قال الذهبي: هو الإمام العلاَّمة، شيْخ الحنابلة، القاضي أبو يعلى، محمد بن الحسين بن محمد بن أحمد البغدادي الحنبلي ابن الفرَّاء، صاحب "التعليقة الكبرى"، والتصانيف المفيدة في المذهب، وُلِدَ أوَّل سنة ثمانين وثلاثمائة[1].
وقال صاحب "الطبقات": كان عالم زمانه، وفريد عصره، وقريع دهره، وكان له في الأصول والفروع القدم العالي، وقد شُوهِد له من الحال ما يُغنِي عن المقال، ولا سيَّما مذهب إمامنا أبي عبدالله أحمد بن حنبل، واختِلاف الرِّوايات عنه وممَّا صحَّ لديه منه، مع معرفته بالقُرآن وعلومه، والحديث، والفتاوى، والجدل، وغير ذلك من العلوم، مع الزهد والورع، والعفَّة والقَناعة، وانقِطاعه عن الدنيا وأهلها، وانشِغاله بسطر العلم وبثِّه وإذاعته ونشره، وتُوفِّي - أي: والده - في سنة تسعين وثلاثمائة، وكان سنُّه ذلك الوقت عشر سنين إلاَّ أيَّام.
وكان وصيه رجلاً يُعرَف بالحربي، يَسكُن بدار القزِّ، فنقل الوالد السعيد من باب الطاق إلى شارع دار القز، وفيه مسجد يُصلِّي فيه شيخٌ صالح يُعرَف بابن مفرحة المقرئ، يُقْرِئ القرآن، ويُلقِّن مَن يقرأ عليه العِبارات من الخِرَقي، فلقَّن الوالد السعيد ما جَرَتْ عادته بتَلقِينه من العِبادات، فاستَزادَه الوالد السعيد، فقال ذلك الشيخ: هذا القدر الذي أحسنته، فإنْ أردت زيادةً عليه فعليك بالشيخ أبي عبدالله بن حامد؛ فإنَّه شيخ هذه الطائفة، ومسجده بباب الشعير، فمضى الوالد وصحبه، وكان ذلك من لطفِ الله - تعالى - به، وإرادته - تعالى - حفظ هذا المذهب.
وقد ذكرنا من أخبار ابن حامد سؤال محمد بن علي المقرئ له عند خُروجِه إلى الحج سنة اثنتين وأربعمائة: على مَن ندرس؟ وإلى مَن نجلس؟ فقال له: إلى هذا الفتى، وأشار إلى القاضي أبي يعلى، وكان لأبي حامدٍ أصحابٌ كثيرون، فتفرَّس في الوالد السعيد ما أظهَرَه الله - تبارك وتعالى - عليه[2].
وقال الزركلي: كان عالم عصره في الأصول والفروع وأنواع الفنون من أهل بغداد، ارتفعت مكانَتُه عند القادر والقائم العباسيَّين، وولاَّه القائم قضاءَ دارِ الخلافة والحريم، وحران، وحلوان، وكان قد أمتَنَع وشرط ألاَّ يحضر أيَّام المواكب، ولا يخرج في الاستقبالات، ولا يقصد دار السلطان، فقبل القائم شرطه[3].
وكان أبو الحسن المحاملي يقول: ما تحضرنا أحد من الحنابلة أعقل من أبي يَعلَى بن الفرَّاء[4].
قال صاحب "الطبقات": ومعلومٌ ما خصَّ الله - سبحانه - هذا الوالد من النِّعَم الدينيَّة والرُّتب السامية العليَّة، وكونه إمام وقته، وفريد دهره، وقريع عصره، لا يُعرَف في شرق الأرض وغربها شخصٌ يتقدَّم في علم مذهبه عليه، أو يصاف في ذلك إليه، هذا مع تقدُّمه في هذه البلد على فُقَهاء زمانه بقراءته للقرآن بالقراءات العشر، وكثرة سماعه للحديث، وعلو إسناده في المرويَّات.
ولقد حضَر الناسُ مجلسه وهو يُملِي حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد صلاة الجمعة بجامع المنصور على كرسي عبدالله بن إمامنا أحمد - رضي الله عنه - وكان المبلِّغون عنه في حلقته والمستملون ثلاثة: خالي أبو محمد جابر، والثاني أبو منصور بن الأنباري، والثالث أبو على البرداني.
وأخبرني جماعةٌ من الفُقَهاء ممَّن حضَر الإملاء أنهم سجَدُوا في حلقة الإملاء على ظهور الناس لكثرة الزحام في صلاة الجمعة في حلقة الإملاء[5].
ومع ما وهَبَه الله من العِلم والدِّيانة من التعفُّف والصِّيانة والمُروءَة الظاهِرة والمحاسن الكثيرة الوافِرَة، مع هجرانه لأبواب السَّلاطِين وامتناعه على ممرِّ السِّنين أنْ يَقبَل لأحدٍ منهم صلة وعطيَّة، ولم تزل دِيانَته ومُروءته لما هذا سبيله أبيَّة.
وكان يقسم ليله كله أقسامًا:
فقسمٌ للمنام، وقسمٌ للقيام، وقسمٌ لتصنيف الحلال والحرام.
ولقد نزل به ما نزل بغيره من النكبات التي استكان لها كثيرٌ من ذوي المروءات، وخرج بها عن مألوفات العادات، فلم يُحفَظ عليه أنَّه خرَج عن جميل عاداته ولا طرَح المألوف من مروءاته.
ومَن شاهَد ما كان عليه من السكينة والوَقار وما كسا الله وجهَه من الأنوار مع السُّكون والسَّمت الصالح والعقل الغزير الراجح، شهد له بالدِّين والفضل ضرورة، واستدلَّ بذلك على محاسنه الخفيَّة المستورة[6].
وعنه انتَشَر مذهبُ الإمام أحمد قاله ابنُ الأثير[7].
وكان مِثالاً في الورَع والزُّهد؛ قال صاحب "الطبقات": سمعتُ جماعةً من أهلي يَحكُون: أنَّ في سنة إحدى وخمسين وأربعمائة - لَمَّا وقَع النَّهب ببغداد بالجانب الغربي وانتَقَل الوالد السعيد من درب الدبرج إلى باب البصرة، وكان في داره بدرب الدبرج خبزٌ يابس، فنقله معه وترك نقْل رحلِه لتعذُّر مَن يحمله، واختار حمل الخبز اليابس على الرحل النَّفِيس، وكان يَقتات منه ويبلُّه بالماء، وقال: هذه الأطعمة اليوم نُهوب وغصوب، ولا أطعم من ذلك شيئًا، وبقي ما شاء الله يتقوَّت من ذلك الخبز اليابس المبلول، ويتقلَّل من طعمه إلى أنْ نفد ولحق الوالد السعيد من ذلك الخبز اليابس المبلول مرض، وكان قد مرض، وكان الوالد السعيد في كلِّ ليلة جمعة يختم في المسجد بعد صلاة العشاء الآخِرة، ويدعو ويؤمِّن الحاضرون على دُعائه، ما أخلَّ بهذا سنين عديدة إلاَّ لمرضٍ أو لعذرٍ مستفيض، سوى ما كان يختمه غير تلك الليلة[8].
وتُوفِّي في ليلة الاثنين وقت العشاء، ودُفِن يوم الاثنين لعشرين من رمضان هذه السنة - أي: ثمانٍ وخمسين وأربعمائة - وهو ابن ثمانٍ وسبعين سنة، وغسَّله الشريف أبو جعفر بوصيَّة إليه، وكان من وصيَّته إليه أنْ يُكفَّن في ثلاثة أثواب، وألاَّ يدخل معه القبر غير ما غزل لنفسه من الأكفان، ولا يخرق عليه ثوب، ولا يقعد لعزاء، واجتمع له خلقٌ لا يحصون، وعطلت الأسواق، ومشى مع جنازته القاضي أبو عبدالله الدامغاني وجماعةٌ من الفُقَهاء والقُضاة والشُّهود، ونقيب الهاشميين أبو الفوارس طراد، وأرباب الدَّولة، وأبو منصور بن يوسف، وأبو عبدالله بن جرده، وصلَّى عليه ابنه أبو القاسم عبيدالله وهو يومئذٍ ابن خمس عشرة سنة، وكان قد خلف عبيدالله، وأبا الحسن، وأبا حازم، وأفطر جماعة ممَّن تبعه لشدَّة الحر؛ لأنَّه دُفِن في اليوم الثالث عشر من آب، وقبره ظاهر بمقبرة باب حرب.
وقال أبو علي البرداني: رأيت القاضي أبا يعلى - أي: في المنام - فقلت له: يا سيدي، ما فعل الله بك؟ فقال لي وجعل يعدُّ بأصابعه: رحمني، وغفر لي، ورفع منزلتي، وأكرمني، فقلت: بالعلم؟ فقال: بالصدق[9].
وألَّف - رحمه الله - كتبًا كثيرة؛ منها:
1- أحكام القرآن.
2- مسائل الإيمان.
3- المعتمد ومختصره.
4- المقتبس.
5- عيون المسائل.
6- الرد على الكرامية.
7- الرد على السالمية والمجسمة.
8- الرد على الجهمية.
9- الكلام في الاستواء.
10- العدة في أصول الفقه.
11- فضائل أحمد.
12- كتاب الطب[10].
وقال صاحب "الطبقات": كان عالم زمانه، وفريد عصره، وقريع دهره، وكان له في الأصول والفروع القدم العالي، وقد شُوهِد له من الحال ما يُغنِي عن المقال، ولا سيَّما مذهب إمامنا أبي عبدالله أحمد بن حنبل، واختِلاف الرِّوايات عنه وممَّا صحَّ لديه منه، مع معرفته بالقُرآن وعلومه، والحديث، والفتاوى، والجدل، وغير ذلك من العلوم، مع الزهد والورع، والعفَّة والقَناعة، وانقِطاعه عن الدنيا وأهلها، وانشِغاله بسطر العلم وبثِّه وإذاعته ونشره، وتُوفِّي - أي: والده - في سنة تسعين وثلاثمائة، وكان سنُّه ذلك الوقت عشر سنين إلاَّ أيَّام.
وكان وصيه رجلاً يُعرَف بالحربي، يَسكُن بدار القزِّ، فنقل الوالد السعيد من باب الطاق إلى شارع دار القز، وفيه مسجد يُصلِّي فيه شيخٌ صالح يُعرَف بابن مفرحة المقرئ، يُقْرِئ القرآن، ويُلقِّن مَن يقرأ عليه العِبارات من الخِرَقي، فلقَّن الوالد السعيد ما جَرَتْ عادته بتَلقِينه من العِبادات، فاستَزادَه الوالد السعيد، فقال ذلك الشيخ: هذا القدر الذي أحسنته، فإنْ أردت زيادةً عليه فعليك بالشيخ أبي عبدالله بن حامد؛ فإنَّه شيخ هذه الطائفة، ومسجده بباب الشعير، فمضى الوالد وصحبه، وكان ذلك من لطفِ الله - تعالى - به، وإرادته - تعالى - حفظ هذا المذهب.
وقد ذكرنا من أخبار ابن حامد سؤال محمد بن علي المقرئ له عند خُروجِه إلى الحج سنة اثنتين وأربعمائة: على مَن ندرس؟ وإلى مَن نجلس؟ فقال له: إلى هذا الفتى، وأشار إلى القاضي أبي يعلى، وكان لأبي حامدٍ أصحابٌ كثيرون، فتفرَّس في الوالد السعيد ما أظهَرَه الله - تبارك وتعالى - عليه[2].
وقال الزركلي: كان عالم عصره في الأصول والفروع وأنواع الفنون من أهل بغداد، ارتفعت مكانَتُه عند القادر والقائم العباسيَّين، وولاَّه القائم قضاءَ دارِ الخلافة والحريم، وحران، وحلوان، وكان قد أمتَنَع وشرط ألاَّ يحضر أيَّام المواكب، ولا يخرج في الاستقبالات، ولا يقصد دار السلطان، فقبل القائم شرطه[3].
وكان أبو الحسن المحاملي يقول: ما تحضرنا أحد من الحنابلة أعقل من أبي يَعلَى بن الفرَّاء[4].
قال صاحب "الطبقات": ومعلومٌ ما خصَّ الله - سبحانه - هذا الوالد من النِّعَم الدينيَّة والرُّتب السامية العليَّة، وكونه إمام وقته، وفريد دهره، وقريع عصره، لا يُعرَف في شرق الأرض وغربها شخصٌ يتقدَّم في علم مذهبه عليه، أو يصاف في ذلك إليه، هذا مع تقدُّمه في هذه البلد على فُقَهاء زمانه بقراءته للقرآن بالقراءات العشر، وكثرة سماعه للحديث، وعلو إسناده في المرويَّات.
ولقد حضَر الناسُ مجلسه وهو يُملِي حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد صلاة الجمعة بجامع المنصور على كرسي عبدالله بن إمامنا أحمد - رضي الله عنه - وكان المبلِّغون عنه في حلقته والمستملون ثلاثة: خالي أبو محمد جابر، والثاني أبو منصور بن الأنباري، والثالث أبو على البرداني.
وأخبرني جماعةٌ من الفُقَهاء ممَّن حضَر الإملاء أنهم سجَدُوا في حلقة الإملاء على ظهور الناس لكثرة الزحام في صلاة الجمعة في حلقة الإملاء[5].
ومع ما وهَبَه الله من العِلم والدِّيانة من التعفُّف والصِّيانة والمُروءَة الظاهِرة والمحاسن الكثيرة الوافِرَة، مع هجرانه لأبواب السَّلاطِين وامتناعه على ممرِّ السِّنين أنْ يَقبَل لأحدٍ منهم صلة وعطيَّة، ولم تزل دِيانَته ومُروءته لما هذا سبيله أبيَّة.
وكان يقسم ليله كله أقسامًا:
فقسمٌ للمنام، وقسمٌ للقيام، وقسمٌ لتصنيف الحلال والحرام.
ولقد نزل به ما نزل بغيره من النكبات التي استكان لها كثيرٌ من ذوي المروءات، وخرج بها عن مألوفات العادات، فلم يُحفَظ عليه أنَّه خرَج عن جميل عاداته ولا طرَح المألوف من مروءاته.
ومَن شاهَد ما كان عليه من السكينة والوَقار وما كسا الله وجهَه من الأنوار مع السُّكون والسَّمت الصالح والعقل الغزير الراجح، شهد له بالدِّين والفضل ضرورة، واستدلَّ بذلك على محاسنه الخفيَّة المستورة[6].
وعنه انتَشَر مذهبُ الإمام أحمد قاله ابنُ الأثير[7].
وكان مِثالاً في الورَع والزُّهد؛ قال صاحب "الطبقات": سمعتُ جماعةً من أهلي يَحكُون: أنَّ في سنة إحدى وخمسين وأربعمائة - لَمَّا وقَع النَّهب ببغداد بالجانب الغربي وانتَقَل الوالد السعيد من درب الدبرج إلى باب البصرة، وكان في داره بدرب الدبرج خبزٌ يابس، فنقله معه وترك نقْل رحلِه لتعذُّر مَن يحمله، واختار حمل الخبز اليابس على الرحل النَّفِيس، وكان يَقتات منه ويبلُّه بالماء، وقال: هذه الأطعمة اليوم نُهوب وغصوب، ولا أطعم من ذلك شيئًا، وبقي ما شاء الله يتقوَّت من ذلك الخبز اليابس المبلول، ويتقلَّل من طعمه إلى أنْ نفد ولحق الوالد السعيد من ذلك الخبز اليابس المبلول مرض، وكان قد مرض، وكان الوالد السعيد في كلِّ ليلة جمعة يختم في المسجد بعد صلاة العشاء الآخِرة، ويدعو ويؤمِّن الحاضرون على دُعائه، ما أخلَّ بهذا سنين عديدة إلاَّ لمرضٍ أو لعذرٍ مستفيض، سوى ما كان يختمه غير تلك الليلة[8].
وتُوفِّي في ليلة الاثنين وقت العشاء، ودُفِن يوم الاثنين لعشرين من رمضان هذه السنة - أي: ثمانٍ وخمسين وأربعمائة - وهو ابن ثمانٍ وسبعين سنة، وغسَّله الشريف أبو جعفر بوصيَّة إليه، وكان من وصيَّته إليه أنْ يُكفَّن في ثلاثة أثواب، وألاَّ يدخل معه القبر غير ما غزل لنفسه من الأكفان، ولا يخرق عليه ثوب، ولا يقعد لعزاء، واجتمع له خلقٌ لا يحصون، وعطلت الأسواق، ومشى مع جنازته القاضي أبو عبدالله الدامغاني وجماعةٌ من الفُقَهاء والقُضاة والشُّهود، ونقيب الهاشميين أبو الفوارس طراد، وأرباب الدَّولة، وأبو منصور بن يوسف، وأبو عبدالله بن جرده، وصلَّى عليه ابنه أبو القاسم عبيدالله وهو يومئذٍ ابن خمس عشرة سنة، وكان قد خلف عبيدالله، وأبا الحسن، وأبا حازم، وأفطر جماعة ممَّن تبعه لشدَّة الحر؛ لأنَّه دُفِن في اليوم الثالث عشر من آب، وقبره ظاهر بمقبرة باب حرب.
وقال أبو علي البرداني: رأيت القاضي أبا يعلى - أي: في المنام - فقلت له: يا سيدي، ما فعل الله بك؟ فقال لي وجعل يعدُّ بأصابعه: رحمني، وغفر لي، ورفع منزلتي، وأكرمني، فقلت: بالعلم؟ فقال: بالصدق[9].
وألَّف - رحمه الله - كتبًا كثيرة؛ منها:
1- أحكام القرآن.
2- مسائل الإيمان.
3- المعتمد ومختصره.
4- المقتبس.
5- عيون المسائل.
6- الرد على الكرامية.
7- الرد على السالمية والمجسمة.
8- الرد على الجهمية.
9- الكلام في الاستواء.
10- العدة في أصول الفقه.
11- فضائل أحمد.
12- كتاب الطب[10].
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق