الداعية الشهيد محمد مهدي "أبو ماريا" (الشهيد الصامت)
ولادته وحياته:
ولد الشهيد رحمه الله تعالى في بغداد عام 1975م وأكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة والإعدادية ثم دخل في كلية العلوم الإسلامية - جامعة بغداد. متزوج وله ابن أسمه أسامة وبنتان يكنى باسم أكبرهما وهي ماريا.
قضى حياته رحمه الله في المساجد فكان من شباب جامع الرحمن الرحيم، نشأ وترعرع في هذا المسجد الذي يقع في منطقة الدورة ثم أصبح من المربين فيه والمدرسين حيث درّس في دورات القرآن الكريم كثيرا من الطلبة كنت من بينهم وكذلك تخرج على يديه الكثير من طلبة الدورات القرآنية منذ الثمانينيات وحتى استشهاده رحمه الله تعالى.
وكان يدرب الشباب في المسجد القرآن الكريم ويحفظهم أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم ويدربهم إنشاد الأناشيد الإسلامية التي صدحت بالدعوة إلى الله عز وجل والوقوف بوجه الباطل فتخرج على يديه الكثير من الدعاة والشباب إلى آخر يوم من أيام استشهاده رحمة الله عليه.
دعوته ومواقفه:
كان يدعو إلى الله عز وجل منذ صغره في "جامع الرحمن الرحيم" مع نخبة من الدعاة وكان يقوم بالدعوة عن طريق تعليم الشباب الجدد القرآن الكريم وتحفيظهم بعض آياته وأجزائه، وتحفيظهم الحديث وتدريسهم بعض كتب الدعاة والعلماء، كذلك من خلال المشاريع الدعوية والمنشورات الجدارية المسجدية والمسابقات العلمية والشرعية الشفهية والتحريرية سواء في المسجد أم في السفرات الترفيهية.
إلى أن أنتقل بعد أن أصبح معروفاً بدعوته في منطقته "أبو دشير بالدورة" إلى الميكانيك حيث أن أكثر الدعاة قتلوا هناك وهجروا فاضطره لترك منزله والسكن في الميكانيك ليواصل دعوته في مساجدها وكان مديراً لدورات الطلبة الصيفية في بعض المساجد الواقعة في المنطقة منها جامع الصحابي ثوبان وجامع احمد المختار، بل كان رحمه الله يحمل هم الفقراء والمساكين والمهجرين والأيتام وعوائل المعتقلين فكان يغيثهم بالمساعدات المالية والغذائية وغيرها يسعى ليلاً ونهاراً من أجلهم طارقاً أبواب تلك المؤسسات الإغاثية وغيرها من الأبواب.
صفاته:
كان أبو ماريا رحمه الله نوراً ساطعاً في سمته وهدوئه، كان يتحرك بسكينة ووقار وكان زاهداً فمات رحمه الله وهو لا يملك وظيفة أو منصباً بل ولا داراً أو مسكناً وإنما كان يملك الخلق الرفيع متواضعاً ليناً صاحب ابتسامه هادئة صادقة، يقول الشيخ عبدالحميد الزوبعي في حفل تأبينه في اليوم الثاني من استشهاده: يصدق على أخينا أبي ماريا قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : ((طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَشْعَثَ رَأْسُهُ مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ إِنْ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ إِنْ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ)) صحيح البخاري. ولم يكن يعمل في منصب أو مكان مهم يشار إليه بالبنان ومن زهده أنه كان يرتدي القميص فلا تراه يتركه إلا بعد أن يأتي موسم آخر.
ولا يمكن أن ننسى تواصله مع أخوته في الدعوة سواءاً كانوا قريبين منه أم بعيدين، وكان ربما يتأخر الليالي في زيارة أخ له أو حبيب أو يتيم أو مريض أو فقير أو محتاج أو صاحب حاجة يسدها له ويقف له بها وكنت من أولئك الذين كان قد وقف لهم بكل شدة رحمه الله وكيف لا يكون صاحب الخلق هذا مصطفىً من الباري جل في علاه ومحلقاً مع ركب الصالحين؟ والله أن رجلاً هذه صفاته ليستحق الشهادة فتكون وساما له. محبا للخير عاملا له دالا عليه،يتمنى الخير لأخيه كما يتمناه لنفسه طيب الباطن كريم النفس،هو كذلك المسلم شامة بين الناس، متناسقة خطواته متوازنة انفعالاته،منطقي الرأي واقعي النزعة، لا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها، فهو كله لربه تعالى،اذا غضب فلله غضبه وان رضي ففي الله رضاه، وفي سبيل الله حياته، يقدم روحه ثمنا لجنة عرضها السموات والأرض وكذلك المسلم.
• له في محراب التفكر والوعي تدبر ودمعة.
• وله في ساحة الوفاء والنصرة مواقف تشهد ودماء تسجل كقصة التضحية والطهر، فهو نقي الصدر صفي الخواطر، وتترقرق إيحاءات ذلك بدمعته.
وهو غيور الطبع عزيز النفس، ويبدو ذلك بفوران دمه ان مست كرامة المبادئ وتحلق روحه في المعالي طمعا وشوقا للقاء رب جميل عزيز،وفي الغيث له مثل،فهو أينما وقع نفع،يحمل قضيته في هدأته،وسكونه وحركته، وكلامه وصمته، يعلنها غير آبه بطاغية يتجبر أو عدو يحاصر أو جاسوس يمكر أو حقود يغدر.
استشهاده:
وفي ظهر يوم السبت بتاريخ 9 /محرم الحرام / 1431هـ الموافق 26/12/2009م أرتفعت روحه إلى بارئها بعد أن انفجرت عبوة لاصقة كانت موضوعة تحته في سيارته في حي الميكانيك في الدورة. مما أدت إلى استشهاده في الحال واحتراق جزء من جسده الطاهر وكان في حينها يبحث في المنطقة عن بيت للإيجار يسكنه هو وعائلته لكن الله كتب له السكن في دار الكرامة فلا إيجار أو عناء أو مشقة.
قصورها ذهب والمسك طينتها... والزعفران حشيش نابت فيها.
فنسأل الله له الجنة ومرافقة الأنبياء والشهداء ولأهله الصبر والاحتساب وصدق الله إذ قال: ﴿ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴾ [النساء: 69]، وأقول له ماقيل في الشهداء من قبله:
أبو مارية حيٌّ لا تقل هو ماتْ
أوَهل يجف النيل أو نهر الفرات؟
ابو مارية شمسٌ والشموس قليلة
بشروقها تهدي الحياة إلى الحياةْ
لازلت حي في القلوب مجددًا
فيها دماء الثأر تعصف بالطغاةْ
عبَّدت درب السالكين لجنة
ورسمت من آي الكتابِ لهم سماتْ
وجعلت قامات الرجال مشاعلا
وكتبت من دمك الرعيف لنا عظاتْ
أنعِم بقبرٍ قد تعطَّر جوفُه
إذْ ضمَّ في أحشائه ذاكَ الرفاتْ
آن الأوان اخي الحبيب لراحةٍ
في صحبةِ المختار والغر الدعاةْ
أبشرْ فإن جهادَنا متواصلٌ
إنْ غابَ مقدامٌ ستخلفه مئاتْ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق