" وَلما بلغ أشده واستوى آتيناه حكماو علما، وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ: هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ، فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ، فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ، قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ، إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي، فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ " لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّهُ أَنْعَمَ عَلَى أُمِّهِ برده لَهَا وَإِحْسَانِهِ بِذَلِكَ وَامْتِنَانِهِ عَلَيْهَا، شَرَعَ فِي ذِكْرِ أَنَّهُ لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى، وَهُوَ احْتِكَامُ الْخَلْقِ وَالْخُلُقِ، وَهُوَ سِنُّ الْأَرْبَعِينَ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ، آتَاهُ اللَّهُ حُكْمًا وَعِلْمًا، وَهُوَ النُّبُوَّةُ والرسالة الَّتِى [كَانَ (1) ] بشر بهَا أمه حِين قَالَ: " إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ".
ثُمَّ شَرَعَ فِي ذِكْرِ سَبَبِ خُرُوجِهِ مِنْ بِلَادِ مِصْرَ، وَذَهَابِهِ إِلَى أَرْضِ مَدْيَنَ وَإِقَامَتِهِ هُنَالِكَ، حَتَّى كَمَلَ الْأَجَلُ وَانْقَضَى الْأَمَدُ، وَكَانَ مَا كَانَ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ لَهُ، وَإِكْرَامِهِ بِمَا أَكْرَمَهُ بِهِ.
كَمَا سَيَأْتِي.
قَالَ تَعَالَى: " وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا " قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةُ وَقَتَادَة والسدى: وَلذَلِك نصف النَّهَار، وَعَن ابْنِ عَبَّاسٍ: بَيْنَ الْعِشَائَيْنِ.
" فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يقتتلان " أَي يتضاربان ويتهارشان " هَذَا من
__________
(1) من ا.
(*)
شيعته " أَي إسرائيلى، " وَهَذَا من عدوه " أَيْ قِبْطِيٌّ.
قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ.
" فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ على الذى من عدوه " وَذَلِكَ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَانَتْ لَهُ بِدِيَارِ مِصْرَ صَوْلَةٌ، بِسَبَبِ نِسْبَتِهِ إِلَى تَبَنِّي فِرْعَوْنَ لَهُ وَتَرْبِيَتِهِ فِي بَيْتِهِ، وَكَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ قَدْ عَزُّوَا وَصَارَتْ لَهُمْ وَجَاهَةٌ، وَارْتَفَعَتْ رؤوسهم بِسَبَبِ أَنَّهُمْ أَرْضَعُوهُ، وَهُمْ أَخْوَالُهُ أَيْ مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَلَمَّا اسْتَغَاثَ ذَلِكَ الْإِسْرَائِيلِيُّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى ذَلِكَ الْقِبْطِيِّ أَقْبَلَ إِلَيْهِ مُوسَى " فَوَكَزَهُ ".
قَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ طَعْنَهُ بِجُمْعِ كَفِّهِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: بِعَصًا كَانَتْ مَعَهُ، " فَقَضَى عَلَيْهِ " أَيْ فَمَاتَ مِنْهَا.
وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ الْقِبْطِيُّ كَافِرًا مُشْرِكًا بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، وَلَمْ يُرِدْ مُوسَى قَتْلَهُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ زَجْرَهُ وَرَدْعَهُ.
وَمَعَ هَذَا، " قَالَ " مُوسَى: " هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَليّ " [أَيْ مِنَ الْعِزِّ وَالْجَاهِ (1) ] " فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا للمجرمين ".
" فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ، فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ، قَالَ لَهُ مُوسَى: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ * فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ
بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا، قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ؟ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ، وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ * وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى، قَالَ يَا مُوسَى إِن الملا
__________
(1) لَيست فِي ا.
(*)
يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ، فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ * فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ، قَالَ رَبِّ نجني من الْقَوْم الظَّالِمين " يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّ مُوسَى أَصْبَحَ بِمَدِينَةِ مِصْرَ خَائِفًا - أَيْ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ - أَنْ يَعْلَمُوا أَنَّ هَذَا الْقَتِيلَ الَّذِي رُفِعَ إِلَيْهِ أَمْرُهُ، إِنَّمَا قَتَلَهُ مُوسَى فِي نُصْرَةِ رَجُلٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَتَقْوَى ظُنُونُهُمْ أَنَّ مُوسَى مِنْهُمْ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ أَمْرٌ عَظِيمٌ.
فَصَارَ يَسِيرُ فِي الْمَدِينَةِ فِي صَبِيحَةِ ذَلِكَ الْيَوْمِ " خَائِفًا يَتَرَقَّبُ " أَيْ يَتَلَفَّتُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ، إِذَا ذَلِكَ الرَّجُلُ الْإِسْرَائِيلِيُّ الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ، أَيْ يَصْرُخُ بِهِ وَيَسْتَغِيثُهُ عَلَى آخَرَ قَدْ قَاتَلَهُ، فَعَنَّفَهُ مُوسَى وَلَامَهُ عَلَى كَثْرَةِ شَرِّهِ وَمُخَاصَمَتِهِ، قَالَ لَهُ: " إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ " ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِذَلِكَ الْقِبْطِيِّ، الَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لِمُوسَى وَلِلْإِسْرَائِيلِيِّ، فَيَرْدَعُهُ عَنْهُ وَيُخَلِّصُهُ مِنْهُ، فَلَمَّا عَزَمَ عَلَى ذَلِكَ وَأَقْبَلَ عَلَى الْقِبْطِيِّ " قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ، إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تكون من المصلحين ".
قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا قَالَ هَذَا الْكَلَامَ الْإِسْرَائِيلِيُّ الَّذِي اطَّلَعَ عَلَى مَا كَانَ صَنَعَ مُوسَى بِالْأَمْسِ، وَكَأَنَّهُ لَمَّا رَأَى مُوسَى مُقْبِلًا إِلَى الْقِبْطِيِّ اعْتَقَدَ أَنَّهُ جَاءَ إِلَيْهِ، لَمَّا عَنَّفَهُ قبل ذَلِك بقوله: " إِنَّك لغَوِيّ مُبين "
فَقَالَ مَا قَالَ لِمُوسَى، وَأَظْهَرَ الْأَمْرَ الَّذِي كَانَ وَقَعَ بِالْأَمْسِ.
فَذَهَبَ الْقِبْطِيُّ فَاسْتَعْدَى (1) فِرْعَوْنَ على مُوسَى.
وَهَذَا الَّذِي لم يذكر كثير من النَّاس
__________
(1) ط: فاستدعى.
(*)
سِوَاهُ.
وَيُحْتَمَلُ أَنَّ قَائِلَ هَذَا هُوَ الْقِبْطِيُّ، وَأَنَّهُ لَمَّا رَآهُ مُقْبِلًا إِلَيْهِ خَافَهُ، وَرَأَى من سجيته انتصارا جَدِيدا (1) لِلْإِسْرَائِيلِيِّ.
فَقَالَ مَا قَالَ مِنْ بَابِ الظَّنِّ وَالْفِرَاسَةِ: أَنَّ هَذَا لَعَلَّهُ قَاتِلُ ذَاكَ الْقَتِيلِ بِالْأَمْسِ، أَوْ لَعَلَّهُ فَهِمَ مِنْ كَلَامِ الْإِسْرَائِيلِيِّ حِينَ اسْتَصْرَخَهُ عَلَيْهِ مَا دَلَّهُ عَلَى هَذَا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ فِرْعَوْنَ بَلَغَهُ أَنَّ مُوسَى هُوَ قَاتِلُ ذَلِكَ الْمَقْتُولِ بِالْأَمْسِ فَأَرْسَلَ فِي طَلَبِهِ.
وَسَبَقَهُمْ رَجُلٌ نَاصِحٌ مِنْ طَرِيقٍ أقرب.
" وَجَاء من أقْصَى الْمَدِينَة " ساعيا إِلَيْهِ مشفقا عَلَيْهِ فَقَالَ: " يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُج " أَيْ مِنْ هَذِهِ الْبَلْدَةِ " إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ " أَيْ فِيمَا أَقُولُهُ لَكَ.
* * * قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " فَخرج مِنْهَا خَائفًا يترقب "، أَيْ فَخَرَجَ مِنْ مَدِينَةِ مِصْرَ مِنْ فَوْرِهِ [عَلَى وَجْهِهِ] (2) لَا يَهْتَدِي إِلَى طَرِيقٍ وَلَا يَعْرِفُهُ، قَائِلًا: " رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ * وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ * وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ، قَالَ مَا خَطْبُكُمَا؟ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ، وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ، فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيّ من خير فَقير ".
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ خُرُوجِ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ وَكَلِيمِهِ مِنْ مِصْرَ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ،
أَيْ يَتَلَفَّتُ، خَشْيَةَ أَنْ يُدْرِكَهُ أَحَدٌ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ، وَهُوَ لَا يَدْرِي أَيْنَ يَتَوَجَّهُ، وَلَا إِلَى أَيْنَ يَذْهَبُ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ مِصْرَ قبلهَا.
__________
(1) ا: جيدا.
(2) لَيست فِي ا.
(*)
" وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ " أَيْ اتَّجَهَ لَهُ طَرِيقٌ يَذْهَبُ فِيهِ، " قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يهديني سَوَاء السَّبِيل " أَيْ عَسَى أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الطَّرِيقُ مُوَصِّلَةً إِلَى الْمَقْصُود.
وَكَذَا وَقع، فقد أَوْصَلَتْهُ إِلَى مَقْصُودٍ وَأَيُّ مَقْصُودٍ.
" وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدين " وَكَانَتْ بِئْرًا يَسْتَقُونَ مِنْهَا، وَمَدْيَنُ هِيَ الْمَدِينَةُ الَّتِي أَهْلَكَ اللَّهُ فِيهَا أَصْحَابَ الْأَيْكَةِ، وَهُمْ قَوْمُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَدْ كَانَ هَلَاكُهُمْ قَبْلَ زَمَنِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي أَحَدِ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ.
وَلَمَّا وَرَدَ الْمَاءَ الْمَذْكُورَ " وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ * وَوَجَدَ مِنْ دونهم امْرَأتَيْنِ تذودان " أَي تكفكفان [عَنْهُمَا (1) ] غَنَمَهُمَا أَنْ تَخْتَلِطَ بِغَنَمِ النَّاسِ.
وَعِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُنَّ كُنَّ سَبْعَ بَنَاتٍ، وَهَذَا أَيْضًا من الْغَلَط، ولعلهن كن سبعا (2) ، وَلَكِنْ إِنَّمَا كَانَ تَسْقِي اثْنَتَانِ مِنْهُنَّ، وَهَذَا الْجمع مُمكن إِن كَانَ ذَاك مَحْفُوظًا، وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ سِوَى بِنْتَيْنِ " قَالَ مَا خَطْبُكُمَا؟ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ " أَي لَا نقدر على وُرُود الْمَاءِ إِلَّا بَعْدَ صُدُورِ الرِّعَاءِ، لِضَعْفِنَا، وَسَبَبُ مُبَاشَرَتِنَا هَذِهِ الرَّعِيَّةَ ضَعْفُ أَبِينَا وَكِبَرُهُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " فَسَقَى لَهُمَا ".
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: وَذَلِكَ أَنَّ الرِّعَاءَ كَانُوا إِذَا فَرَغُوا مِنْ وِرْدِهِمْ، وضعُوا على فَم الْبِئْر صَخْرَة عَظِيمَة، فتجئ هَاتَانِ الْمَرْأَتَانِ فَيَشْرَعَانِ غَنَمَهُمَا (3) فِي فَضْلِ أَغْنَامِ النَّاسِ، فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ، جَاءَ مُوسَى فَرفع تِلْكَ الصَّخْرَة
__________
(1) من ا.
(2) ا: وَكَأَنَّهُ كَانَ.
(3) ا: غَنمهمْ.
(*)
وَحْدَهُ، ثُمَّ اسْتَقَى لَهُمَا وَسَقَى غَنَمَهُمَا، ثُمَّ رد الْحجر كَمَا كَانَ.
قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمْرُ: وَكَانَ لَا يَرْفَعُهُ إِلَّا عَشَرَةٌ، وَإِنَّمَا اسْتَقَى ذَنُوبًا وَاحِدًا فَكَفَاهُمَا.
ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ، قَالُوا: وَكَانَ ظِلَّ شَجَرَةٍ مِنَ السَّمُرِ وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ رَآهَا خَضْرَاءَ تَرِفُّ " فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقير ".
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سَارَ مِنْ مِصْرَ إِلَى مَدْيَنَ لَمْ يَأْكُلْ إِلَّا الْبَقْلَ وَوَرَقَ الشَّجَرِ، وَكَانَ حَافِيًا (1) فَسَقَطَتْ نَعْلَا قَدَمَيْهِ مِنَ الْحَفَاءِ وَجَلَسَ فِي الظِّلِّ (2) - وَهُوَ صَفْوَةُ اللَّهِ مِنْ خلقه - وَإِن بَطْنه للاصق (3) بِظَهْرِهِ مِنَ الْجُوعِ، وَإِنَّ خُضْرَةَ الْبَقْلِ لَتُرَى مِنْ دَاخِلِ جَوْفِهِ، وَأَنَّهُ لَمُحْتَاجٌ إِلَى شِقِّ تَمْرَة.
قَالَ عَطاء ابْن السَّائِبِ لَمَّا قَالَ: " [رَبِّ] إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيّ من خير فَقير " أَسْمَعَ الْمَرْأَةَ.
" فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ، قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا، فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ، قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * قَالَت إِحْدَاهمَا يَا أَبَت اسْتَأْجرهُ، إِن خير مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ، عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ، فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ، سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَليّ، وَالله على مَا نقُول وَكيل ".
__________
(1) ا: وَكَانَ خَائفًا.
(2) ا: إِلَى الظل.
(3) ا: لاصق.
(*) " 2 - قصَص الانبياء 2 "
لَمَّا جَلَسَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الظِّلِّ وَقَالَ: " رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خير فَقير " سَمِعَتْهُ الْمَرْأَتَانِ فِيمَا قِيلَ، فَذَهَبَتَا إِلَى أَبِيهِمَا، فَيُقَال إِنَّه استنكر سرعَة رجوعهما، فأخبرتاه بِمَا كَانَ (1) مِنْ أَمْرِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ.
فَأَمَرَ إِحْدَاهُمَا، أَنْ تَذْهَبَ إِلَيْهِ فَتَدْعُوهُ، " فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تمشي على استحياء " أَي مَشى الْحَرَائِر، " قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سقيت لنا ".
صَرَّحَتْ لَهُ بِهَذَا لِئَلَّا يُوهِمَ كَلَامُهَا رِيبَةً، وَهَذَا مِنْ تَمَامِ حَيَائِهَا وَصِيَانَتِهَا.
فَلَمَّا جَاءَهُ وقص عَلَيْهِ الْقَصَص " وَأَخْبَرَهُ خَبَرَهُ، وَمَا كَانَ مَنْ أَمْرِهِ فِي خُرُوجِهِ مِنْ بِلَادِ مِصْرَ فِرَارًا مَنْ فِرَعَوْنِهَا، " قَالَ " لَهُ [ذَلِكَ الشَّيْخُ] (2) " لَا تَخَفْ نَجَوْتَ من الْقَوْم الظَّالِمين " أَيْ خَرَجْتَ مِنْ سُلْطَانِهِمْ فَلَسْتَ فِي دَوْلَتِهِمْ.
وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي هَذَا الشَّيْخِ مَنْ هُوَ؟ فَقِيلَ هُوَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ كَثِيرِينَ وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَيْهِ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَجَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي حَدِيثٍ، وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ.
وَصَرَّحَ طَائِفَةٌ بِأَنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلَامُ عَاشَ عُمْرًا طَوِيلًا بَعْدَ هَلَاكِ قَوْمِهِ، حَتَّى أَدْرَكَهُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَتَزَوَّجَ بِابْنَتِهِ.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِم وَغَيره من الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: أَنَّ صَاحِبَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ هَذَا، اسْمُهُ شُعَيْبٌ، وَكَانَ سَيِّدَ الْمَاءِ، وَلَكِنْ لَيْسَ بِالنَّبِيِّ صَاحِبِ مَدْيَنَ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ ابْنُ أَخِي شُعَيْبٍ، وَقِيلَ: ابْنُ عَمِّهِ، وَقِيلَ: رَجُلٌ
__________
(1) ا: مَا كَانَ.
(2) لَيست فِي ا.
(*)
مُؤْمِنٌ مِنْ قَوْمِ شُعَيْبٍ، وَقِيلَ: رَجُلٌ اسْمُهُ " يَثْرُونُ " هَكَذَا هُوَ فِي كُتُبِ أَهْلِ الْكِتَابِ: يثرون كَاهِن مَدين.
أَي كبيرها وعالمها.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: اسْمُهُ يَثْرُونُ.
زَادَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَهُوَ ابْنُ أخي شُعَيْب.
وَزَاد ابْنُ عَبَّاسٍ: صَاحِبُ مَدْيَنَ.
وَالْمَقْصُودُ: أَنَّهُ لَمَّا أَضَافَهُ وَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ، وَقَصَّ عَلَيْهِ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ بَشَّرَهُ بِأَنَّهُ قَدْ نَجَا، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَتْ إِحْدَى الْبِنْتَيْنِ لِأَبِيهَا: " يَا أَبَتِ اسْتَأْجرهُ " أَيْ لِرَعْيِ غَنَمِكَ، ثُمَّ مَدَحَتْهُ بِأَنَّهُ قَوِيٌّ أَمِينٌ.
قَالَ عُمْرُ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَشُرَيْحٌ الْقَاضِي وَأَبُو مَالك وَقَتَادَة وَمُحَمّد بن إِسْحَق وَغَيْرُ وَاحِدٍ: لَمَّا قَالَتْ ذَلِكَ، قَالَ لَهَا أَبُوهَا: وَمَا عِلْمُكِ بِهَذَا؟ فَقَالَتْ إِنَّهُ رَفَعَ صَخْرَةً لَا يُطِيقُ رَفْعَهَا إِلَّا عَشَرَةٌ، وَإِنَّهُ لَمَّا جِئْتُ مَعَهُ تَقَدَّمْتُ أَمَامَهُ، فَقَالَ: كُونِي مِنْ وَرَائِي، فَإِذَا اخْتَلَفَ الطَّرِيقُ فَاحْذِفِي لِي بِحَصَاةٍ أَعْلَمْ بِهَا كَيْفَ الطَّرِيقُ.
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَفَرَسُ النَّاسِ ثَلَاثَةٌ: صَاحِبُ يُوسُفَ حِينَ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ، وَصَاحِبَةُ مُوسَى حِينَ قَالَت: " يَا أَبَت اسْتَأْجرهُ إِن خير من اسْتَأْجَرت الْقوي الامين "، وَأَبُو بَكْرٍ حِينَ اسْتَخْلَفَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ.
" قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ، فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ، سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحين ".
اسْتدلَّ بِهَذِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، عَلَى صِحَّةِ مَا إِذَا
بَاعَهُ أَحَدَ هَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ أَوِ الثَّوْبَيْنِ وَنَحْوَ ذَلِكَ، أَنَّهُ يَصِحُّ، لِقَوْلِهِ: " إِحْدَى
ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ ".
وَفِي هَذَا نَظَرٌ، لِأَنَّ هَذِهِ مُرَاوَضَةٌ لَا مُعَاقَدَةٌ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاسْتَدَلَّ أَصْحَابُ أَحْمَدَ عَلَى صِحَة الِاسْتِئْجَار (1) بِالطُّعْمَةِ وَالْكُسْوَةِ، كَمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ.
وَاسْتَأْنَسُوا بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ مترجما [عَلَيْهِ (2) ] فِي كِتَابِهِ: " بَابُ اسْتِئْجَارِ الْأَجِيرِ عَلَى طَعَامِ بَطْنه " حَدثنَا مُحَمَّد ابْن الْمُصَفّى الحمصى، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ عَليّ، عَن سعيد ابْن أَبِي أَيُّوبَ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَليّ بن رَبَاح، قَالَ: سَمِعت عتبَة (3) ابْن النُّدَّرِ يَقُولُ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَرَأَ طسم، حَتَّى إِذَا بَلَغَ قِصَّةَ مُوسَى قَالَ: " إِنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ آجَرَ نَفْسَهُ ثَمَانِيَ سِنِينَ أَو عشر سِنِين على عفة فرجه وَطَعَام بَطْنه ".
وَهَذَا الحَدِيث مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّ مَسْلَمَةَ بْنَ عَلِيٍّ الْخُشَنِيَّ الدِّمَشْقِيَّ الْبَلَاطِيَّ ضَعِيفٌ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ لَا يُحْتَجُّ بِتَفَرُّدِهِ (4) .
وَلَكِنْ قَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، فَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الله ابْن بكر، حَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ.
ح.
وَحَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بن لَهِيعَة، عَن الْحَارِث بن يزِيد الْحَضْرَمِيّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ اللَّخْمِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عتبَة ابْن النُّدَّرِ السُّلَمِيَّ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: " إِن مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام آجر نَفسه بعفة (5) فرجه وطعمة بَطْنه ".
__________
(1) ا: الايجار.
(2) من ا.
(3) ا: عقبَة.
محرفة.
(4) قَالَ عَنهُ الذَّهَبِيّ فِي ميزَان الِاعْتِدَال 4 / 109: شامى واه..تَرَكُوهُ.
قَالَ رَحِيم: لَيْسَ بشئ وَقَالَ أَبُو حَاتِم: لَا يشْتَغل بِهِ وَقَالَ البُخَارِيّ: مُنكر الحَدِيث.
(5) : الْعِفَّة.
(*)
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: " ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ " " وَاللَّهُ عَلَى مَا نقُول وَكيل "، يَقُولُ: إِنَّ مُوسَى قَالَ لِصِهْرِهِ: الْأَمْرُ عَلَى مَا قُلْتَ، فَأَيُّهُمَا قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَقَالَتِنَا سَامِعٌ وَشَاهِدٌ، وَوَكِيلٌ عَلِيَّ وَعَلَيْكَ، وَمَعَ هَذَا فَلَمْ يَقْضِ مُوسَى إِلَّا أَكْمَلَ الْأَجَلَيْنِ وَأَتَمَّهُمَا وَهُوَ الْعَشْرُ سِنِينَ كَوَامِلَ تَامَّةً.
قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ شُجَاعٍ، عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: سَأَلَنِي يَهُودِيٌّ مَنْ أَهْلِ الْحِيرَةِ: أَيَّ الْأَجَلَيْنِ قَضَى مُوسَى؟ فَقُلْتُ: لَا أَدْرِي حَتَّى أَقْدِمَ عَلَى حَبْرِ الْعَرَبِ فَأَسْأَلَهُ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق