ونستون تشرشل
السير ونستون ليونارد سبنسر تشرشل (30 نوفمبر 1874 - 24 يناير 1965 في لندن) كان رئيس الوزراء في المملكة المتحدة من عام 1940 وحتى عام 1945 (إبان الحرب العالمية الثانية). وفي عام 1951 تولى تشرشل المنصب ذاته إلى عام 1955. يُعد تشرشل أحد أبرز القادة السياسيين الذين انبلجوا على الساحة السياسية خلال الحروب التي اندلعت في القرن العشرين. قضى تشرشل سنوات حياته الأولى ضابطًا بالجيش البريطاني، ومؤرخًا، وكاتبًا، بل وفنانًا، كلُ في آن واحد. تشرشل هو رئيس الوزراء الوحيد الذي يحصل على جائزة نوبل في الأدب، وكان أول من تمنحه الولايات المتحدة المواطنة الفخرية. ينحدر تشرشل من سلالة عائلات الدوقات الأرستقراطية بمارلبورو؛ وهي أحد فروع عائلة سبنسر الأشهر ببريطانيا. كان والده اللورد راندولف تشرشل، وهو من الساسة ذوي الشخصية الكاريزمية، الذي تولى منصب وزير الخزانة آنذاك. وكانت جيني جيرودر، والدة تشرشل، عضوًا بارزًا في المجتمع الأميركي في تلك الآونة.
أُرسل تشرشل في مهام للجيش البريطاني بكل من المستعمرة الهندية والسودانية، كما شارك بحرب البوير الثانية، بصفته ضابطًا بالجيش البريطاني. وفي تلك الفترة ذاع صيته كأشهر مراسلي الحروب. ألف تشرشل كثيرًا من الكتب، ذكر فيها تجاربه التي شهدها في حملاته وحروبه.
وفي أولى سنوات انخراطه في العملية السياسية، تقلد تشرشل العديد من المناصب السياسية والحكومية؛ حيث رأس وزارة الصناعة والتجارة، ووزارة الداخلية، وأصبح أميرًا للبحرية البريطانية عن حزب الأحرار الأسكويثي. احتفظ تشرشل بمنصبه أميرًا للبحرية البريطانية حتى عصفت به معركة هربرت هنري أسكويث جاليبولي العنيفة التي راح ضحيتها عشرات الآلاف من قوات التحالف والقوات العثمانية، مما أدت لرحيله عن الحكومة. استأنف تشرشل بعدها خدمته العسكرية بنشاط على الجبهة الغربية كقائد الكتيبة السادسة من غداري الفوج الملكي الإسكتلندي، ثم عاد أدراجه لعمله الحكومي كوزير للذخائر، حيث أسندت إليه مراقبة وتنسيق عملية توزيع الذخائر للمجهود الحربي؛ ووزير الدولة لشؤون الحرب، ووزير الطيران. وبعد الحرب عمل تشرشل كوزير للخزانة البريطانية في ظل فترة حكم حكومة المحافظين التي رأسها السياسي ستانلي بلدوين من عام 1924 حتى 1929، عاملًا بدوره على ربط سعر الجنيه الإسترليني عام 1925 بالغطاء الذهبي، كما الحال قبل الحرب. لقي هذا الأمر جدلًا واسعًا، إذ عدها البعض خطوة لخلق ضغوط انكماشية على اقتصاد المملكة المتحدة تسهم في رفع نسبة التضخم. وكان من بين الانتقادات التي وجهت إليه أيضًا سببها معارضته للهيمنة البريطانية على الهند ورفضه القاطع تنازل إدوارد الثامن -ملك المملكة المتحدة- عن العرش في 11 ديسمبر 1936.
وبعيدًا عن عمله السياسي، تولى تشرشل قيادة حملة عاتية في ثلاثينيات القرن الماضي خلال حياته "في البرية"، حذر من الخطر النازي واستعدادها لإعادة التسليح. وبعد اندلاع الحرب العالمية الثانية، عُين تشرشل مرة أخرى أميرًا للبحرية البريطانية. وبعد استقالة آرثر نيفيل تشابرلين في العاشر من شهر مايو عام 1940، تولى تشرشل رئاسة الوزراء. ساعد رفضه البات لأي استسلام، أو هزيمة، أو أي حل سلمي على إلهام المقاومة البريطانية، وخصوصًا في الأيام الشرسة الأولى من الحرب العالمية الثانية، عندما وجدت بريطانيا نفسها وحيدة في مواجهتها لهتلر. أثار تشرشل حماس الشعب البريطاني من خلال خطاباته الحماسية والبرامج الإذاعية؛ وظل تشرشل رئيسًا لوزراء بريطانيا حتى أصبح انتصار بلاده على ألمانيا النازية أمرًا مُسلمّاً به. وبعد هزيمة حزب المحافظين في انتخابات عام 1945، أصبح تشرشل زعيمًا للمعارضة بعد فوز حزب العمل البريطاني بالحكومة برئاسة كليمنت أتلي. وبعد وفاة تشرشل، منحته الملكة إليزابيث الثانية شرف أن يحظى بجنازة رسمية، وكانت تلك الجِنَازَة واحدة من الجنائز التي شهدت أكبر تجمع لرجال الدولة حول العالم. وفي استطلاع أُجري عام 2002 وُصف تشرشل ب"أعظم بريطاني على مر العصور". ويُعد تشرشل -على نطاق واسع- أحد أكثر الشخصيات تأثيرًا في التاريخ البريطاني؛ إذ كان يحظى دائمًا بنصيب الأسد في استطلاعات الرأي العام لرؤساء وزراء المملكة المتحدة.
وُلد تشرشل فردًا لعائلة دوقات مالبورو الأرستقراطية، وهي العائلة التي انحدرت من عائلة سبنسر النبيلة. ومثلما كان يفعل والده، اعتاد ونستون أن يستخدم لقب "تشرشل" في الحياة العامة. كان جده الأكبر -جورج سبنسر قد غير لقبه إلى سبنسر تشرشل في العام 1817 عندما حظي بمكانة دوق مالبورو؛ وذلك بغية إظهار أصله من جون تشرشل -الدوق الأول لمالبورو. كان والد ونستون، اللورد راندولف، هو الابن الثالث لجون سبنسر_تشرشل، والدوق السابع لمالبورو الذي عمل بالسياسة؛ وكانت أمه، هي السيدة راندولف تشرشل، ابنة المليونير الأميركي المَرْمُوق ليونادر جيروم. ولد ونستون في تاريخ 30 نوفمبر عام 1874، قبل شهرين من ميعاد مولده الطبيعي، بغرفة نوم في قصر بلينهايم ودستوك، بأكسفوردشاير.
قضى تشرشل أولى سنوات عمره، ما بين الثانية والسادسة على وجه التحديد، في دبلن. وفي ذلك الوقت، كان جده نائب الملك، ووالده هو سكرتيره الخاص -سكرتير نائب الملك. وفي تلك الآونة، وُلد جون سترينج سبنسر_تشرشل، أخًا لونستون. وطالما لاحظ الكثيرون أن ونستون الصغير كان مفتونًا دومًا بالشؤون العسكرية؛ لما ظهر عليه أثناء مشاهدته للعروض والمسيرات العسكرية التي كانت تمر بمقر نائب الملك (المقر الرسمي الحالي لرئيس أيرلندا) من اهتمام وشغف بالغين.
بدأ تشرشل مشواره التعليمي في دبلن، حيث أخذت مربيته تعلمه القراءة والكتابة والحساب، وكان أول ما قرأه تشرشل كتاب "قراءة بلا دموع". وفي غضون ذلك، نشأت بين تشرشل ومربيته -السيدة إليزابيث- صِلَة مُوثَّقة الْعُرَى، متينة الأسباب؛ نظرًا لعلاقته الفاترة بوالديه، فكان يدعوها بلقب "الرحم القديم"؛ إذ كانت إليزابيث بمثابة الحاضنة والمربية التي شغلت مكان أمه، فكانوا يقضون ساعات عديدة يلعبون في منتزة "فينيكس". كان تشرشل بليدًا في دراسته، وكان كثيرًا ما يعاقبه معلموه؛ وكان ذو طبيعة متمردة، أَنُوفة؛ وشخصية مستقلة. تلقى تشرشل تعليمه في ثلاث مدارس مختلفة: مدرسة سانت جورج، باسكوت، بيركشاير بإنجلترا؛ ومدرسة برونزويك في مدينة هوف، بالقرب من مدينة برايتون؛ ومدرسة هارو بداية من 17 من أبريل 1888. ولم تمض أسابيع قليلة من التحاق تشرشل بتلك المدرسة إلا وكان أحد المنضمين ل"سلاح بندقية هارو".
كان نادرًا ما تزوره أمه، لكنه كثيرًا ما يرسل إليها بخطابات يحثها على زيارته ورؤيته في مدرسته أو السماح له بالعودة إلى منزله. وكذلك الحال بالنسبة لأبيه، فقد بعدت الهوة بينهما؛ لدرجة أن تشرشل لم يتحدث إلى أبيه إلا مرات معدودة. ولما مات أبوه يوم ال24 من يناير 1895 -عن عمر يناهز ال45- ساور تشرشل شعور بأنه موته لم يعد بعيدًا؛ ولذلك حرص على ترك بصمة في هذا العالم بأسرع ما يمكن.
عقبته في الخطابة
كان تشرشل مصابًا بلثغة لزمته طوال حياته العملية، التي طالما ذكرها صحافيو هذه الفترة وما تلاها. فقد ذكر العديد من كُتاب العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين، ما عند تشرشل من تلعثم قبل ذيوع التسجيل الصوتي، واصفين إياها ب"القاسية"، و"المؤلمة". وكذلك، وصف تشرشل لعثمته ب"عائق الحديث"، التي حاول دومًا التخلص منها. وذكر مركز ومتحف تشرشل أن غالبية التسجيلات أظهرت أن اللثغة كانت هي عائق تشرشل، في حين وصف تلعثمه ب"الأسطورة". صُمم طقم أسنانه الصناعية خاصته خصيصًا لمساعدته في الخطابة بشكل سليم. وبعد سنوات عديدة من الخطابات العامة التي أعدت بعناية ليس فقط لإلهام الجمهور بل أيضًا لتجنب التلعثم، استطاع تشرشل أخيرًا أن يصف بأن، "العقبة ليست عائقًا".
زواجه وذريته
التقى تشرشل أول مرة بزوجة عمره كلمنتاين في عام 1904 بحفلة راقصة في كرو هاوس، منزل إيرل كرو، وزوجته مارجريت بريمروز -ابنة الايرل الخامس لبلدة روزبري، أرشيبالد بريمروز، وهاناروثتشايللد. وفي عام 1908، التقى تشرشل بكلمنتاين مرة أخرى بمأدبة عشاء باستضافة سوزان جين -بارونة سانت هيلير (السيدة القائد DBE). فاختبلته، ولم يشعر في تلك اللحظة إلا وهو جالس بجوارها، ومن هنا بدأت قصة حب لم تنتهَ إلا بموتهما. وحينها، عرض تشرشل على كلمنتاين الزواج خلال حفل أقيم في "معبد ديانا" الصغير بقصر بلينيم في 10 أغسطس عام 1908. وفي ال 12 من سبتمبر عام 1908 أقيم حفل الزفاف بكنيسة "سانت مرجريت" بويستمنستر، وكانت الكنيسة غاصة بالحضور، في حين تكفل أسقف مدينة سانت آساف بمراسم الزواج. قضى الزوجان شهر العسل في منزل "هايجروف" بمنطقة إيستكوت. وفي مارس 1909، انتقل الزوجان إلى منزل يقع بميدان إيكلستون. وبالنسبة لذرية تشرشل، فإن ديانا كانت هي أول أبنائه. ولدت ديانا في لندن في اليوم الحادي عشر من شهر يوليو 1909. وبعد الولادة، انتقلت كلمنتاين لمقاطعة ساسكس لاسترداد عافيتها، في حين تركت ديانا مع مربيتها. وفي يوم 28 مارس 1911، أنجبت كلمنتاين طفلهما الثاني، وأسموه راندولف بمنزلهما في ميدان إيكلستون. وفي 7 أكتوبر 1914، وُلدت سارة، طفلهما الثالث، في "المنزل الأميرالي". كان ذلك الميلاد في يوم شابه الكثير من القلق، بالأخص لكلمنتاين؛ إذ أرسل مجلس الوزراء تشرشل إلى مدينة أنتويرب، "لدفع سكان المدينة المحتلة إلى المقاومة"، وذلك بعد ورود أنباء بأن البلجيكيين اعتزموا تسليم مدينتهم للمحتلين. وفي 15 نوفمبر 1918، بعد أربع أيام من انتهاء الحرب العالمية الأولى رسميًا، خرج من رحم كلمنتاين مولودها الرابع ماري جولد فرانسيس تشرشل. ومنذ الأيام الأولى من شهر أغسطس أوعزت كلمنتاين إلى مربية فرنسية تدعى الآنسة روز بمهمة تربية أبنائها الأربعة؛ في حين سافرت كلمنتاين إلى منزل "إيتون هول" للعب التنس مع دوق ويستمنستر. وأثناء رعاية الآنسة روز للأبناء، أُصيبت ماري بإنفلونزا حادة في الوقت الذي خُيل لروز أنها تعافت، ولكن المرض كان قد تحول إلى إنتانمية (إنتان دموي). أرسلت الآنسة روز إلى كلمنتاين تخبرها بذلك، ولكن العلة أصبحت لا يَنْجَعُ فيها الدواء؛ لينقضي أجلها، وتُدفن بمقابر "كنسال الخضراء" بعد ثلاثة أيام من وفاتها. وفي 15 سبتمبر 1922، وصلت إلى العالم آخر أطفال تشرشل واسمها ماري. وفي وقت لاحق من ذلك الشهر، اشترت عائلة تشرشل منزل "تشارت ويل"، والذي أصبح منزل الأسرة حتى موت تشرشل عام 1965.
الخدمة العسكرية
بعد رحيل تشرشل عن هارو عام 1893، تقدم بطلب للالتحاق بأكاديمية ساندهيرست العسكرية الملكية. اجتاز تشرشل اختبار القبول بعد ثلاث محاولات، بعدها تقدم بطلب للالتحاق بسلاح الفرسان بدلًا من المشاة؛ وذلك لعدة أسباب منها أن سلاح الفرسان يتطلب مجموع درجات أقل منه في سلاح المشاة، وأيضًا لأن سلاح الفرسان لا يتطلب إيجاد الرياضيات، التي كان يكرهها تشرشل. كان ترتيب تشرشل هو الثامن على دفعته المكونة من 150 فردًا، في ديسمبر 1894. وعلى نقيض ما كان ينشده أبوه، لم يستغل تشرشل فرصة الانتقال إلى فرق المشاة، وعزم البقاء في سلاح الفرسان. تمت ترقيته تشرشل إلى رتبة ملازم ثان (كورنيت) في سلاح الفرسان الرابع الخاص بالملكة، في 25 فبراير 1895. وفي عام 1941، حصل تشرشل على شرف ترقيته عقيدا بسلاح الفرسان. وبعد الحرب العالمية الثانية، حصل تشرشل على لقب Colonel-in-Chief، وهو امتياز يخص عادة الملوك. بلغ راتب تشرشل كملازم ثان في سلاح الفرسان الخاص بالملكة 300 جنيه إسترليني. لم يكن تشرشل راضيًا عن ذاك المبلغ، إذ كان يعتقد أنه يحتاج راتب لا يقل عن 500 جنيه إسترليني (أي ما يعادل 55.000 جنيه إسترليني بوصف عام 2012)، وذلك من أجل الرقي بمعيشته لتصبح مثل زملائه الضباط في سلاح الفرسان. قدمت له والدته بدلا سنويًا قدره 400 جنيه إسترليني، لكن تشرشل كان يصرفه كله في أحيان كثيرة؛ مما جعل كاتب السيرة الذاتية، روي جينكينز يصرح بأن ذلك هو أحد الأسباب التي جعلت من تشرشل مراسلًا حربيًا.
لم يكن تشرشل ينوي اتباع الطريقة التقليدية في الترقي إلى المناصب الأعلى من خلال الرتب العسكرية، بل إنه صب جام اهتمامه إلى استغلال أية فرصة تمكنه القيام بعمل عسكري. ومن خلال نفوذ أمه وعائلته في أوساط المجتمعات الراقية، استطاع تشرشل أن ينشر ما قام به من حملات من خلال مقالات نشرها في العديد من الصحف. جذبت كتاباته انتباه الجمهور إليه، وجنى من ذلك دخلا إضافيا كبيرا؛ فعمل مراسلًا حربيًا لدى العديد من الصحف اللندنية، وأصدر العديد من الكتب التي تدور حول حملاته وتجاربه العسكرية.
كوبا
في عام 1895، سافر تشرشل إلى كوبا بصحبة زميله الضابط ريجنالد بارنز لرصد الحرب الكوبية من أجل الاستقلال ضد الإمبراطورية الإسبانية. وقبيل سفره، حصل تشرشل على عمولة من صحيفة الديلي جرافيك للكتابة عن هذا الصراع. وفي ذكرى ميلاده الحادي والعشرين، اُنتقد تشرشل لأول مرة في حياته، من بين حوالي خمسين مرة طوال عمره؛ ولكن الأسبان منحوه أول ميدالية في حياته. كان لكوبا أثر طيب على ذاكرة تشرشل حيث وصفها ب"الكبيرة، والغنية، والجزيرة الجميلة....". وبينما كان هناك، ألف فمه طعم سجائر الهافانا التي تمنى لو استمر بتدخينها بقية عمره. وفي نيويورك مكث تشرشل بمنزل ويليام كوكران، وكان هذا الأخير أحد أبرز السياسيين الأمريكيين في ذلك الحين، وعضوًا في مجلس النواب، وأحد المعجبين بوالدة تشرشل. تأثر تشرشل بهذا الرجل كثيرًا، فأخذ عنه أسلوبه في الخطابة وخبرته في السياسة، وحماسته المغمورة بحب الولايات المتحدة الأمريكية ودعوته للاعتزاز بها. وفي غضون ذلك، تلقى تشرشل رسالة مفادها أن مربيته -السيدة إيفرست، تُكَابِدُ غُصَص الْمَوْت؛ فعاد تشرشل سريعاً إلى إنجلترا، وظل بجوارها لمدة أسبوع حتى فَاضَتْ نَفْسها. كتب عنها تشرشل في يومياته، "كانت أفضل أَنِيسة"؛ وكتب عنها أيضًا في كتابه "طفولتي"، "كانت أعز وأقرب خَدِينة لي خلال عشرين عامًا قضيتها من عمري".
في أوائل أكتوبر عام 1896، أُرسل تشرشل إلى بومباي، الراج البريطاني. كان يُعد تشرشل واحدًا من أفضل لاعبي البولو بكتيبته العسكرية، فقاد فريقه لانتصارات رائعة بالبطولات المختلفة. وفي عام 1897، حاول تشرشل السفر للإدلاء بتقاريره، وإذا لزم به الأمر، سيقاتل في الحرب العثمانية اليونانية؛ ولكنها كانت قد انتهت قبل وصوله. وفي وقت لاحق، وبينما كان يستعد للسفر إلى إنجلترا، علم تشرشل أن ثلاثة ألوية من الجيش البريطاني يجهزون لقتال مجموعات البشتون (العرقية) في المنطقة الحدودية شمال غرب الهند. حينها، طلب تشرشل من قائده السماح له بالانضمام إلى القتال. وبالفعل، قاتل تشرشل بقيادة الجنرال جيفري في المنطقة الحدودية في الهند.
أرسله جيفري بصحبة 15 فرق كشافة لمراقبة وادي ماموند، وفي طريقهم للاستطلاع، اصطدموا في قتال مع أحد قبائل العدو، فترجلوا من خيولهم، وعلى الفور تبادلوا إطلاق النيران لأكثر من ساعة. وفي خضم المعركة، وصلت طائفة السيخ الهندية لدعم القبيلة، وأخذ القتال يهدأ شيئًا فشيئا حتى شرع كلاهما في الانسحاب. ولكن المئات من رجال القبائل كانوا قد نصبوا كمينًا في غمرة القتال، وأطلقوا وابلًأ من النيران على تشرشل لإجباره على الانسحاب، فقُتل منهم أربعة رجال، كانوا يحملون ضابطا مُصابا، فأجبرتهم ضراوة القتال على تركه وراءهم. قُتل ذلك الضابط المُصاب أمام أعين تشرشل، فما كان منه إلا أن كتب عنه فيما بعد، "نسيت كل شيء عن هذا الموقف إلا رغبة قتل هذا الضابط". وعلى الرغم من انخفاض أعداد طائفة السيخ الهندية جراء القتال، أمر القائد تشرشل بالانسحاب وجنوده إلى بر الأمان. طلب تشرشل من قائده مذكرة صغيرة ليضمن عدم اتهامه بالفرار. وبالفعل، تسلمها تشرشل، ووقعها في الحال، وتوجه بثقة نحو التل يخبر اللواء الآخر بالانسحاب. والجدير بالذكر أن المعارك في تلك المنطقة قد استمرت لأسبوعين قبل أن يتسنى لهم انتشال القتلى. كتب تشرشل في مذكراته: "على الرغم من أهميته(القتال) فإنني لا أستطيع أن أخبر به". وفي ديسمبر عام 1900، نُشر "حصار الملاكند" كما عرضها تشرشل في قصته "القوة الميدانية للملاكند"، وحصل على مبلغ 600 جنيه إسترليني من وراء ذلك. وخلال حملته بالهند، كتب تشرشل أيضًا مقالات لصحف: "الرائد" و"الديلي تلغراف". كانت قصته عن تلك المعركة أحد أول قصصه المنشورة، وحصل عن كل عمود بصحيفة الديلي تلغراف 5 جنيهات إسترلينية.
السودان وأولدهام
في عام 1898، سافر تشرشل إلى مصر. وقبل أن ينضم إلى الملحق ال21 للفرسان حاملي الرماح، تحت قيادة الجنرال هربرت كيتشنر بالسودان، زار تشرشل الأقصر. وخلال تلك الفترة تعرف تشرشل على اثنين من الضباط العسكريين الذين سيقابلهم تشرشل في الحرب العالمية الأولى وهم: دوغلاس هيغ (رتبته رقيب خلال الحرب العالمية الأولى)، والآخر ديفيد بيتي (ملازم أول بالزوارق الحربية خلال الحرب العالمية الأولى). وخلال فترة وجوده بالسودان، شارك إِبَّان فيما وصف بأنه آخر مهمة ذات هدف لسلاح الفرسان البريطاني بمعركة أم درمان في سبتمبر 1898. وكان حينها يعمل تشرشل مراسل حرب لجريدة "عمود الصباح أو مورنينج بوست". وبحلول شهر أكتوبر من عام 1898، عاد تشرشل إلى بريطانيا وشرع في تأليف عمله المكون من مجلدين بعنوان "حرب النهر"؛ وهو كتاب يروي قصة احتلال السودان مرة ثانية، وصُدرت النسخة الأولى منه عام 1899. واعتبارًا من 5 مايو 1899، استقال تشرشل من الجيش البريطاني. ومنذ ذلك التاريخ، انهالت عليه العديد من الفرص للانخراط في العملية البرلمانية؛ وكانت البداية حينما عرض عليه روبرت أسكروفت الترشح في الانتخابات عن دائرة أولدهام كثاني مرشح عن حزب المحافظين. لكن موت أسكروفت المفاجيء أدى إلى إعادة الانتخابات الفرعية مرتين وكان تشرشل أحد المرشحين. وفي خضم التيار الوطني المناهض لحزب المحافظين؛ خسر تشرشل كلا المقعدين، ولكنه كان مبهورًا بحملته الانتخابية القوية.
جنوب أفريقيا
حاول تشرشل إيجاد طرق أخرى يعزز بها مسيرته في العملية السياسية بعد فشله في انتخابات أولدهام. وفي أكتوبر 1899،اندلعت رحى حرب البوير الثانية بين الجيش البريطاني وجمهوريات البوير، وحينها عمل تشرشل مراسل حرب لجريدة "مورنينج بوست" براتب شهري 250 جنيه إسترليني. سافر تشرشل على السفينة ذاتها التي أقلت السيد ريدفيرز بولر -القائد البريطاني المُعين مؤخرًا. وبعد ذلك بأسابيع، رافق تشرشل بعثة كشفية على متن قطار مدرع، فاعتقل وسجن في معسكر لأسرى الحرب بمدينة بريتور (تحول فيما بعد لمدرسة ثانوية للبنات). أدت تصرفاته خلال الكمين الذي واجهه فريق الكشافة أثناء تواجدهم على القطار إلى التنبؤ بأن يحصل تشرشل على صليب فكتوريا -أرفع وسام عسكري بريطاني- لبسالته في مواجهة العدو، لكن تخليه عن منصبه العسكري حال دون ذلك؛ إذ أنه مواطن عادي. هرب تشرشل من معتقل الأسرى، وسافر ما يقرب 300 ميل (480 كم) إلى مابوتو الواقعة بخليج ديلاغوا، بمساعدة أحد مديري المناجم الإنجليز. جعل هذا الهروب من تشرشل بطلًا لبعض الوقت، وزاد من ذلك أن تشرشل قد عزم مرافقة جنود الجيش البريطاني بقيادة بولر في مهمتهم لرفع الحصار عن البريطانيين بمدينة ليديسميث وبريتوريا، وعدم الرجوع إلى بريطانيا. وعلى الرغم من كون تشرشل مراسلًا حربيًا، حصل على عمولة من فوج "الفرس السريع" البريطاني. كان تشرشل من بين أولى القوات البريطانية التي دخلت ليديسميث وبريتوريا. حقق تشرشل وابن عمه -دوق مارلبورو، نجاحًا عظم في أوجه أي نجاح حققته بقية القوات المشاركة في المهمة ببريتوريا، حيث جعلوا 52 من حراس المعتقل البويريين يستسلمون. وفي عام 1900، عاد تشرشل إلى إنجلترا على سفينة "آر إم إس دونوتار كاسل"، السفينة نفسها التي سافر على متنها قبل ثماني أشهر. وبعد عودته سالمًا إلى أرض الوطن، نشر تشرشل "لندن إلى لينديسميث"، بالإضافة إلى المجلد الثاني لكتابه عن تجار الحرب في بوير بعنوان "مسيرة إيان هاميلتون". وفي العام ذاته، ترشح تشرشل مرة أخرى في الانتخابات العامة بأولدهام، وفاز خلالها على نظيره المحافظ كريسب، في المنافسة على مقعدين. بعدها، جال تشرشل بريطانيا، يلقي خطاباته، تلتها جولات في كل من الولايات المتحدة، وكندا؛ فجنى من وراء ذلك ما يزيد عن 5.000 جنيه إسترليني.
الخدمة الإقليمية والترقية
في عام 1900، ترك تشرشل عمله في الجيش النظامي، لينضم بعد ذلك إلى جماعة اليوامنة الإمبراطورية -صغار مالكي الأرض من الفرسان- عام 1902. وفي أعقاب ذلك حصل تشرشل على رتبة نقيب بسلاح فرسان الملكة أكسفوردشاير في الرابع من يناير عام 1902. وفي العام ذاته، صار تشرشل عضوًا في إحدى المنظمات الماسونية بستودهولم في لندن. وفي أبريل عام 1905، رُقي تشرشل إلى رتبة رائد، وأسند إليه قيادة سرية الخيالة هينلي بسلاح فرسان الملكة أكسفوردشاير. وفي سبتمبر 1916، انتقل تشرشل إلى جيش الاحتياط، حيث ظل مقيدًا به حتى تقاعده عام 1942، في الخمسين من عمره.
الجبهة الغربية
وبعد استقالته، عاد تشرشل لعمله في الجيش مرة أخرى. حاول تشرشل الحصول على رتبة قائد لواء، لكنه أصبح قائد كتيبة. وبعد أن أمضى فترته رائدًا للكتيبة الثانية -الحرس رماة القنابل اليدوية، تمت ترقيته لرتبة مقدم، ليقود الكتيبة السادسة -غداري الملكية الاسكتلندية كولدستريم في 1 يناير 1916. كشفت مراسلات تشرشل لزوجته اللثام عن نيته من تولي الخدمة الفعلية، بإعادة الاعتبار لسمعته، في الوقت الذي يعرض فيه حياته للخطر. وكقائد، فقد اتسم تشرشل بالجرأة المصحوبة بتهور، والتي كانت سمة مميزة للأعمال العسكرية التي قام بها؛ في الوقت نفسه التي نُبذ بقوة فيه جراء أعمال القتل الجماعي التي قام بها في العديد من الجبهات الغربية. وخلال اجتماع للجمعية الملكية التاريخية عام 2001 حول أسباب وجود تشرشل بالجبهة الأمامية، صرح بيل ديديز قائلًا: "كان تشرشل بصحبة الحرس رماة القنابل اليدوية، في مقر كتيبتهم الجاف؛ حيث الشاي والحليب. لكن تشرشل ينجذب للكحول، المسموح به في الجبهة الأمامية، في الخنادق فقط. ومن هنا عرض على العقيد رغبته بالانضمام للجبهة الأمامية لمشاهدة الحرب عن كثب! وأشاد العقيد بذلك، معتقدًا أنه لشيء حسن". وبحلول نهاية تشرشل، سأله عضو في البرلمان بصفته رئيس وزراء سابق: "هل تود بعض الشاي؟"، فرد تشرشل ساخرًا: "بالطبع لا، لا تكن أبلهًا. أريد كأسًا كبيرًا من الويسكي!"
مشواره السياسي حتى الحرب العالمية الثانية
سنواته الأولى في البرلمان
في عام 1900، خاض ونستون تشرشل المنافسة على مقعد الانتخابات العامة بمدينة أولدهام التي انتهت بفوزه؛ وقام بعد ذلك ببعض الجولات في جميع أنحاء بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية بغية إلقاء خطابات؛ فجنى من وراء ذلك 10.000 جنيه إسترليني (أي ما يقارب 940.000 من العملة نفسها في الوقت الحاضر). وفي البرلمان، وطد تشرشل علاقته بأحد فصائل حزب المحافظين بقيادة اللورد هيوسيسيل، الهيوليجانز. وبخلال أول جلسة يعقدها البرلمان، عارض تشرشل ما تقره الحكومة من نفقات عسكرية، في حين اقترح جوزيف تشامبرلين زيادة التعريفة الجمركية، التي كان هدفها فرض الهيمنة الاقتصادية لبريطانيا. كان لما فعله تشرشل أسوأ الأثر؛ إذ أطاحت به حشود الناخبين في الانتخابات المقبلة بأولدهام، لكنه ظل ممثلهم حتى في تلك الانتخابات التي تخلوا عنه خلالها.
وبعد عطلة عيد العنصرة 1904، تحالف تشرشل مع الحزب الليبرالي وأصبح عضوًا فيه. وبصفته ليبراليًا، قام بحملة لدعم التجارة الحرة. وبعدما سيطر الحزب الليبرالي على زمام الأمور عام 1905، بتولي هنري كامبل بانرمان منصب رئيس الوزراء؛ صار تشرشل وكيلًا لوزارة شؤون المستعمرات، ليتعامل بشكل رئيسي مع جنوب أفريقيا بعد حرب البوير. وفي الفترة بين عامي 1903 و1905، كان تشرشل يبعث إلى اللورد راندولف تشرشل بسيرة والده التي تكونت من مجلدين ونشرت فيما بعد عام 1906، ولاقت استحسانا عارما.
وبعد إخفاق تشرشل في الانتخابات العامة التي تلت فوزه بأولدهام، دُعي تشرشل إلى خوض المنافسة عن دائرة شمال غرب مانشستر الانتخابية. وبالفعل، فاز تشرشل بمقعد في الانتخابات العامة عام 1906 بأغلبية بلغت 1.214 صوت ليصبح الممثل عن تلك الدائرة مدة عامين متتاليين. ولما أصبح هربرت هنري أسكويث رئيسًا للبرلمان خلفًا لبانرمان، رُقي تشرشل لمنصب رئيس مجلس التجارة.
وبموجب القانون في ذلك الوقت، كان لزامًا على الوزراء الخضوع لانتخابات فرعية مرة أخرى؛ فخسر تشرشل ولكنه سرعان ما عاد عضوًا بالبرلمان عن دائرة دندي الانتخابية. وبصفته رئيس مجلس التجارة، شارك تشرشل المستشار المُعين حديثًا لويد جورج معارضته اقتراح أمير البحرية البريطانية -ريجنالد ماكينا - بزيادة نفقات البحرية البريطانية ميزانية إنشاء البوارج البحرية من نوع مدرعة بحرية. ومن ناحية أخرى، شارك تشرشل لوين جورج دعمه الإصلاحات الليبرالية. وفي 1908، قدم تشرشل مشروع قانون لتطبيق حد أدنى للأجور لأول مرة في بريطانيا. وفي عام 1909، أُصدر قانون مكاتب التوظيف لمساعدة العاطلين في الحصول على وظيفة. كما ساعد في صياغة مسودة أول قانون لإعانات البطالة، قانون التأمين الوطني لعام 1911. كان تشرشل أحد مؤيدي تحسين النسل، ولذلك شارك في صياغة قانون "القصور العقلي" عام 1913، وعلى الرغم من تمرير هذا القانون، فقد رفضت أحد أساليبه، الخلاص من هؤلاء "المتخلفين عقليًا" من خلال التعقيم لإيداعهم في المؤسسات المتخصصة. والأكثر من ذلك، فقد ساعد تشرشل على تمرير "موازنة الشعب"، تضمنت الميزانية فرض ضرائب على الأثرياء للعمل على إنشاء برامج رعاية اجتماعية جديدة. وبعد أن أصدر مجلس العموم قانون "الموازنة" عام 1909، اعترض عليه مجلس اللوردات البريطاني. وفي أعقاب تلك الفترة، فاز الليبراليون بمعركتين انتخابيتين في شهري يناير وديسمبر من العام 1910، فكان ذلك بمثابة التفويض أو الوصاية لتنفيذ ما يدعون إليه من إصلاحات. تم تمرير قانون الموازنة بعد الانتخابات الأولى؛ وفي الانتخابات التي تلتها تم تمرير ما ناضل تشرشل من أجله، قانون "البرلمان" -قانون يحكم جزئيًا العلاقة بين مجلس العموم ومجلس اللوردات ببريطانيا. وعام 1910، رُقي تشرشل لمنصب وزير الداخلية؛ فما لبث ذلك أن أصبح ذلك محط جدال بعد تعامله مع "حصار سيدني" المعروف بمعركة "ستيبني"؛ وأيضًا رد فعله حيال "أعمال شغب توني باندي" بين عمال المناجم والشرطة، وكذلك تجاه المناضلات في سبيل منح المرأة حق الاقتراع
بدأت أعمال شغب "توني باندي" عام 1910، عندما قام عدد من العاملين بمناجم الفحم في وادي رونذا بالاشتباك مع الشرطة. أصدر قائد الشرطة غلامورغان أوامره بإرسال قوات لمساعدة الشرطة في كبح جماح أعمال الشغب تلك. علم تشرشل أمر السماح للجنود بالتحرك، فسمح لهم بالوصول إلى بلدة سويندون وكاريف -عاصمة مقاطعة ويلز، غير أنه منع نشر القوات. وفي التاسع من نوفمبر، أدانت صحيفة "التايمز" هذا القرار. وعلى الرغم من ذلك، انتشرت شائعة لفترة طويلة من الوقت، تزعم أن تشرشل قد أمر القوات بالهجوم فخسر سمعته التي رسخها في ويلز وأوساط حزب العمل، والتي لم يستردها أبدًا. وفي أوائل يناير 1911، قام تشرشل بزيارة مثيرة للجدل إلى شارع سيدني المحاصر في لندن، فثارت حوله الشكوك بأن زيارته كانت لقيادة العمليات العسكرية؛ وقوبلت تلك الزيارة بالكثير من الانتقادات. وبعد التحقيق في هذه الزيارة، علق آرثر بلفور أن "كلًا من تشرشل ومصور آخر كانا يخاطران بحياتيهما الثمينة. أعلم ما كان يقوم به المصور، لكن ماذا كان يفعل تشرشل الشريف هناك؟". وخمن كاتب سيرة يدعى روي جينكيز بأن السبب وراء ذهاب تشرشل كان ببساطة أنه "لم يستطع أن يقاوم مشاهدة المتعة بنفسه"، وأنه لم يصدر أوامر قط. وقال آخر أن الشرطة كانت تستعمل "مرتزقة -فوضوي مدينة لاتفيا للقتل، لكن تشرشل استعان بالحرس الاسكتلندي الموجودين بقصر وقلعة صاحبة الجلالة (برج لندن) وقام هو بتنفيذ العمليات العسكرية. أضرمت القوات النيران في المنازل، ومنع رجال الإطفاء من بلوغها ومن ثم احترق كل ما بداخلها من الرجال حتى الموت. اقترح تشرشل استفتاءً في حق المرأة للإقتراع، لكنه لم يجد تأييدًا من هربرت هنري أسكويث، وظلت مسألة حق المرأة في الاقتراع دون حل إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى.
أمير البحرية البريطانية
وفي عام 1911، تقلد تشرشل منصب أمير البحرية البريطانية، ذلك المنصب الذي شغله إبان الحرب العالمية الأولى. ومن منصبه ذاك، ساهم بالعديد من الإصلاحات، بما في ذلك تطوير الطيران البحري (حتى أنه ألقى دروسًا في الطيران بنفسه) وبناء سفن حربية جديدة وأكبر عن تلك القديمة. والأكثر من ذلك، طور تشرشل منظومة الدبابات، وحول الاعتماد على الفحم في البحرية الملكية إلى الاعتماد على النفط كبديل.
في أكتوبر عام 1911، شغل تشرشل منصب أمير البحرية البريطانية. وأثناء خدمته في هذا المنصب، ركز تشرشل بشدة على التجديد؛ فأيد بشدة استخدام الطائرات في القتال، وأطلق برنامجًا للاستعاضة عن استخدام طاقة الفحم واستخدام النفط بديلًا عنه. وعندما تسلم منصبه، اُستخدم النفط في الغواصات والمدمرات، لكن أغلب السفن كانت لا تزال تعمل بالفحم، بالرغم من رش النفط على الفحم. بدأ تشرشل بتنفيذ برنامجه بإصدار أوامره بتزويد كل السفن الحربية الجديدة بمحركات تعمل بالنفط تابعة للبحرية الملكية؛ كما أنشأ لجنة ملكية برئاسة الأدميرال السير جون فيشر، التي أكدت على أهمية الفوائد العديدة من استخدام الزيت بديلًا للفحم من خلال ثلاثة تقارير سرية. باللإضافة إلى ذلك، رأت اللجنة أن هناك وفرة في إمدادات النفط، لكنها أوصت بتخزين الاحتياطي النفطي في حال نشوب حرب. سافر وفد من تلك اللجنة إلى الخليج العربي، وبتوصية من تشرشل، قامت الحكومة في النهاية باستثمارات في شركة النفط الأنجلو-إيرانية، واشترت معظم أسهمها، وقامت بمفاوضات سرية بشأن إمدادهم بالنفط (حق انتفاع) لمدة عشرين عامًا. ظل تشرشل في منصبه أميرًا للبحرية البريطانية إبان الحرب العالمية الأولى. وعندما تشكلت حكومة ائتلافية في مايو عام 1915، تم تنحية تشرشل عن منصبه بالبحرية البريطانية لقراره الكارثي بخوض معركة غاليبولي؛ وظل في منصب مستشار دوقية لانكستر الوزاري لمدة ستة أشهر حتى تقرر إجلاء القوات البريطانية من شبه جزيرة غاليبولي.
الحرب العالمية والتحالف بعدها
في أكتوبر عام 1914، سافر تشرشل إلى مدينة أنتويرب، التي أزمعت الحكومة البلجيكية إخلاءها وتسليمها. وكان بأنتويرب لواء مشاة تابع لمشاة البحرية الملكية، فقوى تشرشل من عزمه كما فعل مع اللواء الأول والثاني الموجودين بالمدينة. وفي ال10 من أكتوبر، اُحتلت أنتويرب وقُتل ما يقارب 2500 جندي. وفي تلك الآونة، اُتهم تشرشل بإهدار الموارد (البشرية) للجيش البريطاني. والجدير بالذكر، أن ما أنجزه تشرشل لم يكن إلا أنه أطال أمد المقاومة لأسبوع، بعدما اقترحت بلجيكا تسليم المدينة في اليوم الثالث من أكتوبر؛ بالإضافة فقد أنقذ مدينة كاليه وبلدية دونكيرك. اهتم تشرشل كثيرًا بتطوير سلاح الدبابة، وذلك لأن صناديق البحوث البحرية تموله. ومن ناحية أخرى، ترأس تشرشل منظمة "مركبات اليابسة"، ليصبح المسؤول الأول عن إنشاء أول سلاح للدبابات. كما سُمِّيت باسمه دبابة تشرشل.
وعلى الرغم من أن مساهمته في تطوير الدبابات القتالية لعقد من الزمان يُعد نصرًا تكتيكيًا، كان يُعد أيضًا اختلاسًا للأموال (النفقات). وفي 1915، كان تشرشل أحد المهندسين السياسيين والعسكريين الذين ساهموا في كارثة موقعة غاليبولي بمحاولتهم التوغل في مضيق الدردنيل. والجدير بالذكر، أن أغلب اللوم قد وقع على تشرشل. وعليه، فعندما شرع رئيس الوزراء أسكويث
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق