الاثنين، 2 سبتمبر 2019

صَاحِبَةُ الْقَدَحِ المعلَّى

 صَاحِبَةُ الْقَدَحِ المعلَّى

فهنَّ لم يتركْن من أثر مادي على هذه البسيطة، سوى قبورِهنَّ - إن عُرِفت -

 لكنَّهنَّ رسَمْن لنا سبلاً واضحة المعالم، وترَكْنَ قِيمًا أكثر رِفْعة من ناطِحات السَّحاب الَّتي نعرف.

وقد نقَّين مشاربَهنَّ لأنَّهنَّ لا يشربْنَ على القذى، كما بعض نساء عصرِنا، ولعلِّي أُشير في

 سلسلةٍ من آثارهنَّ بعضَ الإشارات التي أشير بها على استِحْياء لتلك المنارات.

علَّ قلوبَنا تطمئنُّ وتُوقن بأنَّنا حفيدات جدَّات عظيمات، كنَّ أهلاً مع مَن كانوا قادة العالم يومًا.

**************************

من آثارهن (1)

 صَاحِبَةُ الْقَدَحِ المعلَّى

مَن منَّا لا يعرفها؟! بل مَن منَّا لا يشرق عندما يُتْبع اسمها بِعبارة: رضِي الله عنْها وأرْضاها؟!

كانت قويَّة، جبَّارة، عظيمة بحقٍّ.

اكتفى بعض المؤرِّخين بِذِكْر أخْطائِها، وتناسَوا إصابتَها لكبِد الحقيقة في كثيرٍ من الأحيان،

وإنَّ الباحث عن سيرتِها يذهل لإغْفال ذِكْر كبار المؤرِّخين لها؛ كابْنِ كثيرٍ في سِفْره العظيم "البداية والنهاية"، إنَّما تبقى هند بنت عتبة علمًا.

تلك المرأة الَّتي نراها أقوى ممَّن سمِّيت بالمرأة الحديديَّة؛ بل هي - وهي فقط - كانت ولا تزال أهلاً لِهذا اللقب،

 فقد عاشتْ في ريعان شبابِها، وأوْج عطائِها، وثورة انفعالِها، عدوَّةً للإسْلام والمسلمين؛ لكنَّها كانت امرأةً مُفْعَمةً بالعروبة والعزَّة.

لم تكن لتكتفي برفْض ديانة محمَّد - صلَّى  الله عليْه وسلَّم - إنَّما تسلَّمت زمام قيادة العدوَّات الحاقدات،

 ولو كانت ترى أنَّه من الحِكْمة والمنطق طعْنُ الدِّين الجديد؛ لأنَّه ظلم المرأةَ واحتَقَرَها

واستصْغَر دَوْرَها، وجعلها على هامش الحياة - لسرَّت بِفِعْل ذلك!



وهي صاحبة الرُّوح الجريئة، والصِّنْديدة الشُّجاعة التي كانت ترمي السِّهام وتطْعن بالنِّبال،

 تمامًا كأيِّ فارس شجاع؛ لكنَّها كانت تُدْرِك يقينًا أنَّ للإسلام منعةً وحصونًا شامخة، تَجعل السِّهام المنطلقة

 بقوَّة لإضْعافه ترتدُّ على صاحبها، فتصيبه في مقتل؛ لذا نراها لم تتحامقْ كجاهلة اليوم؛

لأنَّها أرْفع من أن تخوض غمار حرب هي الخاسرة الأولى والوحيدة فيها.

لقد كانت تعي تمامًا أنَّ دين محمَّد - صلَّى  الله عليْه وسلَّم - احترم المرْأة، وجعلها درَّة نساء الكوْن،

 منذ وَضْعِها حتَّى وداعها، فهي ابنةٌ كريمة، ورعايتها سببٌ في دُخول الجنَّة، وهي أُم عظيمة،

 وهي بعد عقيلة عاقلة، إنَّها دعْوة لتأمُّل سيرة هذه المرْأة قبل أن تُسْلِم؛

 إذْ يُمْكِننا القول أنَّ عدم مُسارعتِها للإسلام كان لحكمةٍ عظيمةٍ أرادَهَا الله لها وللإسْلام والمسلمين.

فقد عاشت عنفوان قوَّتِها عدوَّة لدين جُلُّ ما قالتْ عنْه: "إنَّه ليس دين الآباء والأجداد"!

وعلى ذلك هي لَم تقُل غير الحقِّ، لا كما نَرى ونسمع من نساء عصرِنا المتباكيات على حقوق المرأة المسلِمة.

وإنَّا نتمنَّى على كل قويَّة من نساء الأرض، تطلق لعقلِها ولسانِها العِنان في صبِّ التُّهم على دينِنا الحنيف؛

لأنَّه ظلم المرأة - كما يدَّعين - أن تقِف وقفةَ صِدْقٍ مع نفسِها، وتصرِّح تصريح حقٍّ - كما الشُّجاعة هند -

ثمَّ تقارن حال المسلمات بِحال كلِّ النِّساء اللَّواتي يعِشْن تحتَ ظلِّ رايات شتَّى.

ولعلَّ المتأمِّل يرى أنَّ سواد المسلِمين الجدد هنَّ نساء.

فهل هناك عاقِلة تضع يديْها المحرَّرتين في القيد؟!

أم أنَّ العاقلة تستغيث بالدِّين الحق ليحرِّرها من عبوديَّات شتَّى تئنُّ تحت ثقلها، كما أدْركتْ هند بنت عُتْبة ذلك يومًا.

فَمناهج الأرْض إذا منَحَتْ منعت! ومنهاج الله إذا مَنَع مَنَح مِنْحة سرمديَّة.

مثال ذلك: الموقف الَّذي عُرِفَت به هند بنت عتبة، تَراها لحظة تَمتَّعتْ بِحُريَّتِها كاملة، فحقَّقت ما أرادت،

وحصلتْ على كبِد سيِّد الشُّهداء - رضِي الله عنْه - أيظنُّ إنسانٌ ما أنَّ هند في تلك اللحظة تذوَّقتْ طعمًا

 للسَّعادة والطُّمَأنينة، لربَّما تمنَّت - فيما بعد - لو أنَّها لم تحصُل على تِلْك الكبِد الطَّاهِرة، لكان خيرًا لها.

لكنَّها تجرَّعت الشَّقاء كؤوسًا من نبْع حريَّة كانت تراها للحرائر خاصَّة؛

 ولكنَّها يوم أن وقفت مع نفسِها وقفة صدق، شاركتْ أولئِك الَّذين يقفون على صعيد عرفات.

ولعلَّنا نلتقي مع هند مرَّات ومرَّات.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

زياد علي

زياد علي محمد