسَ الإمام مالك وصاحبَه لمدَّة تزيد على أربع سنوات.

ومِن جديد قصَد مكة لزمن يسيرٍ، ثم ارتحل إلى اليمن، هناك تزوَّج وأنجب أولادًا، ثم عاد إلى مكَّةَ المكرَّمة، وقد أخذ علومَ الحجاز والعراق في رحلته الأولى، عاد ومعه الكثيرُ مِن علم أهل الرأي، واتَّخذ له حلقةً في المسجد الحرام، والْتفَّ حوله كثيرون يستمعون إلى طرائقه الجديدة في استنباط الأحكام، ومنهم الإمام أحمدُ بن حنبل وسفيانُ بن عيينة.

وفي سنة 195 هـ قام برِحلة علميَّة إلى بغداد يُعلن اجتهادَه متسلحًا بسلاح العِلم والحُجَّة والبيان، وفي الجامع الغربي في بغداد أَمَّه العلماء والمتعلِّمون في حلقات العلم، ودخَل الشافعي مصرَ بعد ذلك سنة 199 هـ مع جماعة من تلاميذه، وراح يُلقي دروسه بجامع عمرو بن العاص بعدَ صلاة الصبح؛ كان يبدأ درسَه بأهل القرآن، فيقرأ لهم بعضَ الآيات ويفسِّرها، ويرد على أسئلتهم، ويظلُّ معهم حتى مطلع الشَّمس، فإذا طلعتِ الشمس وارتفعتْ قليلاً صلَّى الجميع صلاةَ الضحى، لتبدأ دروسُ الحديث النبوية، فجاء أهلُ الحديث، وكان يطلق لتلاميذه حريةَ التفكير، ثم يجيء أهل الفِقه وأصحابُ الأدب والشِّعر، واللُّغة والنحو، وكان يظل معهم إلى أن يصلِّيَ الظهر.

وضَع الإمام الشافعي نحوَ عشرين كتابًا، منها: "الأم - في علم أصول الفقه ومعرِفة الأحكام - وكتاب الإملاء الصغير، والأمالي الكبرى، ومختصر الربيع، ومختصر المُزني، ومختصر البويطي، وكتاب الرِّسالة، وكتاب الجزية، وغيرها من كتب الشِّعر، وأصابه داءُ البواسير فأنهكَه النزيف، حتى كانت وفاتُه آخِرَ يوم من شهر رجب سنة 204 هجرية، وقد بلغ من العمر أربعًا وخمسين سَنة.

سُئل يومًا عن الدليل على وجود الله، فأجاب شعرًا:

اللَّهُ رَبِّي لاَ أُرِيدُ سِوَاهُ *** هَلْ فِي الوُجُودِ حَقِيقَةٌ إِلاَّهُ

الطَّيْرُ سَبَّحَهُ وَالوَحْشُ مَجَّدَهُ *** وَالْمَوْجُ كَبَّرَهُ وَالحُوتُ نَاجَاهُ

وَالنَّمْلُ تَحْتَ الصُّخُورِ الصُّمِّ قَدَّسَهُ *** وَالنَّحْلُ يَهْتِفُ حَمْدًا فِي خَلاَيَاهُ

وَالنَّاسُ يَعْصُونَهُ جَهْرًا فَيَسْتُرُهُمْ *** وَالْعَبْدُ يَنْسَى وَرَبِّي لَيْسَ يَنْسَاهُ

أحمد بن حنبل:

كان جدُّ الإمام أحمد - واسمه حنبل بن هلال - واليًا على بلْدة سرخس مِن بلاد خراسان، قرَّبه منه الخليفة وولَّى ابنه محمدًا - والد أحمد - قائدًا في الجيش الذي تزوَّج ابنةَ عبدالملك بن سوادة، مِن قبيلة شيبان بالبصرة، يتَّصل نَسَبُ الإمام أحمد بسيِّدنا إسماعيل - عليه السلام - ويجتمع نسبُه مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في نزار؛ لأنَّ محمدًا - صلى الله عليه وسلم - من ولدِ مُضر بن نزار، وكل قريش مِن مضر.

كانتْ ولادة أحمد في بغداد سنة 164هـ، اشتهر منذ طفولته باعتمادِه على نفسه - بعد وفاة أبيه - وعنايته بعِلمِه وعمله، واجتهاده وذكائه، وكان بارًّا بأمِّه التي لم تتزوَّجْ قط لرعايته، فلقَّنتْه ما عرَفَتْ من السِّيَر والأحاديث، وقصص العرب وبطولاتهم، وعلَّمتْه قِيَم الإسلام، وغرستْ فيه حبَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

وأوَّل ما جلس للتعليم كان في مساجدِ بغداد أن حفظ القرآن الكريم، والكثيرَ من أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - ثم رحل من بغداد ماشيًا إلى طرسوس بأعْلى بلاد الشام، ثم سافر ماشيًا إلى صنعاء باليمن، فدخل صنعاء ليلاً، ومكث عامين في صنعاء بعدَها عاد إلى مكة، كان يرتحل إلى الكوفة والبصرة والمدينة ومكة، وإلى كلِّ بلد فيها علماء يأخذ عنهم، كان يحفظ آلافَ الأحاديث، وكثرتْ رحلاته في طلب الحدِيث، درس أحمد بن حنبل على يدِ عبدالله بن المبارك، وتعلَّم منه الكثيرَ، وكان يطلب مع الحديث علومَ الفِقه، كان يطلب فِقهَ الخلفاء الراشدين وسائر الصحابة، والتابعين وتابعيهم.

جلس أحمد على كرسيِّ العلم وهو في الأربعين مِن عمره، كان يُصلِّي العصر ليحيط به الناس يسألونه في الفِقه والأحاديث والتفسير، وهو يُجيبهم حتى يأتي وقت المغرب، وما كان يجيب على أحد إلا بعدَ تروٍّ.

أصبح أحمد وما في بغداد أحفظُ منه للحديث، ولا أعمق منه بصرًا بآثار الصحابة وفتاواهم، فضلاً عن فِقهه بعلوم القرآن، حتى استقرَّ له منهجٌ في استنباط الأحكام خالَف به السابقين، وشرَع يفسِّر القرآن الكريم، ويروي الأحاديث ويفسِّرها، ويشرح للناس مذهبَه في استنباط الأحكام، ويُفتي فيما يُطرَح عليه من مسائلَ، وشرح لتلاميذه أصولَ الفقه وفروعَه، وأجاب على آلاف المسائل، وكثُر الناس على حلقات علمِه الغزير، كان موضوعُ درسه هو القرآن وتفسيره، والسُّنَّة وآثار الصحابة.

أخَذ عنه كثيرون: أحمد بن تيمية شيخ الإسلام، ابن قيّم الجوزية، محمد بن علي الشوكاني، وغيرهم من العلماء.

لم يكن أحمد بن حنبل يرَى كتابة الكتب، وينهى أن يُكتب كلامُه ومسائله.

ومن تصانيفه المنقولة:

1. مصنَّف المسنَد: وهو أربعون ألْف حديث، انتقاها من سبعمائة ألْف حديث.

2. التفسير: وهو آلاف الأحاديث والآثار التي يُفسِّر بها القرآن.

3. المقدَّم والمؤخَّر في القرآن.

4. جوابات القرآن.

5. المناسك الكبير والصغير.

6. الناسخ والمنسوخ.

7. التاريخ.

8. الزهد.

9. الرد على الجهمية.

وكانت وفاته - رضي الله عنه - في شهر ربيع الأوَّل سنة إحدى وأربعين ومائتين 241هـ، كانت وفاته ببغداد، وعمره سبع وسبعون سنة، ودُفِن في مقبرة "باب حرب".

ابن حزم.. أمير علماء الأندلس:

أمَّا علي بن أحمد بن سعيد بن حزْم بن غالب بن صالح بن سفيان بن يزيد، وكُنيته أبو محمَّد، وشهرته ابن حزم، فكان مولده في آخِر رمضان سنة 384هـ شرْقَ قُرطبة بالأندلس، كان لأسرته شأنٌ كبير، فهم بنو حزم، فتية عِلم وأدب، ولهم رِفْعة جادَّة ومجد، كَرِه السياسة، وأحبَّ العلم، فحفظ القرآن الكريم في سِنٍّ مبكرة، وتعلم آدابه وأحكامه، وما اشتمل عليه مِن قصص وأخبار، وحَفِظ الأشعار، وتعلَّم الكتابة، وأجاد الخط، ولما كَبِر وشبَّ عن الطوق درس على يد الشيخ أبي الحسين بن علي الفاسي، وانشغل بمجالس العلم.

ووقعتْ اضطراباتٌ سياسية في قرطبة، ووقعت فتنة، ففقد والده منصبَ الوزارة، وتبدَّلتْ حياته من نعيم وجاه إلى بؤس وشقاء، فاضطر للخروج من قُرْطبة إلى مدينة "المرية" أولَ المحرم سنة 404 هـ، وتعرض للسجن، فانتقل بعدَها إلى "بلنسية" في أول 408 هـ.

كان ابن حزم منصرفًا آنذاكَ إلى دراسة الحديث النبوي الشريف، وعلوم القرآن، والأدب والنحو واللغة، وبعض العلوم العقلية والفلسفية، وعكَف على دراسة الفِقه، ودرس المذهب المالكي، وقرأ الموطَّأ على "عبدالله بن دحون"، ثم راح ينهل من علوم الأزدي المعروف بابن الفَرَضي، ودرس المذهب الشافعي، وتعرَّف على مذهب العراقيِّين، إلا أنه توقَّف عند المذهب الظاهري الذي يدعو فيه شيخُه داود الأصبهاني - تلميذ الشافعي - إلى التمسُّك بالنصوص وحدَها، فراق له هذا المذهب؛ لأنَّه يُطلِق حريةَ فِكْره فلا يتقيَّد بالمذاهب المشهورة، بل يتقيد فقط بالنصوص والآثار.

ظلَّ ابن حزم ينشر آراءَه كلَّما انتقل إلى بلاد الإسلام، بيْن قرطبة وشاطبة، والمرية وبلنسية وميورقة، واكتسب أتباعًا كثيرين، وفي ميورقة تآمَرُوا عليه فأحْرقوا كتبه، وخرَج منها مرتحلاً حاملاً عِلمَه في صدرِه، ومضَى يقول لمن عادوه وأحرقوا كتبه:

فَإِنْ تَحْرِقُوا القِرْطَاسَ *** لاَ تَحْرِقُوا الَّذِي

تَضَمَّنَهُ القِرْطَاسُ *** بَلْ هُوَ فِي صَدْرِي

يَسِيرُ مَعِي حَيْثُ *** اسْتَقَلَّتْ رَكَائِبِي

وَيَنْزِلُ إِذْ أَنْزِلْ *** وَيُدْفَنُ فِي قَبْرِي

مُنَايَ مِنَ الدُّنْيَا *** عُلُومٌ أَبُثُّهَا

وَأَنْشُرُهَا فِي كُلِّ *** بَادٍ وَحَاضِرِ

ضاق أمراء الأندلس ذرعًا بصراحته وصِدْقه - ربما لسابق اتصاله بالإمارة، ولمنزلة ومكانة أُسْرته؛ ولأنَّه فوق ذلك عالِم فقيه ينطق بالحق - فضيَّقوا الخناقَ عليه وأرهقوه، فعاد إلى بلدة أسرته "منت ليشم" بقُرطبة، وزهد في كلِّ شيء إلا في العِلم.

كان ابن حزْمٍ يدعو إلى مسالمةِ الناس والائتناس بهم، وعدم معارضتهم فيما لا يضرُّ في الدِّينِ أو الدنيا، وكان وفيًّا لأصدقائه وشيوخه، ويعتزُّ بنفسه، وقد جمع بين ضروبِ العلم المختلفة، وقد قال عنه صاعد الأندلسي: "كان ابن حزم أجمعَ أهل الأندلس قاطبةً لعلوم الإسلام، وأوسعهم معرفةً، مع توسُّعه في علم اللسان والبلاغة والشِّعر، والسِّير والأخبار".

ورحل أميرُ علماء الأندلس في الثامن والعشرين من شعبان سنة 456 هـ، تاركًا ثروةً علمية عظيمة، تزيد على أربعمائة مجلد.

الحسن البصري - الفقيه الزاهد:

أُمُّه "خيرة" مولاة السيِّدة أمِّ سَلَمة - رضي الله عنها - أم المؤمنين، ومولده كان في الحادي والعشرين للهجرة النبوية الشريفة، وأبوه اسمه "يسار" مولى الصحابي الجليل زيْد بن ثابت الأنصاري، نشأ الحسنُ بن يسار "البصري" في بيت من بيوت رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ورُبِّي في كنف أمِّ سلمة التي كانتْ تُرضعه في غياب أمِّه خيرة فيسكتُ ويلين.

وشبَّ الطفل وتتلمذ على أيدي كِبار الصحابة في مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - فكان له نصيبٌ وافر من معرفة السنَّة النبوية المطهَّرة، وأتم حِفْظ القرآن الكريم وهو في الرابعة عشرة مِن عمره، وتعلَّم الكتابة وضبط الحساب.

وكان واسعَ الاطلاع، وغايةً في الفصاحة وحلاوة المنطق، شُجاعًا، وها هو حُجَّة الإسلام أبو حامد الغزالي يقول عنه: "كان الحسن البصري أشبهَ الناس كلامًا بكلام الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - وأقربَهم هديًا من الصحابة - رضي الله عنهم - اتَّفقتِ الكلمة في حقِّه على ذلك".

لزِمَ المسجد، وانقطع إلى حلقة ترجمان القرآن وحَبْر الأمة عبدالله بن عبَّاس - رضي الله عنهما - وأخَذ عنه التفسير والحديث والقراءات، وأخَذ عنه وعن غيرِه الفِقهَ واللغةَ والأدب، وغيرها من العلوم، فأقبل الناسُ يتعلَّمون مِن علمه الغزير، ومواعظه الرائعة، فكانت حلقتُه في البصرة أوسعَ الحلقات.

وأُعجِب علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - بكلامه في حلقته وأحبَّه، وانطلق الحسن البصري يدعو الناس إلى الورَعِ والزهد والتُّقى، فكان أولَ مَن وضع أُسس الزهد، ورسم طرق محاسبة النفس، وأعْلى من شأن فضائل الخوف والرجاء.

عاش الحسن نحو ثمان وثمانين سَنَة، ملأ الدنيا فيها علمًا، وحِكمةً وفقهًا، وغاص في أعماق مجتمعه، ووصف أمراضَه وانتقده انتقادَ الحكيم الرفيق، والناصح الشفيق، فأجمعتِ القلوب على حبِّه، والاعتراف بفضله.

وفي ليلة الجمعة من غُرَّة رجب سنة مائة وعشر لبَّى الحسن نداءَ ربه، فارتجت البصرة لموته، وغُسِّل وكُفِّن وصُلِّي عليه بعدَ الجمعة.

الليث بن سعد:

إمامنا الليث بن سعْد شخصية فريدة لن يتكرَّر في تاريخ الفِقه والتاريخ الاجتماعي، كُنيته أبو الحارث، واسمه المعروف به الليث بن سعد بن عبدالرحمن، ينحدِر أصلُه من مصر، دخلتْ عائلته في الإسلام، وتعلَّمت اللغة العربية، كان مولده في منتصف شعبان سَنَة ثلاث وتسعين هجرية في بلدة قلقشندة - مركز طوخ - محافظة القليوبيَّة بمصر، كان أبوه ذا خبرةٍ طويلة في الزِّراعة والتجارة، فأورث ابنَه الليث الكثيرَ من المال، ووفَّر له ما أُتيح له من علوم الدين والتفقه في الإسلام، فحفِظ القرآن، وحفِظ ما وصله من أحاديثِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو صبيٌّ صغير، وحفِظ الكثيرَ من الشعر العربي وعلوم اللغة، فوجَّهه أبوه إلى الفسطاط وجامعها الكبير الذي سُمِّي فيما بعد "عمرو بن العاص"؛ ليَلتقيَ بعلمائه وفقهائه.

وتتلمذ على كثيرين، منهم: يحيى بن سعيد الأنصاري، عبدالله بن هبيرة السبائي، جعفر بن ربيعة، عبيدالله بن أبي جعفر، ويَزيد بن أبي حبيب، وتردَّد على حلقات العِلم في مسجد الفسطاط، وفي الحرَم بمكة المكرمة، ومسجد النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.

وكان ممَّا اشتهر به الليثُ روايةُ الحديث على يد المحدِّث العظيم نافع أبي عبدالله الدَّيْلمي - فقيه المدينة - والْتقى بالإمام مالك بن أنس إمامِ دار الهجرة، وتصادقَا وتحابَّا في الله وتعود أن يزوره في المدينة كلَّما ذهب للحج أو العمرة، وزيارة الحَرَم النبوي الشريف.

كما الْتَقى بأبي حنيفة في مجلس مالك بن أنس وأحبَّه، وكان الإمام الشافعي يُقيم في العراق ويتمنَّى زيارةَ مصر لرؤية الليث بن سعد، ولَمَّا حقَّق الله له ما تمنَّى كان الليث توفي، فوقف على قبره يبكي، ويقول: "كان الليث أفقهَ من مالك إلا أن أصحابَه ضيَّعوه".

بعدَها تُوفِّي الشافعي ودُفِن في جوار قريب مِن جوار الليث بن سعْد - رضي الله عنهما - ودُفِن الاثنان في ضريحين في حيِّ الإمام الشافعي.

الْتقى الليث بالمهدي بعدَ وفاة المنصور، وبالخليفة العباسي هارون الرشيد، الذي أمر له بآلاف الدنانير، وقِطعة أرض بالجيزة كلها.

وظلَّ الليث بن سعد يُعلِّم الناس في جامع الفسطاط حتى بلغَ الثمانين من عمره، وشرَح لهم ما يحتاجون في الفِقه وعلومه وما يحفظ مِن الأحاديث، وأصابَه مرضٌ حتى لبَّى نداء ربه في يوم الجمعة سنة خمس وسبعين ومائة مِن الهجرة، ولم تشهدْ مصر قبلَه ولا بعده جنازةً كجنازته، ودُفِن في سفح المقطم، وأسس بجوار قبره مساجد: الليث، الإمام الشافعي، السيدة نفيسة، السيدة سكينة بنت الحسن - رضي الله عنهم - أجمعين.

ابن تيمية - شيخ الإسلام:

هو أبو العبَّاس أحمدُ تقي الدين ابن الشيخ شِهاب الدين أبي المحاسِن عبدالحليم، ابن الشيخ مجد الدين أبي البركات عبدالسلام، ابن أبي محمَّد عبد الله أبي القاسم الخضر، كان له جدٌّ من الأجداد، أُمُّه واعظة، واسمها تيميَّة، فاشتهرتِ الأسرة بها، وُلِد في العاشر من ربيع الأول سنة 661 هـ بمدينة حرَّان شمالَ شرقي تركيا، وكانت من أهمِّ مراكز الديانات، وبعد غارات التتار على بلدتِه رحل عنها إلى دمشق مع والده الذي ذاع فضلُه، واشتهر أمرُه، فكان له كرسي للدراسة، والوعظ والإرشاد بجامع دمشق العظيم، فتولَّى مشيخة دار الحديث، وبها كان مسكنُه، وفيها تربَّى ابنُه تقي الدين ابن تيمية، الذي اتجه في طفولته المبكِّرة إلى حفظ القرآن الكريم، ثم الحديث النبوي وروايته، وتلقِّيه عن رجاله، بالإضافة إلى دراسته لعلوم أخرى كالرياضيات والعلوم العربية، وأخبار العرب في القديم، ودرس الفقهَ الحنبلي، وتتبَّع سيرَه والمذاهب الأخرى، وبخاصَّة المذهب الشافعي.

تولَّى ابن تيمية مكانَ أبيه وهو في الثانية والعشرين، فجلس مجلسه، وحل محلَّه؛ ليدرِّسَ الحديث ورجاله، وليكون نظيرًا لابن دقيق العيد العالِم الجليل، وغيره ممَّن كانوا يُدرِّسون في تلك المدارس، وفي الجامع الكبير في دمشق، ألْقَى ابن تيمية دروسه في الجامع الكبير، فأقبل الجميعُ على درسه، وكثر تلاميذه.

كان جُلُّ همه إحياء ما كان عليه الصحابةُ ممن تلقَّوا الإسلام صافيًا عن رسول الله في بَدْء الدعوة، وعندما أغار التتار على دمشق لم يفرَّ، وراح يدعو الناس إلى القِتال، حتى طردوهم شرَّ طردة.

تتلمذ على يديه كثيرون، مثل: الحافظ المحقِّق أبي عبدالله محمد بن أحمد المقدسي الحنبلي الصالحي، والحافظ سراج الدين أبي حفص عمر بن علي الأزجي البغدادي، والمؤرِّخ شمس الدين أبي عبدالله محمد بن عثمان الذهبي الدمشقي، والحافظ أبي الفتْح ابن سيِّد الناس اليعمري المصري، وغيرهم كثيرون.

وظَهر في الجزيرة العربية مَن قرأ عِلمَه ورأيَه، وتحمَّس له، ودعا مِن حوله إلى اعتناق كلِّ ما جاء به ابن تيمية، وردَّده في كتبه، وهو الإمام محمَّد بن عبدالوهاب، والتفَّ حوله علماءُ كثيرون، وكان من أشدِّهم إخلاصًا محمَّد بن سعود جد الأسرة الملكية السعودية، الذي عمِل على نشْر مذاهب ابن تيمية مع آخرين.

ترك ابن تيمية آثارًا كثيرة قيِّمة، وصلتْ إلى ثلاثمائة مجلد، منها: المناظرة في العقيدة الواسطية، الوصية الكبرى، الوصية في الدين والدنيا، رسالة في الاستغاثة، رسالة الحلال، تفسير المعوذتين، معالِم الأصول، رسالة الفرْقان بين الحق والباطل، رفْع الملام عن الأئمة والأعلام، رسالة الحِسْبة في الإسلام، والفتاوى المصرية.

وقد لَقِيَ ربه ليلة الاثنين والعشرين من ذي القعدة سنة 728هـ، وقال فيه الإمام الذهبي: "فريدُ العصر علمًا ومعرفةً، وشجاعةً وذكاءً، وكرمًا ونصحًا للأمَّة، وأمرًا بالمعروف، ونهيًا عن المنكر".

ابن قَيِّم الجوزية - باعث النهضة الإسلامية:

ولد أبو عبدالله شمس الدين محمد بن أبي بكْر بن أيُّوبَ بن سعد بن حريز الزُّرعي الدمشقي، الشهير بابن قيِّم الجوزية، في السابع من صَفَر سنة 691 هـ في بيت علم وفضْل، وصلاح وتقوى، أبوه كان قيِّمًا على المدرسة الجوزية بدمشق، فقيل له "قيِّم الجوزية"، والجوزية كانتْ من أعظمِ مدارس الحنابلة بدمشق نسبةً إلى واقفها الإمامِ أبي الفرَج عبدالرحمن بن الجوزي.

كان زاهدًا - رحمه الله - كوالده، محتقرًا للدنيا، فها هو ابن كثير يقول عنه: "لا أعرفُ في هذا العالَم في زماننا أكثرَ عبادةً منه، وكانتْ له طريقة في الصلاة يُطيلها جدًّا، ويمد ركوعها وسجودَها، ويلومه كثيرٌ من أصحابه في بعض الأحيان، فلا يرجع ولا ينزِع عن ذلك - رحمه الله - تعالى".

تلقَّى ابن القيِّم كافةَ العلوم الشرعية، فدرس التوحيد وعلم الكلام، والتفسير والحديث، والفقه وأصوله، والفرائض، واللغة والنحو، وغيرها على علماء عصره، وبرَع مثلَهم، وألَمَّ بأصول الدِّين، والحديث ومعانيه، وفقهه وأصوله، وبالعربية، ولازم الشيخَ ابنَ تيمية منذ عودته من مصر سنة 712 هـ، وحتى وفاته سنة 728 هـ، وتعلَّم منه الكثيرَ، وأخذ منه دعوتَه إلى التمسُّك بكتاب الله وسنَّة رسوله الكريم، وتجديد معالِم الدين الصحيح، وتنقيته من البِدع والخرافات.

وملأ ابن قيِّم الجوزية المكتبةَ الإسلامية بالعديد من المؤلَّفات تَزيد على مائة كتاب في شتَّى مجالات العلم، مِن أهمها:

زاد المعاد في هدْي خير العباد، أعلام الموقِّعين عن ربِّ العالمين، جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام، إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، الداء والدواء، الروح، شرح الأسماء الحسني، مفتاح دار السعادة، ومدارج السالكين بيْن منازل إياك نعبد وإياك نستعين.

كان ابن قيِّم الجوزية موسوعةً في المعرفة، شهِد له بذلك أقرانُه وعلماءُ عصره ومَن نقل عنهم، وقد توفِّي بعد حياة حافلة بالإنجازات ليلةَ الخميس ثالثَ عشرَ من رجب سنة 751 هـ، وعمره ستُّون عامًا، وصلَّوْا عليه بعدَ صلاة الظهر بالجامع الأموي، ثم بجامع جراح، قرب المقبرة التي دفن فيها بالباب الصغير.

الشوكاني - موسوعة المعرفة:

اسمه: محمَّد بن علي بن عبدالله الشوكاني، ويَنتهي نسَبُه إلى زيدِ بن كهلان بن سبأ، فهو يَمني عربي.

كُنيته ولقبه: (الشوكاني) نسبة إلى القرية التي وُلِد فيها (هجرة شوكان) القريبة من صنعاء.

وُلِد في الثامن والعشرين مِن ذي القعدة سنة 1173 هـ، وانتقل فيما بعدُ إلى مدينة صنعاء بيْن أسرة ذات علم ورِفعة.

كان أبوه مِن كبار العلماء، فحَفِظ الشوكاني القرآن في صِغَره، والكثيرَ من الأحاديث النبوية الشريفة، والفقه واللغة العربية، واطَّلع بعد ذلك على مختلف العلوم والفنون، ممَّا ساعده على هجْر التعصُّب المذهبي، والتحرر من آفة التقليد، فقد أحاط بعلوم المجدِّدين والمصلِحين، كالإمام مالك وأبي حنيفة النعمان، وابن حنبل، والغزالي، وابن تيميه، وابن قيِّم الجوزية، فصار واحدًا منهم.

وتفرَّغ للتدريس لطلاَّب العلم، وإفادتهم بما تلقَّاه من العلوم، فكان يُخصِّص لهم في كل يوم أكثرَ من عشرة دروس في فنون متعدِّدة، كان قد قرأها على شيوخه، ودرس العلم الرياضي، والطبيعي والإلهي، وعِلم المناظرة، وعلم الوضْع وغيرها.

وبلغ الشوكانيُّ مكانةً اعترف بها كبارُ العلماء في اليمن رغمَ سِنِّه التي لم تتجاوز العشرين، كان منهجه الإصلاحي في الدعوة يقوم على أُسس، تتمثَّل في:

1- دعوته إلى الابتكار والبَحْث، والبُعْد عن التقليد والمحاكاة مِن غير دراسة.

2- العودة إلى العقيدة السلفيَّة وما كانتْ عليه الحياةُ أيامَ الرسول - صلى الله عليه وسلم - والصحابة - رضي الله عنهم - حتى تتطهرَ العقيدة، وتُنقَّى مما دخَل عليها من غريب.

وكان نهجُه السلفيُّ مبنيًّا على الاجتهاد، لا التقليد.

من مؤلفاته المطبوعة:

- إتحاف الأكابر بإسناد الفاتر.

- إرشاد الثقات إلى إتقان الشرائع على التوحيد والمعاد والنبوات.

- إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق في علوم الأصول.

- البَدْر الطالع بمحاسِن مَن بعد القرن السابع.

- التُّحف في الإرشاد إلى مذهب السَّلَف.

- تحفة الذاكرين بعدة الحِصْن الحصين من كلام سيِّد المرسلين.

- شرح الصدور بتحريم رفْع القبور.

- أمناء الشريعة.

- إشكال السائل إلى تفسير (وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلْ).

- قطر الولي على حديث الولي.

وللشوكاني رحمه الله حوالي 240 مخطوطة.

وتُوفِّي - رحمه الله - في صنعاء اليمن في جمادى الآخرة سَنةَ 1250هـ عن ستٍّ وسبعين سنة، وقبرُه موجود في مقبرة خزيمة بصنعاء، وقد صلَّى عليه في الجامع الكبير آلافُ المسلمين، رحمة الله عليهم أجمعين.

الشيخ عبد الحميد السائح رحمه الله

كان الشيخ عبد الحميد السائح رحمه الله، فلسطينياً مخلصاً، ومناضلاً كبيراً، ومدافعاً شجاعاً عن الحرية، وعن الوحدة الوطنية، وعن حقوق الشعب الفلسطيني، وعن مقدساته، كان واحداً من حراس الاقصى وسدنته وأئمته
ولد عبد الحميد السائح في مدينة نابلس عام 1907 وحصل على شهادة العلمية من جامعة الأزهر وعمل مدرساً للغة العربية والدين في مدينة نابلس بعد تخرجه ثم عمل قاضياً في كل من نابلس والقدس حتى أصبح رئيساً لمحكمة الاستئناف في القدس قبل الاحتلال الإسرائيلي للمدينة في شهر حزيران/ يونيو عام 1967.

عرف عن السائح منذ بداية شبابه غيرته على وطنه وتصديه لقوات الاحتلال، واعتقل لأول مرة عام 1927 إبان الانتداب البريطاني على فلسطين وعزل من القضاء ونفي آنذاك من نابلس الى رام الله.
بعد الاحتلال الإسرائيلي للقدس عام 1967 تصدى السائح للاحتلال وأخذ في تحريض المواطنين على مقاومته من خلال الخطب والدروس التي كان يلقيها في المسجد الأقصى مما حدا بسلطات الاحتلال الإسرائيلي الى إبعاده الى الأردن في 22 أيلول/سبتمبر عام 1967، وهناك عين قاضياً للقضاة، ثم وزيراً للأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية في حكومة بهجت التلهوني عام 1969.
كان السائح أول فلسطيني تبعده إسرائيل من الأراضي الفلسطينية اثر احتلالها للضفة الغربية وقطاع غزة عقب حرب حزيران/يونيو 1967 ولم توافق على عودته عقب اتفاقيات الحكم الذاتي الفلسطيني عام 1993.
انتخب الشيخ السائح رئيساً للمجلس الوطني الفلسطيني خلال اجتماعاته في عمان عام 1984 إلا أنه استقال من رئاسة المجلس في شهر أيار/ مايو عام 1993 اثر خلافه مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات على خلفية مفاوضات السلام مع إسرائيل التي كان يعارضها بشدة ويطالب بحشد الطاقات العربية والإسلامية لتحرير فلسطين.

حظي الشيخ عبد الحميد السائح على الدوام باحترام الأوساط الفلسطينية والأردنية ، كما حظي باهتمام رجال الفكر والدين والسياسة على حد سواء الذين افتقدوا برحيله مفكراً إسلامياً بارزاً ومجاهداً صلباً لا تلين له قناة.
منح الشيخ عبد الحميد السائح وسام النهضة من الدرجة الأولى من الأردن، ووسام الكفاءة الفكرية من المغرب.
توفى في عمان بتاريخ 13 شوال 1421 هـ ، الموافق 11/1/2001 ودفن، بناء على وصيته في القدس.

وللسائح مؤلفات عديدة منها:
- ماذا بعد إحراق المسجد الأقصى
- الإرهاب أنواعه وأخطاره
- اثر الإسلام في الحضارة الغربية
- الإسلام بين القديم والجديد
- عقيدة المسلم وما يتصل بها
- أهمية القدس في الإسلام
- واجب المسلمين نحو الاحتلال الصهيوني
- عدوان اليهود على المقدسات الدينية
- الحدود في الإسلام
- الحقوق الدولية في القانون الدولي والشريعة الإسلامية.
كما أسهم في تأليف الكتب المدرسية في منهاج التربية الإسلامية وفق المنهاج الأردني وله العديد من المحاضرات حول الفقه والاقتصاد الإسلامي




صفية بنت حيي بن أخطب رضي الله عنها

هي أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب بن سعنة ، أبوها سيد بني النضير ، من سبط لاوي بن نبي الله إسرائيل بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام ، ثم من ولد هارون بن عمران ، أخي موسى عليه السلام ، وأمها هي برة بنت سموءل من بني قريظة .

كانت مع أبيها وابن عمها بالمدينة ، فلما أجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني  النضير ساروا إلى خيبر ، وقُتل أبوها مع من قُتل مِن بني قريظة.

تزوجها قبل إسلامها سلام بن مكشوح القرظي– وقيل سلام بن مشكم –  فارس قومها ومن كبار شعرائهم ، ثم تزوّجها كنانة بن أبي الحقيق ، وقتل كنانة يوم خيبر ، وأُخذت هي مع الأسرى ، فاصطفاها رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه ، وخيّرها بين الإسلام والبقاء على دينها قائلاً لها : ( اختاري ، فإن اخترت الإسلام أمسكتك لنفسي – أي : تزوّجتك - ، وإن اخترت اليهودية فعسى أن أعتقك فتلحقي بقومك ) ، فقالت : " يا رسول الله ، لقد هويت الإسلام وصدقت بك قبل أن تدعوني ، حيث صرت إلى رحلك وما لي في اليهودية أرب ، وما لي فيها والد ولا أخ ، وخيرتني الكفر والإسلام ، فالله ورسوله أحب إليّ من العتق وأن أرجع إلى قومي "  .

ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتقها وتزوّجها ، وجعل عتقها صداقها ، وكانت ماشطتها أم سليم التي مشطتها ، وعطرتها ، وهيّأتها للقاء النبي صلى الله عليه وسلم  .

وأصل هذه القصة ما ورد في الصحيح عن أنس قال : ( قدم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر ، فلما فتح الله عليه الحصن ذُكر له جمال صفية بنت حيي بن أخطب ، وقد قتل زوجها وكانت عروسا ، فأعتقها النبي صلى الله عليه وسلم وتزوجها ، حتى إذا كان بالطريق جهّزتها له أم سليم فأهدتها له من الليل ، فأصبح النبي صلى الله عليه وسلم عروساً فقال : من كان عنده شيء فليأتِ به ، فجعل الرجل يجيء بالتمر ، وآخر  يجيء بالسمن ، وثالثٌ بالسويق ، فكانت تلك وليمة رسول الله صلى الله عليه وسلم على صفية ، ثم خرجنا إلى المدينة . قال: فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يُحوِّي لها وراءه بعباءة ثم يجلس عند بعيره ، فيضع ركبته ، فتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب ) رواه البخاري.

ووجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بخدها لطمة فقال: ( ما هذه ؟ ) ، فقالت : إني رأيت كأن القمر أقبل من يثرب ، فسقط في حجري ، فقصصت المنام على ابن عمي ابن أبي حقيق فلطمني ، وقال : تتمنين أن يتزوجك ملك يثرب ، فهذه من لطمته.

وكان هدف رسول الله صلى الله عليه وسلم من زواجها إعزازها وإكرامها ورفع مكانتها ، إلى جانب تعويضها خيراً ممن فقدت من أهلها وقومها ، ويضاف إلى ذلك إيجاد رابطة المصاهرة بينه وبين اليهود لعله يخفّف عداءهم ، ويمهد لقبولهم دعوة الحق التي جاء بها .

وأدركت صفية رضي الله عنها ذلك الهدف العظيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ووجدت الدلائل والقرائن عليه في بيت النبوة ، فأحست بالفرق العظيم بين الجاهلية اليهودية ونور الإسلام ، وذاقت حلاوة الإيمان ، وتأثّرت بخلق سيد الأنام ، حتى نافس حبّه حب أبيها وذويها والناس أجمعين ، ولما مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم تأثّرت رضي الله عنها لمرضه ، وتمنت أن لو كانت هي مكانه ، فقد أورد ابن حجر في الإصابة وابن سعد في الطبقات ، عن زيد بن أسلم رضي الله عنه قال: " اجتمع نساء النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي توفى فيه، واجتمع إليه نساؤه، فقالت صفية بنت حيي: إني والله يا نبي الله لوددتُ أنّ الذي بك بي ، فتغامزت زوجات النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال صلى الله عليه وسلم : والله إنها لصادقة ".

كانت رضي الله عنها امرأة شريفة ، عاقلة ، ذات حسب أصيل ، وجمال ورثته من أسلافها ، وكان من شأن هذا الجمال أن يؤجّج مشاعر الغيرة في نفوس نساء النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد عبّرت زينب بنت جحش عن ذلك بقولها : " ما أرى هذه الجارية إلا ستغلبنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم " .

وفي ضوء ذلك، يمكن أن نفهم التنافس الذي حصل بين صفية رضي الله عنها وبين بقيّة أمهات المؤمنين ، ومحاولاتهن المتكرّرة للتفوّق عليها ، ولم يَفُتْ ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم ، فكان يسلّيها ويهدئ ما بها .

تقول صفيّة : رضي الله عنها " دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وقد بلغني عن عائشة و حفصة كلام ، فقلت له : بلغني أن عائشة و حفصة تقولان نحن خير من صفية ، نحن بنات عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه ، فقال : ( ألا قلت : وكيف تكونان خيراً مني ؟ وزوجي محمد وأبي هارون وعمّي موسى ) .

ومن مواقفها الدالة على حلمها وعقلها ، ما ذكرته كُتب السير من أن جارية لها أتت عمر بن الخطاب فقالت : إن صفية تحب السبت ، وتصل اليهود ، فبعث عمر يسألها ، فقالت : أما السبت فلم أحبه منذ أبدلني الله به الجمعة، وأما اليهود فإن لي فيهم رحماً فأنا أصلها، ثم قالت للجارية: ماحملكِ على ما صنعت ؟ قالت : الشيطان قالت : اذهبي فأنت حرة .

ولم تكن – رضي الله عنها - تدّخر جهداً في النصح وهداية الناس ، ووعظهم وتذكيرهم بالله عز وجل ، ومن ذلك أن نفراً اجتمعوا في حجرتها ، يذكرون الله تعالى ويتلون القرآن ، حتى تُليت آية كريمة فيها موضع سجدة ، فسجدوا ، فنادتهم من وراء حجاب قائلة : "  هذا السجود وتلاوة القرآن ، فأين البكاء ؟ " .

ولقد عايشت رضي الله عنها عهد الخلفاء الراشدين ، حتى أدركت زمن معاوية رضي الله عنه ، ثم كان موعدها مع الرفيق الأعلى سنة خمسين للهجرة ، لتختم حياة قضتها في رحاب العبادة ، ورياض التألّه ، دون أن تنسى معاني الأخوة والمحبة التي انعقدت بينها وبين رفيقاتها على الدرب ، موصيةً بألف دينار لعائشة بنت الصدّيق ، وقد دفنت بالبقيع ، فرضي الله عنها وعن سائر أمهات المؤمنين.

زياد علي

زياد علي محمد